النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
(١٧) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ زَيْتَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿يَا - حديث رقم (٦٢٩٦)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((فلم ينكر عليهنّ)) فيه نظر؛ إذ لا
دليل على أنه وَ﴿ اطلع على ذَرْعهنّ للقصبة، حتّى يُنكر عليهنّ، فليُتأمّل، والله
تعالى أعلم.
قال: وأما ما رواه الطبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق يزيد بن الأصمّ، عن
ميمونة ﴿ّا؛ أنّ النبيّ وَّه قال لهنّ: ((ليس ذلك أعني، إنما أعني أصنعكنّ
يداً)). فهو ضعيف جدّاً، ولو كان ثابتاً، لم يَحْتَجْن بعد النبيّ وَّ إلى ذرع
أيديهنّ، كما سبق في رواية عمرة، عن عائشة
٦ - (ومنها): ما قاله المهلّب كَذَلُ: فيه دلالة على أن الحكم للمعاني،
لا للألفاظ؛ لأنّ النسوة فَهِمنَ من طول اليد الجارحة، وإنما المراد بالطول
كثرة الصدقة. قال الحافظ: وما قاله لا يمكن اطراده في جميع الأحوال.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): قد تقدّم أن رواية البخاريّ رَّتُهُ فيها إشكالٌ، ولفظها:
(١٤٢٠) - حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، عن فِراس، عن
الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة ﴿ّا؛ أن بعض أزواج النبيّ وَل ◌ّ قُلن
للنبيّ 9َّ: أينا أسرع بك لحوقاً؟، قال: ((أطولكن يداً))، فأخذوا قصبة،
يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يداً، فعلمنا بعدُ، أنما كانت طول يدها
الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقاً به، وكانت تحب الصدقة.
قال في ((الفتح)): ((وكانت أسرعنا)) كذا وقع في ((الصحيح) بغير تعيين،
ووقع في ((التاريخ الصغير)) للبخاريّ، عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد:
((فكانت سودة أسرعنا ... إلخ))، وكذا أخرجه البيهقيّ في ((الدلائل))، وابن
حبّان في ((صحيحه)) من طريق العبّاس الدُّوريّ، عن موسى. وكذا وقع في
رواية عفّان عند أحمد، وابن سعد، قال ابن سعد: قال لنا محمد بن
عمر - يعني: الواقديّ -: هذا الحديث وَهَلَ في سودة، وإنما هو في زينب بنت
جحش، فهي أول نسائه به لُحوقاً، وتوفّيت في خلافة عمر، وبقيت سودة إلى
أن توفّيت في خلافة معاوية، في شوّال سنة أربع وخمسين.
(١) ((الفتح)) ٢٤٤/٤.

٢٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقال ابن بطال: هذا الحديث سقط منه ذِكر زينب؛ لاتفاق أهل السير
على أن زينب أوّل من ماتت من أزواج النبيّ وَّر؛ يعني: أن الصواب: وكانت
زينب أسرعنا ... إلخ.
قال الحافظ: ولكن يعكر على هذا التأويل تلك الروايات المتقدّمة
المصرّح فيها بأن الضمير لسودة.
قال: وقرأت بخطّ الحافظ أبي عليّ الصدفيّ: ظاهر هذا اللفظ أن سودة
كانت أسرع، وهو خلاف المعروف عند أهل العلم أن زينب أوّل من مات من
الأزواج، ثم نقله عن مالك، من روايته عن الواقديّ، قال: ويقوّيه رواية عائشة
بنت طلحة.
وقال ابن الجوزيّ: هذا الحديث غلطٌ من بعض الرواة، والعجب من
البخاريّ، كيف لم يُنبّه عليه، ولا أصحاب التعاليق، ولا عَلِمَ بفساد ذلك
الخطّابيّ؟ فإنه فسّره، وقال: لُحُوق سودة به من أعلام النبوّة. وكلّ هذا وَهَمٌ،
وإنما هي زينب، فإنها كانت أطولهنّ يداً بالعطاء، كما رواه مسلم، من طريق
عائشة بنت طلحة، عن عائشة، بلفظ: ((فكانت أطولنا يداً زينب؛ لأنها كانت
تعمل، وتتصدّق)). انتهى. وتلقّى مغلطاي كلام ابن الجوزيّ، فجزم به، ولم
ینسبه له.
وقد جمع بعضهم بين الروايتين، فقال الطيبيّ: يمكن أن يقال فيما رواه
البخاريّ: المراد: الحاضرات من أزواجه، دون زينب، وكانت سودة أوّلهنّ موتاً .
قال الحافظ: وقد وقع نحوه في كلام مغلطاي، لكن يعكر على هذا أن
في رواية يحيى بن حمّاد، عند ابن حبّان: ((أن نساء النبيّ وَّر اجتمعن عنده،
لم تغادر منهنّ واحدة)). ثمّ هو مع ذلك إنما يتأتّى على أحد القولين في وفاة
سودة، فقد روى البخاريّ في ((تاريخه)) بإسناد صحيح إلى سعيد بن هلال؛ أنه
قال: ماتت سودة في خلافة عمر ◌ُئه .
وجزم الذهبيّ في ((التاريخ الكبير)) بأنها ماتت في آخر خلافة عمر نظراته.
وقال ابن سيّد الناس: إنه المشهور. وهذا يخالف ما أطلقه الشيخ محيي الدين
- يعني: النوويّ - حيث قال: أجمع أهل السِّيَر على أن زينب أوّل من مات من
أزواجه. وسبقه إلى نقل الاتفاق ابن بطّال، كما تقدّم.

