النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥)
فَأَتْقَنَّحُ، أُّ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْع؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ، ابْنُ أَبِي
زَرْعٍ، فَمَا ابْنُ أَبِيَ زَرْعٍ؟ مَضْجِعُهُ كَمَّسَلٌ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ، بِنْتُ
أَبِيَّ زَرْعٍ، فَمَا بِنْتُ أَبِيَّ زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِيهَا، وَطَوْعُ أُمِّهَا، وَمِلْءُ كِسَائِهَا، وَغَيْظُ
جَارَتِهَا، جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، فَّمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْع؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيئاً، وَلَا
تُتَّقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثاً، وَلَا تُمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشاً، قَالَّتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ، وَالأَوْطَابُ
تُمْخَضُ، فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانٍ لَهَا، كَالْفَهْدَيْنِ، يَلْعَبَانٍ مِنْ تَخْتِ خَصْرِهَا
بِرُمَّانَتَيْنِ، فَطَلَّقَنِي، وَنَكَحَهَا، فَتَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلاً سَرِيّاً، رَكِبَ شَرِيّاً، وَأَخَذَ
خَطِّيّاً، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَماً ثَرِيّاً، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجاً، قَالَ: كُلِي أُمَّ
زَرْعٍ، وَمِيرِي أَهْلَكِ، فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِي مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةٍ أَبِي
زَرْعٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ ذَرْعٍ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ) - بفتح الجيم، وتخفيف النون - ابن المغيرة المصيصيّ،
أبو الوليد، صدوق [١٠] (٢٣٠) (م دس) تقدم في ((الجهاد والسير)) ٢٨/ ٤٦٠٧.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ،
نزل الشام مرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت١٨٧) وقيل: (١٩١) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام، أبو بكر الأسديّ المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٣] بقي إلى أواخر دولة بني أمية، وكان مولده سنة خمس
وأربعين (خ م ت س ق) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٧١١/١٧.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن
بعض، ورواية الراوي عن أخيه عن أبيهما، عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء
السبعة، وعائشة ﴿ من المكثرين السبعة.

١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة .
شرح الحديث:
عن (عِيسَى بْنِ يُونُسَ)؛ أنه قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَخِيهِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةً) وفي رواية أبي يعلى في ((مسنده)(١) عن أحمد بن جناب،
عن عيسى بن يونس، عن هشام، أخبرني أخي عبد الله بن عروة.
قال في ((الفتح)): وهذا من نوادر ما وقع لهشام بن عروة في حديثه عن
أبيه، حيث أدخل بينهما أخاً له واسطة، ومثله ما في ((اللباس)) من صحيح
البخاريّ من طريق وهيب، عن هشام بن عروة، عن أخيه عثمان، عن عروة،
وقد وقع له فيه رواية بواسطة اثنين بينه وبين أبيه، ولم يختلف على عيسى بن
يونس في إسناده، وسياقه، لكن حَكَى عياض عن أحمد بن داود الحرّانيّ أنه
رواه عن عيسى، فقال في أوله: عن عائشة، عن النبيّ وَّر، وساقه بطوله
مرفوعاً كلُّه، وكذا حكاه أبو عبيد أنه بلغه عن عيسى بن يونس، وتابع عيسى بن
يونس على روايته مفصلاً فيما حكاه الخطيب سُويد بن عبد العزيز، وكذا
سعيد بن سلمة، عن أبي الحسام، كلاهما عن هشام.
قال الحافظ: وستأتي روايته تعليقاً - أي: عند البخاريّ - وأذكر من
وَصَلها عند الفراغ من شرح الحديث.
وخالفهم الهيثم بن عديّ، فيما أخرجه الدارقطنيّ في الجزء الثاني من
(الأفراد)»، فرواه عن هشام بن عروة، عن أخيه يحيى بن عروة، عن أبيه،
وخَطّأه الدارقطنيّ في ((العلل))، وصوّب أنه عبد الله بن عروة، وقال عقبة بن
خالد، وعباد بن منصور، وروايتهما عند النسائيّ، والدراورديّ، وعبد الله بن
مصعب، وروايتهما عند الزبير بن بكار، وأبو أويس، فيما أخرجه ابنه عنه،
وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وروايته عند الطبرانيّ، وأبو معاوية، وروايته عند
أبي عوانة في ((صحيحه)) كلهم: عن هشام بن عروة، عن أبيه، بغير واسطة.
وأدخل بينهما واسطة أيضاً عقبة بن خالد، فرواه عن هشام بن عروة، عن
يزيد بن رُومان، عن عروة، لكن اقتصر على المرفوع، وبَيَّن ذلك البزار، قال
(١) مسند أبي يعلى)) ١٥٤/٨، وعزا في ((الفتح)) هذه الرواية لمسلم، لكني لم أجدها
فيما بين يدي من نُسخ مسلم، والله تعالى أعلم.

١٢٣
(١٤) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ أُمِّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥)
الدارقطنيّ: وليس ذلك بمدفوع، فقد رواه أبو أويس أيضاً، وإبراهيم بن أبي
یحیی، عن یزید بن رُومان. انتھی.
ورواه عن عروة أيضاً حفيده عُمر بن عبد الله بن عروة، وأبو الزناد، وأبو
الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، إلا أنه كان يقتصر على المرفوع منه،
وينكر على هشام بن عروة سياقه بطوله، ويقول: إنما كان عروة يحدثنا بذلك
في السفر بقطعة منه، ذكره أبو عبيد الآجريّ في أسئلته عن أبي داود.
قال الحافظ: ولعل هذا هو السبب في تَرْك أحمد تخريجه في ((مسنده))
مع كِبَره، وقد حدّث به الطبرانيّ عن عبد الله بن أحمد، لكن عن غير أبيه.
وقال العقيليّ: قال أبو الأسود: لم يرفعه إلا هشام بن عروة، قلت(١):
المرفوع منه في ((الصحيحين)): ((كنت لك كأبي زرع لأم زرع))، وباقيه من قول
عائشة.
وجاء خارج الصحيح مرفوعاً كلّه من رواية عباد بن منصور، عند
النسائيّ، وساقه بسياق لا يقبل التأويل، ولفظه: ((قال لي رسول الله وَ ليّ:
(كنت لك كأبي زرع لأم زرع))، قالت عائشة: بأبي وأمي يا رسول الله، ومن
كان أبو زرع؟ قال: اجتمع نساء ... )) فساق الحديث كلّه، وجاء مرفوعاً أيضاً
من رواية عبد الله بن مصعب، والدراورديّ، عند الزبير بن بكار، وكذا رواه
أبو معشر، عن هشام وغيره من أهل المدينة، عن عروة، وهي رواية الهيثم بن
عديّ أيضاً، وكذا أخرجه النسائيّ من رواية القاسم بن عبد الواحد، عن عمر بن
عبد الله بن عروة، وقد رواه أحمد بن داود، عن عيسى بن يونس، كذلك، قال
عياض: وكذا ظاهر رواية حنبل بن إسحاق، عن موسى بن إسماعيل، عن
سعيد بن سلمة، بسنده المتقدم، فإن أوله عنده: ((قال لي رسول الله وَله: كنت
لك كأبي زرع لام زرع))، ثم أنشأ يحدّث حديث أم زرع، قال عياض: يَحْتَمِل
أن يكون فاعل أنشأ هو عروةً، فلا يكون مرفوعاً، وأخذ القرطبيّ هذا
الاحتمال، فجزم به، وزعم أن ما عداه وَهَمِّ، وسبقه إلى ذلك ابن الجوزيّ.
قال الحافظ: لكن يعكر عليه أن في بعض طرقه الصحيحة: ((ثم أنشأ
(١) القائل هو: الحافظ، فتنبّه.

١٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
رسول الله * يحدّث))، وذلك في رواية القاسم بن عبد الواحد، ولفظه: ((كنت
لك كأبي زرع لأم زرع))، ثم أنشأ رسول الله وَلا يحدّث، فانتفى الاحتمال.
ويُقَوِّي رَفْع جميعه أن التشبيه المتَّفق على رفعه يقتضي أن يكون النبيّ وَّل
سمع القصّة، وعرفها، فأقرّها، فيكون كله مرفوعاً من هذه الحيثية، ويكون
المراد بقول الدارقطنيّ والخطيب وغيرهما من النقاد: إن المرفوع منه ما ثبت
في (الصحيحين))، والباقي موقوف من قول عائشة، هو أن الذي تلفّظ به
النبيّ ◌َ﴿ لمّا سمع القصّة من عائشة هو التشبيه فقط، ولم يريدوا أنه ليس
بمرفوع حكماً، ويكون مَن عَكَس ذلك، فنسب قَصَّ القصّة من ابتدائها إلى
انتهائها إلى النبيّ وَ﴿ واهماً كما سيأتي بيانه. انتهى كلام الحافظ تَُّ(١)، وهو
بحثٌ نفيسٌ جدّاً، خلاصته: أن الحديث مرفوع كلّه من حيث المعنى؛ لأنه وَال
سمع عائشة تُحدّث به، فأقرّها عليه، وأما من حيث اللفظ فالمرفوع قوله ◌َّ:
((كنت لك كأبي زرع لأم زرع))، والله تعالى أعلم.
(عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) عِيُّهَا؛ (أَنَّهَا قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً) قال
النوويّ كَّلهُ: هكذا هو في معظم النسخ، وفي بعضها: ((جلسن)) بزيادة نون،
وهي لغة قليلة، سبق بيانها في مواضع، منها: حديث: ((يتعاقبون فيكم
ملائكة))، وإحدى عشرة، وتسع عشرة، وما بينهما يجوز فيه إسكان الشين،
وكسرها، وفتحها، والإسكان أفصح، وأشهر. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): قال ابن التين تَّتُ: التقدير: جلس جماعة إحدى عشرة،
وهو مثل: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ اٌلْمَدِينَةِ﴾ [يوسف: ٣٠]، وفي رواية أبي عوانة: ((جلست))،
وفي رواية أبي عليّ الطبريّ في مسلم: ((جلسن)) بالنون، وفي رواية للنسائيّ:
((اجتَمَع))، وفي رواية أبي عُبيد: ((اجتمعت))، وفي رواية أبي يعلى: (اجتمعن))، قال
القرطبيّ: زيادة النون على لغة أكلوني البراغيث، وقد أثبتها جماعة من أئمة
العربية، واستشهدوا لها بقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ الآية [الأنبياء: ٣]،
وقوله تعالى: ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَقُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ الآية
[المائدة: ٧١]، وحديث: ((يتعاقبون فيكم ملائكةٌ))، وقول الشاعر [من الطويل]:
(١) ((الفتح)) ٩/ ٢٥٧.
(٢) ((شرح النووي)) ٢١٢/١٥.

١٢٥
(١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمَّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥)
بِحَوْرَانَ يَعْصِرْوَنَ السَّلِيطَ أَقَارِبُهْ
وَلَكِنْ دِيَافِيٌّ أَبُوهُ وَأُمُهُ
وقوله [من المتقارب]:
يلٍ قَوْمِي فَكُلُّهُمُ يَعْذُلُ
يَلُومُونَنِي فِي اشْتِرَاءِ النَّخِـ
وقد تكلف بعض النحاة ردّ هذه اللغة إلى اللغة المشهورة، وهي أن لا
يلحق علامة الجمع، ولا التثنية، ولا التأنيث في الفعل، إذا تقدم على
الأسماء، وخرّج لها وجوهاً، وتقديرات في غالبها نظرٌ، ولا يحتاج إلى ذلك
بعد ثبوتها نقلاً، وصحتها استعمالاً، والله أعلم.
وإلى ما ذُكر أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) حيث قال:
لاثْنَيْنِ أَوْ جَمْع كَـ«فَازَ الشُّهَدَا)»
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا
والْفِعْلُ لِلظَّأَهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
وَقَدْ يُقَالُ: (سَعِدَا وَسَعِدُوا))
وقال عياض: الأشهر ما وقع في ((الصحيحين))، وهو توحيد الفعل مع
الجمع، قال سيبويه: حُذِفَ اكتفاءً بما ظهر، تقول مثلاً: قام قومك، فلو تقدم
الاسم لم يحذف، فتقول: قومك قام، بل قاموا، ومما يوجه ما وقع هنا أن
يكون إحدى عشرة بدلاً من الضمير في ((اجتمعن))، والنون على هذا ضمير، لا
حرف علامة، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: مَن هنّ؟ فقيل:
إحدى عشرة، أو بإضمار أعني، وذكر عياض أن في بعض الروايات: ((إحدى
عشرة نسوةً))، قال: فإن كان بالنصب احتاج إلى إضمار أعني، أو بالرفع فهو
بدلٌ من إحدى عشرة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْتَهُمُ أَثْنَتَّ عَثْرَةَ أَسْبَاطًا﴾
[الأعراف: ١٦٠]، قال الفارسيّ: هو بدل من ﴿قطعناهم﴾، وليس بتمييز.
انتھی.
وقد جوَّز غيره أن يكون تمييزاً بتأويل يطول شرحه.
[تنبيه]: وقع لهذا الحديث سبب عند النسائيّ من طريق عُمر بن عبد الله بن
عروة، عن عروة، عن عائشة، قالت: ((فَخَرت بمال أبي في الجاهلية، وكان
ألف ألف أوقية)) - وفيه -: ((فقال النبيّ ◌َّير: اسكتي يا عائشة، فإني كنت لك
کأبي زرع لأم زرع».
ووقع له سبب آخر فيما أخرجه أبو القاسم عبد الحكيم بن حبان بسند له
مرسل، من طريق سعيد بن عُفير، عن القاسم بن الحسن، عن عمرو بن

١٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الحارث، عن الأسود بن جبر (١) المغافريّ: ((قال: دخل رسول الله وَيقول على
عائشة وفاطمة، وقد جرى بينهما كلام، فقال: ما أنت بمنتهية يا حميراء عن
ابنتي، إن مثلي ومثلك كأبي زرع مع أم زرع، فقالت: يا رسول الله حدّثنا
عنهما، فقال: كانت قرية فيها إحدى عشرة امرأة، وكان الرجال خَلُوفاً، فقلن:
تعالين نتذاكر أزواجنا بما فيهم، ولا نكذب».
ووقع في رواية أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عند أبي عوانة في
((صحيحه)) بلفظ: ((كان رجل يُكنى أبا زرع، وامرأته أم زرع، فتقول: أحسن لي
أبو زرع، وأعطاني أبو زرع، وأكرمني أبو زرع، وفعل بي أبو زرع)).
ووقع في رواية الزبير بن بكار: ((دخل عليّ رسول الله بَّر، وعندي بعض
نسائه، فقال يخصني بذلك: يا عائشة أنا لك كأبي زرع لأم زرع، قلت: يا
رسول الله ما حديث أبي زرع وأم زرع؟ قال: إن قرية من قرى اليمن، كان بها
بطن من بطون اليمن، وكان منهنّ إحدى عشرة امرأة، وإنهن خرجن إلى
مجلس، فقلن: تعالين، فلنذكر بعولتنا بما فيهم، ولا نكذب)).
فيستفاد من هذه الرواية معرفة جهة قبيلتهنّ، وبلادهنّ، لكن وقع في
رواية الهيثم أنهن كنّ بمكة.
وأفاد أبو محمد بن حزم فيما نقله عياض أنهن كنّ من خثعم، وهو يوافق
رواية الزبير أنهن من أهل اليمن.
ووقع في رواية ابن أبي أويس، عن أبيه أنهن كنّ في الجاهلية، وكذا
عند النسائيّ في رواية عقبة بن خالد، عن هشام.
وحكى عياض، ثم النوويّ قول الخطيب في ((المبهمات)): لا أعلم أحداً
سمّى النسوة المذكورات في حديث أم زرع إلا من الطريق الذي أذكره، وهو
غريب جدّاً، ثم ساقه من طريق الزبير بن بكار، قال الحافظ: وقد ساقه أيضاً
أبو القاسم عبد الحكيم المذكور من الطريق المرسلة التي قدمت ذكرها، فإنه
ساقه من طريق الزبير بن بكار بسنده، ثم ساقه من الطريق المرسلة، وقال:
فذكر الحديث نحوه، وسمّى ابن دُريد في الوشاح أم زرع: عاتكة، ثم قال
(١) لم أجد ترجمته، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

١٢٧
(١٤) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ أُمَّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥)
النوويّ: وفيه - يعني: سياق الزبير بن بكار - أن الثانية اسمها: عمرة بنت
عمرو، واسم الثالثة: حُبَّى - بضم المهملة، وتشديد الموحّدة، مقصور - بنت
كعب، والرابعة: مهدد بنت أبي هزومة، والخامسة: كبشة، والسادسة: هند،
والسابعة: حبى بنت علقمة، والثامنة: بنت أوس بن عبد، والعاشرة: كبشة بنت
الأرقم. انتهى، ولم يسمّ الأولى، ولا التاسعة، ولا أزواجهنّ، ولا ابنة أبي
زرع، ولا أمه، ولا الجارية، ولا المرأة التي تزوجها أبو زرع، ولا الرجل
الذي تزوجته أم زرع، وقد تبعه جماعة من الشراح بعده، وكلامهم يوهم أن
ترتيبهن في رواية الزبير كترتيب رواية ((الصحيحين))، وليس كذلك، فإن
الأُولى عند الزبير، وهي التي لم يسمّها هي الرابعة هنا، والثانية في رواية
الزبير هي الثامنة هنا، والثالثة عند الزبير هي العاشرة هنا، والرابعة عند الزبير
هي الأولى هنا، والخامسة عنده هي التاسعة هنا، والسادسة عنده هي السابعة
هنا، والسابعة عنده هي الخامسة هنا، والثامنة عنده هي السادسة هنا، والتاسعة
عنده هي الثانية هنا، والعاشرة عنده هي الثالثة هنا .
وقد اختَلَف كثير من رواة الحديث في ترتيبهنّ، ولا ضير في ذلك، ولا
أثر التقديم والتأخير فيه؛ إذ لم يقع تسميتهنّ، نعم في رواية سعيد بن سلمة
مناسبة، وهي سياق الخمسة اللاتي ذَمَمْن أزواجهن على حِدَة، والخمسة اللاتي
مدحن أزواجهن على حِدَةٍ، قال الحافظ تَّتُهُ: وسأشير إلى ترتيبهن في الكلام
على قول السادسة هنا، وقد أشار إلى ذلك في قول عروة عند ذكر الخامسة،
فهؤلاء خمس يَشْكُون، وإنما نبّهت على رواية الزبير بخصوصها؛ لِمَا فيها من
التسمية مع المخالفة في سياق الأعداد، فيظن من لم يقف على حقيقة ذلك أن
الثانية التي سمّيت عمرة بنت عمرو هي التي قالت: زوجي لا أبث خبره،
وليس كذلك، بل هي التي قالت: زوجي المس مس أرنب، وهكذا إلخ،
فللتنبيه عليه فائدة من هذه الحيثية. انتهى كلام الحافظ تَظُّهُ(١)، وهو بحث
مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(فَتَعَاهَدْنَ، وَتَعَاقَدْنَ)؛ أي: ألزمن أنفسهنّ عهداً، وعقدن على الصدق من
(١) ((الفتح)) ٥٦٤/١١ - ٥٦٦، كتاب ((النكاح)) رقم (٥١٨٩).

١٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
ضمائرهنّ عقداً، (أَنْ لَا يَكْتُمْنَ) في رواية ابن أبي أويس، وعقبة: ((أن يتصادقن
بينهنّ، ولا يكتمن))، وفي رواية سعيد بن سلمة، عند الطبرانيّ: ((أن ينعتن
أزواجهنّ، ويصدقن))، وفي رواية الزبير: ((فتبايعن على ذلك)). (مِنْ أَخْبَارِ
أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئاً، قَالَتِ الأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلِ غَثٌّ) - بفتح الغين المعجمة،
وتشديد المثلثة - ويجوز جرّه صفة للجمل، ورَفْعه صفة لِلَحم، قال ابن
الجوزيّ: المشهور في الرواية الخفض، وقال ابن ناصر: الجيد الرفع، ونقله
عن التبريزيّ وغيره، والغَثّ: الْهَزِيل الذي يستغث من هزاله؛ أي: يُستترك،
ويُستكره، مأخوذ من قولهم: غَثَّ الجرحُ غَثّاً، وغثيثاً: إذا سال منه القيح،
واستغثه صاحبه، ومنه أغث الحديث، ومنه غثّ فلان في خُلُقه، وكثر استعماله
في مقابلة السمين، فيقال للحديث المختلط: فيه الغث والسمين. (عَلَى رَأْسِ
جَبَلٍ وَعْرٍ) في رواية الزبير بن بكّار: ((وَعْث)) بالثاء المثلّثة بدل الراء، وهي
أوفقّ للسجع، والأول ظاهر؛ أي: كثير الضجر، شديد الغلظة، يصعب الرُّقِّيّ
إليه، والوعث بالمثلثة: الصعب المرتقَى، بحيث توحل فيه الأقدام، فلا
يتخلص منه، ويشق فيه المشي، ومنه: ((وعثاء السفر)). (لَا سَهْلٌ) قال في
((الفتح)): بالفتح، بلا تنوين، وكذا: ((ولا سمينَ))، ويجوز فيهما الرفع على
أنهما خبرا مبتدأ محذوف؛ أي: لا هو سهل، ولا سمين، ويجوز الجرّ على
أنهما صفة ((جمل))، و((جبل))، ووقع في رواية عقبة بن خالد، عن هشام، عند
النسائيّ بالنصب منوناً فيهما: ((لا سهلاً ولا سميناً))، وفي رواية عمر بن
عبد الله بن عروة عنده: ((لا بالسمين، ولا بالسهل))، قال عياض: أحسن
الأوجه عندي الرفع في الكلمتين من جهة سياق الكلام، وتصحيح المعنى، لا
من جهة تقويم اللفظ، وذلك أنها أودعت كلامها تشبيه شيئين بشيئين، شَبَّهَت
زوجها باللحم الغثّ، وشبّهت سُوء خلقه بالجبل الوعر، ثم فسَّرت ما أجملت،
فكأنها قالت: لا الجبل سهلٌ، فلا يشق ارتقاؤه لِأَخْذ اللحم، ولو كان هزيلاً؛
لأن الشيء المزهود فيه أن يؤخذ إذا وُجد بغير نصب، ثم قالت: ولا اللحم
سمينٌ، فيتحمل المشقة في صعود الجبل؛ لأجل تحصيله، (فَيُرْتَقَى) بالبناء
للمفعول، وهو منصوب بـ((أن)) مضمرة بعد الفاء السببيّة، ومثله: ((فيُنتقل))، كما
قال في ((الخلاصة)):

