النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ظُه - حديث رقم (٦١٥٧) الثانية، وهو ماء لبني حُذام بناحية الشام، ومنهم من قال: هو بضم السين الأُولى، وكذا ذَكَره ابن الأثير في ((نهاية الغريب))، وأظنه استنبطه من كلام الجوهريّ في ((الصحاح))، ولا دلالة فيه، والمشهور والمعروف فَتْحها، وكانت هذه الغزوة في جمادى الأخرى سنة ثمان من الهجرة، وكانت مؤتة قبلها، في جمادى الأُولى من سنة ثمان أيضاً، قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: كانت ذات السلاسل بعد مؤتة، فيما ذكره أهل المغازي، إلا ابن إسحاق، فإنه قال: (١) قبلها. انتهى(١). وقال الحافظ تَّلُ: وقد رَوَينا في ((فوائد أبي بكر بن أبي الهيثم)) من حديث رافع الطائيّ قال: بعث النبيّ وَ﴿ جيشاً، واستَعْمل عليهم عمرو بن العاص، وفيهم أبو بكر، قال: وهي الغزوة التي يفتخر بها أهل الشام. ورَوَى أحمد، والبخاريّ في ((الأدب))، وصححه أبو عوانة، وابن حبان، والحاكم، من طريق عليّ بن رَبَاح، عن عمرو بن العاص ◌َظُه قال: ((بعث إليّ النبيّ قليم يأمرني أن آخذ ثيابي، وسلاحي، فقال: يا عمرو، إني أريد أن أبعثك على جيش، فيُغنمك الله، ويُسَلِّمك، قلت: إني لم أُسْلِم رغبة في المال، قال: نِعْم المال الصالح للمرء الصالح)). وهذا فيه إشعار بأن بَعْثه عَقِب إسلامه، وكان إسلامه في أثناء سنة سبع من الهجرة. انتهى(٢). [تنبيه]: ذكر ابن سعد سبب هذه الغزوة، فقال: إن جَمْعاً من قُضاعة تجمعوا، وأرادوا أن يدنوا من أطراف المدينة، فدعا النبيّ وَلّ عمرو بن العاص، فعقد له لواء أبيض، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ثم أمدّه بأبي عبيدة بن الجراح في مائتين، وأمره أن يلحق بعمرو، وأن لا يختلفا، فأراد أبو عبيدة أن يؤم بهم، فمنعه عمرو، وقال: إنما قدمت عليّ مدداً، وأنا الأمير، فأطاع له أبو عبيدة، فصلى بهم عمرو، وسار عمرو حتى وطىء بلاد بَلِيّ، وعذرة، وكذا ذكر موسى بن عقبة نحو هذه القصة، وذكر ابن (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٣/١٥. (٢) ((الفتح)) ٥٠١/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٥٨). ٣٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة إسحاق أن أم عمرو بن العاص كانت من بَلِيّ، فبعث النبيّ ◌َِّ عَمْراً يستنفر الناس إلى الإسلام، ويستألفهم بذلك، وروى إسحاق بن راهويه، والحاكم من حديث بُريدة أن عمرو بن العاص أمَرَهم في تلك الغزوة أن لا يوقدوا ناراً، فأنكر ذلك عمر، فقال له أبو بكر: دعه، فإن رسول الله وَّ لم يبعثه علينا إلا لِعِلْمه بالحرب، فسكت عنه. وروى ابن حبان من طريق قيس بن أبي حازم، عن عمرو بن العاص: أن رسول الله وَلل بعثه في ذات السلاسل، فسأله أصحابه أن يوقدوا ناراً، فمَنَعهم فكلّموا أبا بكر، فكلّمه في ذلك، فقال: لا يوقد أحد منهم ناراً إلا قذفته فيها، قال: فلقوا العدوّ، فهزمهم، فأرادوا أن يَتْبَعوهم فمنعهم، فلما انصرفوا ذكروا ذلك للنبيّ وَ﴿، فسأله، فقال: كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا ناراً، فيرى عدوهم قِلّتهم، وكَرِهت أن يتْبعوهم، فيكون لهم مدد، فحَمِد أمْره، فقال يا رسول الله: من أحب الناس إليك؟ الحديث، فاشتمل هذا السياق على فوائد زوائد، ويُجمع بينه وبين حديث بريدة بأن أبا بكر سأله، فلم يجبه، فسلَّم له أمْره، وألحّوا على أبي بكر حتى يسأله، فسأله فلم يجبه(١)، والله تعالى أعلم. (فَأَتَيْتُهُ) في رواية الإسماعيليّ: ((قَدِمت من جيش ذات السلاسل، فأتيت النبيّ وَّة))، وعند البيهقيّ في هذه القصة: ((قال عمرو: فحدثتُ نفسي أنه لم يبعثني على قوم فيهم أبو بكر وعمر، إلا لمنزلة لي عنده، فأتيته، حتى قعدت بين يديه، فقلت: يا رسول الله، من أحب الناس إليك ... )) الحديث. (فَقُلْتُ: أَُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟)، وفي رواية: ((أيُّ الناس أحبّ إليك يا رسول الله، فأُحبّه؟))، قال القرطبيّ تَخْتُ: هذا السؤال أخرجه الحرص على معرفة الأحبّ إليه؛ ليقتدي به في ذلك، فيُحبّ ما يُحبّ، فإن المرء مع من أحبّ(٢) . (قَالَ) وَّهِ (عَائِشَةُ)))؛ أي: هي أحبّ الناس إليّ، قال عمرو: (قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟) في رواية قيس بن أبي حازم، عن عمرو، عند ابن خزيمة، وابن (١) ((الفتح)) ٤٩٩/٩ - ٥٠٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٥٨). (٢) ((المفهم)) ٢٤٤/٦. ٣٨٣ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ◌َّه - حديث رقم (٦١٥٧) حبان: ((قلت: إني لست أعني النساء، إني أعني الرجال))، وفي حديث أنس عند ابن حبان أيضاً: ((سئل رسول الله وَله: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قيل له: ليس عن أهلك نسألك))، وعُرِف بحديث عَمْرو اسم السائل في حديث أنس(١). (قَالَ) وَّرِ ((أَبُوهَا))) أبو بكر ◌َظُه أحبّ إلي، قال عمرو: (قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟)؛ أي: ثم بعد أبي بكر من هو أحبّ الناس إليك؟ (قَالَ) وَِّ ((عُمَرُ))) بن الخطّاب أحبّ إليّ، قال القرطبيّ: هذا يدلّ على تفاوت ما بينهما في الرتبة والفضيلة، وهو يدلّ على صحّة ما ذهب إليه أهل السُّنَّة(٢). (فَعَدَّ رِجَالاً) زاد في رواية للبخاريّ: ((فسكتُّ مخافة أن يجعلني في آخرهم)»، وفي رواية البيهقيّ: ((قال: قلت في نفسي: لا أعود لمثلها، أسأل عن هذا)). ووقع في حديث عبد الله بن شقيق، قال: ((قلت لعائشة: أي أصحاب النبيّ وَلو كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قالت: عمر، قلت: ثم من؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح، قلت: ثم من؟ فسكتت))، أخرجه الترمذيّ، وصححه، قال الحافظ: فيمكن أن يفسّر بعض الرجال الذين أُبهموا في حديث الباب بأبي عبيدة. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائيّ بسند صحيح، عن النعمان بن بشير: قال: ((استأذن أبو بكر على النبيّ وَّر، فسمع صوت عائشة عالياً، وهي تقول: والله لقد علمت أن عليّاً أحب إليك من أبي ... )) الحديث، فيكون عليّ ممن أبهمه عمرو بن العاص، وهو أيضاً، وإن كان في الظاهر يعارض حديث عمرو، لكن يرجّح حديث عمرو أنه من قول النبيّ بَّر، وهذا من تقريره، ويمكن الجمع باختلاف جهة المحبة، فيكون في حقّ أبي بكر على عمومه، بخلاف عليّ، ويصح حينئذ دخوله فيمن أبهمه عمرو. قال الحافظ تَّهُ: ومعاذ الله أن نقول كما تقول الرافضة من إبهام عمرو (١) ((الفتح)) ٣٤٨/٨، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٦٢). (٢) ((المفهم)) ٢٤٤/٦. ٣٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة فيما روى؛ لِمَا كان بينه وبين عليّ طًُّا، فقد كان النعمان مع معاوية على عليّ، ولم يمنعه ذلك من التحديث بمنقبة عليّ، ولا ارتياب في أن عَمْراً أفضل من النعمان ﴾(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمرو بن العاص ظُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٥٧/١] (٢٣٨٤)، و(البخاريّ) في ((فضائل الصحابة)) (٣٦٦٢) و((المغازي)) (٤٣٥٨)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٨٨٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٠٣/٤)، و(النسائيّ) في ((فضائل الصحابة)) (١٦) و((الكبرى)) (٣٩/٥)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٢١/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٥٤٠ و٦٨٨٥ و٦٩٠٠ و٦٩٩٨ و٧١٠٦)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة)) (٥٧٨/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٣/١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٨٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز تأمير المفضول على الفاضل إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية. ٢ - (ومنها): بيان مزية أبي بكر نظُه على الرجال، وبنته عائشة ◌َّا على النساء . ٣ - (ومنها): بيان منقبة عمرو بن العاص ظُه؛ لتأميره على جيش فيهم أبو بكر، وعمر ها، وإن كان ذلك لا يقتضي أفضليته عليهم، لكن يقتضي أن له فضلاً في الجملة. ٤ - (ومنها): أن هذا الحديث فيه تصريح بعظيم فضائل أبي بكر، وعمر، وعائشة (١) ((الفتح)) ٣٤٨/٨، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٦٢). ٣٨٥ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﴿ه - حديث رقم (٦١٥٨) ٥ - (ومنها): أن فيه دلالةً بينةً لأهل السُّنَّة في تفضيل أبي بكر، ثم عمر على جميع الصحابة ٦ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخْلَثُهُ: قوله في الجواب: ((عائشة))؛ يدلّ على جواز ذِكر مثل ذلك، وأنه لا يعاب على من ذَكَره، إذا كان المقول له من أهل الخير والدِّين، ويَقصد بذلك مقاصد الصَّالحين؛ وإنَّما بدأ النبيّ وَّ بِذِكر محبة عائشة ؤها أوّلاً؛ لأنَّها محبة جِبِلّية، ودينية، وغيرها دينية، لا جِبِلية، فسَبَق الأصل على الطّارئ. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٥٨] (٢٣٨٥) - (وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوٍْ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ، وَسُئِلَتْ: مَنْ كَانَ رَسُولُ اللهِوَ مُسْتَخْلِفاً لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى هَذَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) - بضمّ الحاء المهملة - أبو عليّ الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، و((أبو العميس)) هو: عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله أنه قال: (سَمِعْتُ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌َّا، وقوله: (وَسُئِلَتْ) جملة حاليّة بتقدير ((قد)) عند البصريين، ودونها عند الكوفيين، والسائل لعائشة لم يُعرف. (١) ((المفهم)) ٦/ ٢٤٤. ٣٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة (مَنْ) استفهاميّة؛ أي: أيُّ شخص (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ مُسْتَخْلِفاً)؛ أي: جاعله خليفته (لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟) قال القرطبيّ تَخْتُ: هذا يدلّ على أن من المعلوم عندهم أن النبيّ وَّه لم يستخلف أحداً، وكذلك قال عمر رظُه لَمّا طُعن، وقيل له: ألا تستخلف؟ فقال: إن أتركهم فقد تَرَكهم رسول الله وَّر، وإن أستخلف فقد استخلف أبو بكر ربه، وهذا بمحضر من الصحابة، وعليّ، والعباس ، ولم يُنكر أحدٌ منهم على عمر، ولا ذَكَر أحدٌ من الناس نصّاً باستخلاف أحد، فكان ذلك دليلاً على كَذِب من ادَّعى شيئاً من ذلك؛ إذ العادات تُحيل أن يكون عندهم نصّ على أحد في ذلك الأمر العظيم المهم، فيكتموه، مع تَصَلَّبِهم في الدِّين، وعدم تَقِيَّتهم، فإنَّهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، وكذلك اتَّفَق لهم عند موت النبيّ بَله، فإنَّهم اجتمعوا لذلك، وتفاوضوا فيه مفاوضة من لا يتقي شيئاً، ولا يخاف أحداً، حتى قالت الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير، ولم يذكر أحدٌ منهم نصّاً، ولا ادَّعى أحدٌ منهم أنه نُصَّ عليه، ولو كان عندهم من ذلك شيء لكانوا هم أحقّ بمعرفته، ونَقْله، ولَمَا اختلفوا في شيء من ذلك. ومن العجب أن لا يكون عند أحدٍ من هؤلاء نصٌّ على ذلك، ولا يذكره مع قرب العهد، وتوفر الدِّين والجدّ، ودعاء الحاجة الشديدة إلى ذلك، ويأتي بعدهم بأزمان متطاولة، وأوقات مختلفة، وقلة علم، وعدم فهم من يدَّعي أن عنده من العلم بالنصِّ على واحد معيّن ما لم يكن عند أولئك الملأ الكرام، ولا سُمع منهم، هذا محض الكذب الذي لا يقبله سليم العقل؛ لكن غلبة التعصُّب والأهواء تورِّط صاحبها في الظلماء، وقد ذهبت الشيعة على اختلاف فِرَقها إلى أنه نَصَّ على خلافة عليّ رَظُه، وذهبت الراوندية إلى أنه نصَّ على خلافة العباس ظُه، واختلق كل واحد منهما من الكذب، والزور، والبهتان ما لا يرضى به من في قلبه حبة خردل من الإيمان، وما ذكرناه من عدم النَّص على واحد بعينه هو مذهب جمهور أهل السُّنَّة من السَّلف والخلف، لا على أبي بكر، ولا غيره، غير أنهم استندوا في استحقاق أبي بكر ظُه للخلافة إلى أصول كليّة، وقرائن خالية، ومجموع ظواهر جليَّة حَصَّلت لهم العلم بأنه أحقّ بالخلافة، وأَولى بالإمامة، يَعلم ذلك من استقرأ أخباره، وخصائصه، وسيقع ٣٨٧ عنه - حديث رقم (٦١٥٨) (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ التنبيه على بعضها - إن شاء الله تعالى. انتهى كلام القرطبيّ تَخّلُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق، (فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ) الذي يستخلفه (بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟) الصدّيق (قَالَتْ: عُمَرُ) بن الخطّاب، (ثُمَّ قِيلَ لَهَا: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قَالَتْ: أَبُوَّ عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاح) هو: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضَبّة بن الحارث بنَ فِهْر القرشيّ الفهريّ، أحد العشرة المبشرين بالجنّة، أسلم قديماً، وشهد بدراً، مشهور بكنيته، مات شهيداً بطاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وله ثمان وخمسون سنةً (ع) تقدّمت ترجمته في ((الصيد والذبائح)) ٤/ ٤٩٩٠، وله في هذا الكتاب ذِكر فقط. (ثُمَّ انْتَهَتْ) عائشة ◌ِوَيَُّا (إِلَى هَذَا)؛ أي: لم تتجاوز في تعيين المستخلَفين من أبي عبيدة. وقال النوويّ تَخْتُهُ: يعني: وقفت على أبي عبيدة، وهذا دليل لأهل السُّنَّة في تقديم أبي بكر، ثم عمر للخلافة، مع إجماع الصحابة ﴿م، وفيه دلالة لأهل السُّنَّة أن خلافة أبي بكر ليست بنصّ من النبيّ وَّر على خلافته صريحاً، بل أجمعت الصحابة ﴿ه على عقد الخلافة له، وتقديمه؛ لفضيلته، ولو كان هناك نَصِّ عليه، أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أوّلاً، ولَذَكَر حافظ النصّ ما معه، ولرجعوا إليه، لكن تنازعوا أوّلاً، ولم يكن هناك نَصّ، ثم اتفقوا على أبي بكر، واستقر الأمر. وأما ما تدّعيه الشيعة من النصّ على عليّ، والوصية إليه فباطل، لا أصل له باتفاق المسلمين، والاتفاق على بطلان دعواهم من زمن عليّ، وأول من كذّبهم عليّ ◌َلُبه بقوله: ((ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة ... )) الحديث، ولو كان عنده نصّ لَذَكَره، ولم يُنقل أنه ذَكَره في يوم من الأيام، ولا أن أحداً ذَكَره له، والله أعلم. انتهى. وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: وقول عائشة ◌َّها في جواب السَّائل: ((أبو بكر، ثم عمر، ثم أبو عبيدة))؛ هذا قالته عن نَظَرها، وظنّها، لا أن ذلك كان بنصٍّ (١) ((المفهم)) ٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨. ٣٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة عندها عن النبيّ وَّة، ولعلها استندت في عمر وأبي عبيدة لقول أبي بكر يوم السقيفة: ((رضيت لكم أحد هذين الرَّجُلَين: عمر، وأبي عبيدة))، وفي حقّ أبي عبيدة شهادة النبيّ وَله بأنه أمين هذه الأمة، ولذلك قال عمر رظ ◌ُله حين جَعَل الأمر شورى: ((لو أن أبا عبيدة حيٌّ لَمَا تَخالَجَني فيه شك، فلو سألني ربي عنه، قلت: سمعت نبيّك ◌َّه يقول: ((لكل أمة أمين، وأميننا - أيتها الأمة - أبو عبيدة بن الجراح)). جواز انعقاد الخلافة للفاضل مع وجود ويُفهم من قول عمر وعائشة الأفضل، فإنَّ عثمان وعليّاً ﴿ها أفضل من أبي عبيدة