٢٢٣
(١٧) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ زَبْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿يَا - حديث رقم (٦٢٩٦)
ويمكن الجواب بأن النقل مقيّدٌ بأهل السِّير، فلا يرد نَقْل قول من خالفهم
من أهل النقل، ممن لا يدخل في زمرة أهل السير. وأما قول الواقديّ الذي
تقدّم، فلا يصحّ، وقد تقدّم عن ابن بطّال أن الضمير في قوله: ((فكانت))
لزينب، وذکرتُ ما يعكر عليه.
لكن يمكن أن يكون تفسيره بسودة من بعض الرواة؛ لكون غيرها لم
يتقدّم له ذِكرٌ، فلما لم يطّلع على قصّة زينب، وكونها أوّل الأزواج لحوقاً به،
جعل الضمائر كلها لسودة، وهذا عندي من أبي عوانة، فقد خالفه في ذلك ابن
عُيينة، عن فِرَاس، كما قرأت بخطّ ابن رشيد؛ أنه قرأه بخطّ أبي القاسم بن
الورد، ولم أقف إلى الآن على رواية ابن عيينة هذه، لکن روی يونس بن بُکیر
في ((زيادات المغازي))، والبيهقيّ في (الدلائل)) بإسناده عنه، عن زكريّا بن أبي
زائدة، عن الشعبيّ التصريح بأن ذلك لزينب، لكن قصّر زكريّا في إسناده، فلم
يذكر مسروقاً، ولا عائشة، ولفظه: ((قُلن النسوة لرسول الله وَله: أيّنا أسرع بك
لحوقاً؟ قال: أطولكنّ يداً، فأخذن يتذارعن أيتهنّ أطول يداً، فلما توفّيت زينب
عَلِمِنَ أنها كانت أطولهنّ يداً في الخير والصدقة)).
قال: ويؤيّده أيضاً ما روى الحاكم في ((المناقب)) من ((مستدركه)) من
طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: ((قال رسول الله وَليم
لأزواجه: أسرعكنّ لُحوقاً بي أطولكنّ يداً، قالت عائشة: فكنّا إذا اجتمعنا في
بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﴿ نمدّ أيدينا في الجدار، نتطاول، فلم نزل
نفعل ذلك حتى توفّيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن
أطولنا، فعرفنا حينئذ أنّ النبيَّ وَّ إنما أراد بطول اليد الصدقةَ، وكانت زينب
امرأةً صناعة باليد، وكانت تدبغ، وتخرز، وتصدّق في سبيل الله)). قال
الحاكم: على شرط مسلم. انتهى.
وهي رواية مفسّرةٌ، مبيّنةٌ، مرجِّحةٌ لرواية عائشة بنت طلحة في أمر
زینب.
قال ابن رُشيد: والدليل على أنّ عائشة لا تعني سودة قولها: ((فعلمنا
بعدُ))، إذ قد أخبرت عن سودة بالطول الحقيقيّ، ولم تذكر سبب الرجوع عن
الحقيقة إلى المجاز إلا الموت، فإذا طلب السامع سبب العدول لم يجد إلا

٢٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الإضمار، مع أنه يصلح أن يكون المعنى: فعلمنا بعدُ أن الْمُخْبَرَ عنها إنما هي
الموصوفة بالصدقة لموتها قبل الباقيات، فينظر السامع، ويبحث فلا يجد إلا
زينب، فيتعيّن الحمل عليه، وهو من باب إضمار ما لا يصلح غيره، كقوله
تعالى: ﴿حَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢].
وقال الزين ابن الْمُنَيِّرِ كَخْتُهُ: وجه الجمع أنّ قولها: ((فعلمنا بعدُ)) يُشعر
إشعاراً قويّاً أنّهنّ حملن طول اليد على ظاهره، ثمّ علمن بعد ذلك خلافه، وأنه
كناية عن كثرة الصدقة، والذي علمنه آخراً خلاف ما اعتقدنه أوّلاً، وقد انحصر
الثاني في زينب؛ للاتفاق على أنها أوّلهنّ موتاً، فتعيّن أن تكون هي المرادة،
وكذلك بقيّة الضمائر بعد قوله: ((فكانت))، واستغنى عن تسميتها لشهرتها
بذلك. انتهى.
وقال الكرمانيّ كَُّهُ: يَحْتَمِل أن يقال: إن في الحديث اختصاراً، أو
اكتفاءً بشهرة القصّة لزينب، ويؤول الكلام بأنّ الضمير رجع إلى المرأة التي
علم رسول الله وَيليه أنها أوّل من يلحق به، وكانت كثيرة الصدقة.
قال الحافظ تَخْذَلُهُ: الأوّل هو المعتمَد، وكأنّ هذا هو السرّ في كون
البخاريّ حَذَف لفظ سودة من سياق الحديث لَمَّا أخرجه في ((الصحيح))؛ لِعِلْمه
بالوَهَم فيه، وأنّه لَمَّا ساقه في ((التاريخ)) بإثبات ذِكرها ذَكَر ما يُرُدّ عليه من
طريق الشعبيّ أيضاً عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: ((صلّيت مع عمر على أمّ
المؤمنين زينب بنت جحش، وكانت أوّل نساء النبيّ وَّ لحوقاً به)). وقد تقدّم
الكلام على تاريخ وفاتها في (كتاب الجنائز))، وأنّه سنة عشرين. وروى ابن
سعد من طريق بزرة بنت رافع، قالت: (لَمّا خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب
بنت جحش بالذي لها، فتعجّبت، وسترته بثوب، وأمرت بتفرقته، إلى أن
كشفت الثوب، فوجدت تحته خمسة وثمانين درهماً، ثمّ قالت: اللَّهُمَّ لا
يُدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت، فكانت أوّل أزواج النبيّ وَّ لحوقاً
به)) .
وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن، قال: ((كانت زينب أوّل
نساء النبيّ وَّ﴿ لحوقاً به)).

