النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ُنا - حديث رقم (٦٢٧١)
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) المروزيّ، مولى بني حنظلة، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ
عالمٌ جوادٌ مجاهدٌ جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت١٨١) وله ثلاث وستون
سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النجاد الأيليّ - بفتح الهمزة، وسكون
التحتانية، بعدها لام - أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ ثبتٌ من كبار [٧]
(ت١٥٩) على الصحيح، وقيل: سنة ستين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
و«الزهريّ)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية يونس بن يزيد عن الزهريّ هذه ساقها البيهقيّ نَّثُهُ في
((الكبرى))، فقال:
(١٤٥٢٦) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو العباس محمد بن أحمد
المحبوبيّ، وأبو بكر محمد بن أحمد الداربرديّ، وأبو محمد الحسن بن محمد
الحليمي بمرو، قالوا: ثنا أبو المُوَجِّه محمد بن عمرو الفزاريّ، أنا عبدان بن
عثمان، أنا عبد الله بن المبارك، أنا يونس، عن الزهريّ، أخبرني محمد بن
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ أن عائشة زوج النبيّ ◌َّو قالت: أرسل
أزواج النبيّ ◌َّ فاطمة بنت رسول الله وَّه إلى رسول الله رَير، وهو مضطجع
مع عائشة في مرطها، فَأَذِن لها رسول الله وَ﴿، فقالت: يا رسول الله إن
أزواجك أرسلني إليك، يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: وأنا ساكتة،
قالت: قال رسول الله وَالر: ((ألست تحبين ما أحب؟)) قالت: بلى، قال:
((فأحبي هذه))، قالت: فقامت فاطمة ﴿ّا حين سمعت ذلك من رسول الله وَلآ،
فرجعت إليهنّ، فأخبرتهنّ بالذي قال لها رسول الله صل﴿، فقلن لها: ما نراك
أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى رسول الله وصل﴿، فقولي له: إن أزواجك
يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: والله لا أكلمه فيها أبداً، قالت
عائشة ﴿ّا، فأرسلن أزواج النبيّ وَ ﴿ زينب بنت جحش زوج النبيّ وَّر، وهي
التي كانت تساميني منهنّ، ولكني ما رأيت امرأة خيراً في الدين من زينب
أتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقةً، وأشدّ ابتذالاً لنفسها
من العمل الذي تصدّق به، وتتقرب به إلى الله رَك، ما عدا حِدّةً فيها توشك
الفيئة فيه، قالت: فاستأذنْتُ على رسول الله وَّه، ورسول الله وقَّه مع عائشة في

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
مرطها بمنزلة التي دخلت فاطمة عليها، وهو بها، قالت: فأذن لها
رسول الله وَلّه، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك، يسألنك
العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: ثم وقعت بي، فاستطالت عليّ، وأنا أرقب
رسول الله ◌َ﴾، وأرقب طرفه، هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرح زينب بنت
جحش حتى عرفت أن رسول الله وَ له لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعت
بها، لم أنشب أن أعتبتها عليه، قالت: فقال رسول الله وَله، وتبسّم: ((إنها ابنة
أبي بكر)).
قال الشيخ (١) تَّتُهُ: لم يُقم شيخنا هذه اللفظة، ولعل الصواب: أن
أثخنتها غلبةً، وفي رواية أخرى: ((أنحيت عليها))، رواه مسلم في ((الصحيح))
عن محمد بن عبد الله بن قُهزاذ، عن عبدان. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَعْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٢] (٢٤٤٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي
كِتَابِيٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ لَيَتَفَقَّدُ، يَقُولُ: ((أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَداً؟))؛ اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ
عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللهُ بَيْنَ سَحْرِي، وَنَحْرِي).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه ذُكر في الباب قبل ستة
أحاديث، وكذا الكلام في قوله: ((وجدت في كتابيّ))، فلا تغفل، والله تعالى
الموفّق.
[تنبيه]: قوله هنا: ((وجدت في كتابي)) قد تكلّم فيه الحافظ رشيد الدين
العطّار في ((غرره)) (٣)، فقال: هكذا أورده مسلم، ولم يخرجه في كتابه إلا في
هذا الموضع وحده، فيما علمت، بهذا الإسناد، وقد أخرجه البخاريّ في
((صحيحه) متصلاً من غير وجادة، وهو ما أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن علي
المسعوديّ الأنصاريّ، أنا أبو عبد الله محمد بن بركات السعيديّ، أخبرتنا
(١) هو: البيهقيّ كَُّهُ.
(٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٢٩٩/٧.
(٣) تقدّم كلام العطار كثّفُ هذا في مقدّمة ((شرح المقدّمة)) ١٢٥/١.

