النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَيِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ الأنصاريّ، وقيل: مات بإفريقية، ومات بالبادية سلمة بن الأكوع، وقيل: بالمدينة، وبأصبهان النابغة الجعديّ، وبسمرقند قُثم بن العبّاس، أو الفضل أخوه، وبالطائف الحبر ابن عبّاس، وبسجستان العدّاء بن خالد العامريّ وقد ذكر ذلك السيوطيّ ◌َُّهُ في ((ألفيّة الأثر))، فقال: وَآخِرُ الصِّحَابِ بِاتِّفَاقِ بِمَكَّةٍ وَقِيلَ فِيهَا جَابِرُ مَوْتاً أَبُو الظُفَيْلِ وَهْوَ آخِرُ بِطَيْبَةَ السَّائِبُ أَوْ سَهْلٌ أَنَسْ بِبَصْرَةٍ وَابْنُ أَبِي أَوْفَى حُبِسْ(١) جُحَيْفَةٍ وَالشَّامُ فِيهَا صَوّبُوا بِكُوفَةٍ وَقِيلَ عَمْرٌو أَوْ أَبُو الْبَاهِلِي أَوِ ابْنَ بُسْرٍ وَلَدَى وَالْحَبْرُ بِالظَّائِفِ وَالْجَعْدِيُّ الْعُرْسُ فِي جَزِيرَةٍ بِبَرْقَةِ وَقُبِضَ الْفَضْلُ بِسَمْرَقَنْدَا مِصْرَ ابْنُ جَزْءٍ وَابْنُ الأَكْوَعِ بَدَا بِأَصْبَهَانَ وَقَضَى الْكِنَّدِيُّ رُوَيْفِعُ الْهِرْمَاسُ بِالْيَمَامَةِ وَفِي سِجِسْتَانَ الأَخِيرُ الْعَدَّا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رضىعنه عبـ قال البخاريّ كَّلُهُ في ((صحيحه)): أبو بكر عبد الله بن أبي قُحافة ٠ نه التيميّ قال في ((الفتح)): هكذا جزم بأن اسم أبي بكر عبد الله، وهو المشهور، ويقال: كان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة، وكان يُسَمَّى أيضاً عَتِيقاً، واختُلِف هل هو اسم له أصليّ، أو قيل له ذلك؛ لأنه ليس في نَسَبه ما يعاب به، أو لِقِدَمه في الخير، وسَبْقه إلى الإسلام، أو قيل له ذلك؛ لِحُسنه، أو لأن أمه كان لا يعيش لها ولد، فلما وُلد استقبلت به البيت، فقالت: اللهم هذا عتيقك من الموت، أو لأن النبيّ وَله بشّره بأن الله أعتقه من النار، وقد ورد في هذا الأخير حديثٌ عن عائشة ﴿ّا عند الترمذيّ، وآخر عن عبد الله بن الزبير (١) بالبناء للمفعول؛ أي: مات. ٣٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة عند البزار، وصححه ابن حبان، وزاد فيه: ((وكان اسمه قبل ذلك عبد الله بن عثمان))، وعثمان اسم أبي قحافة لم يُختَلف في ذلك، كما لم يُختلف في كنية الصديق . ولُقِّب الصديقَ؛ لِسَبْقه إلى تصديق النبيّ ◌َّ، وقيل: كان ابتداء تسميته بذلك صبيحة الإسراء. ورَوَى الطبرانيّ من حديث عليّ رَظُبه: ((أنه كان يحلف أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق))، رجاله ثقات. وأما نسبه: فهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب، يجتمع مع النبيّ ◌َّر في مرّة بن كعب، وعدد آبائهما إلى مرّة سواء. وأم أبي بكر سَلْمَى، وتكنى أم الخير، بنت صخر بن مالك بن عامر بن عمرو المذكور، أسلمت، وهاجرت، وذلك معدود من مناقبه؛ لأنه انتظم إسلام أبويه، وجميع أولاده. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: أبو بكر الصديق به اسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عَمْرو بن كعب بن سَعْد بن تيم بن مرَّة بن كعب بن لؤي، يَجتمع نسبه مع نسب رسول الله ربَّ في مرَّة بن كعب، وسَمَّاه رسول الله وَ ل ◌َه بالصِّدِّيق، رواه عنه عليّ بن أبي طالب رَُّه، وسَمَّاه بذلك لكثرة تصديقه، ويُسمَّى بعتيق، وفي تسميته بذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن النبيّ وَّر قال: ((من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار، فلينظر إلى أبي بكر))؛ روته عائشة. والثاني: أنه اسم سمَّته به أمُّه، قاله موسى بن طلحة. والثالث: أنه سُمِّي بذلك؛ لجمال وجهه، قاله الليث بن سعد، وقال ابن قتيبة: لقّبه النبيّ وَّهِ بذلك؛ لجمال وجهه، وهو أول من أسلم من الرجال، وقد أسلم على يديه من العشرة المشهود لهم بالجنة خمسة: عثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص (١) ((الفتح)) ٣٢١/٨، كتاب ((فضائل أصحاب النبيّ وَّ)) رقم (٣٦٥٢). ٣٤٣ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّقِ قال القرطبيّ كَُّ: كانت وفاة أبي بكر تُله على ما قاله ابن إسحاق: يوم الجمعة لسبع ليالٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. وقال غيره: إنه مات عشية يوم الاثنين. وقيل: عشية يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة. هذا قول أكثرهم. قال ابن إسحاق: وتوفي على رأس سنتين وثلاثة أشهر واثنتي عشرة ليلة من مُتَوَفَّى رسول الله وَّهِ، وقال غيره: وعشرة أيام. وقيل: وعشرين يوماً. ومكث في خلافته سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال. وقيل: وثلاثة أشهر وسبع ليال(١). وقال في ((الفتح)): مات أبو بكر ظُه بمرض السِّلّ، على ما قاله الزبير بن بكار، وعن الواقديّ أنه اغتسل في يوم بارد، فحُمّ خمسة عشر يوماً، وقيل: بل سَمَّته اليهود في حريرة، أو غيرها، وذلك على الصحيح لثمان بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وأياماً، وقيل غير ذلك، ولم يختلفوا أنه استَكْمَل سنّ النبيّ وََّ، فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة، والله أعلم. انتهى(٢). وقال الإمام الحافظ أبو الفرج بن الجوزيّ: جملة ما حُفِظ له من الحديث عن رسول الله وَ ﴾ مائة واثنان وأربعون حديثاً، أخرج له منها في (الصحيحين)) ثمانية عشر حديثاً. قال القرطبيّ: ومن المعلوم القطعيّ، واليقين