٢٢٥
(١٧) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َّا - حديث رقم (٦٢٩٦)
فهذه رواياتٌ يعضد بعضها بعضاً، ويحصُلُ من مجموعها أنّ في رواية
أبي عوانة وَهَماً.
وقد ساقه يحيى بن حمّاد عنه، مختصراً، ولفظه: ((فأخذن قصبةً
يتذارعنها، فماتت سودة بنت زمعة، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمنا أنه قال:
أطولكنّ يداً بالصدقة))، هذا لفظه عند ابن حبّان، من طريق الحسن بن مدركٍ
عنه. ولفظه عند النسائيّ، عن أبي داود، وهو الحرّانيّ، عنه: ((فأخذن قصبةً،
فجعلن يذرعنها، فكانت سودة أسرعهنّ به لحوقاً، وكانت أطولهنّ يداً، فكان
ذلك من كثرة الصدقة)). وهذا السياق لا يَحْتَمِل التأويل، إلا أنه محمولٌ على
ما تقدّم ذكره من دخول الوهم على الراوي في التسمية خاصّة، والله أعلم.
انتهى ما ذكره الحافظ تَُّ في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تَبَيَّنَ بما ذُكر أنّ في رواية أبي
عوانة المذكورة في هذا الباب وَهَماً، وأن الصواب أن التي لحقت
بالنبيّ ◌َ﴿ من أزواجه هي زينب بنت جحش ينا، وأما سودة ﴿ّا فإنما
ذُكرت لطول يدها عند ذرع القصبة، وهو المعنى الحقيقيّ لطول اليد، لا
لكونها أول من لحقت به ◌َّ؛ لكثرة صدقتها، وهو المعنى المجازيّ لطول
اليد المقصود هنا .
قال الحافظ السيوطيّ تَخْذَثُهُ: وعندي أنه وقع في رواية المصنّف - يعني:
النسائيّ - تقديمٌ وتأخيرٌ، وسَقَطَ لفظة ((زينب))، وأنّ أصل الكلام: ((فأخذن
قَصَبَة، فجعلن يذرعنها، فكانت سودة أطولهنّ يداً - أي: حقيقة - وكانت
أسرعهنّ لحوقاً به زينب، وكان ذلك من كثرة الصدقة))، فأسقط الراوي لفظة
((زينب))، وقدّم الجملة الثانية على الجملة الأولى. انتهى كلام الحافظ
السيوطيّ كَُّ في ((شرحه على النسائيّ))، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّاً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِليْهِ أُنِيْبُ﴾.
(١) ((الفتح)) ٢٤١/٤ - ٢٤٤، كتاب ((الزكاة)) رقم (١٤٢٠).

٢٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
صَ ثنا)
(١٨) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمّ أَيْمَنَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ ◌َه
هي: أم أيمن مولاة النبيّ وَّ، وحاضنته، قال أبو عمر: اسمها بركة
بنت ثعلبة بن عمرو بن حِصْن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، وكان
يقال لها: أم الظباء، وقال ابن أبي خيثمة: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ، قال:
أم أيمن اسمها بركة، وكانت لأم رسول الله وَله، وكان رسول الله وَله يقول:
((أم أيمن أمي بعد أمي)).
وقال أبو نعيم: قيل: كانت لأخت خديجة، فوهبتها للنبيّ وَّ، وقال ابن
سعد: قالوا: كان ورثها من أبيه، فأَعتق رسول الله وَلقر أم أيمن حين تزوج
خديجة، وتزوج عُبيد بن زيد من بني الحارث بن الخزرج أم أيمن، فولدت له
أيمن، فصحب النبيّ بَّهِ، فاستُشهد يوم حُنين، وكان زيد بن حارثة لخديجة،
فوهبته لرسول الله وَّل، فأعتقه، وزوّجه أم أيمن بعد النبوة، فولدت له أسامة.
وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن طارق بن شهاب قال: لمّا قُبض النبيّ
بكت أم أيمن، فقيل لها: ما يبكيك؟ قالت: أبكي على خبر السماء، وفيه: لمّا
قُتل عمر بكت أم أيمن، فقيل لها: فقالت: اليوم وَهَى الإسلامِ.
وأخرج البخاريّ في تاريخه، ومسلم، وابن السكن، من طريق الزهريّ
قال: كان من شأن أم أيمن أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، والد
النبيّ وَّة، وكانت من الحبشة، فلما وَلَدت آمنة رسول الله وَّل بعدما توفي أبوه
كانت أم أيمن تحضنه حتى كَبُر، ثم أنكحها زيد بن حارثة.
وأخرج أحمد، والبخاريّ، وابن سعد من طريق سليمان التيميّ عن أنس:
أن الرجل كان يجعل للنبيّ وَّهِ النخلات، حتى فُتحت عليه قريظة، والنضير،
فجعل يردّ بعد ذلك، فكلمني أهلي أن أسأله الذي كانوا أعطوه، أو بعضه،
وكان أعطاه لأم أيمن، فسألته، فأعطانيه، فجاءت أم أيمن، فجعلت تلوح
بالثوب، وتقول: كلا والله لا يعطيكهنّ، وقد أعطانيهنّ، فقال النبيّ وَّ: (لك
كذا وكذا))، وتقول: كلا حتى أعطاها، حسبته قال: عشرة أمثاله، أو قريباً من
عشرة أمثاله.