٨٣
قا - حديث رقم (٦٢٧٢)
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
كريمة بنت أحمد المروزية، أنا أبو الهيثم الكشميهنيّ، أنا أبو عبد الله محمد بن
يوسف الفربريّ، أنا محمد بن إسماعيل البخاريّ، ثنا إسماعيل (١)، ثنا
سليمان(٢)، عن هشام (ح) ....
قال: وحدّثني محمد بن حرب، ثنا أبو مروان يحيى بن أبي زكرياء، عن
هشام، عن عروة، عن عائشة قالت: إن كان رسول الله وَ﴿ ليتعذر في مرضه،
أين أنا اليوم؟ أين أنا غداً؟ استبطاءً ليوم عائشة، فلما كان يومي قبضه الله بين
سَحْرِي ونَحْري، ودُفن في بيتي وَلِّ .
وأخرجه أيضاً عن عُبيد بن إسماعيل الكوفيّ، عن أبي أسامة، عن
هشام، عن أبيه؛ أن رسول الله وَ ﴾. هكذا مرسلاً، إلا أنه قال في آخره: قالت
عائشة: فلما كان يومي سَكَن. وهذا متصل، والله أعلم.
ويحيى بن أبي زكريا المذكور في هذا الإسناد هو الغسانيّ شاميّ، وربما
اشتبه بيحيى بن زكريا الكوفيّ، وهو ابن أبي زائدة؛ لاشتراكهما في الرواية عن
هشام بن عروة، والأول يكنى أبا مروان، وابن زائدة يكنى أبا سعيد، هَمْدانيّ.
وقوله في هذه الرواية التي أوردناها من طريق البخاريّ: إن كان
رسول الله وَ﴿ ليتعذر، قال الخطابيّ: معناه يتعسّر، ويتمنع، وأنشد:
وَيَوْماً عَلَى ظَهْرِ الْكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ
وأكثر الرواة يرويه: (ليتقدر)) بالقاف من التقدير، وفي كتاب مسلم:
((ليتفقد)) من التفقّد، كما أوردناه.
وقولها: ((بين سحري ونحري)): والسحر بفتح السين المهملة، وضمّها:
الرئة، وقال بعضهم: هو ما بين ثدييها، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ
العطار رَخْذَهُ(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن إسناد المصنّف نَظَّتُهُ مما
اختلف في وصله؛ لأنه من نوع الوجادة، والوجادة فيها اختلاف بين العلماء،
والراجح أنها ليست متّصلةً، ولعل المصنّف ممن يرى الرواية بها، ولا سيّما
(١) هو: ابن أبي أويس.
(٣) ((غرر الفوائد)) ١/ ٢٧٢ - ٢٧٥.
(٢) هو: ابن بلال المدنيّ.

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
فيما إذا كان متّصلاً من طرق أخرى عند البخاريّ، وإنما أوردها من طريق
الوجادة دون غيرها لكونها سماعه من شيخه، فأدّاها على ما لم يسمعه.
والحاصل: أن الحديث صحيح، لا شكّ فيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) فِؤُّنَا؛ أنها (قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ) ((إن)) بكسر
الهمزة، وسكون النون مخفّفة من الثقيلة، ولذا جاءت اللام الفارقة بينهما وبين
((إن)) النافية بعدها، كما قال في ((الخلاصة)):
وَخُفِّفَتْ ((إِنَّ) فَقَلَّ الْعَمَلُ وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وقال في ((العمدة)): كلمة ((إِنْ)) هذه مخففة من الثقيلة، فتدخل على
الجملتين، فإن دخلت على الاسمية جاز إعمالها، خلافاً للكوفيين، وحَكَى
سيبويه: إِنْ عمراً لمنطلقٌ، وإن دخلت على الفعلية وجب إهمالها، وههنا
دخلت على الفعلية، والأكثر كون الفعل ماضياً. انتهى (١).
(لَيَتَفَقَّدُ)؛ أي: يطلب، ويسأل يوم عائشة استبطاءً له، يقال: تفقّدته: إذا
طلبته عند غيبته(٢).
ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((ليتعذّر))، قال في ((العمدة)): هو بالعين
المهملة، والذال المعجمة؛ أي: يطلب العذر فيما يحاوله من الانتقال إلى بيت
عائشة فيّا، ويمكن أن يكون بمعنى: يتعسر؛ أي: يتعسر عليه ما كان عليه من
الصبر، وعند ابن التين في رواية أبي الحسن: ((ليتقدر)) بالقاف، والدال
المهملة، قال الداوديّ: معناه: يسأل عن قَدْر ما بقي إلى يومها؛ ليهوّن عليه
بعض ما يجد؛ لأن المريض يجد عند بعض أهله ما لا يجده عند غيره من
الأُنس والسكون. انتهى(٣).
وقولها: (يَقُولُ) بيان لمعنى تفقدّه: ((أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَداً؟»)؛
أي: أين أكون في هذا اليوم؟ وأين أكون غداً؟ وقال الكرمانيّ: يريد بقوله:
(١) ((عمدة القاري)) ٢٢٣/٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢ /٩٧٨.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٢٣/٨.

٨٥
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َّا - حديث رقم (٦٢٧٢)
«أين أنا اليوم؟ لمن النوبة اليوم؟ ولمن النوبة غداً؟ أي: في حجرةِ أيِّ امرأة
من النساء أكون غداً؟. انتهى(١).
(اسْتِبْطَاءَ لِيَوْمٍ عَائِشَةَ)؛ أي: يستطيل يومها؛ اشتياقاً إليها، وإلى نوبتها
(قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ) ((كان)) هنا تامّة، كما قال الحريريّ في ((ملحته)):
وَإِنْ تَقُلْ: (يَا قَوْمٍ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ)) فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
وقال في «الخلاصة)):
وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
والمعنى هنا: جاء (يَوْمِي)؛ أي: يوم نوبتي الذي يكون فيه النبيّ وَل
عندي، وقال النوويّ كَّتُهُ: أي: كان يومها الأصيل بحساب الدَّوْر، والْقَسْم،
وإلا فقد كان صار جميع الأيام في بيتها. انتهى(٢).
(قَبَضَهُ اللهُ بَيْنَ سَحْرِي، وَنَحْرِي) قال القرطبيّ تَخْتُ: الرواية الصحيحة:
(سَخْري)) بسين مفتوحة، غير معجمة، والسَّحر: الرئة، والنَّحر: أعلى الصدر،
وأرادت أنه وَّهِ تُوُفّي، وهو مستند إلى موضع سَحْرها، وهو الصدر، كما جاء
في الرواية الأخرى: ((وهو مستند إلى صدرها))، وحُكي عن عمارة بن عقيل بن
بلال؛ أنه قال: إنما هو شَجْري - بالشين المعجمة، والجيم - وشبَّك بين
أصابعه، وأومأ إلى أنها ضمَّته إلى صدرها مشبكة يديها عليه. انتهى (٣).
وقال النوويّ تَخْشُهُ: السحر - بفتح السين المهملة، وضمها، وإسكان
الحاء - وهي الرئة، وما تعلق بها، قال القاضي: وقيل: إنما هو شجري
- بالشين المعجمة، والجيم - وشبك هذا القائل أصابعه، وأومأ إلى أنها ضمته
إلى نحرها مشبكة يديها عليه، والصواب المعروف هو الأول. انتهى (٤).
[تنبيه]: وقع في رواية للبخاريّ من رواية القاسم عن عائشة بلفظ:
((وكانت تقول: مات، ورأسه بين حاقنتي وذاقنتي))، وفي رواية ذكوان عن
عائشة: ((توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وإن الله جمع بين
ريقي وریقه عند موته، في آخر يوم من الدنیا)).
(١) ((عمدة القاري)) ٢٢٣/٨.
(٣) ((المفهم)) ٣٢٨/٦ - ٣٢٩.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٨/١٥.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٢٠٨/١٥.

