النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(١٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ّا - حديث رقم (٦٢٦٠ - ٦٢٦١)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا غِرْتُ لِلنَّبِيِّ نَّهِ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ
نِسَائِهِ، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ؛ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ إِيَّهَا، وَمَا رَأَيْتُهَا قَطُّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر
الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّ شهيرٌ، عَمِي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيع
[٩] (ت٢١١) وله خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة
شيئاً، وكذا فيما حدّث به بالبصرة من كبار [٧] (١٥٤) وهو ابن ثمان وخمسين
سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، والمسائل المتعلّقة به، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦١] (٢٤٣٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ يَتَزَوَّجِ النَّبِيُّ ◌َِّ عَلَى
خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الذي قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا؛ أنها (قَالَتْ: لَمْ يَتَزَوَّجِ النَّبِيُّ ◌َّهِ عَلَى خَدِيجَةَ)
(حَتَّى مَاتَتْ) قال في ((الفتح)): هذا مما كافأ النبيّ وَّ به خديجة في الدنيا
حيث إنه لم يتزوج في حياتها غيرها، قال: وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل
العلم بالأخبار، وفيه دليل على عِظَم قَدْرها عنده، وعلى مزيد فضلها؛ لأنها

٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
أغنته عن غيرها، واختصت به بقَدْر ما اشترك فيه غيرها مرتين؛ لأنه وَّ عاش
بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاماً، انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاماً،
وهي نحو الثلثين من المجموع، ومع طول المدة فَصَان قلبها فيها من الغيرة،
ومِن نَكَد الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك، وهي فضيلة
لم يشاركها فيها غيرها، ومما اختصت به سَبْقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان،
فسنَّت ذلك لكل من آمنت بعدها، فيكون لها مثل أجرهنّ؛ لِمَا ثبت أن: ((من سَنَّ
سُنَّة حسنةً ... )) الحديث، وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق ظُهته بالنسبة إلى
الرجال، ولا يَعْرِف قَدْر ما لكلِّ منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله رحمى (١).
وقال النووي: في هذه الأحاديث دلالة لحسن العهد، وحفظ الودّ،
ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حيّاً وميتاً، وإكرام معارف ذلك الصاحب.
انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ظّا هذا من أفراد المصنّف تَُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٦١/١٢] (٢٤٣٦)، و(عبد الرزّاق) في
(مصنّفه)) (٧/ ٤٩٢ و٤٩٣)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٤٢٩/١)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٥٠/٢٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢٠٥/٣)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٢/٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٢] (٢٤٣٧) - (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ
هِشَامِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةً عَلَى
رَسُولِّ اللّهِ وَِّ، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاحَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ
خُوَيْلِدٍ))، فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: وَمَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ،
هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، فَأَبْدَلَكَ اللهُ خَيْراً مِنْهَا؟).
(١) ((الفتح)) ٥٢٥/٨ - ٥٢٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٢/١٥.

٤٣
(١٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َّا - حديث رقم (٦٢٦٢)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثانيّ هرويّ الأصل، تقدّم قريباً.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهٍِ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا قبله، ولطائف هذا الإسناد تقدّمت قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ظُّ؛ أنها (قَالَت: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ
أُخْتُ حَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ﴾﴾ ((هالة)) - بفتح الهاء، وتخفيف اللام - بنت
خُويلد ◌ّا، وكانت زوج الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، والد أبي
العاص بن الربيع زوج زينب بنت النبيّ ◌َّ، وقد ذكروها في الصحابة، وهو
ظاهر هذا الحديث، وقد هاجرت إلى المدينة؛ لأن دخولها كان بها؛ أي:
بالمدينة، ويَحْتَمِل أن تكون دخلت على النبيّ وَله بمكة حيث كانت عائشة معه
في بعض سفراته، ووقع عند المستغفريّ من طريق حماد بن سلمة، عن هشام
بهذا السند: ((قَدِم ابنٌ لخديجة، يقال له: هالة، فسمع النبيّ وَّ في قائلته كلام
هالة، فانتبه، وقال: هالةُ هالةُ))، قال المستغفريّ: الصواب هالة أخت
خديجة. انتهى.
ورَوَى الطبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق تميم بن زيد بن هالة عن أبي
هالة، عن أبيه؛ أنه ((دخل على النبيّ وَّ، وهو راقد، فاستيقظ، فضمَّه إلى
صدره، وقال، هالةُ هالةُ))، وذكر ابن حبان، وابن عبد البرّ في الصحابة هالة بن
أبي هالة التميميّ، فلعله كان لخديجة أيضاً ابن اسمه هالة، والله أعلم، قاله
في ((الفتح))(١) .
(فَعَرَفَ اسْتِثْذَانَ خَدِيجَةَ)؛ أي: تذكّر صفة استئذانها؛ لِشَبَه صوتها بصوت
أختها، فتذكر خديجة بذلك(٢).
وقال القرطبيّ تَخُّهُ: قولها: ((فعرف استئذان خديجة))؛ أي: تذكّر عند
(١) ((الفتح)) ٥٢٩/٨، ٥٣٠، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٢١).
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٨٢/١٦، و((الفتح)) ٥٣٠/٨.

٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
استئذان هالة خديجة، وكأن نَغْمةَ هالة كانت تُشبه نَغْمةَ خديجة، وأصلُ هذا
كله أن من أحب محبوباً أحبَّ محبوباته، وما يتعلق به، وما يُشْبِهِه. انتهى(١).
(فَارْتَاحَ لِذَلِكَ) بالحاء المهملة؛ أي: اهتزّ لذلك سروراً، ويُروى:
((فارتاع)) من الرَّوْع بفتح الراء؛ أي: فَزِع، والمراد من الفزع لازِمُه، وهو
(٢)
التغيّر(٢) .
وقال النوويّ تَخْتُ: قولها: ((فارتاح لذلك))؛ أي: هَشّ لمجيئها، وسُرّ
بها؛ لتذكّره بها خديجة، وأيامها، وفي هذا كله دليل لِحُسن العهد، وحِفظ
الوُدّ، ورعاية حرمة الصاحب، والعشير في حياته، ووفاته، وإكرام أهل ذلك
الصاحب. انتهى(٣) .
(فَقَالَ) وَرِ عند ذلك: ((اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ))) بنصب هالةً؛ أي: يا الله
اجعلها هالةَ، فيكون منصوباً على المفعولية، للفعل المقدّر، ويجوز رفعه، على
أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذه هالةٌ(٤).
وقال القرطبيّ تَظْتُهُ: يجوز في ((هالة)) الرفع على خبر الابتداء؛ أي: هذه
هالة، فأكرمها، وأحسن إليها، والنَّصب على إضمار فعل؛ أي: أَكْرِم هالةَ،
واحفظها، وما أشبه ذلك من التقدير الذي يليقُ بالمعنى. انتهى (٥) .
(فَفِرْتُ) بكسر الغين المعجمة، وتقدّم ضَبْطه، (فَقُلْتُ: وَمَا تَذْكُرُ) ((ما))
استفهاميّة في محل رفع مبتدأ خبره (تَذْكُر))، وهو مبنيّ للفاعل، وقولها: (مِنْ
عَجُوزٍ) ((من)) زائدة، و((عجوز)) مفعول به لـ((تذكر))، وقولها: (مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ)
متعلّق بصفة لـ((عجوز)).
قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: قول عائشة رضيّ هذا قولٌ أخرجه منها فرط الغيرة،
وخِفَّة الشباب، والدَّلال، ولذلك لم يُنكر عليها النبيّ وَّ شيئاً مما قالت(٦)،
وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث أن الغَيْرى لا تُؤاخذ بما يصدرُ عنها
(١) ((المفهم)) ٦/ ٣١٧.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠٢/١٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٦/ ٢٨٢.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٨٢/١٦.
(٥) («المفهم)) ٣١٧/٦.
(٦) هذا غير صحيح، بل أنكر عليها، كما سيأتي بيانه قريباً.

٤٥
(١٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ - حديث رقم (٦٢٦٢)
في حال غيرتها، وليس ذلك أخذاً صحيحاً؛ لأنَّ الغيرة هنا جزءُ السَّبب، لا
كل السَّبب، وذلك أن عائشة ؤها اجتمع فيها تلك الأمور الثلاثة: الغيرة،
والشباب - ولعل ذلك كان قبل بلوغها - والدَّلال، وذلك أنها: كانت أحب
نسائه إليه بعد خديجة، فإحالة الصَّفح عنها على بعض هذه الأمور دون بعض
تحكّم، لا يقال: إنما يصحُّ إسناد الصَّفح إلى الغيرة؛ لأنَّها هي التي نصَّت
عليها عائشة فقالت: ((فغِرت))؛ لأنَّا نقول: لو سلّمنا أن غيرتها وحدها أخرجت
منها ذلك القول لَمَا لزم أن تكون غيرتها وحدها هي الموجبة للصفح عنها، بل
يَحْتَمِل: أن تكون الغيرة وحدها، ويَحْتمل أن تُعتبر باقي الأوصاف، لا سيما
ولم ينص النبيّ ◌َّ على المسقط ما هو، فبقي الأمر محتملاً للأمرين، فلا
تكون فيه حجَّة على ذلك، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي قريباً التعقّب على كلام القرطبيّ هذا،
فلا تغفل، وبالله تعالى التوفيق.
وقولها: (حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ) بالجرّ صفة ثانية لـ((عجوز)).
وقال أبو البقاء: يجوز في ((حمراء)) الرفع على القطع، والنصب على
الصفة، أو الحال(٢)، قال في ((الفتح)): والموجود في جميع النسخ، وفي
مسلم: ((حمراء)) بالمهملتين، وحَكَى ابن التين أنه رُوي بالجيم، والزاي، ولم
يذكر له معنى، وهو تصحيف، والله أعلم.
قال النوويّ تَخّْثُهُ: قولها: ((حمراء الشدقين)): معناه: عجوز كبيرة جدّاً
حتى قد سقطت أسنانها من الكِبَر، ولم يبق لِشِدْقها بياض شيء من الأسنان،
إنما بقي فيه حمرة لِقّاتها. انتهى(٣) .
وقال القرطبي تَخْلُّ: قيل: معنى حمراء الشدقين: بيضاء الشدقين،
والعرب تُطلق على الأبيض: الأحمر كراهةَ اسم البياض؛ لكونه يشبه البرص،
ولهذا كان ◌َ﴾ يقول لعائشة: ((يا حميراء))، ثم استبعد القرطبيّ هذا؛ لكون
(١) ((المفهم)) ٣١٨/٦.
(٢) ((إعراب الحديث النبويّ)) لأبي البقاء العكبريّ ص٣٤٢ رقم (٤١١).
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠٢/١٥.