٢٢٧
(١٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلَاةِ النَّبِّلَه ◌ُوَّا - حديث رقم (٦٢٩٧)
وقال ابن سعد: أخبرنا أبو أمامة، عن جرير بن حازم، سمعت عثمان بن
القاسم يقول: لمّا هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرَف، ودون الرَّوْحاء،
فعَطِشَت، وليس معها ماء، وهي صائمة، فأجهدها العطش، فدُلّ عليها من
السماء دلو من ماء، برشاء أبيض، فأخذته، فشربته، حتى رَوِيت، فكانت
تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش، ولقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر،
فما عَطِشت.
وأخرج ابن السكن بسند صحيح عن الزهريّ؛ أنها توفيت بعد
رسول الله ◌َ﴿ بخمسة أشهر.
قال الحافظ: وهذا مرسلٌ، ويعارضه حديث طارق؛ أنها قالت بعد قَتْل
عمر ما قالت، وهو موصول، فهو أقوى، واعتمده ابن منده وغيره، وزاد ابن
منده بأنها ماتت بعد عمر بعشرين يوماً، وجمع ابن السكن بين القولين، بأن
التي ذكرها الزهريّ هي مولاة النبيّ وَّ، وأن التي ذكرها طارق بن شهاب هي
مولاة أم حبيبة، بركة، وأن كلّاً منهما كان اسمها بركة، وتكنى أم أيمن، قال
الحافظ: وهو مُحْتَمِلٌ على بُعْدٍ. انتهى من ((الإصابة)» باختصار(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٧] (٢٤٥٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو
أُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَه
إِلَى أُمَّ أَيْمَنَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ، قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَصَادَفَتْهُ
صَائِماً، أَوْ لَمْ يُرِدْهُ، فَجَعَلَتْ تَصْخَبُ عَلَيْهِ، وَتَذَمَّرُ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة
أبواب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم أيضاً قبل أربعة أبواب.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثقةٌ،
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٧١/٨.

٢٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
قاله يحيى بن معين [٧] (ت١٦٥) أخرج ه البخاريّ مقروناً وتعليقاً (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١١١/٣.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٥ - (أَنَسُ) بن مالك ظُه، تقدّم قبل أربعة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظْلَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من سليمان،
والباقيان كوفيّان، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا
واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه أنس تظله أحد المكثرين السبعة، وآخر من
مات من الصحابة بالبصرة، وقد جاوز عمره مائة سنة.
شرح الحديث :
(عَنْ أَنَسِ) رَظُه؛ أنه (قَالَ: انْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِلَى أُمَّ
أَيْمَنَ) بركة رِوًَّ، (فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَنَاوَلَتْهُ)؛ أي: أعطته (إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ، قَالَ)
أنس: (فَلَا أَدْرِي)؛ أي: لا أعلم (أَصَادَفَتْهُ)؛ أي: وجدته و ◌ِّ حال كونه
(صَائِماً، أَوْ لَمْ يُرِدْهُ) بضمّ أوله، من الإرادة؛ أي: أو صادفته، والحال أنه لا
يريد ذلك الشراب، (فَجَعَلَتْ)؛ أي: شرعت، وأخذت (تَصْخَبُ عَلَيْهِ) بفتح
أوله، وثالثه، من باب فَرِحَ؛ أي: تصيح، وترفع صوتها إنكاراً الإمساكه وَل عن
شرب الشراب، قاله النوويّ تَخْذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قولي: من باب فَرِحَ هو الصواب، وأما قول
بعض الشرّاح(٢): إنه من باب ذَهَب، فغير صحيح، راجع كتب اللغة، تَرَ
الصواب، والله تعالى أعلم.
وقال عياض تَّتُهُ في ((المشارق)): ((الصّخَب)) بفتح الصاد، والخاء، وقيل
أيضاً: بالسين مكان الصاد، وضَعّف هذا الخليل، ومعناه: اختلاط الأصوات،
وارتفاعها. انتهى(٣).
(١) ((شرح النوويّ)) ٩/١٦.
(٢) راجع: شرح الشيخ الهرريّ ٦١٧/٢٣.
(٣) ((مشارق الأنوار)) ٤٠/٢.

٢٢٩
(١٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّوَّهِ مَّا - حديث رقم (٦٢٩٧)
وقال في ((التاج)): الصَّخَبُ مُحَرَّكَةً: الصِّيَاحُ، والْجَبَلَةُ، وشِدَّةُ الصَّوْتِ،
واخْتِلَاطُه، ومِنْهُم مَنْ قَيَّدَه لِلْخصَامِ؛ كالسَّخَبِ بالسِّينِ المُهْمَلَة، وَهِيَ لُغَةٌ رَبَعِيَّةٌ
فَبِيحَةٌ، وقد صَخِبَ كفَرِحِ يَصْخَبَ صَخَباً، فهو صَخَّابٌ؛ كشَدَّادٍ، وصَخِبٌ،
وصَخُوبٌ؛ كصَبُورٍ، وصَخْبَانُ بالفَتْحِ، كُلُّ ذَلِك بِمَعْنَى شَدِيدِ الصَّخَب، كَثِيرِهِ.
انتھی(١).
(وَتَذَمَّرُ عَلَيْهِ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب قتل، أو بفتح أوله وثانيه،
وتشديد الميم، وأصله تتذمّر، فحُذفت منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى:
﴿فَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿فَغَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في
(الخلاصة)» :
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ
فِيهِ عَلَى تَا كَـاتَبَيَّنُ الْعِبَرْ»
قال عياضٌ تَخُّْ في ((المشارق)): هو بفتح التاء، والذال، وتشديد الميم؛
أي: تتغيظ، وتلوم، قال الأصمعي: إذا جعل الرجل يتكلم، ويتغضّب أثناء
ذلك، قيل: سمعت له تذمُّراً، وكان عند ابن الحذاء: ((وتدمن))، وهو
تصحيف، وكذلك لبعضهم عن العذري: ((تدمري))، وليس بشيء. انتهى (٢).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((تذمر)) بفتح التاء، وإسكان الذال المعجمة،
وضم الميم، ويقال: ((تَذَمَّرُ)) بفتح التاء، والذال، والميم؛ أي: تتذمر،
وتتكلم بالغضب، يقال: ذَمَرَ يَذْمُرُ، كقتل يقتل: إذا غضب، وإذا تكلم
بالغضب.
ومعنى الحديث: أن النبيّ وَلوردّ الشراب عليها، إما لصيام، وإما لغيره،
فغضبت، وتكلمت بالإنكار، والغضب، وكانت تُدِلّ عليه ◌َل﴾؛ لكونها حضنته،
وربّته وَّه، وجاء في الحديث: ((أم أيمن أمي بعد أمي))(٣)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ◌ّ ◌ُله هذا من أفراد المصنّف رَُّهُ،
(١) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٦٥٧/١.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ١/ ٢٧٠.
(٣) ضعيف؛ للانقطاع في سنده.