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
قال في ((الفتح)): والحاقنة بالمهملة، والقاف: ما سفل من الذقن،
والذاقنة ما علا منه، أو الحاقنة نُقرة التَّرْقُوة، هما حاقنتان، ويقال: إن
الحاقنة: المطمئن من الترقوة والحلق، وقيل: ما دون الترقوة من الصدر،
وقيل: هي تحت السرّة، وقال ثابت: الذاقنة: طرف الحلقوم، والسَّحر بفتح
المهملة، وسكون الحاء المهملة: هو الصدر، وهو في الأصل الرئة، والنحر
بفتح النون، وسكون المهملة، والمراد به موضع النحر، وأغرب الداوديّ،
فقال: هو ما بين الثدیین.
والحاصل: أن ما بين الحاقنة والذاقنة: هو ما بين السَّحر والنحر،
والمراد أنه مات ورأسه بين حنكها وصدرها وَّر، ورضي عنها، وهذا لا يغاير
حديثها أن رأسه كان على فخذها؛ لأنه محمول على أنها رفعته من فخذها إلى
صدرها. انتهى ما في ((الفتح))، وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٧٢/١٣] (٢٤٤٣)، و(البخاريّ) في ((الوضوء))
(١٩٨) و((الصلاة)) (٦٦٤ و٦٦٥) و((الجنائز)) (١٣٨٩) و((الهبة)) (٢٥٨٨)
و((الجهاد)) (٣٠٩٩) و((المغازي)) (٤٤٣٨ و٤٤٤٦)، و(ابن أبي شيبة) في
(مصنّفه)) (١٣١/١٢ - ١٣٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢١/٦ - ١٢٢ و٢٠٠)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧٨/٢٣)، و(الحاكم) في ((مسنده)) (٦/٤)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٧١١٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦٣/٨)، والله تعالى
أعلم .
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل عائشة غيّا، حيث كان النبيّ وَ﴿ يُحبّها كثيراً،
ومن حبّه كان يستبطئ يومها في مرض موته، ومات في يوم نوبتها، وهي
مسندته إلى صدرها .
٢ - (ومنها): أن حديث الباب صريح في أنه وَ ل ومات، وعائشة مسندته

٨٧
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َا - حديث رقم (٦٢٧٢)
إلى صدرها، وما ورد من أنه مات، وهو في صدر عليّ رَظُه لا يثبت، وقد
أجاد الحافظ تخذثُ في بیان ذلك، ودونك نصّه:
قال: وهذا الحديث يعارض ما أخرجه الحاكم، وابن سعد من طرُق؛ أن
النبيّ وَّ﴿ مات، ورأسه في حجر عليّ، وكل طريق منها لا يخلو من شيعيّ،
فلا يُلتَفَت إليهم، وقد رأيت بيان حال الأحاديث التي أشرت إليها دفعاً لتوهّم
التعصب .
قال ابن سعد: ((ذكرُ من قال: توفي في حجر عليّ))، وساق من حديث
جابر: سأل كعب الأحبار عليّاً: ما كان آخر ما تكلم به وَالقتل، فقال: أسندته
إلى صدري، فوضع رأسه على منكبي، فقال: ((الصلاة الصلاة))، فقال كعب:
كذلك آخر عهد الأنبياء، وفي سنده الواقديّ، وحرام بن عثمان، وهما
متروکان.
وعن الواقديّ عن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه
قال: قال رسول الله وَّ في مرضه: ((ادعوا إليَّ أخي، فُدعِيَ له عليَّ، فقال:
ادن مني، قال: فلم يزل مستنداً إليَّ، وإنَّه ليكلمني حتى نزل به، وثَقُل في
حِجري، فصحت: يا عباس أدركني، فإني هالك، فجاء العباس، فكان
جهدهما جميعاً أن أضجعاه))، وفيه انقطاع، مع الواقدي، وعبد الله فیه لیْن.
وبه عن أبيه، عن علي بن الحسين: ((قُبض ورأسه في حجر عليّ))، فيه
انقطاع.
وعن الواقديّ عن أبي الحويرث، عن أبيه، عن الشعبيّ: ((مات، ورأسه
في حجر عليّ))، فيه الواقديّ، والانقطاع، وأبو الحويرث اسمه عبد الرحمن بن
معاوية بن الحارث المدنيّ، قال مالك: ليس بثقة، وأبوه لا يُعرف حاله.
وعن الواقديّ عن سليمان بن داود بن الحصين، عن أبيه، عن أبي
غطفان: سألت ابن عباس قال: توفي رسول الله وَّل، وهو إلى صدر عليّ،
قال: فقلت: فإن عروة حدّثني عن عائشة قالت: ((تُوُفّي النبيّ وَّرِ بين سحري
ونحرى))، فقال ابن عباس: لقد توفي وإنه لمستند إلى صدر عليّ، وهو الذي
غسله، وأخي الفضل، وأبي أبى أن يحضر. فيه الواقديّ، وسليمان لا يُعرف

٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
حاله، وأبو غطفان - بفتح المعجمة، ثم المهملة - اسمه سعد، وهو مشهور
بكنيته، وثقه النسائيّ.
وأخرج الحاكم في ((الإكليل)) من طريق حبة العدنيّ، عن عليّ: ((أسندته
إلى صدري، فسالت نفسه))، وحبة ضعيف.
ومن حديث أم سلمة قالت: عليّ آخرهم عهداً برسول الله وَّه، والحديث
عن عائشة أثبت من هذا، ولعلها أرادت: آخر الرجال به عهداً، ويمكن الجمع
بأن يكون عليّ آخرهم عهداً به، وأنه لم يفارقه حتى مالَ، فلما مال ظنّ أنه
مات، ثم أفاق بعد أن توجه، فأسندته عائشة بعده إلى صدرها، فقُبض.
ووقع عند أحمد من طريق يزيد بن بابنوس - بموحدتين، بينهما ألف،
غير مهموز، وبعد الثانية المفتوحة نون مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم سين
مهملة - في أثناء حديث: ((فبينما رأسه ذات يوم على منكبي إذ مال رأسه نحو
رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجت من فيه نقطة باردة، فوقعت
على ثغرة نحري، فاقشعر لها جلدي، وظننت أنه غُشي عليه، فسجيته ثوباً)).
انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ في تتبّعه الأحاديث المعارضة
لحديث الباب، وبيّن ضعفها، فاستبان الحقّ، وظهر الصدق، وأنه وَ لّ مات
وعائشَة ◌ٌّا مسندته، وما خالف هذا فلا يُلتفت إليه، وأما مخالفة الرافضة
الشيعة في ذلك فلا يُستغرب، فإنهم معروفون بمعاندة الحقّ، والإعراض عنه،
ودَفْعه بالأخبار المرويّة عن طريق المتروكين والوضاعين، فلا تغترّ بتمويههم
الباطل، وتزويرهم الحقّ، والله المستعان على من يجادل بالباطل،
ويتمسّك بالترّهات، ﴿رَبََّا لَا تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ
[آل عمران: ٨]، اللَّهُمَّ أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل
الْوَقَّابُ
باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٣] (٢٤٤٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِیمَا
(١) ((الفتح)) ٩/ ٦٠١، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٤٣٨).

٨٩
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ خَّا - حديث رقم (٦٢٧٣)
قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا
أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَى صَدْرِهَا،
وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام، كان قاضي مكة زمن أبيه،
وخليفته إذا حجّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٥٢/٣٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَذَثُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن
كان بَغْلانيّاً - وهي قرية من بَلْخَ - إلا أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه
رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة ◌َّا، وتقدّم القول فيها.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِّنَا؛ (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ)؛ أي: عبّاداً، (أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ وَله
يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ). وقولها: (وَهُوَ مُسْنِدٌ) جملة حاليّة، وهو بضم الميم،
وكسر النون: اسم فاعل من أسند؛ أي: مسند ظهره (إِلَى صَدْرِهَا)؛ أي:
عائشة يا، وفي رواية ابن حبّان: ((وهي مسندته إلى صدرها)). (وَأَصْغَتْ)؛
أي: أمالت سمعها (إِلَيْهِ) وَلِ (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة أيضاً، (اللَّهُمَّ) أصله يا
الله، بالجمع بين (يا))، و((أل))، فحُذفت ((يا))، وعُوّض عنها الميم المشدّدة،
وشذّ الجمع بينهما، في قول الشاعر [من الرجز]:
إِنّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا
وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) حيث قال:
إِلَّا مَعَ ((اللَّهِ» ومَحْكِيِّ الْجُمَلْ
وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ ((يَا)) و ((أَنْ))
وَشَذَّ ((يَا اللَّهُمَّ» فِي قَرِيضِ
وَالأَكْثَرُ ((اللَّهُمَّ)) بِالتَّعْوِيضِ

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ))) وفي رواية البخاريّ: ((وألحقني
بالرفيق الأعلى))، قال النوويّ تَخْثُ: الصحيح الذي عليه الجمهور أن المراد
بالرفيق الأعلى: الأنبياء الساكنون أعلى عليين، ولفظة ((رفيق)) تُطلق على
الواحد، والجمع، قال الله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]،
وقيل: هو الله تعالى، يقال: الله رفيق بعباده، من الرفق والرأفة، فهو فعيل
بمعنى فاعل، وأنكر الأزهريّ هذا القول، وقيل: أراد مرتفق الجنة. انتهى (١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((في الرفيق الأعلى)): قال الجوهريّ: الرفيق
الأعلى: الجنة، وكذا رُوي عن ابن إسحاق، وقيل: الرفيق اسم جنس يشمل
الواحد، وما فوقه، والمراد به الأنبياء ل﴿ ومَن ذُكِر في الآية.
وقال الخطابيّ: الرفيق الأعلى هو الصاحب المرافق، وهو ههنا بمعنى
الرفقاء؛ يعني: الملائكة.
وقال الكرمانيّ: الظاهر أنه معهود من قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ
رَفِيقًا﴾؛ أي: أدخلني في جملة أهل الجنة، من النبيين، والصديقين،
والشهداء، والصالحين، وقيل: المراد بالرفيق الأعلى: الله؛ لأنه رفيق بعباده،
وغَلَّط الأزهريّ قائل ذلك، وقيل: أراد رفق الرفيق، وقيل: أراد مُرتَفق الجنة.
وقال الداوديّ: هو اسم لكل ما سما، وقال: الأعلى؛ لأن الجنة فوق
ذلك.
وفي ((التلويح)): والمفسرون ينكرون قوله، ويقولون: إنه صَحَّف الرقيع
بالقاف، والرقيع من أسماء السماء.
ورُدّ على هذا بما رُوي من الأحاديث التي فيها الرفيق.
منها: حديث رواه أحمد من رواية المطلب، عن عائشة: ((مع الرفيق
الأعلى: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَهِم﴾ - إلى قوله -: ﴿رَفِيقًا))).
ومنها: حديثٌ رواه النسائيّ من رواية أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه،
وفيه: ((فقال: أسأل الله الرفيقَ الأسعد، مع جبريل، وميكائيل، وإسرافيل)).
ومنها: رواية الزهريّ: ((في الرفيق الأعلى))، ورواية عباد عن عائشة:
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٨/١٥.