الضروريّ أنه حَفِظ من حديث رسول الله وَ﴾ ما لم يحفظ أحدٌ من الصحابة، وحصل له من العلم ما لم يحصل لأحد منهم؛ لأنَّه كان الخليل المباطن، والصَّفي الملازم، لم يفارقه سفراً، ولا حضراً، ولا ليلاً، ولا نهاراً، ولا شدَّة، ولا رخاءً؛ وإنَّما لم يتفرغ للحديث، ولا للرواية؛ لأنَّه اشتَغَل بالأهم، فالأهم؛ ولأن غيره قد قام عنه من الرواية بالمهمّ. وإذا تقرر ذلك فاعلم: أن الفضائل جمع فضيلة؛ كرغائب جمع رغيبة، وكبائر جمع كبيرة، وهو كثير، وأصلها الخصلة الجميلة التي بها يحصل (١) ((المفهم)) ٦/ ٢٥٠. (٢) ((الفتح)) ٣٧١/٨، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٧٧). ٣٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة للإنسان شرف، وعلوّ منزلة وقَدْر، ثم ذلك الشَّرف، وذلك الفضل إما عند الخلق، وإما عند الخالق، فأمَّا الأول: فلا يُلتفت إليه إن لم يُوصِل إلى الشرف المعتبر عند الخالق، فإذاً: الشرف المعتبر، والفضل المطلوب على التحقيق، إنما هو الذي هو شَرَف عند الله تعالى. وإذا تقرر هذا؛ فإذا قلنا: إن أحداً من الصحابة رضيه فاضل، فمعناه: أن له منزلةً شريفةً عند الله تعالى، وهذا لا يُتوصل إليه بالعقل قطعاً، فلا بدَّ أن يرجع ذلك إلى النقل، والنقل إنما يُتَلَقَّى من الرسولِ وَّل، فإذا أخبرنا الرَّسول وَلو بشيء من ذلك تلقيناه بالقبول؛ فإنْ كان قطعياً حصل لنا العلم بذلك، وإن لم يكن قطعياً كان ذلك كسبيل المجتهدات على ما تقدَّم، وعلى ما ذكرناه في الأصول، وإذا لم يكن لنا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالخبر، فلا يَقطع أحد بأن من صدرت منه أفعال دينية، وخصال محمودة، بأن ذلك قد بلَّغه عند الله منزلة الفضل والشرف، فإنَّ ذلك أمر غيب، والأعمال بالخواتيم، والخاتمة مجهولة، والوقوف على المجهول مجهول، لكنَّا إذا رأينا مَن أعانه الله على الخير، ويسَّر له أسباب الخير رجونا له حصول تلك المنزلة عند الله تعالى؛ تمسُّكاً بقوله وَل18: ((إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله في الخير، ووفّقه لعمل صالح))(١)، وبما جاء في الشريعة من ذلك، ومن كان كذلك: فالظَّنُّ أنه لا يخيب، ولا يقطع على المغيب. وإذا تقرر هذا فالمقطوع بفضله، وأفضليته بعد رسول الله وَ طله عند أهل السُّنَّة - وهو الذي يُقطع به من الكتاب والسُّنَّة - أبو بكر الصِّدِّيق، ثم عمر الفاروق ◌ًا، ولم يَختلف في ذلك أحدٌ من أئمة السَّلف، ولا الخلف، ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع، ولا أهل البدع، فإنهم بين مُكفّر تُضرب رقبته، وبين مبتدع مُفسّق لا تُقبل كلمته، وتُدحَض حُجَّته. وقد اختَلَف أئمة أهل السُّنَّة في عليّ وعثمان ◌ًَّا؛ فالجمهور منهم على (١) أخرجه الترمذيّ، وصححه، وصححه أيضاً ابن حبّان، ولفظه: ((إذا أراد الله بعبد خيراً يستعمله))، قيل: ((كيف يستعمله يا رسول الله؟)) قال: ((يوفقه لعمل صالح قبل الموت)). ٣٤٥ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ظُبه - حديث رقم (٦١٤٩) تقديم عثمان، وقد روي عن مالك أنه توقف في ذلك، وروي عنه أنه رجع إلى ما عليه الجمهور، وهو الأصح إن شاء الله، والمسألة اجتهادية لا قطعية، ومستنَدها الكلِّي أن هؤلاء الأربعة: هم الذين اختارهم الله تعالى لخلافة نبيِّه ◌َحّة، ولإقامة دينه، فمراتبهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة، إلى ما ينضافُ إليه مما يشهد لكل واحدٍ منهم من شهادات النبيّ وَلّ له بذلك تأصيلاً وتفصيلاً، على ما يأتي إن شاء الله تعالى، وهذا الباب بحر لا يُدرك قعره، ولا يُنزف غمره، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق للهداية. انتهى كلام القرطبيّ ◌َُّ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٤٩] (٢٣٨١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ، قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوسِنَا، وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرِ مَا ظَنَّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ) أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ، رُبّما وَهِمَ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٣ - (أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ) عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة التيميّ أبو بكر بن أبي قحافة الصدّيق الأكبر، خليفة رسول الله ﴾، مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨. (١) ((المفهم)) ٢٣٦/٦ - ٢٣٩. ٣٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة والباقون كلهم تقدّموا قريباً . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم، ثم فصّل؛ لِمَا أسلفناه غير مرّة، وأنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ شرح الحديث: (حَدَّثَهُ، قَالَ: نَظَرْتُ (عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبِهِ (أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ) إِلَى أَقْدَام الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوسِنَا) وقوله: (وَنَحْنُ فِي الْغَارِ) جملة في محلّ نَصْب علَى الحال، والغار: ثُقْب في الجبل، والمراد هنا: غار ثور، وفي رواية للبخاريّ: ((فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم)). [تنبيه]: قصّة الغار أنه لمّا رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة قالوا: هذا شرّ شاغل، لا يطاق، فأجمعوا أمرهم على قَتْل رسول الله وَّه، فبيَّتوه، ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج، فأمر النبيّ ◌َّ عليّ بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله أن يُعمي عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رؤوسهم تراباً ونهض، فلما أصبحوا خرج عليهم عليّ رَظُته، وأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن رسول الله وَ له قد فات ونجا . وتواعد رسول الله وَالر مع أبي بكر الصديق للهجرة، فدفعا راحلتيهما إلى عبد الله بن أرقط، ويقال: ابن أُريقط، وكان كافراً لكنهما وَثِقًا به، وكان دليلاً بالطرق، فاستأجراه ليدل بهما إلى المدينة. وخرج رسول الله وَّه من خَوْخَة في ظهر دار أبي بكر التي في بني جُمَح، ونهضا نحو الغار في جبل ثور، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع ما يقول الناس، وأمر مولاه عامر بن فُهيرة أن يرعى غنمه ويريحها عليهما ليلاً فيأخذا منها حاجتهما، ثم نهضا، فدخلا الغار. وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تأتيهما بالطعام، ويأتيهما عبد الله بن أبي بكر بالأخبار، ثم يتلوهما عامر بن فُهيرة بالغنم، فيعفي آثارهما . ٣٤٧ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ظُه - حديث رقم (٦١٤٩) فلما فقدته قريش جعلت تطلبه بقائف معروف بقفاء الأثر، حتى وقف على الغار، فقال: هنا انقطع الأثر، فنظروا، فإذا بالعنكبوت قد نَسَج على فم الغار من ساعته، ولهذا نهى النبيّ وَّ﴿ عن قَتْله، فلما رأوا نَسْج العنكبوت أيقنوا أن لا أحد فيه، فرجعوا، وجعلوا في النبيّ وَّر مائة ناقة لمن ردّه عليهم. الخبر مشهور، وقصة سراقة بن مالك بن جعشم في ذلك مذكورة. وقد رُوي من حديث أبي الدرداء وثوبان ظريًّا أن الله رحمك أمر حمامة، فباضت على نسج العنكبوت، وجعلت ترقد على بيضها، فلما نظر الكفار إليها ردّهم ذلك عن الغار (١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ كَّتُهُ: كان من قصة الغار أن المشركين اجتمعوا لقتل رسول الله و *، فبيّتوه في داره، فأمَر عليّاً رَُّبه، فرقد على فراشه، وقال له: ((إنهم لن يضروك))، فخرج عليهم رسول الله وَّر، وهم على بابه، فأخذ الله أبصارهم عنه، ولم يَرَوْه، ووضع على رأس كل واحد منهم تراباً، وانصرف عنهم خارجاً إلى غار ثور، فاختفى فيه، فأقاموا كذلك حتى أخبرهم مُخْبِرٌ أنه قد خرج عليهم، وإنه وضع على رؤوسهم التراب، فمدُّوا أيديهم إلى رؤوسهم، فوجدوا التراب، فدخلوا الدَّار، فوجدوا عليّاً على الفراش، فلم يتعرضوا له، ثم خرجوا في كل وجه يطلبون النبيّ وَّ، ويقتصّون أثره بقائف كان معروفاً عندهم، إلى أن وصلوا إلى الغار، فوجدوه قد نسجت عليه العنكبوت من حينه، وفَرَخت فيه الحمام بقدرة الله تعالى، فلما رأوا ذلك قالوا: إن هذا الغار ما دخله أحدٌ، ثم إنهم صَعِدوا إلى أعلى الغار، فحينئذ رأى أبو بكر به أقدامهم، فقال بلسان مقاله مفصحاً عن ضَعف حاله: لو نظر أحدهم إلى قدميه أبصرنا، فأجابه من تدلَّى، فدنا بما يُذهب عنه الخوف والضَّنى، بقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ أي: بالحفظ والسلامة، والصَّون والكرامة، ثم إن النبيّ وَليل أقام في الغار ثلاثة حتى تجهّز، ومنه هاجر إلى المدينة، وكلّ ذلك من النبيّ وَلُ ه ثقة بوعد الله تعالى، وتوكّل عليه، ودليل على خصوصيّة أبي بكر من الخلَّة، وملازمة الصُّحبة في أوقات (١) ((تفسير القرطبيّ)) ١٤٥/٨. ٣٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة الشدة بما لم يُسْبَق إليه. انتهى(١) . وروى البخاريّ عن عائشة ؤُها قالت: استأجر رسول الله وَ له وأبو بكر رجلاً من بني الديل هادياً خِرِّيتاً(٢)، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث، فارتحلا، وارتحل معهما عامر بن فُهيرة، والدليل الدِّيليّ، فأخذ بهم طريق الساحل. قال أبو بكر: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ) فيه مجيء (لو)) الشرطية للاستقبال، خلافاً للأكثر، واستَدَلّ من جوّزه بمجيء الفعل المضارع بعدها؛ كقوله تعالى: ﴿لَوَ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ الْأَِّ لَعَنْتُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٧]، وعلى هذا فيكون قاله حالة وقوفهم على الغار، وعلى القول الأكثر يكون قاله بعد مضيّهم؛ شكراً لله تعالى على صيانتهما منهم. وقوله أيضاً: (لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ)، وفي رواية للبخاريّ: «لو أن بعضهم طأطأ بصره))، ووقع في رواية بلفظ: ((رفع قدميه))، ووقع مثله في حديث حُبْشيّ بن جُنادة، أخرجه ابن عساكر، وهي مشكلة، فإن ظاهرها أن باب الغار استتر بأقدامهم، وليس كذلك، إلا أن يُحمل على أن المراد أنه استتر بثيابهم. ووقع في مغازي عروة بن الزبير في قصة الهجرة قال: وأتى المشركون على الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبيّ وَّر حتى طلعوا فوقه، وسمع أبو بكر أصواتهم، فأقبل عليه الهمّ والخوف، فعند ذلك يقول له النبيّ وَل : ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ودعا رسول الله مَ ◌ّ، فنزلت عليه السكينة، وفي ذلك يقول الله رَى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ الآية [التوبة: ٤٠]، وهذا يقوّي أنه قال ما في حديث الباب حينئذ، ولذلك أجابه بقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ . وفيه أن باب الغار كان منخفضاً، إلا أنه كان ضيقاً، فقد جاء في ((السِّيَر)) (١) ((المفهم)) ٢٣٩/٦ - ٢٤٠. (٢) بكسر الخاء، وتشديد الراء؛ أي: ماهراً. ٣٤٩ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ظُبه - حديث رقم (٦١٤٩) للواقديّ أن رجلاً كشف عن فرجه، وجلس يبول، فقال أبو بكر: قد رآنا يا رسول الله، قال: لو رآنا لم يكشف عن فرجه(١). (فَقَالَ) وَّرِ ((يَا أَبَا بَكْرِ مَا ظَنَُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا)))، وفي رواية: ((فقال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما))، وقوله: ((اثنان)) خبر مبتدأ محذوف، تقديره: نحن اثنان، والله تعالى ثالثنا علماً، ونصراً، وعوناً، فنحن منصورون محفوظون من کیدهم، فلا تخف، ولا تحزن. وقال في ((الفتح)) (٢): قوله: ((الله ثالثهما))؛ أي: معاونهما، وناصرهما، وإلا فهو مع كل اثنين بعلمه، كما قال تعالى: ﴿مَا يَكُنُ مِن تَجْوَى ثَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]. وقال النوويّ كَّلُ: قوله وَله: ((الله ثالثهما)) معناه: بالنصر، والمعونة، والحفظ، والتسديد، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ [النحل: ١٢٨]، والله تعالى أعلم. ١٢٨ هُم تُحْسِنُونَ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بكر الصدّيق هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال الحافظ تَظُّ: اشتَهَر أن حديث الباب تفرَّد به همّام، عن ثابت، وممن صرّح بذلك الترمذيّ، والبزار، وقد أخرجه ابن شاهين في: الأفراد من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت بمتابعة همام، وقد قدّمت له شاهداً من حديث حُبْشي بن جُنادة، ووجدت له آخر عن ابن عباس أخرجه الحاكم في ((الإكليل)). انتهى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٤٩/١] (٢٣٨١)، و(البخاريّ) في ((فضائل الصحابة)) (٣٦٥٣) و((هجرة النبيّ ◌َظفر)) (٣٩٢٢) و((التفسير)) (٤٦٦٣)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠٩٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧/١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/١)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٣٠/١)، (١) ((الفتح)) ٣٢٥/٨. (٢) ((الفتح)) ٧١٥/٨. ٣٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (١٧٣/٣ - ١٧٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٢٧٨ و٦٨٦٩)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٦٧٢٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦٦)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٩٦/١ و١٩٣)، و(أبو بكر المروزيّ) في ((مسند أبي بكر)) (٧٢)، و(البيهقيّ) في ((الدلائل)) (٢/ ٤٨٠)، و(البغويّ) في ((تفسيره)) (٢٩٣/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه بيانَ عظيم توكّل النبيّ ◌َّر حتى في هذا المقام. ٢ - (ومنها): أن فيه منقبةً ظاهرةً لأبي بكر الصدّيق ◌َظُبه، قال النوويّ كَُّهُ: وفيه فضيلةٌ لأبي بكر ◌َظُه، وهي من أجلّ مناقبه، والفضيلةُ من أوجه: منها هذا اللفظ، ومنها بَذْله نَفْسه، ومفارقته أهله، وماله، ورياسته في طاعة الله تعالى، ورسوله ◌َ ﴿ وملازمة النبيّ رَّة، ومعاداة الناس فيه، ومنها: جعله نفسه وقايةً عنه، وغير ذلك. انتهى(١). وقال القرطبيّ المفسّر تَخْتُ: هذه الآية تضمَّنت فضائل الصدّيق نَظُه، روى أصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم عن مالك: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنََّ اَللَّهَ مَعَنَا﴾ هو الصدّيقِ، فحقّق الله تعالى قوله له بكلامه، ووَصْف الصحبة في كتابه. قال بعض العلماء: من أنكر أن يكون عمر وعثمان أو أحد من الصحابة صاحب رسول الله وَلّ فهو كذّاب مبتدع، ومن أنكر أن يكون أبو بكر عنه صاحب رسول الله ◌َ ﴿ فهو كافر؛ لأنه ردّ نصَّ القرآن. انتهى(٢). ٣ - (ومنها): بيان قوّة توكّل النبيّ وَّل على ربّه، وشدّة وثوقه بوعده الذي بيّنه بقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِتْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (َ) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (َ) [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ (٨٧٣ اُلْغَلِبُونَ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ (٥٦)﴾ [غافر: ٥١]. عَُّ على رسول الله وَله، فقد فزع في ٤ - (ومنها): شدة حرص أبي بكر (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٠/١٥. (٢) ((تفسير القرطبيّ)) ١٤٦/٨. ٣٥١ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ◌َ﴾ - حديث رقم (٦١٤٩) ذلك المحلّ، وأصابه الحزن والخوف، وما ذلك إلا لِأَجْله وَلّ، فإنه إن أصابه شيء من الكفّار انقطعت الدعوة إلى الله، ولم يَقُمْ بعده غيره. قال ابن العربيّ تَخُّ: قالت الإمامية قبَّحها الله: حُزن أبي بكر في الغار دليل على جهله، ونقصه، وضَعف قلبه، وخُرقه(١). وأجاب علماؤنا عن ذلك بأن إضافة الحزن إليه ليس بنقص، كما لم ينقص إبراهيم مثاليّل حين قال عنه: ﴿نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ [هود: ٧٠]، ولم ينقص موسى قوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِفَةً مُوسَى (يَ قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ الآية [طه: ٦٧، ٦٨]، وفي لوط: ﴿وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ﴾ الآية [العنكبوت: ٣٣]. فهؤلاء العظماء - صلوات الله عليهم - قد وُجدت عندهم التقية نصّاً، ولم يكن ذلك طعناً عليهم، ووصفاً لهم بالنقص، وكذلك في أبي بكر. ثم هي عند الصديق احتمال، فإنه قال: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا . جواب ثان: إن حزن الصديق إنما كان خوفاً على النبيّ ◌َ ﴿ أن يصل إليه ضرر، ولم يكن النبيّ وَّر في ذلك الوقت معصوماً، وإنما نزل عليه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [المائدة: ٦٧] بالمدينة. انتهى(٢). ٥ - (ومنها): بيان جواز الفرار بالدين خوفاً من العدو، والاستخفاء في الْغِيران وغيرها، ولا يُلقي الإنسان بيده إلى العدوّ؛ توكلاً على الله تعالى، واستسلاماً له، ولو شاء الله لعصمه وَ﴿ مع كونه معهم، ولكنها سُنَّة الله في الأنبياء وغيرهم، ولن تجد لسُنَّة الله تبديلاً . قال القرطبيّ: وهذا أدلّ دليل على فساد من منع ذلك، وقال: من خاف مع الله سواه كان ذلك نقصاً في توكله، ولم يؤمن بالقَدَر، وهذا كله في معنى الآية، ولله الحمد والهداية. ٦ - (ومنها): ما قال المهلّب: في قصّة الهجرة من الفقه ائتمان أهل (١) الخُرق بالضمّ: الْحُمق، وضعف الرأي. (٢) ((تفسير القرطبيّ)) ١٤٦/٨ - ١٤٧. ٣٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة الشرك على السرّ، والمال إذا عُلم منهم وفاء ومروءة، كما ائتَمَن النبيّ ◌َّ هذا المشرك على سرّه في الخروج من مكة، وعلى الناقتين. وقال ابن المنذر: فيه استئجار المسلمين الكفار على هداية الطريق. وقال البخاري في ((صحيحه)): ((باب استئجار المشركين عند الضرورة، أو إذا لم يوجد أهل الإسلام))، قال ابن بطال: إنما قال البخاري في ترجمته: ((أو إذا لم يوجد أهل الاسلام)) من أجل أن النبيّ وَّ إنما عامل أهل خيبر على العمل في أرضها إذا لم يوجد من المسلمين من ينوب منابهم في عمل الأرض، حتى قَوِي الإسلام، واستُغني عنهم أجلاهم عمر. وعامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها . وفيه: استئجار الرجلين الرجل الواحد على عمل واحد لهما(١). [فائدة]: أخرج الترمذيّ كَّلُ من حديث نُبَيط بن شَرِيط عن سالم بن عبيد - له صحبة - قال: أُغمي على رسول الله وَله ... الحديث، وفيه: واجتمع المهاجرون يتشاورون، فقالوا: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار نُدخلهم معنا في هذا الأمر، فقالت الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير، فقال عمر رُه: من له مثل هذه الثلاث: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾؟ من ((هما))؟ قال: ثم بسط يده فبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة(٢) . [فائدة أخرى]: قال ابن العربيّ تَّلُهُ: قال لنا أبو الفضائل العدل: قال لنا جمال الإسلام أبو القاسم: قال موسى وَّ: ﴿كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وقال في محمد رَّالية: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ لا جرم لمّا كان الله مع موسى وحده ارتدّ أصحابه بعده، فرجع من عند ربه، ووجدهم يعبدون العجل، ولمّا قال محمد ◌َّ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ بقي أبو بكر مهتدياً موحِّداً عالماً جازماً قائماً بالأمر، ولم يتطرق إليه اختلال. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((تفسير القرطبيّ)) ١٤٦/٨. (٣) ((تفسير القرطبيّ)) ١٤٧/٨. (٢) ((تفسير القرطبيّ) ١٤٧/٨. ٣٥٣ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﴿ه - حديث رقم (٦١٥٠) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٥٠] (٢٣٨٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ جَلَسَ عَلَى الْمِثْبَرِ، فَقَالَ: ((عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ»، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَبَكَى، فَقَالَ: فَدَيْنَاَ بِآبَائِنَا، وَأُمَّهَاتِنَا، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ، وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً خَلِيلاً لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرِ خَلِيلاً، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ، إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ))). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ) بن بَرْمَك الْبَرْمكيّ، أبو محمد نشأ بالبصرة، ثم سكن بغداد، ثقةٌ [١١] (م د) تقدم في ((قتل الحيات)) ٤/ ٥٨٤٠. ٢ - (مَعْنُ) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ القَزّاز، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] (ت١٩٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٦٣/٧. ٣ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً. ٤ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أمية، مولى عُمَر بن عُبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان يرسل [٥] (ت١٢٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥١. ٥ - (عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنِ) - بنون مصغراً - أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ قليل الحديث [٣] (ت١٠٥) ولَه خمس وسبعون سنةً، ويقال أكثر من ذلك (ع) تقدم في ((الطلاق)) ٣٦٩٢/٥. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سِنَان الْخُدريّ ﴿ها، تقدّم قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، كما أسلفته آنفاً، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد الخدريّ ◌َظُه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً. ٣٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة شرح الحديث : (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ ◌َُّه هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية التالية: ((عن عبيد بن حُنين، وبُسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدريّ))، ووقع في رواية البخاريّ في ((الصلاة)): ((عن محمد بن سنان، عن فُليح، عن أبي النضر، عن عُبيد بن حُنين، عن بُسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدريّ))، قال في ((الفتح)): هكذا في أكثر الروايات، وسقط في رواية الأصيليّ، عن أبي زيد ذِكر بسر بن سعيد، فصار: ((عن عبيد بن حنين، عن أبي سعيد))، وهو صحيح في نفس الأمر، لكن محمد بن سنان، إنما حدّث به كالذي وقع في بقية الروايات، فقد نقل ابن السكن عن الْفِرَبْريّ، عن البخاريّ، أنه قال: هكذا حدّث به محمد بن سنان، وهو خطأ، وإنما هو: ((عن عبيد بن حنين، وعن بسر بن سعيد))؛ يعني: بواو العطف، فعلى هذا يكون أبو النضر سمعه من شيخين، حدّثه كل منهما به عن أبي سعيد، وقد رواه مسلم كذلك، عن سعيد بن منصور، عن فليح، عن أبي النضر، عن عبيد وبسر جميعاً عن أبي سعيد، وتابعه يونس بن محمد، عن فليح، أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عنه، ورواه أبو عامر الْعَقَديّ، عن فليح، عن أبي النضر، عن بسر وحده، أخرجه البخاريّ في ((مناقب أبي بكر))، فكأنّ فليحاً كان يجمعهما مرّةً، ويقتصر مرّة على أحدهما، وقد رواه مالك عن أبي النضر، عن عبيد وحده، عن أبي سعيد، أخرجه البخاريّ أيضاً في ((الهجرة))، وهذا مما يقوّي أن الحديث عند أبي النضر عن شيخين، ولم يبق إلا أن محمد بن سنان أخطأ في حذف الواو العاطفة، مع احتمال أن يكون الخطأ من فليح، حال تحديثه له به، ويؤيد هذا الاحتمال أن المعافَى بن سليمان الحرانيّ رواه عن فليح؛ كرواية محمد بن سنان، وقد نبّه البخاريّ على أن حذف الواو خطأ، فلم يبق للاعتراض عليه سبيل، قال الدارقطنيّ: رواية من رواه عن أبي النضر، عن عبيد، عن بسر غير محفوظة. انتهى(١). (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ) زاد في حديث ابن عباس (١) ((الفتح)) ٢١٥/٢ - ٢١٦، كتاب ((الصلاة)) رقم (٤٦٦). ٣٥٥ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ◌َلُبه - حديث رقم (٦١٥٠) ((في مرضه الذي مات فيه))، وفي حديث جندب ظه: ((سمعت النبيّ وَّهُ يقول قبل أن يموت بخمس ليال))، وفي حديث أُبَيّ بن كعب: ((إن أحدث عهدي بنبيّكم قبل وفاته بثلاث ... )) فذكر الحديث في خطبة أبي بكر، وهو طَرَف من هذا، وكأن أبا بكر به فَهِم الرمز الذي أشار به النبيّ وَّ من قرينة ذِكره ذلك في مرض موته، فاستشعر منه أنه أراد نفسه، فلذلك بكى(١). (فَقَالَ) بَرِ ((عَبْدٌ) خبر مبتدإٍ محذوف؛ أي: هذا عبدٌ، أو مبتدأ حُذف خبره؛ أي: هنا عبد، وجملة (خَيَّرَهُ اللهُ) صفة لـ «عبدٌ))، وهو من التخيير، يقال: خيّرته بين الشيئين: فوّضت إليه الاختيار، فاختار أحدهما، وتخيّره، قاله الفيّوميّ(٢). (بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ) بضمّ أوله، من الإيتاء؛ كالإعطاء وزناً ومعنَى، (زَهْرَةَ الدُّنْيَا) بفتح الزاي، مثل تَمْرة: متاعها، وزينتها(٣)، وقال النوويّ تَُّهُ: المراد بزَهْرة الدنيا: نعيمها، وأعراضها، وحدودها، وشبّهها بزهرة الرَّوْض. (وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ)؛ أي: عند الله تعالى، وهو نعيم الجنّة، وفي رواية مالك: ((بين أن يؤتيه من زَهْرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده))، (فَاخْتَارَ) ذلك العبد الْمُخَيَّر (مَا عِنْدَهُ)) ((ما)) اسم موصول مفعول ((اختار))، ولفظ البخاريّ: (إن الله خيّر عبداً بين الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله)). (فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَبَكَى) قال النوويّ ◌ُه: هكذا هو في جميع النسخ: ((فَكَى أبو بكر وبكى))؛ معناه: بكى كثيراً، ثم بكى. زاد في رواية البخاريّ: ((فَعَجِبْنا لبكائه))، وفي رواية: ((فقلت في نفسي))، وفي رواية: ((فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يُخبر رسول الله وَّر عن عبد، وهو يقول: فديناك))، ويُجمع بأن أبا سعيد حَدَّث نفسه بذلك، فوافق تحديث غيره بذلك، فتَقَلَ جميع ذلك(٤). (فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا، وَأُمَّهَاتِنَا) قال النوويّ: فيه دليل لجواز التفدية، وقد سبق بيانه مرّات، وكان أبو بكر ظُهُ عَلِم أن النبيّ وَِّ هو العبد المخيّر، فبكى (١) ((الفتح)) ٣٢٧/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٦٥٤). (٢) ((المصباح المنير)) ١٨٥/١. (٤) ((الفتح)) ٣٢٧/٨. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٥٨/١. ٣٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة حُزْناً على فراقه، وانقطاع الوحي وغيره من الخير دائماً، وإنما قال وَله: ((إن عبداً))، وأبهمه لِيَنْظُر فَهْم أهل المعرفة، ونباهة أصحاب الحذق. (قَالَ) أبو سعيد (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ) في رواية مالك: ((وكان أبو بكر هو أعلمنا به))؛ أي: بالنبيّ وَّر، أو بالمراد من الكلام المذكور، زاد في رواية محمد بن سنان: «فقال: يا أبا بكر لا تبك)). (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ، وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ) قال العلماء: معناه: أكثرهم جُوداً، وسماحةً لنا بنفسه، وماله، وليس هو من الْمَنّ الذي هو الاعتداد بالصنيعة؛ لأنه أذى مبطل للثواب، ولأن المنّة لله تعالى ولرسوله وَ﴿ في قبول ذلك، وفي غيره، قاله النوويّ تَقْذُّهُ(١). وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: هو من الامتنان، والمراد أن أبا بكر له من الحقوق، ما لو كان لغيره نظيرها، لامْتَنَّ بها، يؤيده قوله في رواية ابن عباس: ((ليس أحد أمنّ عليّ))، والله أعلم. انتهى(٢). قال في ((الفتح)): وفي رواية محمد بن سِنان: ((إن مِن أمنّ الناس عليّ)) بزيادة ((مِن))، وقال فيها: ((أبا بكر)) بالنصب للأكثر، ولبعضهم: ((أبو بكر)) بالرفع، وقد قيل: إن الرفع خطأً، والصواب النصب؛ لأنه اسم ((إنّ))، ووُجِّه الرفع بتقدير ضمير الشأن؛ أي: إنه، والجار والمجرور بعده خبر مقدّم، و((أبو بكر)) مبتدأ مؤخّر، أو على أن مجموع الكنية اسم، فلا يُعرب ما وقع فيها من الأداة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الوجه غريبٌ، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. قال: أو ((إنّ)) بمعنى (نعم))، أو أن ((مِنْ)) زائدة على رأي الكسائيّ، وقال ابن بَرّيّ: يجوز الرفع إذا جُعلت ((مِنْ)) صفة لشيء محذوف، تقديره: إن رجلاً، أو إنساناً، من أمنّ الناس، فيكون اسم ((إنّ) محذوفاً، والجار والمجرور في موضع الصفة، وقوله: ((أبو بكر)) الخبر. وقوله: ((أمنّ)) أفعل تفضيل من المنّ، بمعنى العطاء، والبذل، بمعنى أنه (١) (شرح النوويّ)) ١٥٠/١٥. (٢) «المفهم)) ٢٤١/٦. ٣٥٧ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّقِ تَ﴾ - حديث رقم (٦١٥٠) أبذل الناس لنفسه وماله، لا من المنّة التي تفسد الصنيعة، وأغرب الداوديّ فشَرَحه على أنه من المنّة، وقال: تقديره: لو كان يتوجه لأحد الامتنان على نبيّ الله وَّو لتوجه له، والأول أَولى. قال: وقوله: ((أمنّ الناس)) في رواية الباب يوافق حديث ابن عباس بلفظ: ((ليس أحدٌ من الناس أمنّ عليّ في نفسه وماله من أبي بكر))، وأما الرواية التي فيها ((مِنْ)) فإن قلنا: زائدة فلا تخالُف، وإلا فتُحْمل على أن المراد أن لغيره مشاركةً ما في الأفضلية، إلا أنه مقدّم في ذلك بدليل ما تقدم من السياق وما تأخر. ويؤيده ما رواه الترمذيّ من حديث أبي هريرة تظ له بلفظ: ((ما لأحد عندنا يَدٌ إلا كافأناه عليها، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة))، فإن ذلك يدلّ على ثبوت يد لغيره، إلا أن لأبي بكر رجحاناً. فالحاصل: أنه حيث أطلق أراد أنه أرجحهم في ذلك، وحيث لم يُطلق أراد الإشارة إلى من شاركه في شيء من ذلك. ووقع بیان ذلك في حدیث آخر لابن عباس پا رفعه، نحو حدیث الترمذيّ، وزاد: ((منه أعتق بلالاً، ومنه هاجر بنبيّه))، أخرجه الطبرانيّ. وعنه في طريق أخرى: ((ما أحد أعظم عندي يداً من أبي بكر، واساني بنفسه، وماله، وأنكحني ابنته))، أخرجه الطبراني. وفي حديث مالك بن دينار، عن أنس حظيبه رفعه: ((إن أعظم الناس علينا مَنّاً أبو بكر، زوّجني ابنته، وواساني بنفسه، وإن خير المسلمين مالاً أبو بكر، أعتق منه بلالاً، وحملني إلى دار الهجرة))، أخرجه ابن عساكر. وأخرج من رواية ابن حبان التيميّ عن أبيه، عن عليّ نحوه. وجاء عن عائشة ﴿نا مقدار المال الذي أنفقه أبو بكر، فروى ابن حبان من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ؤُها أنها قالت: ((أنفق أبو بكر على النبيّ (﴿ أربعين ألف درهم)). وروى الزبير بن بكار، عن عروة، عن عائشة: «أنه لما مات ما ترك ديناراً ولا درهماً)). (وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَلِيلاً لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً) قال في ((العمدة)): معنى ٣٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة الحديث: أن أبا بكر ظه متأهل لأن يتخذه خليلاً لولا المانع المذكور، وهو أنه امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الله تعالى، ومحبته، ومراقبته حتى كأنها مُزِجت أجزاءُ قلبه بذلك، فلم يتسع قلبه لخليل آخر، فعلى هذا لا يكون الخليل إلا واحداً، ومن لم ينته إلى ذلك ممن تعلق القلب به فهو حبيب، ولذلك أثبت لأبي بكر، وعائشة ◌ًّا أنهما أحب الناس إليه، ونفى عنهما الخلة التي هي فوق المحبة. انتهى(١). وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: قوله: ((متخذاً)): اسم فاعل من اتّخذ، وهو فعل يتعدَّى إلى مفعولين، أحدهما بحرف الجر، فيكون بمعنى: اختار، واصطفي، كما قال تعالى: ﴿وَأَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ خُلِيِّهِمْ ◌ِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٨]، وقد سكت هنا عن أحد مفعوليها، وهو الذي دخل عليه حرف الجر، فكأنه قال: لو