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
عائشة أوردت هذه المقالة مورد التنقيص، فلو كان الأمر كما قيل لنَصَّت على
البياض؛ لأنه كان يكون أبلغ في مرادها، قال: والذي عندي أن المراد بذلك:
نِسبتها إلى كِبَر السنّ؛ لأن من دخل في سن الشيخوخة مع قوة في بدنه يغلب
على لونه غالباً الحمرة المائلة إلى السمرة.
قال الحافظ: كذا قال، والذي يتبادر أن المراد بالشدقين: ما في باطن
الفم، فكَنَت بذلك عن سقوط أسنانها حتى لا يبقى داخل فمها إلا اللحم
الأحمر من اللِّئَةِ وغيرها، وبهذا جزم النوويّ وغيره. انتهى(١).
(هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، فَأَبْدَلَكَ) ولفظ البخاريّ: ((قد أبدلك)) (اللهُ خَيْراً
مِنْهَا؟)))) قال القرطبيّ تَخَُّهُ: تعني بـ((خيراً)): أجمل، وأشبّ ــ وتعني: نفسها -،
لا أنها خير منها عند الله، وعند رسوله وَ ل﴿؛ لِمَا تقدَّم من الأحاديث التي
ذكرناها في صدر الكلام، وكونه وَّيه لم يتزوج على خديجة إلى أن ماتت، يدلّ
على عظيم قَدْرها عنده، ومحبته لها، وعلى فضل خديجة أيضاً؛ لأنها اختصَّت
برسول الله وَيلة، ولم يشاركها فيه أحد؛ صيانة لقلبها من التَّغيير والغَيْرة، ومن
(٢)
مناكدة الضرة. انتهى
٠
وقال ابن التين تَخْتُ: في سكوت النبيّ وَّر على هذه المقالة دليل على
أفضلية عائشة على خديجة هنا، إلا أن يكون المراد بالخيرية هنا: حُسْن
الصورة، وصِغَر السنّ. انتهى.
وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا يلزم من كونه لم يُنقل في هذه الطريق أنه وَّ
ردّ عليها عدم ذلك، بل الواقع أنه صدر منه ردّ لهذه المقالة، ففي رواية ابن
أبي نجيح، عن عائشة، عند أحمد، والطبرانيّ في هذه القصة: ((قالت عائشة:
فقلت: أبدلك الله بكبيرة السنّ حديثة السنّ، فغضب، حتى قلت: والذي بعثك
بالحقّ لا أذكرها بعد هذا إلا بخير)).
وهذا يؤيد ما تأوله ابن التين في الخيرية المذكورة، والحديث يفسِّر بعضه
بعضاً .
(١) ((الفتح)) ٥٢٩/٨، ٥٣٠، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٢١).
(٢) ((المفهم)) ٣١٨/٦.

٤٧
٠٠' *****
(١٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿يَا - حديث رقم (٦٢٦٢)
ورَوَى أحمد أيضاً، والطبرانيّ، من طريق مسروق، عن عائشة، في نحو
هذه القصة: ((فقال ◌َله: ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي إذ كفر بي
الناس ... )) الحديث(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿يا هذا أخرجه المصنّف موصولاً،
والبخاريّ تعليقاً.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٦٢/١٢] (٢٤٣٧)، و(البخاريّ) في ((مناقب
الأنصار)) (٣٨٢١) تعليقاً، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٧/٦ -١١٨)، و(ابن
راهويه) في («مسنده)) (٥٨٧/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٢/٢٣)، و(ابن
حبّان) في (صحيحه)) (٧٠٠٨)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٥٪
٣٨٦)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣١٨/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧)
٣٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان شدّة حب النبيّ 08َّ خديجة ﴿يا، حيث كان يرتاع
لسماع صوت أختها .
٢ - (ومنها): بيان ما جُبلت عليه المرأة من شدّة الغيرة، ولو كانت
صالحة عالمة تقيّة، كعائشة
٣ - (ومنها): ما قاله الطبريّ وغيره من العلماء: الغيرة مسامَح للنساء،
ما يقع فيها، ولا عقوبة عليهنّ في تلك الحالة؛ لِمَا جُبلن عليه منها، ولهذا لم
يزجر النبيّ وَلقول عائشة ◌ّا عن ذلك.
وتعقب القاضي عياض هذا بأن ذلك جرى من عائشة لِصِغَر سنّها، وأول
شبیبتها ، فلعلها لم تکن بلغت حينئذ.
قال الحافظ: وهو مُحْتَمِلٌ مع ما فيه من نظر.
(١) ((الفتح)) ٥٢٩/٨، ٥٣٠، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٢١).

٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقال القرطبيّ: لا تدل قصة عائشة فيها هذه على أن الغيرى لا تؤاخذ
بما يصدر منها؛ لأن الغيرة هنا جزء سبب، وذلك أن عائشة ﴿يا اجتمع فيها
حينئذ الغيرة، وصِغَر السن، والإدلال، قال: فإحالة الصفح عنها على الغيرة
وحدها تحكّم، نَعَم الحامل لها على ما قالت الغيرة؛ لأنها هي التي نَصّت
عليها بقولها: ((فغِرتُ))، وأما الصفح، فيَحْتَمِل أن يكون لأجل الغيرة وحدها،
ويَحْتَمِل أن يكون لها ولغيرها من الشباب، والإدلال.
وتعقّب الحافظ هذا، فقال: الغيرة محقَّقة بتنصيصها، والشباب محتاج
إلى دليل، فإنه وَلو دخل عليها، وهي بنت تسع، وذلك في أول زمن البلوغ،
فمن أين له أن ذلك القول وقع في أوائل دخوله عليها، وهي بنت تسع؟ وأما
إدلال المحبة فليس موجباً للصفح عن حقّ الغير، بخلاف الغيرة، فإنما يقع
الصفح بها؛ لأن من يحصل لها الغيرة لا تكون في كمال عقلها، فلهذا تصدر
منها أمور لا تصدر منها في حال عدم الغيرة، والله أعلم. انتهى كلام
الحافظ تَّهُ(١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكُتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٣) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
هي: عائشة بنت أبي بكر الصديق ظها تقدم نَسَبها في ترجمة والدها
عبد الله بن عثمان رعيّه، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، وُلدت بعد
المبعث بأربع سنين، أو خمس، فقد ثبت في ((الصحيح)) أن النبيّ وَّ تزوجها،
وهي بنت ست، وقيل: سبع، ويُجمع بأنها كانت أكملت السادسة، ودخلت في
السابعة، ودخل بها وهي بنت تسع، وكان دخوله بها في شوال في السنة الأولى،
كما أخرجه ابن سعد عن الواقديّ، عن أبي الرجال، عن أبيه، عن أمه عمرة،
عنها، قالت: أعرس بي على رأس ثمانية أشهر، وقيل: في السنة الثانية من
الهجرة، وقال الزبير بن بكار: تزوجها بعد موت خديجة، قيل: بثلاث سنين.
(١) ((الفتح)) ٥٢٩/٨ ٥٣٠، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٢١).