رَظُه بالاتفاق، ومع ذلك فقد حكما بصحّة إمامته عليهما - أن لو كان حيّاً -. وقد اختَلَف العلماء في هذه المسألة، ومذهب الجمهور: أنها تنعقد له - أعني: للمفضول - وخالف في ذلك: عبّاد بن سليمان، والجاحظ، فقالا: لا ينعقد للمفضول على الفاضل، ولا يُعتدّ بخلافهما؛ لِمَا ذَكَرْنا في الأصول، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٥٨/١] (٢٣٨٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥٧/٥) و((فضائل الصحابة)) (٣٠/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧) ٤٣٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٣/٦)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٣/ ١٨٠)، و(أحمد) في ((فضائل الصحابة)) (١٨٩/١ و٧٤٢/٢)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٢٥/ ٤٧٠)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٥٩] (٢٣٨٦) - (حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ (١) ((المفهم)) ٢٤٨/٦ - ٢٤٩. ٣٨٩ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ظُه - حديث رقم (٦١٥٩) رَسُولَ اللهِ وَّهِ شَيْئاً، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ، فَلَمْ أَجِدْلَكَ؟ قَالَ أَبِي: كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ، قَالَ: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأَتِي أَبًا بکْرِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبَّادُ بْنُ مُوسَى) الْخُتَّلِيّ - بضم الخاء المعجمة، وتشديد المثناة المفتوحة - أبو محمد، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (٢٣٠) على الصحيح (خ م د س) تقدم في ((اللباس والزينة)) ١٤/ ٥٤٧٦. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٣ - (أَبُوهُ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وَلِيَ قضاء المدينة، وكان ثقةً فاضلاً عابداً [٥] (ت١٢٥) وقيل: بعدها، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم) بن عديّ بن نوفل النوفليّ المدنيّ، ثقةٌ عارف بالنسب [٣] مات على رأس الَّمائة (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٤٠/٣٦. ٥ - (أَبُوهُ) جُبير بن مُطْعِم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ، صحابيّ مشهورٌ، عارف بالأنساب، مات سنة ثمان، أو تسع وخمسين (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٤٦/١٠. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه. شرح الحديث: ◌ُ (أَنَّ امْرَأَةً) (عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) جبير بن مطعم قال الحافظ تَُّهُ: لم أقف على اسَّمها. (سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِنِّهِ شَيْئاً) لم يُسمَّ الشيء الذي سألته. (فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ)؛ أي: في وقت آخر، والظاهر أنه لم يتيسّر له شيء يعطيها، فوعدها وقتاً آخر. (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ)؛ ٣٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة أي: أخبرني (إِنْ جِئْتُ، فَلَمْ أَجِدْلَ؟) قال محمد بن جبير (قَالَ أَبِي) جبير بن مطعم ربه (كَأَنَّهَا)؛ أي: المرأة، (تَعْنِي: الْمَوْتَ)؛ أي: بقولها: ((فلم أجدك))، بسبب موتك. (قَالَ) وََّ ((فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي) بالموت، أو بغيره (فَأَّتِي أَبَا بَكْرٍ))) الصدّيقِ رَبّه، ومرادها: إن جئت، فوجدتك قد متَّ، ماذا أعمل؟. وفي رواية يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن سعد عند البلاذريّ: ((قالت: فإن رجعت، فلم أجدك، تُعَرِّض بالموت))، وكذا عند الإسماعيليّ من طريق ابن معمر، عن إبراهيم، وهو يُقَوِّي جَزْم القاضي عياض أنه کلام جید. واختُلِف في تعيين قائل: ((كأنها)) فجَزَم عياض بأنه جبير بن مطعم، راوي الحديث، وهو الظاهر، ويَحْتَمِل مَن دونه. ورَوَى الطبراني من حديث عصمة بن مالك: ((قال: قلنا: يا رسول الله إلى من ندفع صدقات أموالنا بعدك؟ قال: إلى أبي بكر الصديق))، وهذا لو ثبت كان أصرح في حديث الباب من الإشارة إلى أنه الخليفة بعده، لكن إسناده ضعيف . ورَوَى الإسماعيليّ في ((معجمه)) من حديث سهل بن أبي خيثمة: ((قال: بايع النبيُّ وَلّه أعرابيّاً، فسأله إن أتى عليه أجله من يقضيه؟ فقال: أبو بكر، ثم سأله من يقضيه بعده؟ قال: عمر ... )) الحديث، وأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) من هذا الوجه مختصراً (١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جُبير بن مطعم ◌َُّهُ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٥٩/١ و٦١٦٠] (٢٣٨٦)، و(البخاريّ) في ((فضائل الصحابة)) (٣٦٥٩) و((الأحكام)) (٧٢٢٠) و((الاعتصام)) (٧٣٦٠)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٦٧٦)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٤٠٤/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٢/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٦٥٦ و٦٨٧١)، (١) ((الفتح)) ٣٤٣/٨، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٥٩). ٣٩١ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ظُه - حديث رقم (٦١٥٩) و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٥٤٧/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٣/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٨٦٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة أبي بكر الصدّيق ٢ - (ومنها): أن فيه الإشارةَ إلى أن أبا بكر ظ ◌ُله هو الخليفة بعد رسول الله وَ﴾، قال القرطبيّ كَّلهُ: زعم من لا تحقيق عنده من المتأخرين أن هذا الحديث نصّ على خلافة أبي بكر ظُه، وليس كذلك؛ وإنَّما يتضمن الخبرُ عن أنَّه يكون هو الخليفة بعده؛ لكن بأيّ طريق تنعقد له: هل بالنصِّ عليه، أو بالاجتهاد؟ هذا هو المطلوب، ولم ينص عليه في الحديث، وكذلك قوله وَله : ((ادعي لي أبا بكر أباكِ، وأخاكٍ حتى أكتب كتاباً ... )) الحديث إلى قوله: ((يأبى الله والمؤمنون: إلا أبا بكر))؛ ليس نصّاً في استخلافه؛ وإنما يدل على إرادة استخلافه، ولم يَنصّ عليه، ألا ترى أنه لم يكتب، ولم ينصّ. والحاصل: أن هذه الأحاديث ليست نصوصاً في ذلك، لكنها ظواهر قويّةٌ، إذا انضاف إليها استقراء ما في الشريعة مِمَّا يدلّ على ذلك المعنى عُلم استحقاقه للخلافة، وانعقادها له ضرورة شرعيةً، والقادح في خلافته مقطوع بخطئه، وتفسيقه، وهل يُكَفَّر أم لا؟ مختلف فيه، والأظهر: تكفيره لمن استقرأ ما في الشريعة، مما يدلّ على استحقاقه لها، وأنه أحق وأَولى بها، سيما وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك، ولم يَبق منهم مخالِف في شيء مِمَّا جرى هنالك. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: استظهار القرطبيّ التكفير محل نظر، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): ما قال ابن بطال رَّتُ: استَدلّ النبيّ وَله بظاهر قولها: ((فإن لم أجدك)) أنها أرادت الموت، فأمَرها بإتيان أبي بكر ظُبه، قال: وكأنه اقترن بسؤالها حالةٌ أفهمت ذلك، وإن لم تنطق بها، قال الحافظ: وإلى ذلك وقعت الإشارة بقوله: ((كأنها تعني: الموت))، لكن قولها: ((فإن لم أجدك)) أعمّ في (١) ((المفهم)) ٢٤٩/٦ - ٢٥٠. ٣٩٢ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة النفي من حال الحياة، وحال الموت، ودلالته لها على أبي بكر مطابق لذلك العموم، وقول بعضهم: هذا يدلّ على أن أبا بكر هو الخليفة بعد النبيّ وَل صحيح، لكن بطريق الإشارة، لا التصريح، ولا يعارض جزمَ عمر رَظُه بأن النبيّ ◌َّه لم يستخلف؛ لأن مراده نفي النصّ على ذلك صريحاً، والله أعلم (١). ٤ - (ومنها): أن مواعيد النبيّ ◌َل﴿ كان على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها، وفيه ردٌّ على الشيعة في زَعْمهم أنه وَِّ نَصَّ على استخلاف عليّ، والعباس ها(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٦٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ أَبَاهُ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِم أَخْبَرَهُ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ وَّةِ، فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ، بِمِثْلِ حَدِيث عَبَّادِ بْنِ مُوسَى). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في ((المقدمة)) ٤٠/٦. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلُ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ عَبَّدِ بْنِ مُوسَى)؛ يعني: أن يعقوب بن إبراهيم ساق الحديث عن أبيه بمثل سياق عبّاد بن موسى الخُتّليّ عنه. [تنبيه]: رواية يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه هذه ساقها البخاريّ تَخْتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (١) ((الفتح)) ٢٦٤/١٧ - ٢٦٥، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٣٦٠). (٢) ((الفتح)) ٢٦٤/١٧ - ٢٦٥، كتاب (الاعتصام)) رقم (٧٣٦٠). ٣٩٣ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﴿ه - حديث رقم (٦١٦١) (٦٩٢٧) - حدّثني عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، حدّثنا أبي وعمي(١)، قالا: حدّثنا أبي، عن أبيه، أخبرني محمد بن جبير؛ أن أباه جبير بن مطعم أخبره، أن امرأة أتت رسول الله وَ لّر، فكلّمته في شيء، فأمَرها بأمر، فقالت: أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك؟ قال: ((إن لم تجديني فَأُتي أبا بكر))، زاد الحميديّ عن إبراهيم بن سعد: ((كأنها تعني: الموت)). انتهى (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٦١] (٢٣٨٧) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ نَّهَ فِي مَرَضِهِ: ((ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ، وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَاباً، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٌّ، وَيَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللهُ، وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قُدامة السرخسيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدِّب وَلَد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد سنة ثلاثين أو بعد الأربعين، ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (عُرْوَةٌ) بن الزبير، تقدّم قريباً. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، فسرخسيّ، ويزيد، فواسطيّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: (١) هو: يعقوب بن إبراهيم الذي في سند مسلم. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٦٧٩. ٣٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة صالح، عن الزهريّ، عن عروة، ورواية الأوَّلين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الرابعة، وفيه عروة من الفقهاء السبعة، وفيه عائشة ينا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﴿َّ أنها (قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلَّ فِي مَرَضِهِ) الذي توفّي فیه. [تنبيه]: هذا الحديث ساقه البخاريّ مطوّلاً، ولفظه من رواية القاسم، عن عائشة : ((قالت عائشة: وارأساه، فقال رسول الله وَله: ((ذاك لو كان، وأنا حيّ، فأستغفر لك، وأدعو لك))، فقالت عائشة: واثكلياه، والله إني لأظنك تحب موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك مُعَرِّساً ببعض أزواجك، فقال النبيّ ◌َّه: ((بل أنا وارأساه، لقد هممت - أو أردت - أن أُرسل إلى أبي بكر، وابنه، وأعهد، أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله، ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله، ويأبى المؤمنون))(١). ((ادْعِي لِي) بكسر العين المهملة، أمْر للأنثى مِن دعا يدعو، وأصله: ادعوي بضم العين بوزن: انصري، فنُقلت كسرة الواو إلى العين، وحُذفت الواو لالتقائها ساكنة مع ياء المخاطبة. (أَبًا بَكْرٍ) منصوب على المفعوليّة، يريد أباها، (وَأَخَاكِ) عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق شقيق عائشة ﴿ه، تأخر إسلامه إلى قُبيل الفتح، وشَهِد اليمامة، والفتوح، ومات سنة ثلاث وخمسين في طريق مكة فَجْأةً، وقيل: بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في ((الطهارة)) ٩/ ٥٧٢. قال في ((العمدة)): قيل: ما فائدة ذكر أخيها؛ إذ لم يكن له دخل في الخلافة؟ . وأجيب: بأن المقام مقام استمالة قلب عائشة رضي﴿ّ؛ يعني: كما أن الأمر مفوَّض إلى والدك كذلك الائتمار في ذلك بحضور أخيك، فأقاربُك هم أهل أمري، وأهل مشورتي، أو لمّا أراد تفويض الأمر إليه بحضورها أراد إحضار (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٤٥/٥. ٣٩٥ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﴿ه - حديث رقم (٦١٦١) بعض محارمه، حتى لو احتاج إلى رسالة إلى أحد، أو قضاء حاجة لتصدّى (١) لذلك. انتهى وقال النوويّ ◌َّتُهُ: وأما طَلَبه لأخيها مع أبي بكر ﴿هَا، فالمراد أنه یکتب الكتاب. انتهى (٢). (حَتَّى أَكْتُبَ كِتَاباً) ((حتى)) تعليليّة، و((أكتب)) منصوب بأن مضمرة بعدها؛ لكونه مستقبلاً؛ كما قال في ((الخلاصة)): حَتْمٌ كَـاجُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ)» وَبَعْدَ ((حَتَّى)) هكَذَا إِضْمَارُ (أَنْ)) : بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا وَتِلْوَ ((حَتَّى)) حَالاً اوْ مُؤَوَّلاً و((كتاباً)) منصوب على أنه مفعول به؛ لأن المراد: المكتوب، ويَحْتَمِل أن يكون مفعولاً مطلقاً؛ لكون مصدراً. ووقع في رواية البخاريّ: ((لقد هممت أن أوجّه إلى أبي بكر، وابنه، وأعهد))، ولبعض رواة البخاريّ: ((وآتيه)) بألف ممدودة، ومثناة فوقُ، ومثناة تحتُ، من الإتيان، قال القاضي عياض: وصوبّه بعضهم، وليس كما صَوّب، بل الصواب: ((وابنه)) بالباء الموحدة، والنون، وهو أخو عائشة، وتوضّحه رواية مسلم: ((أخاك))، ولأن إتيان النبيّ وَّ كان متعذراً، أو متعسِّراً، وقد عَجَز عن حضور الجماعة، واستَخلف الصدّيق ◌ُه؛ ليصلي بالناس، واستأذن أزواجه أن يُمَرَّض في بيت عائشة ◌َّا، والله أعلم(٣) . (فَإِنِّي) الفاء للتعليل؛ أي: لأني (أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ)؛ أي: في الخلافة بعد موته ﴿، (وَيَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى) مبتدأ وخبر؛ أي: أَولى بالخلافة من غيري، هكذا في بعض النُّسخ، ووقع في بعضها بلفظ: ((أنا ولا))، قال النوويّ: هكذا هو في بعض النسخ المعتمدة: ((أنا، ولا)) بتخفيف ((أنَا، ولا))؛ أي: يقول: أنا أحقّ، وليس كما يقول، بل يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، وفي بعضها: ((أنا أَولى))؛ أي: أنا أحقّ بالخلافة، قال القاضي عياض: هذه الرواية أجودها، ورواه بعضهم: ((أنا وَلِي)) بتخفيف النون، وكسر اللام؛ (١) ((عمدة القاري)) ٢٧٩/٢٤. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٥/١٥ - ١٥٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٥/١٥. ٣٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة أي: أنا أحقّ، والخلافة لي، وعن بعضهم: ((أنا ولّاه))؛ أي: أنا الذي ولّاه النبيّ وَّر، وبعضهم: ((أَنّى ولّاه)): بتشديد النون؛ أي: كيف ولّاه؟. (وَيَأْبَى اللهُ) يقال: أَبَى الرجلُ يَأْبَى إِبَاءً بالكسر والمدّ، وإِيَاءةً: امتَنَعَ، فهو آبٍ، وأبيٍّ، على فاعل، وفَعِيل، وتأَبَّى مثله، وبناؤه شاذّ؛ لأن باب فَعَلَ يَفْعَل بفتحتين يكون حلقيّ العين، أو اللام، ولم يأتِ من حلقيّ الفاء إلا: أبى يأبى، وعَضّ يَعَضّ في لغة، وأثّ الشَّعرُ يَأَثّ: إذا كَثُر، والتَّفَّ، وربما جاء في غير ذلك، قالوا: وذَّ يودُّ في لغة، وأما لغة طيّئ في باب نسِيَ ينسَى، إذا قلبوا، وقالوا: نَسَى يَنْسى، فهو تخفيف، قاله الفيّوميّ تَخَذُّهُ(١). والمعنى هنا أن الله تعالى يمتنع من خلافة أحد، (وَ) كذا يأبى (الْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ))) الصدّيق؛ أي: إلا خلافته ـّه. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٦١/١] (٢٣٨٧)، و(البخاريّ) في ((المرضى)) (٥٦٦٦) و((الأحكام)) (٧٢١٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٣/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٠/٦ و١٤٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٥٩٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٥٢/١)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٣/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٣/٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان شدّة اهتمام النبيّ وَّر بشأن الخلافة، حتى همّ أن يكتب بذلك، إلا أن اعتماده على ربّه بأنه يتولّى دينه، ولا يضيّعه، بل يحفظه بخلافة أبي بكر ظه، وشدّة وثوقه بأصحابه بأنهم لا يألون جهداً في اختياره رَد ◌ُه للخلافة حَمَله على أن لا يكتب ذلك، وقد حقّق الله تَنَ ظنّه في ذلك، ولله الحمد والمنّة. (١) ((المصباح المنير)) ٣/١. ٣٩٧ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﴿ُبه - حديث رقم (٦١٦٢) ٢ - (ومنها): مشروعيّة كتابة الوصايا في مرض الموت؛ ليكون ذلك الكتاب عمدة لمن أمره بعد موته، فلا يقع نزاع بين ورثته. ٣ - (ومنها): ما قال النوويّ كَّتُهُ: في هذا الحديث دلالةٌ ظاهرةٌ لِفَضْل أبي بكر الصديق نظراته، وإخبار منه وَلا بما سيقع في المستقبل بعد وفاته، وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره، وفيه إشارة إلى أنه سيقع نزاع، ووقع كل ذلك. انتهى(١). ٤ - (ومنها): ما قال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)) ليس نصّاً في استخلافه؛ وإنما يدل على إرادة استخلافه، ولم يَنصّ عليه، ألا تری أنه لم یکتب، ولم ينص. والحاصل: أن هذه الأحاديث ليست نصوصاً في ذلك، لكنها ظواهر قوية إذا انضاف إليها استقراء ما في الشريعة مِمَّا يدلّ على ذلك المعنى عُلم استحقاقه للخلافة، وانعقادها له ضرورة شرعية، والقادح في خلافته مقطوع بخطئه، وتفسيقه. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٦٢] (١٠٢٨)(٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ، عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ: ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِي حَازِمِ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمُّ صَائِماً؟))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: ((فَمَنْ تَبَعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: (فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِيناً؟))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: ((فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضاً؟))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) العدني الأصل، تقدّم في الباب الماضي. (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٥/١٥. (٣) هذا الرقم مكرّر. (٢) ((المفهم)) ٢٤٩/٦ - ٢٥٠. ٣٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفَزاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ودمشق، ثقةٌ حافظُ، وكان يدلس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين بنونين مصغراً الكوفيّ، صدوقٌ، يخطىء [٦] (بخ م ٤) تقدم في (الإيمان)) ٩/ ١٤٢. ٤ - (أَبُو حَازِمِ الأَشْجَعِيُّ) سلمان الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُه تقدّم قريباً. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث من أفراد المصنّف تَخْتُ، وقد تقدّم سنداً ومتناً في (كتاب الزكاة)) برقم [٢٣٧٤/٢٨] (١٠٢٨) وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِماً؟) ((من)) استفهاميّةٌ، و((أصبح)) بمعنى: صار، وخبره ((صائماً))، أو بمعنى دَخَلَ في الصباح، فتكون تامّةً، و ((صائماً)) حال من ضميره. وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا) قال القاري كَُّ: يوقف عليه بالألف، وأما وقفه بالنون المفتوحة فلحنُ عاميّ، قال الطيبيّ تَخَّتُهُ: ذَكَر ((أنا)) هنا للتعيين في الإخبار، لا للاعتداد بنفسه، كما يُذْكَر في مقام المفاخرة، وهذا هو الذي يُكرَه، وقد جاء قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله: ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ الُْكَلِفِينَ﴾ [الكافرون: ٤]، وقوله: ﴿قُلٌ إِن كَانَ [ص: ٨٦]، وقوله: ﴿وَلَّ أَنْ عَائِدٌ مَّا عَبَدُم لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ أَ ﴾ [الزخرف: ٨١] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وقوله وَل: ((أنا سيّد ولد آدم))، وقال: ((أنا أول من تنشقّ عنه الأرض))، وقال: ((أنا أول شافع، وأول مشفّع))، وقال: «أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحْشَر الناس على قدمي، وأنا العاقب))، إلى غير ذلك من الأحاديث، وكلّها في الصحاح، وقد تلفّظ بها السابق بالخيرات، صدّيق هذه الأمة رَظُله بين يدي رسول الله وَ لو كرّة بعد كرّة، ولم يُنكِر ◌َلّ عليه ذلك، فدلّت هذه النصوص كلّها على جواز قول القائل: أنا، فمن کره ذلك فلا حجة له. ٣٩٩ ـه - حديث رقم (٦١٦٣) (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ـ [فإن قلت]: أخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله ظما قال: أتيت النبيّ وَّ﴿ في دَيْن كان على أبي، فدققت الباب، فقال: ((مَنْ ذا؟)) فقلت: أنا، فقال: ((أنا أنا))، كأنه كرهها، فكيف يُجْمَع بينه وبين هذه النصوص؟. [قلت]: يُجاب بأنه وَلَه إنما سأله ليُخبر عن نفسه، فيعرف مَن الوارد عليه؟، فيرتفع الإبهام، فلما قال جابر ظُه: أنا، لم يأت بجواب يزيل الإبهام، ويفيد معرفة عَيْنه، بل بقي الإبهام على حاله، فأنكر عليه ذلك؛ للمعنى المذكور، لا لتلفّظه بتلك الكلمة، فلو قال جابر: أنا جابرٌ، لم يُنْكِر النبيّ ◌َ﴿ عليه ذلك، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في ((كتاب الزكاة)) بالرقم المذكور، ولله الحمد والمنّة. وقوله: (مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ)؛ أي: ما اجتمعت هذه الخصال الأربعة المذكورة على الترتيب المذكور في يوم واحد، قال القاري: كذا قال ابن الملك، وكأن الترتيب أخذه من الفاء التعقيبية، وهو غير لازم؛ إذ يمكن حَمْل التعقيب على السؤال، كما ذكروا في (ثُمّ)) أنه قد يكون للتراخي في السؤال، أو التقدير: إذا ذكرتم هذا فمن فعل هذا؟ وقوله: (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ)؛ أي: بلا محاسبة، وإلا فمجرد الإيمان يكفي المطلق الدخول، أو معناه: دخل الجنة من أيّ باب شاء، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٦٣] (٢٣٨٨) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ، قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَةُ، فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ))، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ تَعَجُّباً وَفَزَعاً، أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَرُ))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ( بَيْنَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ، عَدَا عَلَيْهِ الذُّتْبُ، فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي، حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي؟))، فَقَالَ النَّاسُ: ٤٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة سُبْحَانَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ أَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْح) المصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم أيضاً قريباً . والباقيان ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَذْتُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وأنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع، إلا في موضع واحد، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيين، كلاهما من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة رضي أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث: (عَنِ اِبْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، وَأَبُوَ سَلَمَةً بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ) وَظُهُ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((بَيْنَمَا) قد ذكرنا غير مرة أن أصله ((بين)) زيدت فيه ((ما))، ويضاف إلى جملة، وجوابه قوله: ((التفتت إليه)). (رَجُلٌ) لم يُوقَّف على اسمه، وقد استظهر البخاريّ تَخُّْ أن هذه القصّة وقعت في بني إسرائيل، حيث ذكرها في ذِكر بني إسرائيل، وفي رواية البخاريّ من طريق الأعرج عن أبي سلمة: ((صلّى رسول الله وَلله صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس، فقال: بينما رجلٌ يسوق بقرةً؛ إذ ركبها، فضربها ... )). (يَسُوقُ بَقَرَةً لَّهُ) البقر: اسم جنس، والبقرة تقع على الذّكر والأنثى، وإنما دخلته الهاء على أنه واحد من جنس، والجمع بقرات، والباقر: جماعة البقر مع رعاتها(١). (قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا)؛ أي: متاعه، وفي رواية البخاريّ المذكورة: ((إذ ركبها))، فيَحْتَمِل أنه ركبها، وأخذ معه متاعه عليها. (الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَةُ، فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ) بضمّ أوله، وفيه (١) ((عمدة القاري)) ١٥٩/١٢.