النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(١٥) - جَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِّ لَحْ ﴿نا - حديث رقم (٦٢٨٧)
له، ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله، وبنت عدوّ الله.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث المسور بن مخرمة ﴿يا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٨٧/١٥ و٦٢٨٨ و٦٢٨٩ و٦٢٩٠ و٦٢٩١]
(٢٤٤٩)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥٢٣٠) و((الطلاق)) (٥٢٧٨) و((الفضائل))
(٣٧١٤ و٣٧٦٧)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢٠٧١)، و(الترمذيّ) في
((المناقب)) (٣٨٦٧)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٩٩٨)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (١٤٧/٥) و((فضائل الصحابة)) (٢٦٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/
٣٢٨) وفي ((الفضائل)) (١٣٢٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٩٥٥)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠١٠/٢٢ و١٠١١ و١٠١٢)، و(البيهقيّ) في
(«الكبرى» (٣٠٧/٧ و٢٨٨/١٠ - ٢٨٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٩٥٧
و٣٩٥٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(٢):
١ - (منها): بيان تحريم إيذاء النبيّ وَلّ بكل حال، وعلى كل وجه، وإن
كان تولّد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحاً وهو في هذا بخلاف غيره، وقال
النوويّ: ويَحْتَمِل أن المراد: تحريم جَمْعهما، ويكون معنى: ((لا أُحَرِّم حلالاً))؛
أي: لا أقول شيئاً يخالف حكم الله، فإذا أحل شيئاً لم أحرمه، وإذا حرمه لم
أحله، ولم أسكت على تحريمه؛ لأن سكوتي تحليل له، ويكون من جملة
محرمات النكاح الجمع بين بنت رسولِ الله وَّه، وبنت عدوّ الله. انتهى(٣).
٢ - (ومنها): أن قوله وَلّ الآتي: ((وإني لست أحرم حلالاً، ولا أحل
(١) ((شرح النوويّ)) ٢/١٦ -٣.
(٢) المراد: فوائد حديث الباب بطرقه المختلفة، وليس المراد السياق المذكور في هذه
الرواية، فتنبه.
(٣) ((عمدة القاري)) ٣٤/١٥.
٠

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
حراماً)) صريح في أن الحكم بالتحليل والتحريم من الله تعالى؛ وإنَّما الرسول
مُبلِّغ.
قال القرطبيّ كَُّهُ: ويُستدلُّ به في منع اجتهاد النبيّ بَّ في الأحكام،
ومن منع جواز تفويض الأحكام إلى النبيّ وَّر، ولا حُجَّة فيه؛ لأنَّ اجتهاد
المجتهد لا يوجب الأحكام، ولا ينشئها؛ وإنَّما هو مُظْهِر لها، كما أوضحناه
في الأصول.
قال: ويفيد هذا: أن حكم الله على عليٍّ، وعلى غيره التخيير في نكاح
ما طاب له من النساء إلى الأربع، ولكن النبيّ وَل﴿ إنما منع عليّاً من ذلك لِمَا
خاف على ابنته من المفسدة في دينها من ضرر عداوةٍ تَسري إليها، فتتأذى في
نفسها، فيتأذى النبيّ وَله بسببها، وأذى النبيّ ◌َّر حرام، فيحرم ما يؤدي إليه.
٣ - (ومنها): أن فيه القولَ بسد الذرائع، وإعمال المصالح، وأن حرمة
النبيّ ◌َ﴿ أعظم من حرمة غيره، وتظهر فائدة ذلك بأن من فعل مِمَّا ما يجوز له
فِعله لا يُمنع منه، وإن تأذى بذلك الفعل غيره، وليس ذلك حالنا مع النبيّ وَّ،
بل يَحْرم علينا مطلقاً فعلُ كل شيء يتأذى به النبيّ وَّ، وإن كان في أصله
مباحاً، لكنه إن أدَّى إلى أذى النبيّ ◌َّ ارتفعت الإباحة، ولزم التحريم، قاله
القرطبيّ ◌َلْتُهُ.
وقال في ((الفتح)): فيه حجةٌ لمن يقول بسد الذريعة؛ لأن تزويج ما زاد
على الواحدة حلال للرجال ما لم يجاوز الأربع، ومع ذلك فقد مُنع من ذلك
في الحال؛ لِمَا يترتب عليه من الضرر في المآل. انتهى.
٤ - (ومنها): أنه يدلّ على جواز غضب الرَّجل لابنته، ووَلَده، وحُرَمه،
وعلى الحرص في دفع ما يؤدي إلى ضررهم، إذا كان ذلك بوجه جائز.
٥ - (ومنها): أنه يدلّ أيضاً على جواز خُطبة الإمام الناس، وجَمْعهم
لأمر یحدث.
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ◌َخْتُ: إن قوله وَّ: ((والله لا تجتمع ابنة
نبي الله وابنة عدوِّ الله عند رجل واحد أبداً))؛ دليل على أن الأصل أن ولد
الحبيب حبيب، وولد العدو عدوّ، إلى أن يتبيّن خلاف ذلك، قال: وقد استنبط
بعض الفقهاء من هذا مَنْع نكاح الأَمَة على الحرَّة، وليس بصحيح؛ لأنَّه يلزم