٤٩
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
وفي (الصحيحين)) من رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن
الأسود، قالت: تزوجني رسول الله وَليه، وأنا بنت ست سنين، وبنى بي، وأنا
بنت تسع، وقُبض وأنا بنت ثمان عشرة سنة.
وأخرج ابن أبي عاصم من طريق يحيى القطان، عن محمد بن عمرو،
عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عائشة قالت: لما تُوفيت خديجة
قالت خولة بنت حكيم بن الأوقص امرأة عثمان بن مظعون، وذلك بمكة: أي
رسول الله ألا تزوج؟ قال: ((من؟)) قالت: إن شئت بكراً، وإن شئت ثيباً، قال:
((فمن البكر؟)) قالت: بنت أحب خلق الله إليك، عائشة بنت أبي بكر، قال:
((ومن الثّيّب؟)) قالت: سودة بنت زمعة، آمنت بك، واتبعتك، قال: ((فاذهبي،
فاذكريهما علي))، فجاءت: فدخلت بيت أبي بكر، فوجدت أم رُومان، فقالت:
ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني
رسول الله ◌َلّ أخطب عليه عائشة، قالت: وددت انتظري أبا بكر، فجاء أبو
بكر، فذكرت له، فقال: وهل تصلح له؟ وهي بنت أخيه، فرجعت، فذكرت
ذلك للنبيّ وَ﴾، قال: ((قولي له: أنت أخي في الإسلام، وابنتك تحلّ لي))،
فجاء، فأنكحه، وهي يومئذ بنت ست سنين، ثم ذكر قصة سودة، وفي
((الصحيحين)) أيضاً لم ينكح بكراً غيرها، وهو متفق عليه بين أهل النقل،
وكانت تكنى أم عبد الله، فقيل: إنها ولدت من النبي وَ له ولداً، فمات طفلاً،
ولم يثبت هذا، وقيل: كناها بابن أختها عبد الله بن الزبير، وهذا الثاني وَرَد
عنها من طرق، منها عند ابن سعد، عن يزيد بن هارون، عن حماد، عن
هشام بن عروة، عن عباد بن حمزة، عن عائشة.
وأخرج الترمذيّ من طريق الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن
غالب؛ أن رجلاً نال من عائشة عند عمار بن ياسر، فقال: اغْزُب مقبوحاً،
أتؤذي محبوبة رسول الله ◌َ؟ وأخرجه ابن سعد من وجه آخر عن أبي إسحاق،
عن حميد بن عريب نحوه وقال: مقبوحاً منبوحاً، وزاد: إنها لزوجته في الجنة.
انتهى ملخّصاً من ((الإصابة))(١).
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٣١/٨ - ٢٣٥.

٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ـ
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: تُوُفيت سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة
خلت من رمضان، وأمَرَت أن تُدفن ليلاً، فدُفنت بعد الوتر بالبقيع، وصلَّى
عليها أبو هريرة رَظُه، ونزل في قبرها خمسة: عبد الله، وعروة ابنا الزبير،
والقاسم، ومحمد ابنا محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
بكر، وكانت فاضلةً، عالمةً، كاملةً، قال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب
رسول الله ◌َر أكابر يسألونها عن الفرائض، وقال عطاء: كانت عائشة أفقه
الناس، وأحسن الناس رأياً في العامَّة، وقال عروة: ما رأيت أحداً أعلم بفقه،
ولا طبٍّ، ولا شعرٍ من عائشة، وقال أبو الزناد: ما رأيت أحداً أروى لشعرٍ
من عروة، فقيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله! قال: وما روايتي في رواية
عائشة؟! ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعراً. قال الزهري: لو جُمع
عِلم عائشة إلى عِلم أزواج النبيّ وَّر وعِلم جميع النساء لكان عِلم عائشة
أفضل.
وجملة ما روت عن النبيّ ◌َ﴿ ألفا حديث، ومئتا حديث، وعشرة
أحاديث. أخرج منها في ((الصحيحين)) ثلاثمائة إلا ثلاثة أحاديث. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٣] (٢٤٣٨) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَام، وَأَبُو الرَّبِيعِ، جَمِيعاً عَنْ
حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِي الرَّبِيع - حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي
بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتْكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا
أَنْتِ هِيَ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ(٢) يُمْضِهِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثعلب - بالثاء المثلثة، والعين المهملة -
البزار - بالراء آخره -، المقَرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختيار في القراءات [١٠]
(٢٢٩) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٤.
(١) ((المفهم)) ٣٢٠/٦ - ٣٢١.
(٢) وفي نسخة: ((إن يك من عند الله)).