٢٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
أخرجه هنا [١٨/ ٦٢٩٧] (٢٤٥٣)، ولم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، بل
لم أجد أحداً أخرجه من غيرهم، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل أم أيمن وضَّا، حيث كان ◌َّهُ يُحبّها، ويزورها،
وكانت هي تُدلّ عليه، كأنها أمه، حیث حضنته، وربّته.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّل من كمال التواضع، وحُسن
العشرة، والتودّد إلى كلّ أحد شريفاً كان أو وضيعاً، فهو كما وصفه الله رومى
في كتابه، حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ٤]، وقال: ﴿لَقَدْ
جَمَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
٣ - (ومنها): بيان أن للضيف الامتناعَ من الطعام والشراب الذي يُحضره
الْمُضيف، إذا كان له عذر، من صوم، أو غيره، من الأعذار.
٤ - (ومنها): مشروعيّة زيارة الرجال المرأة في بيتها إذا كان وراء
حجاب، فإنه وَي كان يزورها، وكذا كان أبو بكر وعمر ضَّهَا يزورانها بعده وَل .
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ: كان النبي ◌َّهِ يُكْرِم أم أيمن، ويبرها مَبَرَّة
الأم، ویکثر زیارتها، وکان پژ عندها کالولد، ولذلك كانت تصخبُ علیه؛
أي: ترفع أيمن صوتها عليه، وتذمر؛ أي: تغضب وتضجر فِعْلَ الوالدة
بولدها، وقال الأصمعيّ: تذمّر الرجل: إذا تغضّب، وتكلم أثناء ذلك، وقال
غيره: تذمّر الرجل: إذا لام نفسه.
قال: وزيارة النبيّ وَّ﴾، وأبي بكر، وعمر ظه لها دليل على فضلها،
ومعرفتهم بحقها، وفيه دليل على زيارة النساء في جماعة. انتهى(١)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٨] (٢٤٥٤) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عَاصِم
الْكِلَابِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ
طوعية
(١) ((المفهم)) ٣٦١/٦.

٢٣١
(١٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلَاةِ النَّبِّ لَهِ وَّا - حديث رقم (٦٢٩٨)
بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمَّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ
خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﴿، فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ
لِرَسُولِهِ بَّهِ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ،
فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قبل بابین.
٢ - (عَمْرُو بْنُ عَاصِم الْكِلَابِيُّ) القَيْسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ،
في حِفظه شيء، من صغار [٩] (ت٢١٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وهو مسلسل بالبصريين، سوى شيخه،
فنسائيّ، ثمّ بغداديّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك نظُبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرِ) الصدّيقِ (رَظُهُ بَعْدَ
وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ وَّ لِعُمَرَ) بن الخطّاب ◌َُّله: (انْطَلِقْ بِنَا)؛ أي: اذهب بنا (إِلَى
أُمَّ أَيْمَنَ) ◌َؤُهَا (نَزُورُهَا) جملة حاليّة؛ أي: حال كوننا زائرين لها، يقال: زَارَهُ
زِيَارَةً، وزَوْراً: قَصَده، فهو زَائِرٌ، وَزَوْرٌ، وقومٍ زَوْرٌ، وزُوَّارٌ، مثلُ سافر وسَفْر،
وسُفّار، ونسوة زَوْرٌ أيضاً، وزُوَّرٌ، وزَائِرَاتٌ، والمَزَارُ، يكون مصدراً، وموضع
الزِّيَارَةِ، والزِّيَارَةُ في العُرف: قَصْدُ المَزور؛ إكراماً له واستئناساً به، قاله
الفيّوميّ تَّهُ(١).
(كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَزُورُهَا)؛ أي: اقتداء به وَِّ، وإحياء لسُنَّته،
وصلة لِمَا كان يُحبّ أن يصله، (فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ) أم أيمن عُوَّا (فَقَالًا)؛
(١) ((المصباح المنير)) ٢٦٠/١.

٢٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
أي: أبو بكر وعمر ﴿ه، (لَهَا)؛ أي: لأم أيمن: (مَا) استفهاميّة، (يُبْكِيكِ؟ مَا
عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ وَ﴿)؛ المعنى: أن البكاء على الشخص إنما يكون عند
فَقْده شيئاً مما يُحبه، ويفرح من أجله، ورسول الله وَ له انتقل إلى الدار الآخرة
التي هي خير له، وأحب إليه، كما قال رَّ: ﴿وَلَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى
[الضحى: ٤]، فكيف تبكين عليه؟ (فَقَالَتْ) أم أيمن ◌َّا: (مَا أَبْكِي أَنْ)
مصدريّة، (لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ وَّ)؛ المعنى: أني لا
أبكي لعدم علمي بخيريّة ما عند الله تعالى لرسوله وَّه، (وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ
قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ) قال القرطبيّ كَّتُ: ((أن)) المشدّدة مفتوحة؛ لأنَّها معمولة
لـ((أبكي)) بإسقاط حرف الجر، تقديره: أبكي لأنّ، أو من أجل أنّ؛ تعني: أن
الوحي لمّا انقطع بعد رسول الله وَّ عَمِل الناس بآرائهم، فاختلفت مذاهبهم،
فوقع التنازع والفتن، وعَظُمت المصائب والمحن، ولذلك نَجَم بعده النفاق،
وفشا الارتداد، والشقاق، ولولا أن الله تعالى تدارك الدِّين بثاني اثنين - يعني:
أبا بكر ظُبه - لَمَا بقي منه أثر ولا عين. انتهى(١).
(عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا)؛
(فَهَيَّجَتْهُمَا)؛ أي: أثارت أبا بكر، وعمر طَّا
أي: شرعا (يَبْكِيَانِ مَعَهَا) لَمّا تذكّرا ما ذكرته أم أيمن رضي الله تعالى عنهم
أجمعين .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس به هذا من أفراد المصنّف ◌َذُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٩٨/١٨] (٢٤٥٤)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز))
(١٦٣٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٢٨/٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)
(٧١/١)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٦٨/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧/
٩٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((المفهم)) ٦/ ٣٦٢.