٩١
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َّا - حديث رقم (٦٢٧٣)
((اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى))، وفي رواية عن ذكوان،
عن عائشة: ((فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قُبض))، ورواية ابن أبي
مليكة، عن عائشة: ((وقال: في الرفيق الأعلى)).
وعن الواقديّ: إن أول كلمة تكلم بها، وهو مسترضع عند حليمة: ((الله
أكبر))، وآخر كلمة تكلم بها، كما في حديث عائشة: ((في الرفيق الأعلى)).
ورَوَى الحاكم من حديث أنس: ((أن آخر ما تكلم به: جلال ربي
الرفيع)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ظِّنا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٧٣/١٣ و٦٢٧٤ و٦٢٧٥ و٦٢٧٦ و٦٢٧٧]
(٢٤٤٤)، و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٤٤٤٠) و((المرضى)) (٥٦٧٤)،
و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٤٩٦)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة))
(١٠٩٥)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٢٣٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣١/٦)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٦١٨)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (٢٠٩/٧)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٨٢٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(٢):
١ - (منها): بيان فضل عائشة خيرًا.
٢ - (ومنها): بيان آخر ما تكلّم به النبيّ وَّ، وهو قوله: ((اللَّهُمَّ الرفيق
الأعلى)».
٣ - (ومنها): بيان أن الله ◌ُعَلَ يُكرم الأنبياء، فلا يموتون حتى يخيّرهم
بين البقاء، وبين لقائه، ونعيم الجنة، فيختارون لقاءه، ونعيم الجنّة، وهذا هو
غاية الإكرام والإعظام.
(١) ((عمدة القاري)) ٦٤/١٨.
(٢) المراد فوائد الحديث برواياته المختلفة الآتية في الكتاب، وفي الشرح، لا
خصوص سياق هذه الرواية، فتنبّه.

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
٤ - (ومنها): بيان فهم عائشة ﴿هنا وقوّة إدراكها، فقد فهمت من قوله اليه :
((اللَّهُمَّ الرفيق الأعلى))، أنه خُيِّر، وأنه لا يختار البقاء في الدنيا، نظير فهم أبيها
من قوله ◌َّ: ((إن الله خَيّر عبداً بين الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ما عند الله))،
فبكى أبو بكر رضُّه، فتوافق فهمهما، فبانَ صِدْق قوله {وَلّ لمّا أفحمت خصمها
زينب بنت جحش رضي: ((إنها ابنة أبي بكر))، كما تقدّم ذلك قبل حديثين، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كُلَّهُمْ عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَام)؛ أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: أبو أسامة،
وعبد الله بن نُمير، وعبدة بن سليمان رووه عن هشام بن عروة بسنده المذكور.
[تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة ساقها البخاريّ كَّتُهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٥٣٥٠) - حدّثنا عبد الله بن أبي شيبة (١)، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام،
عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، قال: سمعت عائشة ◌َّا قالت: سمعت
النبيّ وَّة، وهو مستند إليّ، يقول: ((اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني
بالرفیق)). انتهى(٢).
ورواية عبد الله بن نُمير عن هشام ساقها أحمد تَّتُ في ((مسنده))، مقروناً
بأبي أسامة، فقال
(٢٥٩٨٩) - حدّثنا ابن نُمير، ثنا هشام، وثنا أبو أسامة، قال: أنا هشام
(١) هو: أبو بكر بن أبي شيبة)) الشيخ الأول لمسلم في هذا الحديث.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٤٧/٥.

٩٣
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َا - حديث رقم (٦٢٧٥)
- يعني: ابن عروة - عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: سمعت
رسول الله ◌َ﴿ يقول - قال أبو أسامة في حديثه -: سمعت عائشة، قالت:
سمعت رسول الله وَ﴿ قبل أن يُتوفى، وأنا مسندته إلى صدري، يقول: ((اللَّهُمَّ
اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى)). انتهى (١).
ورواية عبدة بن سليمان عن هشام ساقها النسائيّ ◌َّهُ في ((الكبرى))،
فقال :
(٧١٠٥) - أنبأ إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأ عبدة، عن هشام، عن عباد بن
عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله وَلقر، وهو يقول عند
وفاته: ((اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى)). انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ
الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ،
يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ
أُؤْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، قَالَتْ: فَظَنَنْتُهُ خُيِّرَ حِينَئِذٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله.
شرح الحديث :
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا؛ أنها (قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ) قال في ((الفتح)): ((ولم
تصرح عائشة ﴿يا بذِكر مَن سمعت ذلك منه في هذه الرواية، وصرحت بذلك
في الرواية الآتية حيث قالت: كان رسول الله وَل﴿ يقول، وهو صحيح: ((إنه لم
يُقبض نبيّ قطّ حتى يرى مقعده من الجنة)).
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٣١/٦.
(٢) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٢٦٠/٤.