كنت متخذاً من النَّاس خليلاً لاتخذت منهم أبا بكر، ولِبَسْط الكلام في ذلك علم النحو، وحاصله: أن ((اتَّخذ)) استُعمِلت على ثلاثة أنحاء: أحدها: تتعدى لمفعولين بنفسها . وثانيها: تتعدى لأحدهما بحرف الجر. وثالثها: تتعدى لمفعول واحد، وكل ذلك موجود في القرآن. ومعنى هذا الحديث: أن أبا بكر ظُّه كان قد تأهل لأن يتخذه النبيّ وَله خليلاً، لولا المانع الذي منع النبيّ وَّةٍ، وهو أنه لما امتلأ قلبه بما تخلّله من معرفة الله تعالى، ومحبته، ومراقبته، حتى كأنه مُزجت أجزاء قلبه بذلك، لم يتسع قلبه لخليل آخر يكون كذلك فيه، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحداً، ومن لم ينته إلى ذلك ممن تعلَّق القلب به فهو حبيب؛ ولذلك أثبت لأبي بكر وعائشة تهما أنهما أحبّ الناس إليه، ونفى عنهما الخلَّة، وعلى هذا فالخلَّة فوق (٢) المحبة. انتهى وقال القاضي عياض: قيل: أصل الْخُلّة: الافتقار والانقطاع، فخليل الله: المنقطع إليه، وقيل: لِقَصْره حاجته على الله تعالى، وقيل: الخلة الاختصاص، (١) ((عمدة القاري)) ٢٤٥/٤. (٢) ((المفهم)) ٢٤١/٦ - ٢٤٢. ٣٥٩ (١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ظُه - حديث رقم (٦١٥٠) وقيل: الاصطفاء، وسُمِّي إبراهيم ◌ِلَّا خليلاً؛ لأنه والى في الله تعالى، وعادى فيه، وقيل: سُمّي به؛ لانه تخلّق بخلال حسنة، وأخلاق كريمة، وخُلّة الله تعالى له نَصْره، وجَعْله إماماً لمن بعده. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وخُلّة الله ... إلخ)) هذا مذهب المأوّلة؛ لأنهم لا يثبتون صفة الخلّة لله تعالى، ويفسّرونها بلازمها، وهو النصر ونحوه، كما هو مذهبهم في صفة المحبّة، ونحوها، وهذا مخالف لمذهب السلف؛ فإنهم يثبتون صفة الخلّة، والمحبّة، ونحوهما على معناها الحقيقيّ على ما يليق بجلاله ◌َاللّ، دون تشبيه، ولا تعطيل، ولا تحريف، فاسلك سبيلهم، فإنه الحقّ، والصراط المستقيم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: وقال ابن فورك: الخلة صفاء المودّة بتخلل الأسرار، وقيل: أصلها المحبة، ومعناه الإسعاف والألطاف، وقيل: الخليل من لا يتسع قلبه لغير خلیله . ومعنى الحديث أن حب الله تعالى لم يُبق في قلبه موضعاً لغيره. قال القاضي: وجاء في أحاديث أنه وَّ﴿ قال: ((ألا وأنا حبيب الله))، فاختلف المتكلمون هل المحبة أرفع من الخلة، أم الخلة أرفع، ام هما سواء؟ فقالت طائفة: هما بمعنَى، فلا يكون الحبيب إلا خليلاً، ولا يكون الخليل إلا حبيباً، وقيل: الحبيب أرفع؛ لأنها صفة نبيّنا وَّر، وقيل: الخليل أرفع، وقد ثبتت خلة نبينا ◌َ﴿ الله تعالى بهذا الحديث، ونفى أن يكون له خليل غيره، وأثبت محبته لخديجة، وعائشة، وأبيها، وأسامة، وأبيه، وفاطمة، وابنيها، وغيرهم، ومحبة الله تعالى لعبده تمكينه من طاعته، وعصمته، وتوفيقه، وتيسير ألطافه، وهدايته، وإفاضة رحمته عليه، هذه مباديها، وأما غايتها فكشف الحجب عن قلبه، حتى يراه ببصيرته، فيكون كما قال في الحديث الصحيح: ((فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره ... )) إلى آخره. انتهى كلام (١) القاضي(١) . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ومحبة الله ... إلخ)) قد أسلفت لك آنفاً (١) ((إكمال المعلم)) ٣٨٣/٧ - ٣٨٥. ٣٦٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة أن هذا تفسير باللام، ونفي لصفة المحبّة والخلّة، وهذا غير صحيح، فإن الصواب إثبات الصفتين لله تعالى على ظاهرهما، ثم تأتي اللوازم، فتنبّه لهذا، والله تعالى أعلم. قال: وأما قول أبي هريرة وغيره من الصحابة ظه: سمعت خليلي وَلاو، فلا يخالف هذا؛ لأن الصحابيّ يحسن في حقه الانقطاع إلى النبيّ وَلـ انتھی(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((لو كنت متخذاً خليلاً)) زاد في حديث أبي سعيد: ((غير ربي))، وفي حديث ابن مسعود عند مسلم: ((وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً))، وقد تواردت هذه الأحاديث على نفي الخلة من النبيّ وَّل لأحد من الناس. وأما ما رُوي عن أُبَيّ بن كعب رَظُبه قال: ((إن أحدث عهدي بنبيّكم قبل موته بخمس، دخلت عليه، وهو يقول: إنه لم يكن نبيّ إلا وقد اتخذ من أمته خليلاً، وإن خليلي أبو بكر، ألا وإن الله اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً))، أخرجه أبو الحسن الحربي في ((فوائده))، وهذا يعارضه ما في رواية جندب عند مسلم، أنه سمع النبيّ ◌َّه يقول قبل أن يموت بخمس: ((إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل))، فإن ثبت حديث أَبَيّ أمكن أن يُجمع بينهما بأنه لمّا برئ من ذلك تواضعاً لربه، وإعظاماً له، أَذِن الله تعالى له فيه من ذلك اليوم، لِمَا رأى من تشوفه إليه، وإكراماً لأبي بكر بذلك، فلا يتنافى الخبران، أشار إلى ذلك المحبّ الطبريّ. وقد رُوي من حديث أبي أمامة نحو حديث أُبَيّ بن كعب دون التقييد بالخمس، أخرجه الواحديّ في ((تفسيره))، والخبران واهيان، والله أعلم. قال: واختلف في المودّة والْخُلّة، والمحبة، والصداقة، هل هي مترادفة، أو مختلفة؟ قال أهل اللغة: الخلة أرفع رتبةً، وهو الذي يُشعر به حديث الباب، وكذا قوله عليّ *: ((لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي))، فإنه يُشعر بأنه لم يكن له خليل من بني آدم، وقد ثبتت محبته لجماعة من أصحابه؛ كأبي بكر، (١) ((شرح النوويّ)) ١٥١/١٥.