٢٣٣
(١٩) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمُّ سُلَيْمِ، أُمّ أَنَسِ بْنِ مَالِك
١ - (منها): أن فيه زيارةَ الصالحين، وفضلها .
٢ - (ومنها): زيارة الصالح لمن هو دونه.
٣ - (ومنها): زيارة الإنسان لمن كان صديقه يزوره، ولأهل ودّ صديقه.
٤ - (ومنها): زيارة جماعة من الرجال للمرأة الصالحة، وسماع كلامها،
ولا سيّما المُتَجالّات.
٥ - (ومنها): استصحاب العالم والكبير صاحباً له في الزيارة، والعيادة،
ونحوهما .
٦ - (ومنها): البكاء حزناً على فراق الصالحين، والأصحاب، وإن كانوا
قد انتقلوا إلى أفضل مما كانوا عليه، والله تعالى أعلم (١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعَتْ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
٢)
(١٩) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمَّ سُلَيْم، أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِك
هي: أم سُليم بنت مِلْحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب
الأنصارية، وهي أم أنس خادم رسول الله وَّر اشتهرت بكنيتها، واختلف في
اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: رُميلة، وقيل: رُميثة، وقيل: مُليكة، وقيل:
الغميصاء، أو الرميصاء، تزوجت مالك بن النضر في الجاهلية، فولدت أنساً
في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، فغضب مالك،
وخرج إلى الشام، فمات بها، فتزوجت بعده أبا طلحة.
روى أحمد في «مسنده)) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت،
وإسماعيل بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك؛ أن أبا طلحة خطب
أم سليم - يعني: قبل أن يسلم - فقالت: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك
الذي تعبد نبت من الأرض؟ قال: بلى، قلت: أفلا تستحي تعبد شجرة؟ إن
(١) (شرح النوويّ)) ١٠/١٦.
(٢) زادوا في النُّسخ هنا في الترجمة: ((وبلال))، وليس هذا موضعه، فسيأتي له باب
مستقلّ إن شاء الله تعالى.

٢٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة لة
أسلمت، فإني لا أريد منك صداقاً غيره، قال: حتى أنظر في أمري، فذهب،
ثم جاء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فقالت: يا
أنس زوَّج أبا طلحة، فزوّجها، ولهذا الحديث طرق متعددة. انتهى من
((الإصابة)) باختصار(١).
وقال القرطبيّ كَّتُ: أم سليم هذه هي: ابنةُ مِلْحان بن زيد بن حرام من
بني النجار، وهي: أمُّ أنس بن مالك بن النَّضر، كانت أسلمت مع قومها،
فغضب مالك لذلك، فخرج إلى الشام، فهلك هنالك كافراً، وقيل: قتل، ثم
خطبها بعده أبو طلحة، وهو على شِركه، فَأَبَتْ حتى يُسْلِم، وقالت: لا أريد
منه صداقاً إلا الإسلام، فأسلم، وتزوَّجها، وحَسُن إسلامه، فولدت له غلاماً
كان قد أُعجب به، فمات صغيراً، ويقال: إنه أبو عُمير صاحب النُّغير، وكان
أبو طلحة غائباً حين مات، فغّته أم سليم، فجاء أبو طلحة، فسأل عنه،
فكتمت موته، ثم إنها تصنَّعت له، فأصاب منها، ثم أعلمته بموته، فشقّ ذلك
عليه، ثم إنه أتى النبيّ وَ له، فأخبره، فدعا لهما النبيّ بَّ، قال: ((بارك الله
لكما في غابر ليلتكما))، فبورك لهما بسبب تلك الدَّعوة، وولدت له عبد الله بن
أبي طلحة، وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه، وإخوته كانوا
عشرة كلهم حُمِل عنه العلمُ، وإسحاق هو شيخ مالك رحمهما الله.
واختُلف في اسم أم سليم، فقيل: سهلة. وقيل: رملة. وقيل: مليكة.
وهي الغُميصاء المذكورة في الحديث، ويقال: الرُّميصاء، وقيل: إن الرميصاء
بالراء هي: أم حرام أختها، وخالة أنس، والغميصاء: مأخوذ من الغمص،
وهو ما سال من قذى العين عند البكاء والمرض، يقال بالصاد والسين،
والرمص - بالراء -: ما تجمَّد منه، قاله يعقوب وغيره.
وكانت أم سليم من عقلاء النساء، وفضلائهن، شهدت مع رسول الله وَل
أحداً، وحنيناً، روت عن النبيّ وَّ أحاديث، خرّج لها في ((الصحيحين)) أربعة
أحاديث. انتهى (٢)
٠
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٢٧/٨ - ٢٢٩.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٣٦٣.

٢٣٥
(١٩) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمُّ سُلَيْمِ، أُمَّ أَنَسِ بْنِ مَالِك ﴿يَا - حديث رقم (٦٢٩٩)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٩] (٢٤٥٥) - (حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ
عَاصِم، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَِّ لَا
دُخُلُ ◌ّعَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ، إِلَّ عَلَى أَزْوَاجِهِ، إِلَّ أُمَّ سُلَيْمِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا،
فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ((إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) هو الحسن بن عليّ بن محمد الخلال، تقدّم قبل
أربعة أبواب.
٢ - (عَمْرُو بْنُ عَاصِم) بن عبيد الله الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ،
صدوقٌ في حفظه شيءٌ، منَ صغار [٩] (ت٢١٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣.
٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحة الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ،
ثقةٌ حجةٌ [١٣٢] وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة ٦٦٧/٣٠.
و ((أَنَسُ)) بن مالك ◌ُ ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين غير شيخه،
وفيه أنس ظُه تقدّم القول فيه قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ)؛ أي: ابن أبي طلحة، وفي رواية عند ابن
سعد: ((أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة))، وعند الإسماعيليّ: ((حدّثنا
إسحاق)) (عَنْ أَنَسِ) ◌َ﴿به؛ أنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهَ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ
النِّسَاءِ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ) أمهات المؤمنين، (إِلَّا أُمَّ سُلَيْم) والدة أنس. قال
القرطبيّ تَّتُ: إنما كان النبيّ وَّ لا يدخل على النساء؛ً عملاً بما شرع من
المنع من الخلوة بهنَّ، وليُقتدَى به في ذلك، ومخافة أن يقذف الشيطان في