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ) بضم أوله، وفتح الخاء المعجمة، (بَيْنَ
الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)؛ أي: بين البقاء في الدنيا والانتقال إلى الدار الآخرة.
(قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ نَِّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَأَخَذَتْهُ بُخَّةٌ) - بضم
الباء الموحّدة، وتشديد الحاء المهملة - وهي شيء يعترض في مجاري النفس،
فيتغير به الصوت، فيَغْلُظ، يقال: بَحِحْتُ بالكسر بَحّاً، ورجل أبحّ: إذا كان
ذلك فيه خِلْقَةً، وقيل: يقال: رجل بَحّ، وأبحّ، ولا يقال: باحٌ، وامرأة بحّاء،
قاله في ((العمدة))(١).
(يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ
وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]) وفي رواية المطلب عن عائشة، عند أحمد:
((فقال: مع الرفيق الأعلى، ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَّهِم مِّنَ النَّبِّعْنَ وَالصِّدِّيقِينَ
وَالشُّهَدَآءِ﴾ - إلى قوله -: ﴿رَفِيقًا﴾))، وفي رواية أبي بُردة بن أبي موسى، عن
أبيه، عند النسائيّ، وصححه ابن حبان: ((فقال: أسأل الله الرفيق الأعلى
الأسعد، مع جبريل، وميكائيل، وإسرافيل)).
قال القرطبيّ كَُّ: قد تقدَّم القول في الرفيق، وأن الأولى فيه أنه الذي
دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْئِنَ وَالصِّدِّيقِينَ
وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وتخيير الله للأنبياء عند
الموت مبالغة في إكرامهم، وفي ترفيع مكانتهم عند الله تعالى، وليستخرج منهم
شدَّة شوقهم، ومحبتهم له تعالى، ولِمَا عنده. وقد تقدَّم من هذا شيء في باب
ذِکر موسی زَلّ. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): ظاهر الحديث أن الرفيق: المكان الذي تحصل
المرافقة فيه مع المذكورين، وفي رواية الزهريّ: ((في الرفيق الأعلى))، وفي
رواية عباد، عن عائشة المتقدّمة: ((قال: اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني
بالرفيق))، وفي رواية ذكوان، عن عائشة: ((فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى
قُبض))، وفي رواية ابن أبي مليكة، عن عائشة: ((وقال: في الرفيق الأعلى، في
الرفيق الأعلى)).
(١) ((عمدة القاري)) ٦٤/١٨.
(٢) ((المفهم)) ٣٢٨/٦ - ٣٢٩.

٩٥
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َّا - حديث رقم (٦٢٧٥)
وهذه الأحاديث تَرُدّ على من زعم أن الرفيق تغيير من الراوي، وأن
الصواب الرقيع، بالقاف، والعين المهملة، وهو من أسماء السماء.
وقال الجوهريّ: الرفيق الأعلى: الجنة، ويؤيده ما وقع عند أبي
إسحاق: ((الرفيق الأعلى الجنة))، وقيل: بل الرفيق هنا اسم جنس يشمل
الواحد، وما فوقه، والمراد: الأنبياء، ومن ذُكر في الآية، وقد خُتِمت بقوله:
﴿وَحَسُنَ أُوْلَيْكَ رَفِيقًا﴾.
ونكتة الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد: الإشارةُ إلى أن أهل الجنة يدخلونها
على قلب رجل واحد، نَبَّهَ عليه السهيليّ.
وزعم بعض المغاربة أنه يَحْتَمِل أن يراد بالرفيق الأعلى: الله وم؛ لأنه
من أسمائه، كما أخرج أبو داود، من حديث عبد الله بن مُغَفَّل ◌َظُه، رفعه:
((إن الله رفيق يحب الرفق))، كذا اقتصر عليه، والحديث عند مسلم، عن
عائشة، فعَزْوه إليه أولى، قال: والرفيق يَحْتَمِل أن يكون صفة ذات؛ کالحكيم،
أو صفة فعل، قال: ويَحْتَمِل أن يراد به حضرة القدس، ويَحْتَمِل أن يراد به
الجماعة المذكورون في آية النساء، ومعنى كونهم رفيقاً: تعاونهم على
طاعة الله، وارتفاق بعضهم ببعض.
قال الحافظ: وهذا الثالث هو المعتمَد، وعليه اقتصر أكثر الشراح، وقد
غَلّط الأزهريّ القول الأول، ولا وجه لتغليطه من الجهة التي غلَّطه بها، وهو
قوله: ((مع الرفيق))، أو ((في الرفيق))؛ لأن تأويله على ما يليق بالله سائغ.
قال السهيليّ: الحكمة في اختتام كلام المصطفى وَله بهذه الكلمة كونها
تتضمن التوحيد، والذّكر بالقلب، حتى يستفاد منه الرخصة لغيره، أنه لا يشترط
أن يكون الذكر باللسان؛ لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا يضره
إذا كان قلبه عامراً بالذكر. انتهى ملخصاً(١).
(قَالَتْ) عائشة ◌ِ﴿ّا: (فَظَنَنْتُهُ خُيِّرَ حِينَئِذٍ) بالبناء للمفعول؛ أي: خُيِّر بين
الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة.
وفي رواية الزهريّ الآتية: ((فقلت: إذاً لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه
(١) راجع: ((الفتح)) ٥٩٨/٩ - ٥٩٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٤٣٥).