١٨٣
(١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَِّّ وَِّه ◌َا - حديث رقم (٦٢٨٧)
منه مَنْع نكاح الحرَّة الكتابية على المسلمة، ومنع نكاح ابنة المرتدّ على من ليس
أبوها كذلك، ولا قائل به فيما أعلم، فدلَّ ذلك على أن ذلك الحكم مخصوص
بابنة أبي جهل وفاطمة ◌َّا.
٧ - (ومنها): أنه يؤخذ من هذا الحديث أن فاطمة لو رَضِيت بذلك لم
يُمنع عليّ من التزويج بابنة أبي جهل، أو بغيرها.
٨ - (ومنها): تحريم أذى من يتأذى النبيّ وَلفي بتأذيه؛ لأن أذى النبيّ وَل
حرام اتفاقاً قليله وكثيره، وقد جزم بأنه يؤذيه ما يؤذي فاطمة، فكل من وقع منه
في حقّ فاطمة شيء، فتأذت به فهو يؤذي النبيّ وَّ بشهادة هذا الخبر
الصحيح، ولا شيء أعظم في إدخال الأذى عليها من قَتْل وَلَدها، ولهذا عُرف
بالاستقراء معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشدّ.
٩ - (ومنها): بقاء عار الآباء في أعقابهم؛ لقوله: ((بنت عدو الله))، فإن
فيه إشعاراً بأن للوصف تأثيراً في المنع، مع أنها هي كانت مسلمة حسنة
الإسلام.
١٠ - (ومنها): ما قيل: إنه قد احتجّ به من منع كفاءة من مسّ أباه الرقّ،
ثم أُعتق بمن لم يمس أباها الرقّ، ومن مسه الرقّ بمن لم يمسها هي، بل مسّ
أباها فقط .
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم في ((كتاب النكاح)) أن الصحيح من مذاهب
العلماء أن الكفاءة تُعتبر بالدِّين فقط، لا بالنسب، ولا بالحِرَف، والصنائع؛
للأدلة الصحيحة الكثيرة التي ذُكرت هناك، فراجعها، تستفد، وبالله تعالى
التوفيق.
١١ - (ومنها): أن الغيراء إذا خُشي عليها أن تُفتن في دينها كان لوليّها أن
يسعى في إزالة ذلك، كما في حكم الناشز، كذا قيل، وفيه نظرٌ، ويمكن أن
يزاد فيه شَرْط أن لا يكون عندها من تتسلى به، ويخفف عنها الحملة كما
تقدم.
قال الحافظ: ومن هنا يؤخذ جواب مَن استَشكَلَ اختصاص فاطمة بذلك
مع أن الغيرة على النبيّ وَير أقرب إلى خشية الافتتان في الدين، ومع ذلك
فكان وَل* يستكثر من الزوجات، وتوجد منهنّ الغيرة، كما في هذه الأحاديث،

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
ومع ذلك ما راعى ذلك وَّل في حقهنّ، كما راعاه في حقّ فاطمة رضيإيّا.
ومحصل الجواب: أن فاطمة ﴿ّا كانت إذ ذاك كما تقدم فاقدةً مَن تَرْكَنُ
إليه ممن يؤنسها، ويزيل وحشتها، من أم، أو أخت، بخلاف أمهات المؤمنين،
فإن كل واحدة منهنّ كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك، وزيادةً عليه،
وهو زوجهنّ ◌َ﴿ لِمَا كان عنده من الملاطفة، وتطييب القلوب، وجَبْر
الخواطر، بحيث أن كل واحدة منهن ترضى منه لحسن خُلُقه، وجميل خَلْقه
بجميع ما يصدر منه، بحيث لو وُجد ما يُخشى وجوده من الغيرة لزال عن
قرب(٦) .
١٢ - (ومنها): ما قيل: إن فيه حجةً لمن منع الجمع بين الحرة والأمة،
هكذا قيل.
١٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه إكرام من ينتسب إلى الخير، أو الشرف، أو
الديانة(٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٨٨] ( ... ) - (حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن
مَعْمَر بن الحسن الهُذليّ الْقَطِيعِيّ، أصله هَرَويّ، ثقةٌ مأمونٌ [١٠] (ت٢٣٦) (خ
م س) تقدم في ((الرضاع)) ٣٥٦٩/١.
٢ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١.
(١) ((الفتح)) ٦٨١/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٣٠).
(٢) ((عمدة القاري)) ٢١٢/٢٠.

١٨٥
(١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِّ وَّه ◌ْوَّا - حديث رقم (٦٢٨٩)
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، لكن السياق هذا من أفراد المصنّف، وقد مضى
شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٨٩] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بُنُ عَمْرِو بْنٍ خَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيُّ، أَنَّ
ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ
يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﴿هَا لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَقَالَ لَهُ:
هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ (١)، تَأْمُرُنِي بِهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: لَا، قَالَ لَهُ: هَلْ أَنْتَ
مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، وَاْمُ اللهِ لَئِنْ
أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ أَبَداً، حَتَّى تَبْلُغَ نَفْسِي، إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ
بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ
عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَّا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَالَ: ((إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي وَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ
فِي دِينِهَا))، قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ صِهْراً لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدٍ شَمْسٍ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ
إِيَّهُ، فَأَحْسَنَ، قَالَ: ((حَدَّثَنِي، فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي، فَأَوْفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ
حَلَالاً، وَلَا أُحِلُّ حَرَاماً، وَلَكِنْ وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ، وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ
مَكَاناً وَاحِداً أَبَداً))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) الإمام الشهير، تقدّم قريباً.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد الزهريّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٤ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ،
(١) وفي نسخة: ((هل لك من حاجة)).

١٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
صدوقٌ، عارفٌ بالمغازي، رُمي برأي الخوارج [٦] (ت١٥١) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ(١) الدُّؤَلِيُّ) - بضمّ الدال، وفتح الهمزة،
الدِّيليّ بكسر الدال، وسكون التحتانية - المدنيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س) تقدم في
((الحيض)) ٨٠٦/٢٣.
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم قبل باب.
٧ - (عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، زين العابدين
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، قال ابن عيينة، عن الزهريّ: ما
رأيت قرشيّاً أفضل منه [٣] (ت٩٣) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((صلاة
المسافرين وقصرها)) ١٨١٨/٣٠.
و((المسور بن مخرمة
ذكر قبله.
رضّ
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من ثمانيّات المصنّف ◌َقْذَهُ فهو قريبٌ من أَنْزَلِ أسانيده، وفيه رواية
تابعيّ عن تابعيّ، وأنه مسلسل بالتحديث والإخبار إلا في موضع.
شرح الحديث:
(عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ) المخزوميّ المدنيّ، ثم الكوفيّ؛ أنه (حَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيُّ) بضمّ الدال المهملة، وفتح الهمزة، ويقال:
الدّيليّ بكسر الدال، وسكون التحتانيّة: نسبة إلى قبيلة. (أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ)
الزهريّ (حَدَّثَّهُ؛ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ) زين العابدين (حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُمْ)؛ أي: علَّيّاً
ومن معه من أهل بيته (حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ) وكان ذلك
في خلافته، (مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﴿ّ)؛ أي: في وقته، فالمقتل منصوب
على الظرفيّة الزمانيّة، وكان قَتْل الحسين ظُه يوم عاشوراء سنة (٦١) من
الهجرة وله (٥٦) سنةً. (لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم في ((الْمِسور)»،
وفتحها في ((مخرمة)) صحابي ابن صحابيّ ﴿ًّا. (فَقَالَ) المسور (لَهُ)؛ أي:
لعلّي بن الحسين ﴿ُهَا: (هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ) وفي بعض النسخ: ((هل لك
(١) ((حَلْحَلَة)) بحاءين مهملتين، بينهما لام ساكنة.