٥١
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ّا - حديث رقم (٦٢٦٣)
٢ - (أَبُو الرَّبِيع) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن
عن أبيه، عن خالته، وفيه عائشة ◌ّا من المكثرين السبعة، وعروة من الفقهاء
السبعة .
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين ◌َّا؛ (أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((أُرِيتُكِ)
بضم الهمزة، مبنيّاً للمفعول؛ أي: أراني الله تعالى إيّاك (فِي الْمَنَامِ ثَلاَثَ لَيَالٍ،
جَاءَنِي بِكِ الْمَلَُّكُ) هو جبريل عليّ، كما يأتي مفسّراً، وفي روايةً: ((إذا رجل
يَحملك))، فيُجمع بينهما على أن الملَك تمثّل له حينئذ رجلاً، ووقع في رواية
ابن حبان، من طريق أخرى، عن عائشة: ((جاء بي جبريل إلى رسول الله (وَلات).
(فِي سَرَقَةٍ) السَّرَقة - بفتح السين المهملة، والراء، والقاف ـ هي القطعة، ووقع
في رواية ابن حبان: ((في خِرْقة حرير))، وقال الداوديّ: السرقة: الثوب، فإن
أراد تفسيره هنا فصحيح، وإلا فالسرقة أعمّ.
وأغرب المهلَّب، فقال: السرقة كالكِلّة، أو كالبرقع، وعند الآجريّ من
وجه آخر، عن عائشة: ((لقد نزل جبريل بصورتي في راحته، حين أمر(١)
رسول الله (وَل ﴿ أن يتزوجني)).
ويُجمع بين هذا وبين ما قبله بأن المراد أن صورتها كانت في الخرقة،
والخرقةُ في راحته، ويَحْتَمِل أن يكون نزل بالكيفيتين؛ لقولها في نفس الخبر:
((نزل مرتين)).
وقال القرطبيّ تَخْتُ: السَّرَقة - بفتح الراء -: واحدة السَّرق، وهي شقق
الحرير البيض. وقيل: الجيد من الحرير. وقال أبو عبيد: وأحسبها فارسية،
(١) هكذا النسخة، ولعله: ((أراد))، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وأصلها سَرَة، وهو: الجيد. وأنشد غير أبي عبيد للعجاج [من الرجز]:
ونَسَجَتْ لَوَامِعُ الْحَرُورِ سَبَائِباً كَسَرَقِ الْحَرِير
والسَّبائب ـ بالهمز والباء -: هي ما رَقَّ من الثياب كالْخُمُر، ونحوها. قال
المهلَّب: السَّرَقَةُ: كالكِلَّة والبرقع، والأول: هو المعروف، وفيه دليل على أن
للرؤيا ملكاً يمثّل الصور في النوم، كما قد حكيناه عن بعض العلماء. انتهى (١).
وقوله: (مِنْ حَرِيرٍ) تأكيد؛ كقوله: ﴿أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١]،
والأساور لا تكون إلا من ذهب، وإن كان من فضة تسمى قُلْباً، وإن كانت من
قرون أو عاج تسمى مُسْكة، قاله في ((العمدة))(٢).
(فَيَقُولُ) ذلك الملَك: (هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ) عبّر بصيغة
المضارع استحضاراً لصورة الحال، (فَإِذَا أَنْتِ هِيَ) ((إذا)) هنا هي الفجائيّة؛
أي: ففاجأني وجودك، قال القرطبيّ؛ أي: إنه رآها في النوم كما رآها في
اليقظة، فكان المراد بالرؤيا ظاهرها. انتهى(٣).
(فَأَقُولُ: إِنْ يَُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ) وفي بعض النسخ: ((إن يك من عند
الله))، (يُمْضِهِ))) بضمّ أوله، من الإمضاء، وهو مجزوم؛ لأنه جواب الشرط؛
أي: يُنَفِّذه، ويُكمله(٤).
قال الكرمانيّ: يَحْتَمِل أن تكون هذه الرؤيا قبل النبوة، وأن تكون بعدها،
وبعد العِلم، فإن رؤياه وحي، فعبَّر عما عَلِمه بلفظ الشك، ومعناه اليقين؛
إشارةً إلى أنه لا دَخْل له فيه، وليس ذلك باختياره، وفي قدرته. انتهى.
قال في ((العمدة): ((بيَّن حماد بن سلمة في روايته المراد، ولفظه: ((أُتيت
بجارية في سرقة من حرير، بعد وفاة خديجة، فكشفتها، فإذا هي أنت))، وهذا
يدفع الاحتمال الذي ذكره الكرمانيّ))(٥) .
وقال في ((الفتح)): قال عياض: يَحْتَمِل أن يكون ذلك قبل البعثة، فلا
إشكال فيه، وإن كان بعدها ففيه ثلاث احتمالات:
(١) ((المفهم)) ٣٢١/٦.
(٣) ((المفهم)) ٣٢٢/٦.
(٥) ((عمدة القاري)) ١٥٠/٢٤.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٥٠/٢٤.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٤/ ١٥٠.