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الذي كان يحدثنا، وهو صحيح))، وعند أبي الأسود في ((المغازي)) عن عروة:
((أن جبريل نزل إليه في تلك الحالة، فخيَّره)).
[تنبيه]: قال السهيليّ: وجدت في بعض كتب الواقديّ أن أول كلمة تكلم
بها وَّر، وهو مسترضع عند حليمة: ((الله أكبر))، وآخر كلمة تكلم بها كما في
حديث عائشة: ((في الرفيق الأعلى))، وروى الحاكم من حديث أنس: ((أن آخر
ما تكلم به: جلالُ ربي الرفيع)). انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الواقديّ: أول كلمة تكلّم بها وَيقد ...
إلخ يحتاج إلى ثبوته من طريق غيره، فإنه ضعيف جدّاً، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان بقيّة مسائله قبل حديث، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ضمير التثنية لوكيع، ومعاذ بن معاذ.
[تنبيه]: رواية وكيع عن شعبة ساقها أحمد تَخّتُهُ في ((مسنده))، فقال:
(٢٥٧٤٢) - حدّثنا وكيع، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن
عروة، عن عائشة، قالت: كنت أسمع: لا يموت نبيّ إلا خُيِّر بين الدنيا
والآخرة، قالت: فأصابته بُحّة في مرضه الذي مات فيهِ، فسمعته يقول: ﴿مَعَ
الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِنَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾
[النساء: ٦٩] فظننت إنه خُيِّر. انتهى (٢).
(١) راجع: ((الفتح)) ٥٩٨/٩ - ٥٩٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٤٣٥).
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٠٥/٦.

٩٧
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َا - حديث رقم (٦٢٧٧)
وأما رواية معاذ بن معاذ عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٧٧] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ،
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي
سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ
النَّبِّ وَِّ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهَ يَقُولُ - وَهُوَ صَحِيحٌ -: ((إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيِّ
قَطُّ حَتَى يَرَى مَقْعَدَهُ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِنَّهِ،
وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي، غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ، ثُمَّ
قَالَ: ((اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى))، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِذاً لَا يَخْتَارُنَا، قَالَتْ عَائِشَةُ:
وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثْنَا بِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِ: ((إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيّ
قَطُّ حَتَّى يَرَى مَفْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرُ كَلِمَةٍ
تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ قَوْلَهُ: ((اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلهم تقدّموا قريباً .
شرح الحديث:
عَنْ عُفَيْلٍ بْنِ خَالِدٍ؛ أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ: (أَخْبَرَنِي
سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ) ((في)) بمعنى ((مع))، (مِنْ أَهْلِ
الْعِلْم) قال الحافظ تَخُّْهُ: لم أقف على تعيين أحد منهم صريحاً، وقد رَوَى
أصلَ الحديث المذكور عن عائشة: ابنُ أبي مليكة، وذكوانُ مولى عائشة، وأبو
سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، فيمكن أن يكون الزهريّ عَنَاهُم،
أو بعضهم. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((في رجال من أهل العلم))؛ أي: أخبره
(١) ((الفتح)) ٣٦٣/١٤، كتاب ((الدعوات)) رقم (٦٣٤٨).

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، في جملة طائفة أخرى أخبروه أيضاً، به،
أو في حضور طائفة مستمعين له. انتهى(١).
(أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَِّ ◌َّا (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَقُولُ)،
وقولها: (وَهُوَ صَحِيحٌ) جملة معترضة بين القول ومقوله، وهو قولها: ((إِنَّهُ)
الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، كما قال ابن مالك في
((الكافية)) :
بِجَمْلَةٍ كَـ ((إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى)»
وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا
(لَمْ يُقْبَضْ) بالبناء للمفعول، (نَبِيِّ قَطَّ)؛ أي: فيما مضى من الزمن،
(حَتَّى يَرَى) يحتمل أن يكون مبنيّاً للمفعول؛ أي: حتى يريه الله رَ مقعده،
ويَحْتَمل أن يكون مبنيّاً للفاعل، والفاعل ضمير ((نبيّ))؛ أي: إلى أن يرى ذلك
النبيّ (مَفْعَدَهُ) بفتح الميم، والعين؛ أي: مكان قعوده، والمراد: منزله (فِي
الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ) بالبناء للمفعول، من التخيير، وهو منصوب عطفاً على (يرى))،
أو مرفوع على الاستئناف؛ أي: ثم هو يُخيّر؛ أي: يُجعل له الْخِيَرة بين البقاء
في الدنيا، والانتقال إلى الدار الآخرة.
ووقع في رواية للبخاريّ: ((ثم يُحيّى، أو يخيّر))، قال في ((الفتح)): وهو
شكّ من الراوي، هل قال: ((يُحَيّى)) بضم أوله، وفتح المهملة، وتشديد
التحتانية، بعدها أخرى، أو (يخير))، كما في رواية سعد بن إبراهيم؟ وعند
أحمد من طريق المطلب بن عبد الله، عن عائشة؛ أن النبيّ وَ ﴿ كان يقول: ((ما
من نبيّ يُقبض إلا يرى الثواب، ثم يخيّر))، ولأحمد أيضاً من حديث أبي
مويهبة، قال: قال لي رسول الله وَّيقول: ((إني أوتيت مفاتيح خزائن الأرض،
والخلد، ثم الجنة، فخُيرت بين ذلك، وبين لقاء ربي، والجنة، فاخترت لقاء
ربي، والجنة)). وعند عبد الرزاق، من مرسل طاوس، رفعه: ((خُيِّرت بين أن
أبقى حتى أرى ما يُفتح على أمتي، وبين التعجيل، فاخترت التعجيل)).
انتھی
(٢)
(١) ((عمدة القاري)) ٣٠٥/٢٢.
(٢) ((الفتح)) ٥٩٨/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٤٣٥).