١٨٧
(١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِّ لَِّ ◌َّا - حديث رقم (٦٢٨٩)
من حاجة))؛ أي: تذكر لي حاجة لك؟ (تَأْمُرُنِي بِهَا؟)؛ أي: بقضائها، (قَالَ)
عليّ: (فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: للمسور، (لَا)؛ أي: لا حاجة لي إليك، (قَالَ) المسور
(لَهُ)؛ أي: لعليّ: (هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ) اسم فاعل من أعطى، مضاف إلى ياء
المتكلّم، ولذا شُدّدت الياء الإدغام الياء التي هي لام الكلمة في ياء المتكلّم.
(سَيْفَ رَسُولِ اللهِ وَّ﴾ قال الحافظ تَذَتُهُ: والذي يظهر أن المراد بالسيف
المذكور: ذو الفقار الذي تنفّله يوم بدر، ورأى فيه الرؤيا يوم أُحد، قال:
وأراد المسور بذلك صيانة سيف النبيّ ◌َ﴿؛ لئلا يأخذه من لا يعرف قَدْره،
وقال الكرمانيّ: مناسبة ذِكر المسور لقصة خطبة بنت أبي جهل عند طلبه
للسيف من جهة أن رسول الله وسلم كان يحترز عما يوجب وقوع التكدير بين
الأقرباء؛ أي: فكذلك ينبغي أن تعطيني السيف حتى لا يحصل بينك وبين
أقربائك كُدورة بسببه، أو كما أن رسول الله وَمير كان يراعي جانب بني عمه
العبشميين، فأنت أيضاً راع جانب بني عمك النوفليين؛ لأن المسور نوفليّ،
كذا قال، والمسور زهريّ، لا نوفليّ، قال: أو كما أن رسول الله وَلفهل كان
يحب رفاهية خاطر فاطمة ها، فأنا أيضاً أحب رفاهية خاطرك؛ لكونك ابن
ابنها، فأعطني السيف حتى أحفظه لك.
قال الحافظ: وهذا الأخير هو المعتمَد، وما قبله ظاهر التكلف. انتهى (١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((مُعْطِيَّ)) بضم الميم، وسكون العين، وكسر
الطاء، وتشديد الياء؛ يعني: هل أنت معطي سَيْف رسول الله وَ ◌ّ إياي، وكون
السيف عند آل عليّ ◌ُ يَحْتَمِل أن يكون النبيّ وَّ قد أعطاه لعليّ رَُّه في
حياته انتَقَل إلى زين العابدين، أو أعطاه أبو بكر ظُه، ثم انتقل إلى آله،
والظاهر: أن هذا السيف هو ذو الفَقار؛ لأن سبط ابن الجوزيّ ذكر في
((تاريخه)): ولم يزل ذو الفقار عنده وَله حتى وهبه لعليّ ربه قبل موته، ثم
انتقل إلى آله، وكانت له عشرة أسياف، منها ذو الفَقار تنفّله يوم بدر. انتهى (٢).
(فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ)؛ أي: يأخذوه منك بالقوّة والاستيلاء،
(١) ((الفتح)) ٣٧١/٧، كتاب ((فرض الخمس)) رقم (٣١١٠).
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٣/١٥.

١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
ويريد بالقوم: بني أمية، ومن يواليهم. (عَلَيْهِ)؛ أي: على هذا السيف،
(وَايْمُ اللهِ) تقدّم أنه مبتدأ خبره محذوف؛ أي: قَسَمي (لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ
إِلَيْهِ أَبَداً) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: لا يصل إليه أحد أبداً (حَتَّى تَبْلُغَ نَفْسِي)
يَحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، و((نفسي)) مرفوع بالفاعليّة؛ أي: حتى تبلغ
نفسي غايتها، بمعنى: حتى أموت، وضَبَطه بعضهم بالبناء للمفعول، وفسّره
بقوله: حتی تُقبض روحي.
وقال في ((التكملة)): يعني: أنني سوف أحتفظ بهذا السيف، ولن أسلّمه
إلى أئمة بني أميّة، وهم المراد من قوله: ((إني أخاف أن يغلبك القوم عليه))،
ولو اضطررت لحفظه إلى بذل نفسي. انتهى (١).
[تنبيه]: كتب في ((الفتح)) ما نصّه: ولا أزال أتعجب من المسور، كيف
بالغ في تعصبه لعلي بن الحسين، حتى قال: إنه لو أودع عنده السيف لا يُمَكِّن
أحداً منه حتى تزهق روحه؛ رعايةً لكونه ابن ابن فاطمة ◌ّا محتجّاً بحديث
الباب، ولم يراع خاطره في أن ظاهر سياق الحديث المذكور غضاضة على
عليّ بن الحسين؛ لِمَا فيه من إيهام غضّ من جدّه علي بن أبي طالب، حيث
أقدم على خطبة بنت أبي جهل على فاطمة، حتى اقتضى أن يقع من النبيّ وَليه
في ذلك من الإنكار ما وقع، بل أتعجب من المسور تعجباً آخر أبلغ من ذلك،
وهو أن يبذل نفسه دون السيف رعاية لخاطر ولد ابن فاطمة، وما بذل نفسه
دون ابن فاطمة نفسه، أعني الحسين والد عليّ الذي وقعت له معه القصة حتى
قُتل بأيدي ظلمة الولاة، لكن يَحْتَمِل أن يكون عُذْره أن الحسين لمّا خرج إلى
العراق ما كان المسور وغيره من أهل الحجاز يظنون أن أمره يئول إلى ما آل
إليه، والله أعلم. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وأنا لا أزال أتعجّب من الحافظ سامحه الله
تعالى حيث كتب هذا الكلام الذي فيه غضّ من المسور ظُه، فيا ليته لم
يكتبه، فإن المسور ظُه من الصحابة الذين يجب علينا أن لا نذكرهم إلا بخير
وفضل واحترام، ولا نذكر ما وقع منهم من بعض الأشياء التي انتقدها
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ١٧٩/٥.
(٢) ((الفتح)) ٣٢٧/٩.