١٢٩
(١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمّ نَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥)
وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
ومعنى ((فيُرتقى))؛ أي: فيُصْعَد فيه، وهو وصف للجبل، وفي رواية
للطبرانيّ: ((لا سهلٌ، فيرتَقَى إليه)). (وَلَا سَمِينٌ فَيُنْتَقَلَ) باللام، وفي بعض
النسخ: ((فُيُنتقى))، وقال في ((الفتح)): قوله: ((ولا سمين، فينتقل))، في رواية أبي
عبيد: ((فينتقَى))، وهذا وصف اللحم، والأول من الانتقال؛ أي: أنه لهزاله لا
يرغب أحد فيه، فينتقل إليه، يقال: انتقلت الشيء؛ أي: نقلته، ومعنى ينتقى:
ليس له نِقْيٌ يُستخرج، والنقي: الْمُخّ، يقال: نقوت العظم، ونقيته، وانتقيته:
إذا استخرجت مخه، وقد كثر استعماله في اختيار الجيد من الرديء، قال
عياض: أرادت أنه ليس له نِقْيٌّ، فيُطلب لأجل ما فيه من النِّقْي، وليس المراد
أنه فيه نِقي يُطلب استخراجه، قالوا: آخر ما يبقى في الجمل مُخّ عظم
المفاصل، ومخّ العين، وإذا نَفِدا لم يبق فيه خير، قالوا: وَصَفَته بقلّة الخير،
وبُعده مع القلة، فشبّهته باللحم الذي صغرت عظامه عن النقي، وخبث طعمه
وريحه، مع كونه في مُرْتَقَّى يشق الوصول إليه، فلا يرغب أحدٌ في طلبه لينقله
إليه، مع توفر دواعي أكثر الناس على تناول الشيء المبذول مجاناً.
وقال النوويّ(١): فسَّره الجمهور بأنه قليل الخير من أوجه، منها كونه
كلحم الجمل، لا كلحم الضأن مثلاً، ومنها أنه مع ذلك مهزول، رديء،
ويؤيده قول أبي سعيد الضرير: ليس في اللحوم أشدّ غثائة من لحم الجمل؛
لأنه يجمع خبث الطعم، وخبث الريح، ومنها أنه صعب التناول، لا يوصل إليه
إلا بمشقة شديدة.
وذهب الخطابيّ(٢) إلى أن تشبيهها بالجبل الوعر إشارةٌ إلى سوء خُلُقه،
وأنه يترفع، ويتكبر، ويسمو بنفسه فوق موضعها، فيجمع البخل وسوء الخلق.
وقال عياض(٣): شَبَّهَت وعورة خُلُقه بالجبل، وبُعد خيره ببُعد اللحم على
رأس الجبل، والزهد فيما يُرجَى منه مع قلّته وتعذّره بالزهد في لحم الجمل
الهزيل، فأعطت التشبيه حَقَّه، وَوَفْته قِسطه.
(١) (شرح النوويّ) ٢١٣/١٥.
(٢) ((الأعلام" ١٩٨٨/٣.
(٣) ((بغية الرائد)» ص٤٨.

١٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(قَالَتِ) المرأة (الثَّانِيَةُ) من الإحدى عشرة: (زَوْجِي) مبتدأ خبره قولها: (لَا
أَبُثُّ خَبَرَهُ) بالموحّدة، ثم المثلثة، وفي رواية حكاها عياض: ((أَنُثّ)) بالنون بدل
الموحّدة؛ أي: لا أُظهر حديثه، وعلى رواية النون فمرادها حديثه الذي لا خير
فيه؛ لأن النّثّ بالنون أكثر ما يُستعمل في الشرّ، ووقع في رواية للطبرانيّ: ((لا
أَنُّمّ)) بنون، وميم، من النميمة. (إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ)؛ أي: أخاف أن لا أترك
من خبره شيئاً، فالضمير للخبر؛ أي: أنه لطوله، وكثرته، إن بَدَأْتُه لم أقدر على
تكميله، فاكتفت بالإشارة إلى معايبه؛ خشيةً أن يطول الخطب بإيراد جميعها،
ووقع في رواية عباد بن منصور، عند النسائيّ: ((أخشى أن لا أذره من سوء))،
وهذا تفسير ابن السكيت، ويؤيده أن في رواية عقبة بن خالد: ((إني أخاف أن لا
أذره، أذكره، وأذكر عُجَره، وبُجَره))، وقال غيره: الضمير لزوجها، وعليه يعود
ضمير ((عُجَرَه، وبُجَره)) بلا شكّ، كأنها خشيت إذا ذكرت ما فيه أن يبلغه،
فيفارقها، فكأنها قالت: أخاف أن لا أقدر على تركه؛ لعلاقتي به، وأولادي
منه، وأذره؛ بمعنى: أفارقه، فاكتفت بالإشارة إلى أنه له معايب؛ وفاءً بما
التزمته من الصدق، وسكتت عن تفسيرها للمعنى الذي اعتذرت به، ووقع في
رواية الزبير: ((زوجي من لا أذكره، ولا أبث خبره))، والأول أليق بالسجع.
(إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ) - بضم أوله، وفتح الجيم فيهما -: الأول
بعين مهملة، والثاني بموحّدة، جمع عُجْرة، ويُجْرة - بضم، ثم سكون -
فالعجر: تعقّد العصب، والعروق في الجسد، حتى تصير ناتئة، والبجر مثلها،
إلا أنها مختصة بالتي تكون في البطن، قاله الأصمعيّ وغيره، وقال ابن
الأعرابيّ: العُجْرة: نفخة في الظهر، والْبُجْرة: نفخة في السُّرَّة، وقال ابن أبي
أويس: العجر: العُقَد التي تكون في البطن، واللسان، والبجر: العيوب،
وقيل: العجر في الجَنْب، والبطن، والبجر: في السرّة، هذا أصلهما، ثم
استُعملا في الهموم والأحزان، ومنه قول عليّ ◌َُّه يوم الجمل: أشكو إلى الله
عُجَري وبُجَري، وقال الأصمعيّ: استُعملا في المعایب، وبه جزم ابن حبيب،
وأبو عبيد الهرويّ، وقال أبو عبيد بن سلام(١)، ثم ابن السكيت: استُعملا فيما
(١) ((غريب الحديث ٢٩٠/٢.

