النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ (٢١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ بِلَالٍ عَلُه - حديث رقم (٦٣٠٤) النبيّ وَّ دخلها ليلة المعراج، وأما بلال فلا يلزم من هذه القصة أنه دخلها؛ لأن قوله: ((في الجنة)) ظرف للسماع، ويكون الدّفّ بين يديه خارجاً عنها. انتھی. وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا يخفى بُعد هذا الاحتمال؛ لأن السياق مشعر بإثبات فضيلة بلال؛ لكونه جعل السبب الذي بلّغه إلى ذلك ما ذكره من ملازمة التطهر والصلاة، وإنما ثبتت له الفضيلة بأن يكون رُؤي داخل الجنة، لا خارجاً عنها . وقد وقع في حديث بريدة ظه: ((يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟))، وهذا ظاهر في کونه رآه داخل الجنة، ویؤید کونه وقع في المنام حديث جابر مرفوعاً: ((رأيتني دخلت الجنة، فسمعت خشفة، فقيل: هذا بلال، ورأيت قصراً بفنائه جارية، فقيل هذا لعمر ... )) الحديث، وحديث أبي هريرة ظبه مرفوعاً: ((بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقيل: هذا لعمر ... )) الحديث. فعُرِف أن ذلك وقع في المنام، وثبتت الفضيلة بذلك لبلال؛ لأن رؤيا الأنبياء وحيٍّ، ولذلك جزم النبيّ ◌َّ له بذلك. ومَشْيُهُ بين يدي النبيّ ◌َ﴿ كان من عادته في اليقظة، فاتفق مثله في المنام، ولا يلزم من ذلك دخول بلال الجنة قبل النبيّ وَّ ر؛ لأنه في مقام التابع، وكأنه أشار ﴿ إلى بقاء بلال على ما كان عليه في حال حياته، واستمراره على قُرْب منزلته، وفيه منقبة عظيمة لبلال ـ انتهى كلام ـّه . الحافظ كَذَتُهُ(١)، وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ: قول الكرمانيّ: لا يدخل أحد الجنة إلا بعد موته، مع قوله: إن النبيّ وَّ﴿ دخلها ليلة المعراج، وكان المعراج في اليقظة على الصحيح، ظاهرهما التناقض، ويمكن حمل النفي إن كان ثابتاً على غير الأنبياء، أو يُخصّ في الدنيا بمن خرج عن عالم الدنيا، ودخل في عالم (١) ((الفتح)) ٥٥٥/٣ - ٥٥٦، كتاب ((التهجّد)) رقم (١١٤٩). ٢٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة الملكوت، وهو قريب مما أجاب به السهيليّ عن استعمال طست الذهب ليلة المعراج. انتهى(١). (قَالَ بِلَالٌ) رَبُهُ: (مَا) نافية، (عَمِلْتُ) بكسر الميم، (عَمَلاَ فِي الإِسْلَامِ أَرْجَى عِنْدِي مَنْفَعَةً) منصوب على التمييز، (مِنْ أَنِّي لَا أَتَطَهَّرُ طُهُوراً) بضمَّ الطاء؛ بمعنى: الطهارة، (تَامّاً) أخرج غير التامّ، وهو الظُّهور اللغويّ؛ أي: تنظيف بعض الأعضاء؛ كغسل الوجه؛ لطرد النوم. وقال الحافظ تَخْذُهُ: قوله: ((تامّاً)) الذي يظهر أنه لا مفهوم له، ويحتمل أن يخرج بذلك الوضوء اللغويّ، فقد يفعل ذلك لطرد النوم مثلاً. انتهى (٢). (فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلِ وَلَا نَهَارٍ)، وفي بعض النسخ: ((من ليلٍ، أو نهار))، (إِلَّا صَلَّيْتُ) زاد الإسماعيليّ: (لربّي))، (بِذَلِكَ الطَّهُورِ مَا) موصولة بمعنى الذي، (كَتَبَ اللهُ) ببناء الفعل للفاعل، وبتقدير العائد؛ أي: كتبه الله؛ أي: قدّره (لِي أَنْ أُصَلِّيَ) ((أن)) بالفتح مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول به لـ(كَتَب))، ولفظ البخاريّ: ((ما كُتِب لي)) بالبناء للمفعول. قال في ((الفتح)): قوله: ((ما كُتب لي))؛ أي: قُدِّر لي، وهو أعمّ من الفريضة والنافلة، قال ابن التين: إنما اعتقد بلال ذلك؛ لأنه عَلِم من النبيّ وَله أن الصلاة أفضل الأعمال، وأن عمل السر أفضل من عمل الجهر، وبهذا التقرير يندفع إيراد من أورد عليه غير ما ذَكَرَ من الأعمال الصالحة، والذي يظهر أن المراد بالأعمال التي سأله عن أرجاها: الأعمالُ المتطوَّع بها، وإلا فالمفروضة أفضل قطعاً. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة نصُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((الفتح)) ٥٥٦/٣، كتاب ((التهجّد)) رقم (١١٤٩). (٢) ((الفتح)) ٥٥٤/٣، كتاب ((التهجّد)) رقم (١١٤٩). (٣) ((الفتح)) ٥٥٥/٣، كتاب ((التهجّد)) رقم (١١٤٩). ٢٦٣ (٢١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ بِلَالٍ ﴿ه - حديث رقم (٦٣٠٤) أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٠٤/٢١] (٢٤٥٨)، و(البخاريّ) في ((التهجّد)) (١١٤٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦٦/٥) وفي ((فضائل الصحابة)) (٤٠/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٣/٢ و٤٣٩)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (١/ ٢١٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢١٣/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٠٨٥)، و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان)) (٥/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)» (١٠١١)، و(ابن عساكر) في ((تاريخه)) (٤٥٣/١٠ و٤٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل بلال المؤذّن ٢ - (ومنها): بيان أن الصلاة أفضل الأعمال بعد الإيمان؛ لقول بلال ظُه: إنه ما عَمِل عملاً أرجى منه. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن الله تعالى يُعَظِّم المجازاة على ما يُسِرّ به العبد بينه وبين ربه، مما لا يطلع عليه أحد، وقد استَحَبّ ذلك العلماء؛ ليدّخرها، ولِيُبعدها عن الرياء. ٤ - (ومنها): بيان فضيلة الوضوء، وفضيلة الصلاة عقبه؛ لئلا يبقى الوضوء خالياً عن مقصوده. ٥ - (ومنها): استحباب إدامة الطهارة، ومناسبة المجازاة على ذلك بدخول الجنة؛ لأن مِن لازِم الدوام على الطهارة أن يبيت المرء طاهراً، ومن بات طاهراً عَرَجت روحه، فسجدت تحت العرش، كما رواه البيهقي في ((الشُّعَب)) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ◌ًا، والعرش سقف الجنة، وزاد بريدة في آخر حديثه: ((فقال النبيّ وَل﴿: بهذا))، وظاهره أن هذا الثواب وقع بسبب ذلك العمل، ولا معارضة بينه وبين قوله وَله: ((لا يُدخل أحدكم الجنة عمله))؛ لأن أحد الأجوبة المشهورة بالجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] أن أصل الدخول إنما يقع برحمة الله، واقتسام الدرجات بحسب الأعمال، فيأتي مثله في هذا، قاله في ((الفتح) (١). (١) ((الفتح)) ٥٥٥/٣، كتاب ((التهجّد)) رقم (١١٤٩). ٢٦٤ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ٦ - (ومنها): وفيه سؤال الصالحين عما يَهديهم الله له من الأعمال الصالحة؛ ليقتدي بها غيرهم في ذلك. ٧ - (ومنها): سؤال الشيخ تلميذه عن عمله؛ ليحضّه عليه، ويرغّبه فيه إن كان حَسَناً، وإلا فينهاه. ٨ - (ومنها): بيان أن الجنة مخلوقة، موجودة الآن، خلافاً لمن أنكر ذلك من المعتزلة. ٩ - (ومنها): جواز الاجتهاد في توقيت العبادة؛ لأن بلالاً توصّل إلى ما ذكرنا بالاستنباط، فصوّبه النبيّ الَّد. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، وفيه نظر لا يخفى، بل الحقّ أن العبادة لا تثبت بالاجتهاد، وإنما هي بتشريع من الله تعالى، فتؤخذ من الكتاب والسُّنَّة، لا بالاجتهاد، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوَا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الذِّيْنِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية [الشورى: ٢١]، وأما الاحتجاج بما وقع لبلال ضُوعِنْه ، فليس بصحيح؛ لأنه عَمِل في زمن الوحي، فأقرّه وَّر، فكان تشريعاً منه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. ١٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز هذه الصلاة في الأوقات المكروهة؛ لعموم قوله: ((في كل ساعة)). وتُعُقِّب بأن الأخذ بعمومه ليس بأولى من الأخذ بعموم النهي. وتعقبه ابن التين بأنه ليس فيه ما يقتضي الفورية، فيُحْمَل على تأخير الصلاة قليلاً؛ ليخرج وقت الكراهة، أو أنه كان يؤخر الطهور إلى آخر وقت الكراهة؛ لتقع صلاته في غير وقت الكراهة. وتعقّب الحافظ ذلك بأن عند الترمذيّ، وابن خزيمة، من حديث بُريدة في نحو هذه القصة: ((ما أصابني حدث قطّ، إلا توضأت عندها))، ولأحمد من حديثه: ((ما أحدثت إلا توضأت، وصليت ركعتين))، فدلّ على أنه كان يُعقّب الحدث بالوضوء، والوضوء بالصلاة، في أيّ وقت كان. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي تَعَقَّب به الحافظ تَعَقُّب ابن التين، (١) ((الفتح)) ٥٥٥/٣، كتاب ((التهجّد)) رقم (١١٤٩). ٢٦٥ (٢١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ بِلَالٍ ◌َُبه - حديث رقم (٦٣٠٤) والذي قبله حسنٌ جدّاً، وإن تعقّبه العينيّ، فإنه مجرّد دفاع عن مذهبه، والحقّ أن الصلاة في أوقات الكراهة جائزة؛ الأدلّة كثيرة، ومنها هذا الحديث، وقد تقدّمت في محلّها من ((كتاب الصلاة))، وذكرت الأقوال بأدلّتها، وتوصّلت إلى ترجيح القول بجوازها؛ لكثرة أدلّته الصحيحة، فراجعها هناك تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق. ١١ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَكْثُهُ: قول النبيّ وَلّ لبلال ◌َُّله: ((حدِّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة)) هذا السُّؤال إنما أخرجه من النبيّ وَلّ ما اطّلع عليه من كرامة بلال ◌ُه بكونه أمامه في الجنة، فسأله عن العمل الذي لازمه حتى أوصله إلى ذلك، وقد جاء هذا الحديث في كتاب الترمذيّ بأوضح من هذا من حديث بريدة بن الحصيب ظه، قال: أصبح رسول الله صل*، فدعا بلالاً، فقال: ((يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ فما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، دخلت البارحة الجنَّة فسمعت خشخشتك أمامي ... ))، وذكر الحديث، فقال بلال: يا رسول الله! ما أذَّنت إلا صلّيت ركعتين، ولا أصابني حدث قط إلا توضأت عنده، ورأيت أن لله تعالى عليّ ركعتين، فقال رسول الله وَله: ((بهما))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. قال القرطبيّ: فلنبحث في هذا الحديث، قوله: ((بم سبقتني إلى الجنة؟)) لا يُفْهَم من هذا أن بلالاً يدخل الجنة قبل النبيّ وَّ؛ فإنَّ ذلك ممنوع بما قد عُلم من أن النبيّ وَّ هو السابق إلى الجنة، وبما قد تقدَّم أنَّه أوَّل من يستفتح باب الجنة، فيقول الخازن: ((بك أُمرتُ، لا أفتح لأحد قبلك))، رواه مسلم، وإنما هذه رؤيا منام أفادت أن بلالاً من أهل الجنة، وأنه يكون فيها مع النبيّ وَّ، ومن ملازميه، وهذا كما قال في الغميصاء: ((سمعت خشخشتك أمامي))، وقد لا يبعد أن يقال في أسبقية بلال أنها أسبقية الخادم بين يدي مخدومه، والله تعالى أعلم. وفيه ما يدلّ على أن استدامة بعض النوافل، وملازمتها في أوقات، وأحوال فيه فضل عظيم، وأجر كثير، وإن كان النبيّ وَّ لم يَدُم عليها، ولا لازَمها، ولا اشتهر العمل بها عند أصحابه ظه، وأن ذلك لا يُنكَر على من ٢٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة رة لازَمه ما لم يعتقد أن ذلك سُنّة راتبة له ولغيره، وهذا هو الذي منعه مالك حتى كره اختصاص شيء من الأيام، أو الأوقات بشيء من العبادات، من الصوم، والصلاة، والأذكار، والدعوات، إلا أن يعيّنه الشارع، ويدوم عليه، فأمَّا لو دام الإنسان على شيء من ذلك في خاصة نفسه، ولم يعتقد شيئاً من ذلك، كما فعله بلال في ملازمة الركعتين عند كل أذان، وفي ملازمة الطهارة دائماً، لكان ذلك يفضي بفاعله إلى نعيم مقيم، وثواب عظيم. وقوله وَلّ: ((بهما))؛ أي: بسبب ثواب ذينك الأمرين وصلت إلى ما رأيتُ من كونك معي في الجنة. انتهى كلام القرطبيّ تَذته(١) . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: (فيه ما يدلّ على أن استدامة بعض النوافل ... إلخ)) فيه نظر لا يخفى؛ إذ ملازمة شيء من العبادات التي لا تثبت عن النبيّ وَّ﴿ هي عين البدعة ذمّها الله رَّ في الآية السابقة: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوْاْ شَرَعُواْ لَهُمْ﴾ الآية [الشورى: ٢١]، والتي حذّر منها ◌ِّ في حديثه الصحيح، كما أخرجه الترمذيّ وغيره من حديث العرباض بن سارية نظُّه، وفيه: (( ... فإنه من يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ))، لفظ الترمذيّ. فالحقّ ما قاله الإمام مالك تَخْلُهُ من كراهة اختصاص شيء من الأيام، أو الأوقات بشيء من العبادات، وأما الاحتجاج بفعل بلال هذا فغير صحيح؛ لأنه اجتهد في زمن الوحي، فثبّته النبيّ وَّةِ، فصار سُنَّة ثابتة من هذه الناحية، وأما أن يفعل الآن شخص شيئاً مما لا أصل له، فلا يجوز، فتبصّر بالإنصاف، فإن هذا المحلّ من مزالّ الأقدام، ولا يغرّنك كثرة المتشبّئين بمثل هذه البدعة؛ إذ الحقّ لا يُعرف بالأكثريّة، وإنما يُعرف بأدلّته، وإن كان القائلون به قلّة، قال الله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ إِن يَتَبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ [الأنعام: ١١٦]، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) ((المفهم)) ٣٦٨/٦ - ٣٦٩. ٢٦٧ (٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأُمِّهِ ﴿ها (٢٢) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأُمِّهِ هو: عبد الله بن مسعود بن غافل - بمعجمة، وفاء - ابن حبيب بن شَمْخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تيم بن سعد بن هُذيل، الْهُذَليّ، أبو عبد الرحمن، حليف بني زُهْرة، وكان أبوه حالَفَ عبد الحارث بن زهرة. أمه أم عبد الله بنت ودّ بن سواءة، أسلمت، وصحبت. أحد السابقين الأولين، أسلم قديماً، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً، والمشاهد بعدها، ولازم النبيّ ◌َّ، وكان صاحب نعليه، وحدّث عن النبيّ وَلِّل بالکثیر، وعن عمر، وسعد بن معاذ. وروى عنه ابناه: عبد الرحمن، وأبو عبيدة، وابن أخيه عبد الله بن عتبة، وامرأته زينب الثقفية، ومن الصحابة: العبادلة، وأبو موسى، وأبو رافع، وأبو شريح، وأبو سعيد، وجابر، وأنس، وأبو جحيفة، وأبو أمامة، وأبو الطفيل، ومن التابعين: علقمة، والأسود، ومسروق، والربيع بن خُثيم، وشُريح القاضي، وأبو وائل، وزيد بن وهب، وزِرّ بن حُبيش، وأبو عمرو الشيبانيّ، وعَبيدة بن عمرو السلمانيّ، وعمرو بن ميمون، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو عثمان النَّهْديّ، والحارث بن سُويد، ورِبْعيّ بن حِرَاش، وآخرون. وآخى النبيّ وَّ بينه وبين الزبير، وبعد الهجرة بينه وبين سعد بن معاذ، وقال له في أول الإسلام: ((إنك لغلام مُعَلَّم))، وأخرج البغويّ من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: قال عبد الله: لقد رأيتني سادس ستة، وما على الأرض مسلم غيرنا، وبسند صحيح عن ابن عباس، قال: آخى النبيّ وَل﴿ بين أنس وابن مسعود، وقال أبو نعيم: كان سادس من أسلم، وكان يقول: أخذت من في رسول الله وَل و سبعين سورة، أخرجه البخاريّ، وهو أول من جهر بالقرآن بمكة، ذكره ابن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، وقال النبيّ وَله: ((مَن سَرّه أن يقرأ القرآن غَضّاً كما نزل، فليقرأ على قراءة ابن أم عبد))، وكان يلزم رسول الله وَّه، ويَحْمِل نعليه. ٢٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وقال البخاريّ: مات قبل قَتْل عمر، وقال أبو نعيم وغيره: مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: مات سنة ثلاث، وقيل: مات بالكوفة، والأول أثبت، ذكره في ((الإصابة))(١) . وقال في ((الفتح)): هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن هُذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، مات أبوه في الجاهلية، وأسلمت أمه، وصَحِبت، فلذلك نُسب إليها أحياناً، وكان هو من السابقين، وقد روى ابن حبان أنه كان سادس ستة في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً، وولي بيت المال بالكوفة لعمر وعثمان، وقَدِم في أواخر عمره المدينة، ومات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين، وقد جاوز الستين، وكان من علماء الصحابة، وممن انتشر علمه بكثرة أصحابه، والآخذين عنه. انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: يُكنى: أبا عبد الرحمن، وأمه: أم عبد بنت عبد ودّ الهذلية أيضاً، أسلم قديماً، وكان سبب إسلامه: أنه كان يرعى غنماً لعقبة بن أبي مُعَيط، فمرَّ به رسول الله وَّ، فقال: ((يا غلام! هل من لبن؟)) قال: نعم! ولكني مؤتمَن. قال: ((فهل من شاة حائل لم يَنْزُ عليها الفحل؟))