١٨٩
(١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِّ لَحْ رُوّا - حديث رقم (٦٢٨٩)
أعداؤهم، وتوسّعوا فيها، وأوقدوا نيرانها، فإنهم بَشَر قد يصدر منهم ما يصدر
من البشر، ولكنهم مجتهدون مأجورون، فالواجب أن لا نتعرّض لمثل ذلك،
ولا نفتح لأعدائهم باب الشرّ.
وبالجملة فالمسور
؛ لا يُذكر إلا بخير ما فعله،
كسائر الصحابة
لصوعنه
ونكفّ عن غير ذلك إن كان هناك شيء، فلا يليق بنا أن نقول في حقّ
صحابيّ: أتعجّب من فلان، كيف فعل هذا؟، وكيف ترك هذا؟ فإن هذا معاونة
، والله تعالى
للأعداء، وتقوية لاعتقادهم الباطل في حقّ كثير من الصحابة
الهادي إلى سواء السبيل.
(إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ) اسمها جويرية،
ويقال: العوراء، ويقال: جميلة، وكان عليّ رظلاله قد أخذ بعموم الجواز، فلما
أنكر النبيّ وَ﴿ أعرض عليّ عن الْخِطْبة، فيقال: تزوجها عَّاب بن أَسِيد، وإنما
خَطَب النبيّ وَّرِ ليُشيع الحكم المذكور بين الناس، ويأخذوا به، إما على سبيل
الإيجاب، وإما على سبيل الأولوية.
قال الحافظ: وغَفَل الشريف المرتضى عن هذه النكتة، فزعم أن هذا
الحديث موضوع؛ لأنه من رواية المسور، وكان فيه انحراف عن عليّ، وجاء
من رواية ابن الزبير، وهو أشدّ في ذلك.
ورُدّ كلامه بإطباق أصحاب الصحيح على تخريجه. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): إنما ذكر المسور قصة خطبة عليّ بنت أبي جهل؛
لَيَعْلَم عليّ بن الحسين زين العابدين بمحبته في فاطمة، وفي نسلها؛ لِمَا سمع
من رسول الله وَلجر. انتهى(٢).
(فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وََّ) وقوله: (وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ) جملة في محلّ
نصب على الحال، (فِي ذَلِكَ)؛ أي: في شأن خِطبة عليّ بنت أبي جهل، (عَلَى
مِنْبَرِهِ هَذَا) يريد المنبر النبويّ في المسجد النبويّ، وقوله: (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ)
جملة حاليّة أيضاً، و((المحتلم)): بكسر اللام اسم فاعل من حَلَم، يقال: حَلَم
(١) ((الفتح)) ٤٤٣/٨، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٧٢٩).
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٤/١٥.

١٩٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
يَحْلُم، من باب قَتَلَ حُلُماً بضمّتين، وإسكان الثاني تخفيفٌ، واحتَلَمَ: رأى في
منامه رُؤيا، وحلم الصبيّ، واحتلم: أدرك وبلغ مبالغ الرجال، فهو حالمٌ،
ومحتَلِمٌ، قاله الفيّوميّ كَذُّهُ(١).
(فَقَالَ) وَلِهِ: ((إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي) هو بمعنى الرواية السابقة: ((بضعة مني))،
(وَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا)))؛ أي: أنها لا تصبر بسبب الغيرة، فتقع في
محظور شرعيّ. (قَالَ) المسور: (ثُمَّ ذَكَرَ) رسول الله وَرِ (صِهْراً لَهُ) الصِّهْرُ
بكسر، فسكون: جمعه أَصْهَارٌ، قال الخليل: الصِّهْرُ: أهل بيت المرأة، قال:
ومن العرب من يجعل الأَحْمَاءَ، والأَخْتَانَ جميعاً أَضْهَاراً، وقال الأزهريّ:
الصِّهْرُ يشتمل على قرابات النساء، ذوي المحارم، وذوات المحارم؛ كالأبوين،
والإخوة، وأولادهم، والأعمام، والأخوال، والخالات، فهؤلاء أَصْهَارُ زوج
المرأة، ومن كان من قِبَل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهم أَصْهَارُ المرأة
أيضاً، وقال ابن السكيت: كلّ من كان من قِبَل الزوج، من أبيه، أو أخيه، أو
عمه، فهم الأَحْمَاءُ، ومن كان من قِبَل المرأة، فهم الأَخْتَانُ، ويَجمع الصنفين
الأَصْهَارُ، وصَاهَرْتُ إليهم: إذا تزوجت منهم، ذكره الفيّوميّ تَّتُهُ(٢) .
(مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ) هو: أبو العاص بن الربيع بن ربيعة بن عبد العزى بن
عبد شمس بن عبد مناف، ويقال بإسقاط ربيعة، وهو مشهور بكنيته، واختُلِف
في اسمه على أقوال، أثبتها عند الزبير: مِقْسَم، وأمه هالة بنت خُويلد أخت
خديجة، فكان ابن أختها .
قال في ((الفتح)): وأصل المصاهرة: المقاربة، وقال الراغب: الصهر:
الْخَتَن، وأهل بيت المرأة، يقال لهم: الأصهار، قاله الخليل، وقال ابن
الأعرابيّ: الأصهار: ما يتحرّم بجوار، أو نَسَب، أو تزوُّج، وقال النوويّ:
الصهر يُطلق على أقارب الزوجين، والمصاهرة مقاربة بين المتباعدين، وعلى
هذا عمل البخاريّ، فإن أبا العاص بن الربيع ليس من أقارب نساء النبيّ وَله
إلا من جهة كونه ابن أخت خديجة، وليس المراد هنا نِسبته إليها، بل إلى
تزوجه بابنتها، وتزوج زينب بنت رسول الله و 8* قبل البعثة، وهي أكبر بنات
(١) ((المصباح المنير)) ١٤٨/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٤٩/١.