١٣١
(١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمِّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥)
يكتمه المرء، ويخفيه عن غيره، وبه جزم المبرّد، قال الخطابيّ (١): أرادت
عيوبه الظاهرة، وأسراره الكامنة، قال: ولعله كان مستور الظاهر، رديء
الباطن، وقال أبو سعيد الضرير: عَنَت أن زوجها كثير المعايب، متعقد النفس
عن المكارم، وقال الأخفش: العُجَر: العُقَد تكون في سائر البدن، والبجر:
تكون في القلب، وقال ابن فارس: يقال في المثل: أفضيت إليه بعُجري
وبُجري؛ أي: بأمري كله(٢).
(قَالَتِ الثَّالِئَةُ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ) - بفتح العين المهملة، ثم الشين المعجمة،
وتشديد النون المفتوحة، وآخره قاف - قال أبو عبيد، وجماعة: هو الطويل،
زاد الثعالبيّ: المذموم الطول، وقال الخليل: هو الطويل الْعُنُق، وقال ابن أبي
أويس: الصقر من الرجال الْمِقْدام الجريء، وحكى ابن الأنباريّ عن ابن قتيبة
أنه قال: هو القصير، ثم قال: كأنه عنده من الأضداد، قال: ولم أره لغيره.
انتھی.
قال الحافظ: والذي يظهر أنه تصحّف عليه بما قال ابن أبي أويس، قاله
عياض، وقد قال ابن حبيب: هو الْمِقْدام على ما يريد الشَّرِس في أموره،
وقيل: السيئ الخلق، وقال الأصمعي: أرادت أنه ليس عنده أكثر من طوله بغير
نفع، وقال غيره: هو المستكره الطول، وقيل: ذمّته بالطول؛ لأن الطول في
الغالب دليل السَّفَه، وعُلِّل ببُعد الدماغ عن القلب، وأغرب من قال: مدحته
بالطول؛ لأن العرب تتمدح بذلك، وتُعُقِّب بأن سياقها يقتضي أنها ذمّته،
وأجاب عنه ابن الأنباريّ باحتمال أن تكون أرادت مَدْح خَلْقه، وذَمَّ خُلُقه،
فكأنها قالت: له منظر بلا مخبر، وهو مُحْتَمِل، وقال أبو سعيد الضرير:
الصحيح أن العَشَنَّق الطويل النجيب الذي يملك أمر نفسه، ولا تحكم النساء
فيه، بل يحكم فيهنّ بما شاء، فزوجته تهابه أن تنطق بحضرته، فهي تسكت
على مَضَض، قال الزمخشريّ: وهي من الشكاية البليغة. انتهى، ويؤيده ما وقع
في رواية يعقوب بن السكيت من الزيادة في آخره: ((وهو على حدّ السِّنان
(١) ((الأعلام)) ١٩٨٨/٣.
(٢) ((الفتح)) ٥٦٤/١١ - ٥٦٦، كتاب ((النكاح)) رقم (٥١٨٩).

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الْمُذَلَّق)) بفتح المعجمة، وتشديد اللام؛ أي: المجرد بوزنه ومعناه، تشير إلى
أنها منه على حَذَر، ويَحْتَمِل أن تكون أرادت بهذا أنه أهوج، لا يستقر على
حال، كالسنان الشديدة الحدّة. (إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ)؛ أي: إن
ذكرتُ عيوبه، فيبلغه طلقني، وإن سكتُّ عنها، فأنا عنده معلّقة، لا ذات زوج،
ولا أَيِّم، كما وقع في تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةٍ﴾ [النساء: ١٢٩]،
فكأنها قالت: أنا عنده لا ذات بعل، فأنتفعَ به، ولا مطلقةٌ فأتفرغَ لغيره، فهي
كالمعلقة بين العلو والسفل، لا تستقر بأحدهما، قال الحافظ: هكذا توارد عليه
أكثر الشراح تبعاً لأبي عبيد، وفي الشق الثاني عندي نظرٌ؛ لأنه لو كان ذلك
مرادها لنطقت ليطلقها، فتستريح، والذي يظهر لي أيضاً أنها أرادت وصف
سوء حالها عنده، فأشارت إلى سوء خُلُقه، وعدم احتماله لكلامها إن شكت له
حالها، وإنها تعلم أنها متى ذكرت له شيئاً من ذلك بادر إلى طلاقها، وهي لا
تُؤْثِر تطليقه؛ لمحبتها فيه، ثم عبّرت بالجملة الثانية إشارةً إلى أنها إن سكتت
صابرةً على تلك الحال، كانت عنده كالمعلقة التي لا ذات زوج، ولا أيّم،
ويَحْتَمِل أن يكون قولها: ((أُعلق)) مشتقاً من علاقة الحبّ، أو من علاقة
الوصلة؛ أي: إن نطقت طلقني، وإن سكتُّ استمرّ لي زوجةً، وأنا لا أوثر
تطليقه لي، فلذلك أسكت، قال عياض: أوضحت بقولها: ((على حدّ السنان
الْمُذَلَّقِ)) مرادها بقولها قبلُ: ((إن أسكت أعلَّق، وإن أنطق أطلق))؛ أي: أنها إن
حادت عن السنان سقطت، فهلكت، وإن استمرت عليه أهلكها .
(قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ، لَا حَرٍّ ، وَلَا قُرّ، وَلَا مَخَافَةَ، وَلَا سَآَمَةَ)
قال النوويّ كَّلُ: هذا مدحٌ بليغٌ؛ ومعناه: ليس فيه أذى، بل هو راحة، ولذاذة
عيش، كَلَيْل تهامة لذيذٌ معتدلٌ، ليس فيه حرّ، ولا برد مفرط، ولا أخاف له
غائلة؛ لِكَرَم أخلاقه، ولا يسأمني، ويملّ صحبتي. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قولها: ((لا حرّ ولا قرّ، وَلَا مَخَافَةَ، وَلَا سَآَمَةَ)) بالفتح
بغير تنوين مبنية مع ((لا)) على الفتح، وجاء الرفع مع التنوين فيها، وهي رواية
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١٤/١٥.