، فأتيتهُ بشاة شَصُوص - أي: لا لبن لها - فمسح ضرعها، فنزل اللبن، فحلب في إناء، وشرب، وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: ((اقلص))، فقلص، فقلت: يا رسول الله! علّمني من هذا القول، فقال: ((رحمك الله! إنك غُلَيِّمٌ معلَّمٌ))، فأسلم، وضمَّه رسول الله وَّه إليه، فكان يَلِجُ عليه، ويُلبسه نعله، ويمشي أمامه، ومعه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وقال له: ((إذنك عليّ أن ترفع الحجابَ، وأن تسمع سِوَادي، حتى أنهاك))، وكان يعرف في الصحابة بصاحب السِّرار، والسَّواد، والسِّواك، هاجر هجرتين إلى أرض الحبشة، ثم من مكة إلى المدينة، وصلَّى القبلتين، وشهد مع رسول الله وسلّ مشاهده كلها، وكان يُشَبَّهُ في هديه وسَمْته برسول الله وَّ، وشهد له رسول الله وَليه بالجنة، وشهد له كبراء أصحاب رسول الله وَيقول بأنه مِن أعلمِهم بكتاب الله قراءةً وعلماً، وفضائله كثيرة. (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٣٤/٤. (٢) ((الفتح)) ٨/ ٤٧١، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٧٥٩). ٢٦٩ (٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمِّهِ ﴿ها - حديث رقم (٦٣٠٥) تُؤُفّي بالمدينة سنة ثنتين وثلاثين، ودُفن بالبقيع، وصلَّى عليه عثمان، وقيل: بل صلَّى عليه عمَّار، وقيل: بل صلَّى عليه الزبير ليلاً بوصيّته، ولم يُعلم عثمان بذلك، فعاتب عثمان الزبير على ذلك، والله أعلم. روى عن رسول الله * ثمانمئة حديث، وثمانية وأربعين حديثاً، أخرج له منها في ((الصحيحين)) مائة وعشرين حديثاً. انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٠٥] (٢٤٥٩) - (حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، وَسَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ، قَالَ سَهْلٌ وَمِنْجَابٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَّشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوَاْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُوا﴾. [المائدة: ٩٣] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَ لِي(٢) رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قِيلَ لِي: أَنْتَ مِنْهُمْ))). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) هو: مِنجاب - بكسر أوله، وسكون ثانيه، ثم جيم، ثم موحّدة - ابن الحارث بن عبد الرحمن، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٣١) (م فق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٣/٤١. ٢ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الْكِنْديّ، أبو مسعود العسكريّ، نزيل الريّ، أحد الحفاظ، له غرائب [١٠] (ت٢٣٥) (م) من أفراد المصنّف، تقدم في ((الإيمان)) ١٢١/٥. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِيُّ) مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣٧) (مد ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣. ٤ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سهل الْهَرَويُّ الأصلِ، ثم الْحَدَثانيّ - بفتحِ المهملة، والمثلثة - ويقال له: الأنباريّ - بنون، ثم موحّدة - أبو محمد، صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقَّن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول، من قدماء [١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة (م ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧. (١) ((المفهم)) ٦/ ٣٧٠ - ٣٧١. (٢) وفي نسخة: ((قال رسول الله وَلات)). ٢٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ٥ - (الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ) بن الوليد بن قيس السَّكُونيّ، أبو هَمّام بن أبي بدر الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) على الصحيح (م د ت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٧٧/ ٤٠٢. ٦ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) - بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء - القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٣] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٧ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءات، وَرٌِ، لكنه يُدَلِّس [٥] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٧. ٨ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقةٌ، إلا أنه يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) وهو ابن خمسين، أو نحوها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢. ٩ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٢/٦. ١٠ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود ◌ُه، تقدّمت ترجمته أول الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَغْتُ وله فيه خمسة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهم وأدائه، حيث أخذ عنهم بالسماع، ثم فصّل حيث اختلف أخذهم عن عليّ بن مُسهر، فسهل ومنجاب أخذا قراءةً، والباقون أخذوا سماعاً، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، وفيه عبد الله مهملاً، وهو ابن مسعود؛ للقاعدة المشهورة أنه إذا كان الإسناد كوفيّاً، فهو ابن مسعود، وإن كان مدنيّاً، فابن عمر، أو مكّاً، فابن الزبير، أو بَصْريّاً، فابن عبّاس، أو مصريّاً، وشاميّاً، فابن عمرو بن العاص ﴿ه، وإلى هذا أشار السيوطيّ تَخْتُ في ((ألفيّة الحديث))، حيث قال: طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ وَحَيْثُمَا أُظْلِقَ عَبْدُ اللَّهِ فِي بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى وَالشَّامِ مَهْمَا أُظْلِقَ ابْنُ عَمْرِو وَالْبَصْرَةِ الْحَبْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ وقد تقدّم هذا، وإنما أعدته تذكيراً؛ لطول العهد به، والله تعالى أعلم. ٢٧١ (٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأُمِّهِ ﴿يَا - حديث رقم (٦٣٠٥) شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ◌َظُه؛ أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) التالية، وهي قوله تعالى: (﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ﴾)؛ أي: إثم، (﴿فِيمَا طَعِمُواْ﴾)؛ أي: فيما شَرِبوا من الخمر، وأكلوا من مال القمار في وقت الإباحة قبل التحريم. وقال أبو عبد الله القرطبيّ تَظُّهُ(١): قوله تعالى: ﴿طَعِمُواْ﴾ أصل هذه اللفظة في الأكل، يقال: طَعِم الطعام، وشَرِب الشراب، لكن قد تُجُوِّز في ذلك، فيقال: لم أطعم خبزاً، ولا ماءً، ولا نوماً، قال الشاعر [من المتقارب]: دِ لَا تَظْعَمُ النَّوْمَ إِلَّ صِيَامًا نَعَاماً بِوَجْرَةٍ(٢) صُعْرِ الْخُدُو (﴿إِذَا مَا أَتَّقَوا﴾) الشرك، (﴿وَءَامَنُواْ﴾) باللهِ رَتْ (إِلَى آخِرِ الآيَةِ)؛ يعني: قوله تعالى: ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ بعد الإيمان، ﴿ثُمَّ أَنَّقَواْ﴾ الخمر والميسر بعد ◌ُمَّ أَنَّقَواْ﴾ سائر المحرّمات، أو الأولُ عن التحریم، ﴿وَءَامَنُوا﴾ بتحريمهما، الشرك، والثاني عن المحرّمات، والثالث عن الشبهات. ﴿وَأَحْسَنُواْ﴾ إلى الناس، واللّهُ يُحِبُّ الْحِينَ﴾ هكذا قال النسفيّ في ((تفسيره))(٣). وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا أَثَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ الآية، فيه أربعة أقوال: الأول: أنه ليس في ذِكر التقوى تكرار، والمعنى: اتقوا شُربها، وآمنوا بتحريمها، ومعنى الثاني: دام اتقاؤهم، وإيمانهم، والثالث على معنى الإحسان إلى الاتّقاء. والثاني: اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات، ثم اتقوا بعد تحريمها شُربها، ثم اتقوا فيما بقي من أعمارهم، وأحسنوا العمل. والثالث: اتقوا الشرك، وآمنوا بالله ورسوله، ومعنى الثاني: ثم اتقوا الكبائر، وازدادوا إيماناً، ومعنى الثالث: ثم اتقوا الصغائر، وأحسنوا؛ أي: تنفّلوا . (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٩٦/٦. (٣) ((تفسير النسفيّ)) ٣٠١/١. (٢) ((وجرة)): موضع بين مكة والبصرة. ٢٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وقال محمد بن جرير: الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمْر الله بالقبول، والتصديق والدينونة به والعمل، والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق، والثالث: الاتقاء بالإحسان، والتقرب بالنوافل. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال كلها متقاربة في المعنى، وما قاله ابن جرير: أوضح، والله تعالى أعلم. (قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَادَ) وفي نسخة: ((قال رسول الله وَّه)): ((قِيلَ لِي)؛ أي: قال لي قائل، جبريل ظلّا أو غيره: (أَنْتَ) يريد ابن مسعود (مِنْهُمْ)))؛ أي: من هؤلاء الموصوفين بهذه الآية. وقال أبو العبّاس القرطبيّ كَّتُهُ: قوله وَّ: ((قيل لي: أنت منهم)) الخطاب لابن مسعود ربه؛ أي: أوحي إليّ أنك يا ابن مسعود من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهذه تزكية عظيمة، ودرجة رفيعة، قلَّ من ظَفِر بمثلها. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ظه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٠٥/٢٢] (٢٤٥٩)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠٥٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١١١٥٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٨/ ٤٥٧ و٢٩٦/٩)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣٢٥/٤ و٤٣٢٦)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٦٠/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل عبد الله بن مسعود عنه . ٢ - (ومنها): ما قال ابن خويزمنداد: تضمنت هذه الآية تناول المباح (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٩٦/٦. (٢) («المفهم)) ٣٧١/٦ - ٣٧٢. ٢٧٣ (٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمِّهِ ﴿هَا - حديث رقم (٦٣٠٥) والشهوات، والانتفاع بكل لذيذ من مطعم، ومشرب، ومَنْكَح، وإن بُولِغَ فيه، وتُنُوهِيَ في ثَمَنه. وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة: ٨٧]، ونظير قوله: ﴿قُلّ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّيِّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وإن بولغ فيه ... إلخ)) هذا بشرط أن لا يدخل في الإسراف، وإلا حَرُم، فقد أخرج النسائيّ، وغيره عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله وسلم: (كلوا، وتصدقوا، والبسوا، في غير إسراف، ولا مَخِيلة))، حديث صحيح، وعلّقه البخاريّ بصيغة الجزم، فقد أباح الأكل والشرب، والتصدّق بشرط الخلوّ عن أمرين، وهما: الإسراف، والمخيلة؛ أي: الخيلاء، وهو التكبّر، ومعناه: أنه إذا لم يَخْلُ عنهما، أو عن أحدهما فإنه لا يجوز، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): ما قيل في سبب نزول هذه الآية الكريمة، أخرج البخاريّ تَُّ في (صحيحه))، عن أنس ظه؛ أن الخمر التي أهريقت: الفَضِيخ، قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فأمر منادياً، فنادى، فقال أبو طلحة: اخرُج، فانظر ما هذا الصوت؟ قال: فخرجت، فقلت: هذا منادٍ ينادي: ألا إن الخمر قد حُرِّمت، فقال لي: اذهب، فأهرقها، قال: فَجَرت في سكك المدينة، قال: وكانت خمرهم يومئذ الفَضِيخ، فقال بعض القوم: قُتل قوم، وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله: ﴿لَيَسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ الآية. وقال أبو عبد الله القرطبيّ كَّلُهُ: قال ابن عباس، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك: إنه لمّا نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا، وهو يشربها، ويأكل الميسر؟ - ونحو هذا - فنزلت الآية. انتهى (٢). ٤ - (ومنها): ما قال القرطبيّ كَخّلُ: هذه الآية، وهذا الحديث - يعني: حديث البخاريّ المذكور - نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى، فنزلت: (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٩٦/٦. (٢) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٩٣/٦. ٢٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمّ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]، ومَن فَعَل ما أبيح له حتى مات على فِعله لم يكن له، ولا عليه شيء، لا إثم، ولا مؤاخذة، ولا ذمّ، ولا أجر، ولا مدح؛ لأن المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع، وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف، ولا يسأل عن حال من مات، والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإما أن يكون ذلك القائل غَفَل عن دليل الإباحة، فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشفقته على إخوانه المؤمنين تَوَهَّمَ مؤاخذةً ومعاقبةً لأجل شُرب الخمر المتقدم، فرفع الله ذلك التوهّم بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ الآية. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٠٦] (٢٤٦٠) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ رَافِعٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَنِ، فَكُنَّا حِيناً، وَمَا نُرَى ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ إِلَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ، وَلُزُومِهِمْ لَهُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) أبو محمد بن راهويه المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ قرين أحمد بن حنبل، ذَكَر أبو داود أنه تغيّر قبل موته بيسير [١٠] (٢٣٨) وله اثنتان وسبعون سنةً (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيري مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (٢٤٥) (خ م دَ ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (يَحْبَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان، أبو زكريّاء الكوفيّ، مولى بني أمية، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (٢٠٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٤ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٩٤/٦. ٢٧٥ (٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمِّهِ ﴿ها - حديث رقم (٦٣٠٦) - بسكون الميم - أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ، متقنٌّ، من كبار [٩] (ت٣ أو ١٨٤) وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢١/٥. ٥ - (أَبُوهُ) زكريا بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، وكان يدلِّس، وسماعه من أبي إسحاق بأَخَرَة [٦] (ت٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣. ٦ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد، ويقال: عليّ الْهَمْدانيّ السَّبِيعي - بفتح المهملة، وكسر الموحّدة - ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ اختلط بأخرة [٣] (ت١٢٩) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. ٧ - (الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس بن عبد الله النَّخَعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن، مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٢] (ت٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٣٢/ ٦٧٤. ٨ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار - بفتح المهملة، وتشديد الضاد المعجمة - الأشعري الصحابي المشهور، أَمَّره عُمر، ثم عثمان، وهو أحد الْحَكَمين بصِفِّين، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َلَثُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من يحيى بن آدم، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) وفي رواية للبخاريّ من طريق يوسف بن أبي إسحاق: ((حدّثني الأسود، سمعت أبا موسى)). (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ◌ُه؛ أنه (قَالَ: قَدِمْتُ) بكسر الدال، وقوله: (أَنَا) أتى به ليعطف على الضمير المتصل قوله: (وَأَخِي) لِضُعف العطف عليه بلا فاصل، كما قال في ((الخلاصة)): عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ وفي رواية أبي بردة، عن أبي موسى في ((المغازي)): ((بلغنا مخرج ٢٧٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة النبيّ وَّة، ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي، أنا أصغرهم، أحدهما أبو بُرْدة، والآخر أبو رُهْم ... )) الحديث. (مِنَ الْيَمَنِ)؛ أي: البلد المعروف، قال الفيّوميّ كَثْتُ: اليَمَنُ: إقليم معروفٌ، سُمِّي بذلك؛ لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليه يَمَنِيُّ، على القياس، ويَمَانٍ بالألف، على غير قياس، وعلى هذا ففي الياء مذهبان: أحدهما - وهو الأشهر -: تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم يُنكر التثقيل، ووَجْهه أن الألف دخلت قبل الياء؛ لتكون عِوَضاً عن التثقيل، فلا يُتَقَّل؛ لئلا يُجْمَع بين العوض والمعوَّض عنه. والثاني: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدالّ على النسبة؛ تنبيهاً على جواز حذفها. انتهى(١). [تنبيه]: كان قدوم أبي موسى الأشعريّ على النبيّ ◌َّر سنة سبع عند فتح خيبر لَمّا قَدِم جعفر بن أبي طالب، وقيل: إنه قَدِم عليه بمكة قبل الهجرة، ثم كان ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم قَدِم الثانية صحبة جعفر، والصحيح أنه خرج طالباً المدينة في سفينة، فألقتهم الريح إلى الحبشة، فاجتمعوا هناك بجعفر، ثم قَدِموا صُحْبته، قاله في ((الفتح))(٢). (فَكُنَّا)؛ أي: مكثنا (حِيناً)؛ أي: زماناً، قال الشافعيّ، وأصحابه، وغيرهم: الحين يقع على القطعة من الدهر، طالت أم قصرت، قاله النوويّ(٣). (وَمَا نُرَى) بضمّ النون؛ أي: نظنّ، والجملة حاليّة. (ابْنَ مَسْعُودٍ)؛ أي: عبد الله، (وَأُمَّهُ) اسمها أم عبد بنت عبد وَدّ بن سواء بن قُريم بن صاهلة بن كاهل الْهُذليّة الصحابية، وأمها أيضاً هذليّة، وهي قيلة بنت الحارث بن زُهرة، قاله ابن عبد البرّ(٤). (إِلَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ وََّ) قال القرطبيّ ◌َُّ: قول أبي موسى ربه هذا يدلّ على صحّة ما ذكرنا من أن رسول الله وَّل ضمَّ ابن (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٨٢. (٢) ((الفتح)) ٩/ ٥٣٤، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٨٤). (٣) ((شرح النوويّ)) ١٤/١٦. (٤) (تنبيه العلم)) ص ٤١٤. ٢٧٧ (٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأُمِّهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٣٠٦) مسعود رَُّه إليه، واختصَّه بخدمته، وملازمته، وذلك لِمَا رأى من صلاحيته لقبول العلم، وتحصيله له، ولذلك قال له أول ما لقيه: ((إنك غُلَيْمٌ مُعَلَّم))، وفي رواية أخرى: (لَقِنٌ مُفَهَّمٌ))؛ أي: أنت صالح؛ لَأَنْ تُعَلَّم فَتَعْلم، وتُلَقَّنَ فتفهم، ولمّا رأى النبيّ وَ﴿ ذلك ضمَّه لنفسه، وجعله في عداد أهل بيته، فلازمه حضراً، وسفراً، وليلاً، ونهاراً؛ ليتعلَّم منه، وينقل عنه. انتهى(١). ثم بيّن وجه ظنّهم ذلك، فقال: (مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ) ((من)) تعليليّة؛ أي: من أجل كثرة دخول ابن مسعود، وأمه على النبيّ وَّر، و((الكثرة)) بفتح الكاف، على الفصيح المشهور، وبه جاء القرآن، وحَكَى الجوهريّ وغيره كسرها (٢). (وَلُزُومِهِمْ لَهُ)؛ أي: للنبيّ ◌َّ، وفيه استعمال ضمير الجمع للاثنين، وهو فصيح، قال النوويّ كَّلُهُ: جَمَعهما وهما اثنان هو وأمه؛ لأن الاثنين يجوز جَمْعهما بالاتفاق، لكن الجمهور يقولون: أقل الجمع ثلاثة، فجَمْعُ الاثنين مجازٌ، وقالت طائفة: أقله اثنان، فجَمْعهما حقيقةٌ. انتهى(٣) . قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن أقلّ الجمع اثنان حقيقةً هو الصحيح؛ الأدلّة كثيرة، ومنها هذا الحديث، وأحاديث تقدّمت في هذا الكتاب، وقوله ريك: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وغيرها من النصوص الكثيرة، وقد حقّقت المسألة بأدلّتها في ((التحفة المرضيّة)) في الأصول، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٠٦/٢٢ و٦٣٠٧ و ٦٣٠٨] (٢٤٦٠)، و(البخاريّ) في ((الفضائل)) (٣٧٦٣) و((المغازي)) (٤٣٨٤)، و(الترمذيّ) في (١) ((المفهم)) ٦/ ٣٧٢. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٤/١٦ - ١٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/١٦. ٢٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة رةـ ((المناقب)) (٣٨٠٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٠٣/٥)، و(أحمد) في (مسنده)) (٤٠١/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل عبد الله بن مسعود، وأمه ضوًّا، حيث ظن الوافدون أنهما من أهل البيت. ٢ - (ومنها): أنه يدلّ على تخصّص ابن مسعود بملازمة النبيّ وَلّ، وتلقّيه القرآن، والسُّنَّة منه وَله . ٣ - (ومنها): ما قاله البيهقيّ تَخْلَتُهُ: وفي هذا كالدلالة على أن كثرة الدخول في الدار، والتصرف فيها يُستدلّ بهما على المُلك، والله أعلم، قال الشافعيّ تَّتُهُ: ومنها: ما سمعه، فيشهد بما أَثْبت سمعاً من المشهود عليه، مع إثبات بصر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٠٧] ( .. ) - (حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ الأَسْوَدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: لَقَدْ قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَنِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنَّصُورٍ) السَّلُوليّ - بفتح السين المهملة - مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ، تُكُلِّم فيه للتشيّع [٩] (ت٢٠٤) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٨/٢٢. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) بن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧](٢) (ت١٩٨) (خ م د س ق) تقدم في ((الحج)) ٢٨٣٨/٧. (١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ١٥٧/١٠. (٢) هكذا قال في ((التقريب)) من السابعة، والظاهر أنه من الثامنة، كما تدلّ عليه طبقة أبيه، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. ٢٧٩ (٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأُمِّهِ ﴿ها - حديث رقم (٦٣٠٨) ٤ - (أَبُوهُ) يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبيعي وقد نُسب لجدّه، ثقةٌ [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((الحج)) ٢٨٣٨/٧. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية يوسف بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق هذه ساقها البخاريّ ◌َّثُ في ((صحيحه))، فقال: (٣٥٥٢) - حدّثني محمد بن العلاء، حدثنا إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، قال: حدّثني أبي، عن أبي إسحاق، قال: حدّثني الأسود بن يزيد، قال: سمعت أبا موسى الأشعريّ ظُبه يقول: قَدِمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حيناً ما نُرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبيّ وَّ؛ لِمَا نَرَى من دخوله، ودخول أمه على النبيّ وَّه. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٠٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ، وَأَنَا أُرَى أَنَّ عَبْدَ اللهِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ. أَوْ مَا ذَكَرَ مِنْ نَحْوِ هَذَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريباً. ٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَأَنَا أُرَى) بضمّ الهمزة؛ أي: أظنّ. (١) ((صحيح البخاريّ)) ٣/ ١٣٧٣. ٢٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وقوله: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ)؛ أي: عبد الله بن مسعود من أهل بيت النبيّ مَلآ. وقوله: (أَوْ مَا ذَكَرَ مِنْ نَحْوِ هَذَا) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، و((ما)) موصولة، ((وذَكَر)) بالبناء للفاعل، والظاهر: أن الفاعل ضمير أبي موسى، فالشك من أبي إسحاق، أو الضمير لأبي إسحاق، والشكّ من الثوريّ، والجملة صلة ((ما))، بتقدير العائد؛ أي: الذي ذكره مما يُشبه هذا الكلام، وذلك مثلُ ما تقدّم في رواية زكريا بن أبي زائدة من قوله: ((وما نُرى ابن مسعود، وأمه إلا من أهل البيت ... إلخ))، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن أبي إسحاق هذه ساقها النسائيّ ◌َظُّ في ((الکبری))، فقال: (٨٢٦٣) - أخبرنا محمد بن بشار، قال: أنا عبد الرحمن، قال: أنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن أبي موسى، قال: أتيت رسول الله بَلّه، وأنا أرى أن عبد الله من أهل البيت. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٠٩] (٢٤٦١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَخْوَصِ، قَالَ: شَهِدْتُ أَبًا مُوسَى، وَأَبًا مَسْعُودٍ حِينَ مَاتَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَثْرَاهُ تَرََكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ؟ فَقَالَ: إِنْ قُلْتَ ذَاكَ، إِنْ كَانَ لَيُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا، وَيَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم قريباً. ٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (أَبُو الأَخْوَصِ) عوف بن مالك بن نَصْلة - بفتح النون، وسكون (١) ((السنن الكبرى)) ٧٢/٥.