٢٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
قلب أحد من المسلمين شرّاً فيهلك، كما قال في حديث صفية المتقدِّم، ولئلا
يجد المنافقون، وأهل الزيغ مقالاً؛ وإنما خصَّ أم سليم بالدُّخول عندها؛ لأنها
كانت منه ذات محرم بالرَّضاع كما تقدَّم، وليجبر قلبها من فَجْعتها بأخيها؛ إذ
كان قد قُتِل معه فيَ بعض حروبه، وأظنه يوم أُحد، ولِمَا عَلِم النبيّ وَّ من
فضلها، كما دلَّ عليه رؤية النبيّ وَّر إياها في الجنة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وأظنه يوم أحد)) هذا غلط، والصواب: أنه
شهد بدراً، وأُحداً، وإنما قُتل يوم بئر معونة، فليُتنّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
(فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا) قال الحميديّ: لعله أراد على الدوام، وإلا فقد
تقدّم أنه كان يدخل على أم حرام ها، وقال ابن التين: يريد أنه كان يُكثر
الدخول على أم سليم، وإلا فقد دخل على أختها أم حرام، ولعلها - أي: أم
سليم - كانت شقيقة المقتول، أو وَجَدت عليه أكثر من أم حرام.
وتعقّب الحافظ هذا، فقال: لا حاجة إلى هذا التأويل، فإن بيت أم
حرام، وأم سليم واحد، ولا مانع أن تكون الأختان في بيت واحد كبير، لكل
منهما فيه معزل، فُنُسب تارة إلى هذه، وتارة إلى هذه. انتهى (٢).
:
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((فإن بيت أم حرام، وأم سليم واحد»
يحتاج إلى ثبوت هذا، وإلا فما في تأويل ابن التين لا يخفى حُسنه، فتأمل،
والله تعالى أعلم.
(فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ)؛ أي: قال له وَّل قائل: لماذا تكثر الدخول على أم
حرام؟ وهذا القائل لم يُعرف، كما قال الحافظ وَذُ(٣). (فَقَالَ) وَلَّهِ جواباً عن
هذا السؤال: ((إِنِّي أَرْحَمُهَا)؛ أي: إنما أُكثر الدخول عليها؛ لأني أرحمها، ثم
ذَكَر الباعث على رحمته الخاصّة لها، فقال: (قُتِلَ أَخُوهَا) هو حرام بن
مِلْحان ◌َبه، (مَعِي)؛ أي: مع عسكري، أو على أمري، وفي طاعتي، وليس
المراد أنه قُتل في معركة كان فيها النبيّ وَّ؛ لأنه قُتل في غزوة بئر معونة،
(١) ((المفهم)) ٣٦٢/٦ - ٣٦٣.
(٢) ((الفتح)) ١١٣/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٤٤).
(٣) ((الفتح)) ١١٣/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٤٤).

٢٣٧
(١٩) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمّ سُلَيْمِ، أُمَّ أَنَسِ بْنِ مَالِك ﴿يَا - حديث رقم (٦٢٩٩)
والنبيّ لم يشهد بئر معونة، وإنما أمرهم بالذهاب إليها، وغَفَل القرطبيّ، فقال:
قُتل أخوها معه في بعض حروبه، وأظنه يوم أحد، ولم يُصِبْ في ظنه، والله
أعلم، قاله في ((الفتح))(١).
وقال الكرمانيّ: كيف صار قتل الأخ سبباً للدخول على الأجنية؟.
قلت: لم تكن أجنبية، كانت خالة لرسول الله ويتلقى من الرضاع، وقيل:
من النَّسب، فالمحرمية كانت سبباً لجواز الدخول. انتهى (٢).
وقال النوويّ تَّقُ: قد قدَّمنا في ((كتاب الجهاد)) عند ذكر أم حرام أخت
أم سليم؛ أنهما كانتا خالتين لرسول الله وَل﴿ مَحْرَمين، إما من الرضاع، وإما
من النسب، فتحلّ له الخلوة بهما، وكان يدخل عليهما خاصّةً، لا يدخل على
غيرهما من النساء إلا أزواجه. انتهى (٣).
[تنبيه]: قصّة قتل حرام بن مِلْحان أخي أم سليم وأم حرام ◌ًا ساقها
البخاريّ ◌َلُ في ((صحيحه))، فقال:
(٤٠٩١) - حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا همام، عن إسحاق بن
عبد الله بن أبي طلحة، قال: حدّثني أنس؛ أن النبيّ وَلّو بعث خاله أخاً لأم
سليم، في سبعين راكباً، وكان رئيس المشركين عامرَ بن الطفيل، خَيَّر بين
ثلاث خصال، فقال: يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر، أو أكون
خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان، بألف، وألف، فطُعن عامر في بيت أم
فلان، فقال: غُدّة كغَدّة الْبَكْر في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي،
فمات على ظهر فرسه، فانطلق حرام أخو أم سليم، هو ورجل أعرج، ورجل
من بني فلان، قال: كونا قريباً حتى آتيهم، فإن آمنوني كنتم، وإن قتلوني أتيتم
أصحابكم، فقال: أتؤمّنوني أبلّغ رسالة رسول الله وَلّ، فجعل يحدثهم،
وأومؤوا إلى رجل، فأتاه من خلفه، فطعنه - قال همام: أحسبه - حتى أنفذه
بالرمح، قال: الله أكبر، فُزْتُ ورب الكعبة، فلُحِق الرجل، فقُتلوا كلهم، غير
الأعرج، كان في رأس جبل، فأنزل الله علينا، ثم كان من المنسوخ: ((إنا قد
(١) «الفتح» ١١٣/٧.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٠/١٦.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٣٨/١٤.