٥٣
قا - حديث رقم (٦٢٦٣)
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
أحدها: التردد هل هي زوجته في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط؟
ثانيها: أنه لفظُ شكِّ لا يراد به ظاهره، وهو أبلغ في التحقق، ويسمى في
البلاغة: مزجُ الشك باليقين.
ثالثها: وجه التردد هل هي رؤيا وحي على ظاهرها، وحقيقتها؟ أو هي
رؤيا وحي لها تعبير؟ وكلا الأمرين جائز في حق الأنبياء.
قال الحافظ: الأخير هو المعتمَد، وبه جزم السهيليّ عن ابن العربيّ، ثم
قال: وتفسيره باحتمال غيرها لا أرضاه، والأول يردّه أن السياق يقتضي أنها
كانت قد وجدت، فإن ظاهر قوله: ((فإذا هي أنت)) مشعر بأنه كان قد رآها،
وعرفها قبل ذلك، والواقع أنها وُلدت بعد البعثة، ويردّ أول الاحتمالات
الثلاث رواية ابن حبان في آخر حديث الباب: «هي زوجتك في الدنيا
والآخرة))، والثاني بعيد. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ظّنا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٦٣/١٣ و٦٢٦٤] (٢٤٣٨)، و(البخاريّ) في
((مناقب الأنصار)) (٣٧٩٥) و((النكاح)) (٥٠٧٨ و٥١٢٥) و((التعبير)) (٧٠١١
و٧٠١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١/٦ و١٢٨) وفي ((فضائل الصحابة))
(١٦٣٨)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٦٤/٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٤٤٩٨ و٤٦٠٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٠٩٣)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (٤١/٢٣ و٤٢ و٤٣)، و(الخطيب) في ((تاريخه)) (٤٢٨/٥)، و(البيهقيّ)
في (الكبرى)) (٨٥/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل عائشة ◌َؤُها، حيث إن الله وَك أراها النبيّ وَّ في
منامه قبل أن يتزوّجها، وأخبره بأنها زوجته في الدنيا والآخرة.
(١) ((الفتح)) ٤٤١/٨، كتاب ((النكاح)) رقم (٥١٢٥).

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
٢ - (ومنها): أن البخاريّ ◌َّتُهُ استدلّ به على جواز النظر للمرأة الأجنبيّة
قبل أن يتزوّجها، فقال: ((باب النظر إلى المرأة قبل التزويج))، قال ابن
المنير ◌ْلُهُ: في الاحتجاج بهذا الحديث للترجمة نظرٌ؛ لأن عائشة ◌َّا كانت
إذ ذاك في سنّ الطفولية، فلا عورة فيها البتة، ولكن يستأنس به في الجملة في
أن النظر إلى المرأة قبل العقد فيه مصلحة ترجع إلى العقد. انتهى.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخَُّهُ: قوله: ((إن يك من عند الله يُمضِه))
ظاهره الشَّك في صحة هذه الرؤيا، فإنْ كان هذا منه وَ لّ قبل النبوة، فلا
إشكال فيه؛ لأنَّ حُكمه حُكم البشر، وأما إن كان بعد النبوة فهو مشكِل؛ إذ
رؤيا الأنبياء وحي كما تقدَّم، والوحي لا يُشَكّ فيه، وقد انفُصِل عن هذا بأن
قيل: إنَّ شكه لم يكن في صحة أصل الرؤيا، وإن ذلك من الله، ولكن في كون
هذه الرؤيا على ظاهرها، فلا تحتاج إلى تعبير، أو المقصود بها معناها،
فتحتاج إلى تعبير، أو في كونها امرأته في الدنيا، أو في الآخرة.
وقيل: لم يكن عنده شك في ذلك، بل محققاً له، لكنه أتى به على
صورة الشك، وهو غير مراد، كما قال الشاعر [من الطويل]:
أيا ظَبْيَة الوَغْسَاءِ بَيْنَ حَلاحِل وبَيْنَ النَّقَا أَأَنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِمٍ؟
وهذا نوع من أنواع البلاغة معروف عند أهلها يسمى: تجاهل العارف،
وقد سُمِّي مزج الشك باليقين، ونحو منه قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزَلْنَاً
إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، ونحوه، وقوله
[الأنبياء: ١١١]، فإنه وَل
٠
١١١)
تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمُ وَمَنَهُ إِلَى حِينٍ
لم يشك في شيء من ذلك، لكن أتى به على التقدير، لا التحقيق. انتهى (١)،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو
كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعاً عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
(١) ((المفهم)) ٣٢١/٦ - ٣٢٢.

٥٥
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َّا - حديث رقم (٦٢٦٤)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن
الأوْديَ، أبو محمد الكوفيّ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن إدريس، عن هشام بن عروة هذه ساقها أبو
عوانة تكُّ في ((مسنده))، فقال:
(٤٢٧٨) - حدّثنا أبو أمية، قئنا (١) يوسف بن بهلول، قثنا عبد الله بن
إدريس، عن هشام بن عروةٍ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَله:
((أريتك في المنام في يد ملك، يقول: هذه زوجتك، فأقول: إن كان هذا من
عند الله يُمضه)). انتهى(٢).
ورواية أبي أسامة، عن هشام ساقها البخاريّ ◌َُّ في ((صحيحه))، فقال:
(٤٧٩٠) - حدّثنا عبيد بن إسماعيل، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن
أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله وَله: ((أريتك في المنام مرتين، إذا رجل
يحملك في سَرَقة حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشفها، فإذا هي أنت،
فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه)). انتهى(٣).
وساقها أيضاً ابن حبّان تَخُّْ في ((صحيحه)) بسند المصنّف، فقال:
(٧٠٩٣) - أخبرنا ابن خزيمة، حدّثنا محمد بن العلاء أبو كريب، حدّثنا
أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال لي
رسول الله ◌َ: ((رأيتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة حرير،
فيقول: هذه امرأتك، فأكشفها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يك هذا من عند الله
يُمضه)). انتهى(٤)، والله تعالى أعلم.
(١) قوله ((قثنا)) في الموضعين مختصر من ((قال: حدّثنا))، فتنبّه.
(٢) («مسند أبي عوانة)) ٨٢/٢٣.
(٤) ((صحيح ابن حبان)) ٥/١٦.
(٣) ((صحيح البخاريّ)) ١٩٥٣/٥.