١٩١
(١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِّ لَ حَ حْوَّا - حديث رقم (٦٢٨٩)
النبيّ وَّه، وقد أُسر أبو العاص ببدر مع المشركين، وَفَدَتْه زينب، فَشَرَط عليه
النبيّ ◌َ﴿ أن يُرسلها إليه، فوفى له بذلك، فهذا معنى قوله في آخر الحديث:
((ووعدني، فوفى لي)»، ثم أُسر أبو العاص مرة أخرى، فأجارته زينب، فأسلم،
فردّها النبيّ وَ﴿ إلى نكاحه، وولدت أُمامة التي كان النبيّ وَّ ر يحملها، وهو
يصلي، كما تقدم في ((الصلاة))، وولدت له أيضاً ابناً اسمه عليّ، كان في زمن
النبيّ وَ له مراهقاً، فيقال: إنه مات قبل وفاة النبيّ وَّر.
وأما أبو العاص فمات سنة اثنتي عشرة، ذكره في ((الفتح))(١).
(فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، فَأَحْسَنَ) ثم أشار إلى إحسانه في مصاهرته
بقوله: (قَالَ) بَيِّ: ((حَدَّثَنِي)؛ أي: أبو الربيع، (فَصَدَقَنِي) بتخفيف الدال، قال
في ((الفتح)): لعله كان شَرَط على نفسه أن لا يتزوج على زينب، وكذلك عليّ،
فإن لم يكن كذلك فهو محمول على أن عليّاً نسي ذلك الشرط، فلذلك أقدم
على الْخِطبة، أو لم يقع عليه شرط؛ إذ لم يصرّح بالشرط، لكن كان ينبغي له
أن يراعي هذا القَدْر، فلذلك وقعت المعاتبة، وكان النبيّ ◌َّهِ قَلّ أن يواجه
أحداً بما يعاب به، ولعله إنما جهر بمعاتبة عليّ مبالغةً في رضا فاطمة ◌ِهَا،
وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة، ولم يكن حينئذ مَنْ تأخّر من بنات النبيّ وَله
غيرها، وكانت أصيبت بعد أمها بإخوتها، فكان إدخال الغيرة عليها مما يزيد
حزنها(٢).
(وَوَعَدَنِي، فَأَوْفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالاً، وَلَا أُحِلُّ حَرَاماً، وَلَكِنْ
وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ، وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ مَكَاناً وَاحِداً أَبَداً))) قال في
(العمدة)): قد أعلم وَالر بذلك بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعليّ ◌َظُه، ولكن
نَّهَى عن الجمع بينها وبين فاطمة ابنته وَّة؛ لعلتين منصوصتين: إحداهما: أن
ذلك يؤذيني؛ لأن إيذاء فاطمة إيذاءاً لي، والأخرى: خوف الفتنة عليها بسبب
الغيرة. انتهى (٣).
(١) ((الفتح)) ٤٤٢/٨ - ٤٤٣، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٧٢٩).
(٢) ((الفتح)) ٤٤٣/٨، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٧٢٩).
(٣) ((عمدة القاري)) ٣٤/١٥.

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، وبيان مسائله في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو
الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ
مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ
رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ أَتَتِ النَّبِيَّ نَّهِ، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمََكَ
يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيَّ نَاكِحاً ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ الْمِسْوَرُ:
فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا
الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَحَدَّثَنِي، فَصَدَقَتِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّي، وَإِنَّمَا
أَكْرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا، وَإِنَّهَا وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ عِنْدَ رَجُلٍ
وَاحِدٍ أَبَدَا))، قَالَ: فَتَرَكَ عَلِيِّ الْخِطْبَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((أبو السمان)) هو: الحكم بن نافع
الحمصيّ، و((شُعيب)) هو: ابن أبي حمزة الحمصيّ أيضاً.
وقوله: (فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ) وفي رواية
البخاريّ: ((إن عليّاً خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة، فأتت
رسول الله وَّقة، فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك)).
وقولها: (وَهَذَا عَلِيٍّ نَاكِحاً ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ) هكذا الرواية عند مسلم
(ناكحاً)) بالنصب، ووجهه أنه منصوب على الحال المنتظرة من عليّ، وقال
القرطبيّ: كذا الرواية: ((ناكحاً)) بالنصب على الحال؛ لأنَّ الكلام قبله مستقلّ
بنفسه؛ لأنَّ قولها: ((هذا عليّ)؛ كقولك: هذا زید، لکنْ رَفْعه أحسن لو رُوي؛
لأنَّه هو المقصود بالإفادة، و((عليّ)) توطئة له. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لو رُوي ... إلخ)) قد روي ذلك عند
(١) ((المفهم)) ٣٥٣/٦.