٢٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
لقينا ربنا، فرضي عنا، وأرضانا))، فدعا النبيّ وَّ عليهم ثلاثين صباحاً، على
رِعْل، وذَكْوان، وبني لحيان، وعُصية الذين عصوا الله ورسوله الَّد.
(٤٠٩٢) - حدّثني حِبّان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، قال: حدّثني
ثمامة بن عبد الله بن أنس؛ أنه سمع أنس بن مالك رَُّه يقول: لمّا طُعِن
حرام بن مِلْحان، وكان خاله يوم بئر معونة، قال بالدم هكذا، فنضحه على
وجهه، ورأسه، ثم قال: فُزْتُ ورب الكعبة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٩٩/١٩] (٢٤٥٥)، و(البخاريّ) في ((الجهاد))
(٢٨٤٤)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٦١/٢)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٨/
٤٢٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز دخول المَحْرَم على مَحْرمه، والخلوة بها.
٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى منع دخول الرجل إلى الأجنبية، وإن كان
صالحاً، وقد تقدمت الأحاديث الصحيحة المشهورة في تحريم الخلوة
بالأجنبية .
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَل من الرحمة، والتواضع،
وملاطفة الضعفاء.
٤ - (ومنها): أن فيه صحةَ الاستثناء من الاستثناء، فإن قوله: ((إلا على
أزواجه)) مستثنى من ((النساء))، وقوله: ((إلا أم سليم)) مستثنى من ((أزواجه))، قال
النوويّ كَّلُهُ: وقد رَتَّب عليه أصحابنا مسائل في الطلاق، والإقرار، ومثله في
القرآن: ﴿إِنَّ أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِنَ
٥٩
﴿ إِلَّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَبُّوهُمْ أَجْمَعِينَ
إِلَّا أَمْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: ٥٨، ٥٩].
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٥٠١/٤ - ١٥٠٢.

٢٣٩
(١٩) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمُّ سُلَيْمِ، أُمَّ أَنَسِ بْنِ مَالِك ◌ِ﴿ّ - حديث رقم (٦٣٠٠)
٥ - (ومنها): استحباب حُسن العهد، والمحافظة على الودّ بتعاهد أهل
الصديق، وأقاربه في حياته، أو بعد موته، والخلافة فيهم بخير، فإن النبيّ وَّه
كان يَجْبُر قلب أم سليم بزيارتها، ويعلل ذلك بأن أخاها قُتل معه، ففيه أنه وَيه
خَلَفه في أهله بخير بعد وفاته، وذلك من حُسن عهده بَّ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٠٠] (٢٤٥٦) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي: ابْنَ
السَّرِيِّ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ:
((دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ خَشْفَةً، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ
مِلْحَانَ، أُّ أَنَسِ بْنِ مَالِك))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة،
ويقال: إن أبا عُمر كنية يحيى، صدُوقٌ، صَنَّف ((المسند))، وكان لازم ابن عيينة، لكن
قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٢ - (بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ) أبو عمرو الأفوه، البصريّ، سكن مكة، وكان
واعظاً، ثقةً، متقناً، طُعن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩] (ت٥ أو ١٩٦)
وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣١.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ، عابدٌ، أثبت
الناس في ثابت، وتغيّر حِفظه بأخرة، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم
في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
والباقيان ذُكرا قبل حدیث.
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ نَِّ)؛ أنه (قَالَ: ((دَخَلْتُ الْجَنَّةَ) قال
w.
(عَنْ أَنَسِ)
القرطبيّ تَخَّتُهُ: كان هذا الدخول في الجنة من النبيّ ◌َّ في النوم، كما قاله في
حديث بلال المتقدِّم، ورؤياه حقٌّ، فهي ◌َّا من أهل الجنة. (فَسَمِعْتُ خَشْفَةً)
بفتح الخاء، وسكون الشين المعجمتين: هي صوتُ المشي، ويقال: خشخشة،
كما جاء في الرواية الأخرى، وأصل الخشخشة: صوت الشيء اليابس يحك

٢٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
بعضه بعضاً، ويتراجع. (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا)؛ أي: الملائكة: (هَذِهِ
الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ). قال النوويّ كَُّ: ((الغُميصاء)) بضم الغين المعجمة،
وبالصاد المهملة، ممدودة، ويقال لها: الرُّميصاء أيضاً، ويقال بالسين، قال
ابن عبد البرّ: أم سُليم هي الرُّميصاء، والغُميصاء، والمشهور فيه الغين،
وأختها أم حرام الرُّميصاء، ومعناهما متقارب، والرَّمَص، والْغَمَص: قَذّى
يابسٌ، وغير يابس، يكون في أطراف العين، وهذه منقبة ظاهرة لأم سليم رضيوثّا.
(١)
.
انتھی
وقوله: (أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ))) بدل، أو عطف بيان لـ((الغُميصاء))، والله
تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
رَّ ◌ُه هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٠٠/١٩] (٢٤٥٦)، و(النسائيّ) في ((فضائل
الصحابة)) (٨٥/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٦/٣ و١٢٥ و٢٣٩ و٢٦٨) وفي
((فضائل الصحابة)) (٨٤٨/٢)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٣٩٩/١)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٧١٩٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣١٧/٢٥ و٣١٨)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٥٠٥)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٤٣٠/٨)،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٠١] (٢٤٥٧) - (حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَج، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ
الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بَنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: «أُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ امْرَأَةَ أَبِي
طَلْحَةَ، ثُمَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَةً أَمَامِي، فَإِذَا بِلَالٌ))).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١١.