١٣٣
(١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمَّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥)
أبي عبيد، قال أبو البقاء(١): وكأنه أشبع بالمعنى؛ أي: ليس في حرّ، فهو اسم
((ليس) وخبرها محذوف، قال: ويقويه ما وقع من التكرير، كذا قال، وقد وقع
في القراءات المشهورة البناء على الفتح في الجميع، والرفع مع التنوين، وفتح
البعض، ورفع البعض، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا
شَفَعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ومثل: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجِّ﴾
[البقرة: ١٩٧]، ووقع في رواية عُمر بن عبد الله، عند النسائيّ: ((ولا بَرْد)) بدل
و((لا قر))، زاد في رواية الهيثم: ((ولا خامة)) بالخاء المعجمة؛ أي: لا ثقل
عنده، تصف زوجها بذلك، وأنه ليّن الجانب، خفيف الوطأة على الصاحب،
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من بقية صفة الليل.
وفي رواية الزبير بن بكار: ((والغيث غيث غمامة))، قال أبو عبيد(٢):
أرادت أنه لا شرّ فيه يُخاف. وقال ابن الأنباريّ: أرادت بقولها: ((ولا مخافة))؛
أي: أن أهل تهامة لا يخافون؛ لتحصّنهم بجبالها، أو أرادت وصف زوجها
بأنه حامي الذمار، مانع لداره وجاره، ولا مخافة عند من يأوي إليه، ثم وصفته
بالجود، وقال غيره: قد ضربوا المثل بليل تهامة في الطَّب؛ لأنها بلاد حارة
في غالب الزمان، وليس فيها رياح باردة، فإذا كان الليل كان وهج الحرّ
ساكناً، فيطيب الليل لأهلها بالنسبة لِمَا كانوا فيه من أذى حر النهار، فوصفت
زوجها بجميل العشرة، واعتدال الحال، وسلامة الباطن، فكأنها قالت: لا أذى
عنده، ولا مكروه، وأنا آمنة منه، فلا أخاف من شره، ولا ملل عنده، فيسأم
من عشرتي، أو ليس بسيئ الخُلُق، فأسأم من عشرته، فأنا لذيذة العيش عنده،
كلذة أهل تهامة بليلهم المعتدل.
(قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ) قال أبو عبيد(٣): (فَهِدَ)) بفتح
الفاء، وكسر الهاء: مشتق من الفهد، وصَفَتْه بالغفلة عند دخول البيت على وجه
المدح له، وقال ابن حبيب: شبّهته في لِينه وغفلته بالفهد؛ لأنه يوصف
بالحياء، وقلة الشرّ، وكثرة النوم. (وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ) بفتح الهمزة، وكسر السين
(١) ((إعراب الحديث النبويّ)) ص٣٣٤ - ٣٣٥ رقم (٤٠٢) مسند عائشة . .
٠
(٣) ((غريب الحديث)) ٢٩٥/٢.
(٢) (غریب الحدیث)) ٢٩٢/٢.

١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
المهملة: مشتق من الأسد؛ أي: يصير بين الناس مثل الأسد، وقال ابن
السكيت: تصفه بالنشاط في الغزو، وقال ابن أبي أويس: معناه إن دخل البيت
وثب عليّ وثوب الفهد، وإن خرج كان في الإقدام مثل الأسد، فعلى هذا
يَحْتَمِل قوله: وثب عليّ المدح والذم، فالأول تشير إلى كثرة جماعه لها إذا
دخل، فينطوي تحت ذلك تمدّحها بأنها محبوبة لديه، بحيث لا يصير عنها إذا
رآها، والذم إما من جهة أنه غليظ الطبع، ليست عنده مداعبة، ولا ملاعبة قبل
المواقعة، بل يثب وثوباً كالوحش، أو من جهة أنه كان سيئ الخلق، يبطش
بها، ويضربها، وإذا خرج على الناس كان أمره أشدّ في الجرأة، والإقدام،
والمهابة، كالأسد، قال عياض(١): فيه مطابقة بين خرج، ودخل لفظية، وبين
فَهِد وأَسِد معنوية، ويسمى أيضاً المقابلة.
(وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ) يَحْتَمِل المدح والذمّ أيضاً، فالمدح بمعنى أنه شديد
الكرم، كثير التغاضي، لا يتفقد ما ذهب من ماله، وإذا جاء بشيء لبيته لا
يسأل عنه بعد ذلك، أو لا يلتفت إلى ما يرى في البيت من المعايب، بل
يسامح، ويُغضي.
ويَحْتَمِل الذمّ، بمعنى أنه غير مبال بحالها، حتى لو عرف أنها مريضة،
أو معوزة، وغاب، ثم جاء لا يسأل عن شيء من ذلك، ولا يتفقد حال أهله،
ولا بيته، بل إن عَرَّضت له بشيء من ذلك وثب عليها بالبطش والضرب، وأكثر
الشراح شرحوه على المدح، فالتمثيل بالفهد من جهة كثرة التكرم، أو الوثوب،
وبالأسد من جهة الشجاعة، وبعدم السؤال من جهة المسامحة.
وقال عياض(٢): حَمَله الأكثر على الاشتقاق من خُلُق الفهد، إما من جهة
قوة وُثوبه، وإما من كثرة نومه، ولهذا ضربوا المثل به، فقالوا: أنوم من فهد،
قال: ويَحْتَمِل أن يكون من جهة كثرة كسبه؛ لأنهم قالوا في المثل أيضاً:
أكسب من فهد، وأصله أن الفهود الهرمة تجتمع على فهد منها فتي، فيتصيد
عليها كل يوم حتى يشبعها، فكأنها قالت: إذا دخل المنزل دخل معه بالكسب
لأهله، كما يجيء الفهد لمن يلوذ به من الفهود الهرمة، ثم لمّا كان في وصفها
(١) ((بغية الرائد)) ص٧٤ - ٧٥.
(٢) ((بغية الرائد)) ص٧٠.

١٣٥
(١٤) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ أُمِّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥)
له بخُلق الفهد ما قد يَحْتَمِل الذم من جهة كثرة النوم رَفَعَت اللَّبس بوصفها له
بخُلق الأسد، فأفصحت أن الأول سجية كرم، ونزاهة شمائل، ومسامحة في
العشرة، لا سجية جُبْن وجَوْر في الطبع.
قال عياض(١): وقد قلب الوصف بعض الرواة - يعني: كما وقع في
رواية الزبير بن بكار - فقال: إذا دخل أَسِد، وإذا خرج فَهِد، فإن كان
محفوظاً؛ فمعناه: أنه إذا خرج إلى مجلسه كان على غاية الرزانة والوقار،
وحسن السمت، أو على الغاية من تحصيل الكسب، وإذا دخل منزله كان
متفضلاً مواسياً؛ لأن الأسد يوصف بأنه إذا افترس أكل من فريسته بعضاً،
وترك الباقي لمن حوله من الوحوش، ولم يهاوشهم عليها .
وزاد في رواية الزبير بن بكار في آخره: ((ولا يرفع اليوم لغد»؛ يعني:
لا يدّخر ما حصل عنده اليوم من أجل الغد، فكَنَتْ بذلك عن غاية جوده،
ويَحْتَمِل أن يكون المراد أنه يأخذ بالحزم في جميع أموره، فلا يؤخّر ما يجب
عمله اليوم إلى غده.
(قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ) أرادت أنه يكثر الأكل، ويستقصيه
حتى لا يترك منه شيئاً، وقال أبو عبيد: اللفّ: الإكثار مع التخليط، يقال: لفّ
الكتيبة بالأخرى: إذا خلطها في الحرب، ومنه اللفيف من الناس، فأرادت أنه
يخلط صنوف الطعام من نهمته وشرهه، ثم لا يُبقي منه شيئاً، وحكى عياض
رواية من رواه: ((رَفّ)) بالراء بدل اللام، قال: وهي بمعناها، ورواية من رواه
((اقتفّ)) بالقاف، قال: ومعناه التجميع، قال الخليل: قُفّانُ(٢) كلّ شيء جُمَّاعهُ
واستيعابه، ومنه سمّيت القفة لِجَمْعها ما وُضع فيها .
وفي رواية عمر بن عبد الله، عند النسائيّ: ((إذا أكل اقتَفَّ))، وفيه: ((وإذا
نام)) بدل ((اضطجع))، وزاد: ((وإذا ذَبَح اغتثّ))؛ أي: تحرى الغثّ، وهو
الهزيل، كما تقدم في شرح كلام الأُولى، بدل ((يولج)).
(١) ((بغية الرائد)» ص٧٨.
(٢) وقع في النسخة: ((قفاف)) بفاءين، والذي في ((القاموس))، و((شرحه)): ((قُفّان))
بالنون، فليُتنبّه، والله أعلم.