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٥] (٢٤٣٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي
كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ،
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَّ لِي رَسُولُ اللهِ وَّى :
(إِنِّي لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمِنْ
أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ
مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى، قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ))، قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللهِ يَا
رَسُولَ اللهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله، وكذا لطائف الإسناد سبقت.
[تنبيه]: قوله في السند الأول: (وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةً) هو من
كلام أبي بكر بن أبي شيبة، ثم إن هذا لا يضرّ في صحة الحديث حيث كان
وجادة؛ لأنه وَصَله بعده من رواية أبي كريب، كما نبّه على ذلك الرشيد
العطار، وقد تقدّم ذلك في ((مقدّمة شرح المقدّمة))(١)، فراجعه تستفد، وبالله
تعالى التوفيق.
شرح الحديث :
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا؛ أنها (قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي لأَعْلَمُ) قال
في ((الفتح)): يؤخذ منه استقراء الرجل حال المرأة من فِعلها وقولها، فيما يتعلق
بالميل إليه وعدمه، والحكم بما تقتضيه القرائن في ذلك؛ لأنه ◌َّ جزم برضا
عائشة وغضبها بمجرد ذكرها لاسمه، وسكوتها، فبنى على تغير الحالتين من
الذِّكر والسكوت تغيّر الحالتين من الرضا والغضب، ويَحْتَمِل أن يكون انضم
إلى ذلك شيء آخر أصرح منه، لكن لم ينقل. انتهى (٢).
قال القاضي عياض تَخَّثُ: مغاضبة عائشة للنبيّ وَّ هي مما سبق من
(١) راجع: ((قرة عين المحتاج)) ١٢٦/١.
(٢) ((الفتح)) ٦٧٨/٨، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٢٨).

٥٧
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ّا - حديث رقم (٦٢٦٥)
الغيرة التي عُفي عنها للنساء في كثير من الأحكام، كما سبق؛ لعدم انفكاكهنّ
منها، حتى قال مالك وغيره من علماء المدينة: يسقط عنها الحدّ اذا قَذفت
زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة، قال: واحتُجّ بما روي عن النبيّ وَلّر؛ أنه
قال: ((ما تدري الغيرى أعلى الوادي من أسفله))، ولولا ذلك لكان على عائشة
في ذلك من الحرج ما فيه؛ لأن الغضب على النبيّ وَلّ، وهَجْره كبيرة عظيمة،
ولهذا قالت: ((لا أهجر إلا اسمك))، فدلّ على أن قلبها وحبها كما كان، وإنما
الغيرة في النساء؛ لفرط المحبة. انتهى(١).
(إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتٍ عَلَيَّ غَضْبَى))) بفتح الغين المعجمة،
والقصر تأنيث غضبان. (قَالَتْ) عائشة: (فَقُلْتُ: وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ وَّ:
((أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى، قُلْتِ:
لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ))، قَالَتْ) عائشة: (قُلْتُ: أَجَلْ) كنعم وزناً ومعنّى، قال الأخفش:
إلا أن ((نعم)) أحسن من ((أجل)) في جواب الاستفهام، و((أجل)) أحسن من ((نعم))
في التصديق، قال الحافظ: وهو في الحديث على وفق ما قال. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ: ((أجل))؛ تعني: نعم، وتعني بذلك أنها، وإن أعرضت
عن ذكر اسمه في حالة غضبها، فقلبها مغمور بمحبته وَّ﴿ لم يتغيَّر منها شيء.
وفي هذا ما يدلّ على ما كانا عليه من صفاء المحبة وحُسن العشرة، وفيه ما
يدلّ على: أن الاسم غير المسمَّى، وهي مسألة اختلف فيها أهل اللسان
والمتكلمون، وللكلام فيها مواضع أخر. انتهى(٣).
(وَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا) نافية، (أَهْجُرُ إِلَّ اسْمَكَ) قال الطيبيّ ◌َّتُهُ: هذا
الحصر لطيف جدّاً؛ لأنها أخبرت أنها إذا كانت في حال الغضب الذي يسلب
العاقل اختياره، لا تتغير عن المحبة المستقرّة، فهو كما قيل [من الكامل):
إِنِّي لأَمْنَحُكَ الصُّدُودَ وَإِنَّنِي قَسَماً إِلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لِأَمْيَلُ
وقال ابن الْمُنَيِّر تَخْلَفُهُ: مرادها أنها كانت تترك التسمية اللفظية، ولا يترك
قلبها التعلق بذاته الكريمة مودةً ومحبةً. انتهى.
(١) (شرح النوويّ)) ٢٠٣/١٥.
(٢) ((الفتح)" ٦٥٢/١٣ - ٦٥٣.
(٣) ((المفهم)) ٣٢٢/٦ - ٣٢٣.