١٩٣
(١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ التَِّّ لَهْ رُّ - حديث رقم (٦٢٩١)
البخاريّ، ولفظه: ((وهذا عليّ ناكح ... إلخ)) بالرفع، فيكون خبراً لاسم
الإشارة بعد خبر، أو صفة لعليّ.
قال في ((العمدة)): وإطلاق اسم الناكح عليه مجازٌ باعتبار ما كان قصد
إليه. انتهى(١).
وقوله: (فَتَرََكَ عَلِيِّ الْخِطْبَةَ) بكسر الخاء؛ يعني: خِطبته لابنة أبي جهل
وغیرها، ولم يتزوَّج عليها، ولا تسرَّی حتى ماتت ◌ُا.
والحديث متَّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ - يَعْنِي: ابْنَ
جَرِيرٍ - عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ - يَعْنِي: ابْنَ رَاشِدٍ - يُحَدِّثُ عَنِ الزّهْرِيِّ
بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ) هو: زيد بن يزيد الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [١١] (م)
من أفراد المصنّف تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧.
٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزديّ البصريّ،
ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٥/٥٠.
٣ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر
البصريّ، ثقةٌ، لكن في حديثه عن قتادة ضعفٌ، وله أوهام إذا حدّث من حفظه
[٦] مات سنة سبعين ومائة، بعدما اختَلَط، لكن لم يحدّث في حال اختلاطه
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨١/٦.
٤ - (التُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ) الجزريّ، أبو إسحاق الرَّقّيّ، مولى بني أمية،
صدوقٌ سيئ الحفظ [٦] (خت م ٤) تقدم في ((النكاح)) ٢٠/ ٣٥٣٧ ..
و((الزهريّ)) ذُكر قبله.
(١) ((عمدة القاري)) ٢٣١/١٦.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
[تنبيه]: رواية النعمان بن راشد عن الزهريّ ساقها الإمام أحمد نَّتُهُ في
((مسنده))، فقال:
(١٨٩٣١) - حدّثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعت النعمان
يحدّث عن الزهريّ، عن عليّ بن حسين، عن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة؛ أن عليّاً
خطب ابنة أبي جهل، فؤُعد بالنكاح، فأتت فاطمة النبيّ 9َّ، فقالت: إن
قومك يتحدّثون أنك لا تغضب لبناتك، وإن عليّاً قد خطب ابنة أبي جهل، فقام
النبيّ وَّ، فحمِد الله، وأثنى عليه، وقال: إنما فاطمة بضعة مني، وإني أكره
أن تفتنوها، وذكر أبا العاص بن الربيع، فأكثر عليه الثناء، وقال: لا يُجْمَع بين
ابنة نبي الله، وبنت عدوّ الله، فَرَفَض عليّ ذلك. انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٢] (٢٤٥٠) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ
- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ - عَنْ أَبِهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ
- وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ
الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ دَعَا فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ، فَسَارَّهَا،
فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا، فَضَحِكَتْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ: مَا هَذَا الَّذِي سَارَّكِ
بِهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَبَكَيْتِ، ثُمَّ سَارَّكِ، فَضَحِكْتِ؟ قَالَتْ: سَارَّنِ، فَأَخْبَرَنِي بِمَوْتِهِ،
فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِ، فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ مِنْ أَهْلِهِ، فَضَحِكْتُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم) بشير التُّركيّ، أبو نصر البغداديّ، تقدّم
ء
قريباً .
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ،
تقدّم أيضاً قريباً .
٣ - (أَبُوهُ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم أيضاً
قريباً .
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٢٦/٤.

١٩٥
(١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةً بِنْتِ النَّبِّ وَه ◌ِ﴿ّا - حديث رقم (٦٢٩٣)
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: إبراهيم بن سعد المذكور قبل التحويل هو والد يعقوب بن
إبراهيم المذكور بعد التحويل، ووالده هو: سعد بن إبراهيم، فتنبّه.
شرح الحديث:
عن يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الزهريّ، أبي يوسف المدنيّ، نزيل بغداد؛ أنه
قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعد المذكور قبل التحويل، (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ؛ (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ،
أَنَّ عَائِشَةَ) أم المؤمنين (حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ دَعَا فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ)
(فَسَارَّهَا)؛ أي: كلّمها سرّاً (فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا) ثانياً (فَضَحِكَتْ، فَقَالَتْ
عَائِشَةُ) ﴿ُّ: (فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ) ◌ًَّا: (مَا) استفهاميّة، (هَذَا الَّذِي سَارَّكِ بِهِ
رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَبَكَيْتٍ، ثُمَّ سَارَّكِ، فَضَحِكْتٍ؟ قَالَتْ) فاطمة: (سَارَّنِي) وَّل
(فَأَخْبَرَنِي بِمَوْتِهِ، فَبَكَيْتُ) لذلك (ثُمَّ سَارَّنِي) ثانياً (فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ)
إلى الدار الآخرة (مِنْ أَهْلِهِ، فَضَحِكْتُ)؛ أي: استبشاراً، وفرحاً بذلك.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
التالي - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٣] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو
عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ
النَّبِيِّ وَّهِ عِنْدَهُ، لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا
مِنْ مِشْيَةٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ شَيْئاً، فَلَمَّا رَآهَا رَخَّبَ بِهَا، فَقَالَ: ((مَرْحَباً بِابْنَتِي))، ثُمَّ
أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ بُكَاءٍ شَدِيداً، فَلَمَّا رَأَى
جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ وَهُ مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ
بِالسِّرَارِ، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ وَرِ سَأَلْتُهَا: مَا قَالَ لَكِ
رَسُولُ اللهِ؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِي عَلَى رَسُولِ اللهِلِه ◌ِرَّهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا
تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ لَيهِ قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَّا حَدَّثْتِنِي مَا

١٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِِّ، فَقَالَتْ: أَمَّا الآنَ فَنَعَمْ، أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ
الأُولَى، فَأَخْبَرَنِي ((أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنٍ،
وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنٍ، وَإِنِّي لَا أُرَى الأَجَلَ إِلَّ قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِ اللهَ، وَاصْبِرِي،
فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَِكِ))، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي
سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: ((يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَيْ(١) أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ
سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ»، قَالَتْ: فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُوِ كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنةً (خت م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وَضّاح اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ
ثبتٌ [٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٣ - (فِرَاسُ) - بكسر أوله، وبمهملة - ابن يحيى الْهَمْدانيّ الخارفيّ
- بمعجمة، وفاء - أبو يحيى الكوفيّ المكتب، صدوقٌ ربما وَهِمَ [٦] (ت١٢٩)
(ع) تقدم في ((الأيمان)) ٤٢٩٠/٨.
٤ - (عَامِرُ) بن شَرَاحيل الشَّعْبي، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ مشهورٌ فقيهٌ
فاضلٌ [٣] قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة، وله نحو من
ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٥ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ،
مخضرٌ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] (ت٢ أو٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧.
و«عائشة» پنا ذُكرت قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه
عائشة غيرنا من المكثرين السبعة.
(١) وفي نسخة: ((أما ترضين)).