٩٩
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ّ - حديث رقم (٦٢٧٧)
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌َّا: (فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ مَّـه) ببناء الفعل للفاعل؛ أي:
نزل به المرض، أو حضره ملَك الموت، وقولها: (وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي) جملة
حاليّة؛ أي: والحال أن رأسه وي ليه موضوع على فخذي، وتقدّم أن للفخذ أربع
لغات: فتح أوله، وكسر ثالثه، وفتح الأول وإسكان الثاني، وكسر الأول،
وإسكان الثاني، وكسرهما معاً. (غُشِيَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، قال الفيّوميّ نَظُّهُ :
غُشِيَ عليه - بالبناء للمفعول - غَشْياً، بفتح الغين، وضمُّها لغةٌ، والغَشْيَةُ بالفتح:
المرة، فهو مَغْشِيٍّ عليه، ويقال: إن الغَشْيَ يُعَطِّل الْقُوَى المحرِّكة، والأوردة
الحسّاسة؛ لضعف القلب، بسبب وجع شديد، أو برد، أو جوع مُفْرِط، وقيل:
الغَشْيُ هو الإغماء، وقيل: الإغماء امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ،
وقيل: الإغماء سهو، يَلْحَق الإنسان مع فتور الأعضاء؛ لعلة. انتهى (١).
وقولها: (سَاعَةً) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ(غُشي))، (ثُمَّ أَفَاقَ)؛ أي:
رجع إليه وعيه، (فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ)؛ أي: حدّد نظره إلى سقف
البيت، كما تفعل الموتى، قاله القرطبيّ(٢).
وقال في ((التاج)): ((شَخَصَ بَصَرُهُ، فهو شاخِصٌ: إِذا فَتَحَ عَيْنَيْه، وجَعَلَ
لا يَظْرِفُ، قال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِى شَخِصَةُ أَبْصَدُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ الآية [الأنبياء: ٩٧]، شَخَص المَيِّتُ بَصَرَهُ: رَفَعَهُ إِلى السماءِ، فَلَمْ
يَظْرِفْ، وشَخَص ببَصره عِنْدِ المَوْتِ كَذلِكَ، وهو مَجَازٌ، وأَبْصَارٌ شاخِصَةٌ،
وشَوَاخِصُ، وقال ابنُ الأَثير: شُخوصُ بَصَرِ المَيِّت: ارْتِفَاعُ الأَجْفَانِ إِلى فَوْقُ،
وتَحْدِيدُ النَّظَرِ، وانْزعاجُه)). انتهى(٣).
(ثُمَّ قَالَ) وَِّ: ((اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى))) قال في ((العمدة)): ((الرفيق))
منصوب بمقدّر، وهو نحو أَختار، أو أُريد، و((الأعلى)) صفته، وهو إشارة إلى
الملائكة، أو إلى ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَّهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ﴾
[النساء: ٩٦]. انتهى(٤).
(١) (المصباح المنير)) ٢ / ٤٤٧ - ٤٤٨.
(٢) ((المفهم)) ٣٢٩/٦.
(٣) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٤٤٦٢/١.
(٤) ((عمدة القاري)) ٩٤/٢٣.

١٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌ُِّهَا: (قُلْتُ: إِذاً)؛ أي: إذا كان مخيّراً (لَا يَخْتَارُنَا) قال
في ((العمدة)): ((لا يختارَنا)) بالنصب؛ أي: حين اختار مرافقة أهل السماء، لا
يبغي أن يختار مرافقتنا من أهل الأرض، هكذا أعربه الكرمانيّ، قال العينيّ:
ولا مانع من أن يكون مرفوعاً؛ لأن معنى قوله: ((إذاً))؛ يعني: حينئذ هو لا
يختارنا. انتهى (١).
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ﴿ُّ: (وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثْنَا بِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ
فِي قَوْلِهِ: ((إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ)))؛
المعنى: أنها عرفت أن الأمر الذي حصل له هو قوله في الحديث الذي كان
يحدثنا به، وهو صحيح، وهو قوله: ((إنه لم يُقبض نبيّ قط ... إلخ)).
قال المناويّ: والذي دعاه إلى ذلك رغبته في لقاء محبوبه، فلما عَيَّن
للقاء محلّاً خاصّاً، ولا يُنال إلا بالخروج من هذه الدار التي تنافي ذلك اللقاء
اختار الرفيق الأعلى(٢).
[تنبيه]: فَهْم عائشة ◌َّا من قوله ◌َّهِ: ((في الرفيق الأعلى)) أنه خُيِّر نظير
فهم أبيها رَظُه من قوله وَّه: ((أن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار
بلطي(٣).
ما عنده)) أن العبد المخيّر هو النبيّ وَّ حتى بكى، كما تقدم في مناقبه
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌ِّ: (فَكَانَتْ تِلْكَ)؛ أي: تلك الكلمة التي هي قوله:
((اللَّهُمَّ الرفيق الأعلى))، وهي اسم ((كانت))، وخبرها قولها: (آخِرُ كَلِمَةٍ)
ويحتمل أن يكو ((آخر)) اسمها مؤخّراً، و(تلك)) خبرها مقدّماً، والوجه الأول
أولى؛ لأن اسم الإشارة أعرف، فهو بكونها مسنداً إليه، وقولها: (تَكَلَّمَ بِهَا
رَسُولُ اللهِ وَلِ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ((كلمة))، وقولها: (قَوْلَهُ) يَحتمل أن
يكون مرفوعاً خبر لمحذوف؛ أي: هو قوله، ويحتمل أن يكون منصوباً بدلاً من
((تلك)). ((اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى))) و((الرفيق)) منصوب على المفعوليّة لمقدّر، كما
أسلفناه آنفاً .
(١) ((عمدة القاري)) ٩٤/٢٣.
(٢) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) ٢٥١/٥.
(٣) ((الفتح)) ٥٩٨/٩.