١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ) الاشتفاف في الشرب: استقصاؤه، مأخوذ من الشُّفَافة
بالضم، والتخفيف، وهي البقية، تبقى في الإناء، فإذا شربها الذي شرب الإناء
قيل: اشتفها، ومنهم من رواها بالمهملة، وهي بمعناها.
(وَإِنِ اضْطَجَعَ) وفي رواية: ((وإذا رقد)) (الْتَّقَّ)؛ أي: رقد ناحيةً، وتلفف
بكسائه وحده، وانقبض عن أهله إعراضاً، فهي كئيبة حزينة لذلك، ولذلك
قالت: ((ولا يولج الكفّ ليعلم البثّ)).
(وَلَّا بُولِجُ) وفي رواية الطبرانيّ: (ولا يُدخل))، وهو بمعناه. (الْكَفَّ؛
لِيَعْلَمَ الْبَثَّ) وفي رواية الترمذيّ، والطبرانيّ: ((فيعلم)) بالفاء بدل اللام،
والمعنى: أنه لا يمد يده ليعلم ما هي عليه من الحزن فيزيله، ويَحْتَمِل أن تكون
أرادت أنه ينام نوم العاجز الفَشِل الكَسِل، والمراد بالبثّ: الحُزْن، ويقال: شدة
الحزن، ويُطلق البثّ أيضاً على الشكوى، وعلى المرض، وعلى الأمر الذي لا
يُصْبَر عليه، فأرادت أنه لا يسأل عن الأمر الذي يقع اهتمامها به، فوصفته بقّة
الشفقة عليها، وأنه أن لو رآها عليلة لم يُدخل يده في ثوبها؛ ليتفقد خبرها،
كعادة الأجانب فضلاً عن الأزواج، أو هو كناية عن ترك الملاعبة، أو عن ترك
الجماع، كما سيأتي.
وقد اختلفوا في هذا، فقال أبو عبيد: كان في جسدها عيب، فكان لا
يُدخل يده في ثوبها ليلمس ذلك العيب؛ لئلا يشقّ عليها، فمدحته بذلك.
وقد تعقبه كلُّ من جاء بعده إلا النادر، وقالوا: إنما شكت منه، وذمّته،
واستقصرت حظها منه، ودلّ على ذلك قولها قبلُ: ((وإذا اضطجع التفّ))، كأنها
قالت: إنه يتجنبها، ولا يدنيها منه، ولا يُدخل يده في جنبها، فيلمسها، ولا
يباشرها، ولا يكون منه ما يكون من الرجال، فيعلم بذلك محبتها له، وحزنها
لقلة حظها منه، وقد جَمَعت في وصفها له بين اللؤم، والبخل، والهمة،
والمهانة، وسوء العشرة مع أهله، فإن العرب تَذُم بكثرة الأكل والشرب،
وتتمدح بقلّتهما، وبكثرة الجماع؛ لدلالتها على صحة الذكورية والفحولية.
وانتصر ابن الأنباريّ لأبي عبيد، فقال: لا مانع من أن تجمع المرأة بين
مثالب زوجها ومناقبه؛ لأنهن كن تعاهدن أن لا يكتمن من صفاتهم شيئاً،
فمنهن من وصفت زوجها بالخير في جميع أموره، ومنهن من وصفته بضد

١٣٧
(١٤) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ أُمَّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥)
ذلك، ومنهن من جمعت، وارتضى القرطبيّ هذا الانتصار، واستَدَلّ عياض
للجمهور بما وقع في رواية سعيد بن سلمة، عن أبي الحسام: أن عروة ذكر
هذه في الخمس اللاتي يشكون أزواجهن، فإنه ذكر في روايته الثلاث
المذكورات هنا أولاً على الولاء، ثم السابعة المذكورة عقب هذا، ثم السادسة
هذه، فهي خامسة عنده، والسابعة رابعة، قال: ويؤيد أيضاً قول الجمهور كثرة
استعمال العرب لهذه الكناية عن ترك الجماع، والملاعبة، وقد سبق(١) في
(فضائل القرآن)) في قصة عمرو بن العاص مع زوج ابنه عبد الله بن عمرو، حيث
سألها عن حالها مع زوجها، فقالت: ((هو كخير الرجال، من رجل لم يفتش لنا
كَنَفاً))، وسبق أيضاً في حديث الإفك قول صفوان بن المعطّل: ((ما كشفت كَنَفَ
أنثى قط))، فعبّر عن الاشتغال بالنساء بكشف الكنف، وهو الغطاء.
ويَحْتَمِل أن يكون معنى قولها: ((ولا يولج الكفّ)) كناية عن تَرْك تفقّده
أمورها، وما تهتم به من مصالحها، وهو كقولهم: لم يُدخل يده في الأمر؛
أي: لم يشتغل به، ولم يتفقده، وهذا الذي ذكره احتمالاً جزم بمعناه ابن أبي
أويس، فإنه قال: معناه: لا ينظر في أمر أهله، ولا يبالي أن يجوعوا، وقال
أحمد بن عبيد بن ناصح: معناه: لا يتفقد أموري؛ ليعلم ما أكرهه، فيزيله،
يقال: ما أدخل يده في الأمر؛ أي: لم يتفقده.
(قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَايَاءُ، أَوْ عَبَايَاءُ، طَبَّاقَاءُ) كذا في ((الصحيحين))
بفتح الغين المعجمة، بعدها تحتانية خفيفة، ثم أخرى بعد الألف الأُولى،
والتي بعدها بعين مهملة، وهو شكّ من راوي الخبر عيسى بن يونس، وقد
صرّح بذلك أبو يعلى في روايته عن أحمد بن جناب عنه، ووقع في رواية
عمر بن عبد الله، عند النسائيّ: ((غياياء)) بمعجمة، بغير شكّ. والغياياء
والطباقاء: الأحمق الذي ينطبق عليه أمره، وقال أبو عبيد: العياياء بالمهملة:
الذي لا يَضرب، ولا يُلَقِّح من الإبل، وبالمعجمة ليس بشيء، والطباقاء:
الأحمق الفَدْم، وقال ابن فارس: الطباقاء: الذي لا يُحسن الضِّراب، فعلى
هذا يكون تأكيداً لاختلاف اللفظ؛ كقولهم: بُعْداً وسُحْقاً.
(١) أي: في ((صحيح البخاريّ).

١٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقال الداوديّ: قوله: ((غياياء)) بالمعجمة مأخوذ من الغيّ بفتح المعجمة،
وبالمهملة مأخوذ من العِيّ بكسر المهملة.
وقال أبو عبيد: العياياء بالمهملة: العَيُّ الذي تُعيبه مباضعة النساء، وأراه
مبالغة من العيّ في ذلك، وقال ابن السكيت: هو الْعَيُّ الذي لا يهتدي.
وقال عياض وغيره: الغياياء بالمعجمة يَحْتَمِل أن يكون مشتقّاً من الغياية،
وهو كل شيء أظل الشخص فوق رأسه، فكأنه مغطى عليه مِن جَهْله، وهذا
الذي ذكره احتمالاً جزم به الزمخشريّ في ((الفائق)).
وقال النوويّ: قال عياض وغيره: غياياء بالمعجمة صحيحٌ، وهو مأخوذ
من الغياية، وهي الظلمة، وكل ما أظل الشخص، ومعناه: لا يهتدي إلى
مسلك، أو أنها وصفته بثقل الروح، وأنه كالظل المتكاثف الظلمة الذي لا
إشراق فيه، أو أنها أرادت أنه غُطيت عليه أموره، أو يكون غياياء من الغَيّ،
وهو الانهماك في الشرّ، أو من الغَيّ الذي هو الخيبة، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ
يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وقال ابن الأعرابيّ: الطباقاء المطبق عليه حمقاً، وقال
ابن دريد: الذي تنطبق عليه أموره، وعن الجاحظ: الثقيل الصدر عند الجماع،
ينطبق صدره على صدر المرأة، فيرتفع سفله عنها، وقد ذمّت امرأة امرأ
القيس، فقالت له: ثقيل الصدر، خفيف العَجَر، سريع الإراقة، بطيء الإفاقة.
قال عياض(١): ولا منافاة بين وصفها له بالعَجَز عند الجماع، وبين
وصفها بثقل الصدر فيه؛ لاحتمال تنزيله على حالتين، كل منهما مذموم، أو
يكون إطباق صدره من جملة عيبه وعجزه، وتعاطيه ما لا قدرة له عليه، لكن
كل ذلك يرد على من فسَّر عياياء بأنه العِنِّين. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَخَّثُ: والمعروف في الطباقاء أنه بمعنى: العياياء؛ وهو
الذي تنطبق عليه الأمور، وأنشد الجوهري قول جميل بن مَعْمَر [من الطويل]:
طَبَاقَاءُ لَمْ يَشْهَدْ خُصُوماً ولم يَقُدْ رِكاباً إِلَى أَكْوارِها حين تُعْلَفُ(٣)
(كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ)؛ أي: كل شيء تفرّق في الناس من المعايب موجود
(١) ((بغية الرائد)) ص ٨٩ - ٩٠.
(٢) ((الفتح)) ١١/ ٥٧٧.
(٣) ((المفهم)) ٣٣٩/٦.

١٣٩
(١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمَّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥)
فيه، وقال الزمخشريّ: يَحْتَمِل أن يكون قولها: ((له داء)) خبراً لـ((كلُّ))؛ أي: أن
كل داء تفرّق في الناس فهو فيه، ويَحْتَمِل أن يكون ((له)) صفةً لـ((داءٍ))، و(داءٌ))
خير لـ((كلُّ))؛ أي: كل داء فيه في غاية التناهي، كما يقال: إن زيداً لزيد، وإن
هذا الفرس لفرس، قال عياض: وفيه من لطيف الوحي والإشارة الغايةُ؛ لأنه
انطوى تحت هذه الكلمة كلام كثير.
(شَجَّكِ) بشين معجمة أوله، وجيم ثقيلة؛ أي: جرحك في رأسك،
وجراحات الرأس تسمى شِجاجاً. (أَوْ فَلَّكِ) بفاء، ثم لام ثقيلة؛ أي: جرح
جسدك، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
بِهِنَّ قُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُونَهُمْ
أي: ثَلْم جمع ثلمة، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: نَزَع منك كل ما عندك،
أو كسرك بسلاطة لسانه، وشدّة خصومته، زاد ابن السكيت في روايته: ((أو
بجك)) بموحدة، ثم جيم؛ أي: طعنك في جراحتك، فشقّها، والْبَجّ: شق
القرحة، وقيل: هو الطعنة.
(أَوْ جَمَعَ كُلَّّ لَكِ) وقع في رواية الزبير: ((إن حدثته سَبّك، وإن مازحته
فَلّك، وإلا جمع كلّاً لك))، وهي توضح أن ((أو)) للتقسيم، لا للتخيير.
وقال الزمخشريّ: يَحْتَمِل أن تكون أرادت أنه ضَرُوب للنساء، فإذا ضرب
إما أن يكسر عظماً، أو يشج رأساً، أو يجمعهما، ويَحْتَمِل أن يريد بالفلّ:
الطرد والإبعاد، وبالشج: الكسر عند الضرب، وإن كان الشج إنما يُستعمل في
جراحة الرأس.
قال عياض(١): وَصَفته بالحمق، والتناهي في سوء العشرة، وجمع
النقائص، بأن يعجز عن قضاء وطرها مع الأذى، فإذا حدّثته سبّها، وإذا
مازحته شجّها، وإذا أغضبته كسر عضواً من أعضائها، أو شقّ جلدها، أو أغار
على مالها، أو جمع كل ذلك، من الضرب، والجرح، وكسر العضو، وموجع
الكلام، وأخذ المال.
(قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ، وَالْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبِ) زاد الزبير
(١) ((بغية الرائد)) ص٩١ - ٩٢.

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
في روايته: ((وأنا أغلبه، والناسَ يَغْلِب))، وكذا في رواية عقبة عند النسائيّ،
وفي رواية عُمر عنده، وكذا الطبرانيّ، لكن بلفظ: ((ونغلبه)) بنون الجمع.
و((الأرنب)): دُوَيبة لينة المسّ، ناعمة الوبر جدّاً، و((الزرنب)) بوزن:
الأرنب، لكن أوله زاي، وهو نبت طيب الريح، وقيل: هو شجرة عظيمة
بالشام بجبل لبنان، لا تثمر، لها ورق بين الخضرة والصفرة، كذا ذكره
عياض(١)، واستنكره ابن البيطار وغيره من أصحاب المفردات، وقيل: هو
حشيشة دقيقة طيبة الرائحة، وليست ببلاد العرب، وإن كانوا ذكروها، قال
الشاعر [من الرجز]:
يَا بِأَبِي أَنْتِ وَفُوكِ الأَشْنَبُ كَأَنَّمَا ذُرَّ عَلَيْهِ الزَّرْنَبُ
- أَوْ زَنْجَبِيلٌ عَاتِقٌ مُطَيَّبُ
وقيل: هو الزعفران، وليس بشيء، واللام في ((المس)) و((الريح)) نائبة عن
الضمير؛ أي: مسّه وريحه، أو فيهما حذفٌ، تقديره: الريح منه، والمسّ منه؛
كقولهم: السمن مَنَوان بدرهم، وَصَفته بأنه ليّن الجسد، ناعمه.
ويَحْتَمِل أن تكون كَنَت بذلك عن حُسن خُلُقه، ولِين عريكته، بأنه طيّب
العَرَق لكثرة نظافته، واستعماله الطِّب تظرّفاً .
ويَحْتَمِل أن تكون كَنَت بذلك عن طِيب حديثه، أو طيب الثناء عليه؛
لجميل معاشرته.
وأما قولها: ((وأنا أغلبه، والناسَ يَغلِب)) فوصفته مع جميل عشرته لها،
وصبره عليها بالشجاعة، وهو كما قال معاوية: ((يغلبن الكرام، ويغلبهن اللئام)).
قال عياض(٢): هذا من التشبيه بغير أداة، وفيه حسن المناسبة،
والموازنة، والتسجيع.
وأما قولها: ((والناسَ يغلب)) ففيه نوع من البديع، يسمى التتميم؛ لأنها لو
اقتصرت على قولها: ((وأنا أغلبه)) لظُنّ أنه جبان ضعيف، فلما قالت: ((والناسَ
يغلب)) دلَّ على أن غَلَبها إياه إنما هو من كَرَم سجاياه، فتمّمت بهذه الكلمة
المبالغة في حُسن أوصافه.
(١) ((بغية الرائد)) ص٩٣.
(٢) ((بغية الرائد)) ص١٩١.