(١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّلَّهِ حَّا - حديث رقم (٦٢٩٣)
١٩٧
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) هَؤُها؛ أنها (قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ وَّ) هذا على لغةِ
((أكلوني البراغيث))، كما قال في ((الخلاصة)):
وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا
ولفظ البخاريّ: ((كنّا أزواجَ النبيّ وَّه)) بنصب ((النبيّ)) على الاختصاص.
(عِنْدَهُ) وَ (لَمْ يُغَادِرْ) بالبناء للفاعل؛ أي: لم تترك مكانها، من
المغادرة، وهو الترك. (مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ) ابنتهِهْتَّا (تَمْشِي، مَا
تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا) بكسر الميم؛ لأن الفِعْلة بالكسر للحالة، وبالفتح للمرة (١). (مِنْ
مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ وَلِّ شَيْئاً) ولفظ البخاريّ: (كأن مشيتها مَشيُّ النبيّ ◌ِمِيا))،
فـ(مشيُ)) مرفوع؛ لأنه خبر ((كأنّ)) بالتشديد، وكان ◌َّ إذا مشى كأنه ينحدر من
صبب؛ أي: من موضع منحدر(٢).
وقال في ((الفتح)) ما حاصله: وفي أول هذا الحديث من رواية مسروق
عن عائشة: ((فأقبلت فاطمة ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله صلفيه، فلما رآها
رحّب بها، فقال: مرحباً بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه، أو عن شماله، ثم
سارّها، فبكت بكاءً شديداً))، ولأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبان،
والحاكم، من طريق عائشة بنت طلحة، عن عاشه قالت: ((ما رأيت أحداً أشبه
سَمْتاً، وهَدياً، ودَلّاً برسول الله وَ له بقيامها، وقعودها، من فاطمة، وكانت إذا
دخلت على النبيّ وَّ﴿ قام إليها، وقبّلها، وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل
عليها فعلت ذلك، فلما مَرِضَ دخلت عليه، فأكبّت عليه تقبّله))، واتفقت
الروايتان على أن الذي سارّها به أوّلاً، فبكت هو إعلامه إياها بأنه ميت من
مرضه ذلك، واختَلَفا فيما سارّها به ثانياً، فضحكت، ففي رواية عروة - يعني:
الرواية الماضية - أنه إخباره إياها بأنها أول أهله لحوقاً به، وفي رواية مسروق
هذه أنه إخباره إياها بأنها سيدة نساء أهل الجنة، وجَعَلَ كونَها أول أهله لحوقاً
به مضموماً إلى الأول وهو الراجح، فإن حديث مسروق يشتمل على زيادات
ليست في حديث عروة، وهو من الثقات الضابطين، فمما زاده مسروق قول
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٤/١٦.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٦/ ١٥٤.

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ﴾
عائشة: ((فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن، فسألتها عن ذلك،
فقالت: ما كنت لأُفشي سرّ رسول الله وَ﴿ حتى تُوُفّي النبيّ وَّرَ، فسألتها،
فقالت: أسرّ إليّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كلَّ سنة مرّةً، وأنه عارضني
العام مرتين، ولا أراه إلا حَضَر أجلي، وأنك أول أهل بيتي لحوقاً بي))،
وقولها: ((كأن مشيتها)) هو بكسر الميم؛ لأن المراد الهيئة، وقولها: ((ما رأيت
كاليوم فرحاً))، تقديره: ما رأيت كفرح اليوم فرحاً، أو ما رأيت فرحاً كفرح رأيته
اليومَ، وقولها: ((حتى تُوُفّي)) متعلق بمحذوف، تقديره: فلم تقل لي شيئاً حتى
تُؤُفّي، وقد طَوَى عروة هذا كله، فقال في روايته بعد قوله: ((فضحكت، فسألناها
عن ذلك، فقالت: سارّني أنه يُقبض في وجعه الذي تُوُفّي فيه ... )) الحديث.
وفي رواية عائشة بنت طلحة من الزيادة: ((أن عائشة لمّا رأت بكاءها
وضحكها قالت: إن كنت لأظنّ أن هذه المرأة أعقل النساء، فإذا هي من
النساء)). ويَحْتَمِل تعدد القصة، ويؤيده الجزم في رواية عروة بأنه ميت من
وجعه ذلك، بخلاف رواية مسروق، ففيها أنه ظنّ ذلك بطريق الاستنباط، مما
ذكره من معارضة القرآن.
وقد يقال: لا منافاة بين الخبرين إلا بالزيادة، ولا يمتنع أن يكون إخباره
بأنها أول أهله لحوقاً به سبباً لبكائها، أو ضحكها معاً باعتبارين، فذكر كلّ من
الراويين ما لم يذكره الآخر. وقد روى النسائيّ من طريق أبي سلمة، عن عائشة
في سبب البكاء أنه ميت، وفي سبب الضحك الأمرين الآخرين.
ولابن سعد من رواية أبي سلمة عنها أن سبب البكاء موته، وسبب
الضحك أنها سيدة النساء.
وفي رواية عائشة بنت طلحة عنها أن سبب البكاء موته، وسبب الضحك
لحاقها به .
وعند الطبريّ من وجه آخر عن عائشة؛ أنه قال لفاطمة: ((إن جبريل
أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المسلمين أعظم ذريّة منك، فلا تكوني أدنى
امرأة منهن صبراً)). انتهى(١).
(١) ((الفتح)) ٥٩٦/٩ - ٥٩٧، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٤٣٣).