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وفي اختيار عائشة ◌َّا ذِكر إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - دون غيره
من الأنبياء دلالة على مزيد فطنتها؛ لأن النبيّ وَ﴿ أَولى الناس به، كما نَصّ
عليه القرآنُ، فلمّا لم يكن لها بُدّ من هجر الاسم الشريف أبدلته بمن هو منه
بسبيل، حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة، قاله في (الفتح)) (١)، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة خُؤَّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٦٥/١٣ و٦٢٦٦] (٢٤٣٩)، و(البخاريّ) في
((النكاح)) (٥٢٢٨) و((الأدب)) (٦٠٧٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٥/٥)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٦١/٦ و٢١٣)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٧١١٢)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٩٨/٨ و٢٩٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١١٩/٢٣
و١٢٠ و١٢٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧/١٠)، و(البغويّ) في ((شرح
السُّنَّة)) (٢٢٣٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سعة أخلاق النبيّ وَّل، وشدّة تحمّله ما يحصل من
النساء بسبب الغيرة.
٢ - (ومنها): بيان شدّة غيرة النساء، وتحمّل الرجال ذلك منهنّ، والعفو
والصفح عنهنّ .
٣ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض: استَدَلَ بعضهم بهذا أن الاسم غير
المسمى في المخلوقين، وأما في حق الله تعالى فالاسم هو المسمى، قال
القاضي: وهذا كلام مَن لا تحقيق عنده مِن معنى المسألة لغةً ولا نظراً، ولا
شك عند القائلين بأن الاسم هو المسمى من أهل السُّنَّة وجماهير أئمة اللغة أو
مخالفيهم من المعتزلة أن الاسم قد يقع أحياناً، والمراد به التسمية، حيث كان
(١) ((الفتح)) ٦٧٨/٨، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٢٨).

٥٩
(١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَّا - حديث رقم (٦٢٦٦)
في خالق، أو مخلوق، ففي حق الخالق تسمية المخلوق له باسمه، وفعل
المخلوق ذلك بعباراته المخلوقة، وأما أسماؤه ربك التي سمى بها نفسه
فقديمة، كما أن ذاته وصفاته قديمة وكذلك لا يختلفون أن لفظة الاسم إذا
تكلم بها المخلوق فتلك اللفظة والحروف والأصوات المقطعة المنفهم منها
الاسم أنها غير الذات، بل هي التسمية، وإنما الاسم الذي هو الذات ما يفهم
منه من خالق ومخلوق. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ في هذه المسألة ما قاله بعض
المحقّقين (٢): إن الصواب أن الاسم قد يراد به المسمّى، وقد يراد به غير
المسمّى، وهو اللفظ؛ كقولك: الله مشتقّ، وأصله الإله، والرحمن عربيّ،
فأسماء الله تعالى إذا وردت في سياق الدعاء، والاستعاذة، فالمراد بها
المسمّى، وإذا وردت في مقام التعداد، واختلاف الدلالات، فالمراد بها
الأسماء الدالّة على المسمّى، كما قال ◌َله: ((إن الله تسعاً وتسعين اسماً ... ))،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: ((لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ))، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبله، و((عبدة)) هو: ابن سليمان الكلابيّ.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ) فاعل ((يذكر)) ضمير عبدة، هكذا نصّ مسلم
على أن عبدة لم يذكر ما بعد قوله: ((لا ورب إبراهيم))، لكن الذي وجدته أنه
ذكر ما بعده، فقد أخرج البخاريّ الحديث في ((صحيحه))، كما في التنبيه التالي،
وكذا أحمد في ((مسنده))، وغيرهما، من طريق عبدة عن هشام، وفيه الزيادة
المذكورة، ولعلّ مسلماً وجد ما أشار إليه، فإنه إمام مطّلع، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٣/١٥ - ٢٠٤.
(٢) راجع: ما كتبه الشيخ البراك في هامش ((الفتح)) ٣٤٢/١٧، كتاب ((التوحيد)).

٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
[تنبيه]: رواية عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة هذه ساقها
البخاريّ ◌َخْتُهُ في ((صحيحه))، فقال:
(٥٧٢٨) - حدّثنا محمد (١)، أخبرنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة رضيّا قالت: قال رسول الله وَليقول: ((إني لأعرف غضبك ورضاك))،
قالت: قلت: وكيف تعرف ذاك يا رسول الله؟ قال: ((إنك إذا كنت راضية
قلت: بلى ورب محمد، وإذا كنت ساخطة قلت: لا ورب إبراهيم))، قالت:
قلت: أجل لست أهاجر إلا اسمك. انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَفُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٦٧] (٢٤٤٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿يَا أَنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ
عِنْدَ رَسُولِ اللهِ نَِّ، قَالَتْ: وَكَانَتْ تَأْتِينِي صَوَاحِبِي، فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ مِنْ
رَسُولِ اللهِ وَِّ، قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدراورديّ المدنيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، وكذا لطائف الإسناد قد تقدّمت.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رِّا (أَنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ) قال في ((العمدة)): بالبنات:
هي التماثيل التي تسمى لُعَب البنات، وهي مشهورة، وقال الداوديّ: يَحْتَمِل
أن يكون الباء بمعنى (مع))، والبنات: الجواري. انتهى(٣).
وزاد في الرواية التالية: ((وهُنّ اللُّعَبُ))، قال القرطبيّ كَُّهُ: و((اللُّعَب)):
جمع لُعْبة، وهو ما يُلعب به، والبنات: جمع بنت، وهنَّ الجواري، وأضيفت
اللُّعب للبنات؛ لأنهنَّ هنَّ اللواتي يصنعنها، ويلعبن بها، وقد تقدَّم القول في
جواز ذلك، وفي فائدته، وأنه مستثنى من الصور الممنوعة؛ لأنَّ ذلك من باب
(١) هو ابن سلام البيكنديّ.
(٢) (صحيح البخاريّ)) ٥/ ٢٢٥٧.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٢/ ١٧٠.