١٩٩
(١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ لَحْ ﴿َا - حديث رقم (٦٢٩٣)
(فَلَمَّا رَآهَا رَخَّبَ بِهَا) بتشديد الحاء المهملة، من الترحيب؛ أي: قال
لها: مرحباً. (فَقَالَ: ((مَرْحَباً بِابْتَتِي))) قال الأصمعي: معنى قوله: ((مرحباً»:
لَقِيت رُحباً وسعةً، وقال الفرّاء: نُصِب على المصدر، وفيه معنى الدعاء
بالرُّحب والسعة، وقيل: هو مفعول به؛ أي: لقيت سعةً، لا ضِيقاً (١).
وقال القاضي في ((المشارق)): ((مَرْحباً)) منوناً كلمة تقال عند المبرة للقادم
الوافد، ولمن يُلْقَى، ويُجتمع به بعد مغيب، ومعناها: صادفت رُحْباً؛ أي:
سعةً، نُصبت على المفعول، وقيل: على المصدر؛ أي: رحّب الله بك مرحباً،
وُضع موضع الترحيب، وهو مذهب الفراء. انتهى(٢).
(ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ) شكّ من الراوي، (ثُمَّ سَارَّهَا)
بتشديد الراء، وأصله: ساررها؛ أي: تكلّم معها سِرّاً، (فَبَكَتْ بُكَاءٍ شَدِيداً،
فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَضَحِكَتْ) قال القرطبيّ تَُّ: وهذا كان لمّا
اشتدَّ مرضُه وَّه، ومُرِّض في بيت عائشة ﴿ّا، قال: وبكاء فاطمة ◌َيّا في أول
مرَّة كان حزناً على النبيّ وَ ل﴿ لمّا أعلمها بقرب أجله، وضحكها ثانية فرحاً بما
بشَّرها به من السلامة من هذه الدار، ولقرب الاجتماع به، وبالفوز بما لها
عند الله من الكرامة، وكفى بذلك أن قال لها: «إنها سيدة نساء أهل الجنة)).
(٣)
انتھی(٣).
قالت عائشة: (فَقُلْتُ لَهَا)؛ أي: لفاطمة، (خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ لَّهِ مِنْ بَيْنِ
نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ) بالكسر: المُسارّة؛ أي: الكلام بالسّرّ، (ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ
رَسُولُ اللهِ وَ لِ سَأَلْتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ وَهِ؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أَقْشِي) بضم
الهمزة، من الإفشاء، وهو الإظهار والنشر، (عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلَه سِرَّهُ، قَالَتْ:
فَلَمَّا تُوُنِّي) بالبناء للمفعول، (رَسُولُ اللهِ وَّهِ قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ)؛ أي: أقسمت
عليك (بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ)؛ أي: حيث إنها أمها زوجة أبيها، (لَمَّا حَدَّثْتِنِي
مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ وَ﴿) ((لَمّا)) بفتح اللام، وتشديد الميم هي هنا بمعنى إلا ،
حرف استثناء، وتدخل على الجملة الاسمية، نحو: قوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّاً
(١) ((الفتح)) ٤٧/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٧٦).
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٢٨٥/١.
(٣) ((المفهم)) ٣٥٥/٦ - ٣٥٧.

٢٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
[الطارق: ٤]، فيمن شَدّد الميم، وعلى الماضي لفظاً لا معنى،
عَلَيْهَا حَافِظٌ
نحو: أنشدك الله لَمّا فعلت؛ أي: ما أسألك إلا فعلك، وهنا أيضاً المعنى: لا
أسألك إلا إخبارك بما سارّك رسول الله وَله، أفاده في ((العمدة))(١).
(فَقَالَتْ: أَمَّا الآنَ) قال الفيّوميّ ◌َخْذُ: ((الآنَ)): ظرف للوقت الحاضر
الذي أنت فيه، ولَزِم دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأن التعريف
تمييز المشتركات، وليس لهذا ما يَشْرَكه في معناه، قال ابن السرّاج: ليس هو
آن وآن، حتى يدخل عليه الألف واللام للتعريف، بل وُضع مع الألف واللام
للوقت الحاضر، مثل الثريّا، والذي، ونحو ذلك. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أشار ابن مالك تَخُّْهُ إلى هذا في ((الخلاصة))
حيث قال:
وَقَدْ تُزَادُ لَازِماً كَـ(اللَّاتِ)) و((الآنَ)) و((الَّذِينَ)) ثُمَّ ((اللات))
(فَنَعَمْ، أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الأُولَى، فَأَخْبَرَنِ ((أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ
الْقُرْآنَ) من المعارضة، وهي المقابلة، ومنه عارضت الكتاب بالكتاب؛ أي:
قابلت به(٣). (فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةَ، أَوْ مَرَّتَيْنٍ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، ووقع
في الرواية التالية من طريق زكريّاء عن فراس بلفظ: ((أن جبريل كان يعارضه
بالقرآن كلّ عام مرّة)) دون شكّ، وهو الصواب.
قال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((مرّةً، أو مرّتين)) هكذا وقع في هذه الرواية،
وذِكر المرتين شكّ من بعض الرواة، والصواب حذفها، كما في باقي
الروايات. انتهى (٤) .
(وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنٍ) قال القرطبيّ تَخْلُ: كون جبريل يعارض
النبيّ وَ ﴿ بالقرآن كل سنة مرَّة يدلّ على استحباب عرض القرآن على الشيوخ،
ولو مرَّة في السَّنة، ولمّا عارضه في آخر سنة مرتين استَدَلّ النبيّ وَّ بذلك على
قُرب أجله من حيث مخالفة العادة المتقدِّمة، والله تعالى أعلم.
قال: وكان النبيّ وَلَّ كَثُر عليه الوحي في أواخر حياته حتى كثر عليه
(١) ((عمدة القاري)) ٢٦٦/٢٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٥٤/١٦.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣١/١.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٦/١٦.