النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ ٤٦ - كتاب فضائل الصحابة ولا عبرة بردّ بعض الحنفية روايات أبي هريرة ظه، وتعليلهم بأنه ليس بفقيه، فقد عَمِلوا برأيه في الغسل ثلاثاً من ولوغ الكلب، وغيره، وولاه عمر ﴿ًّا الولايات الجسيمة، وقال ابن عباس له، كما في ((مسند الشافعيّ))، وقد سئل عن مسألة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة، فأفتى، ووافقه على فتياه. وقد حَكَى ابن النجار في ((ذيله)) عن الشيخ أبي إسحاق أنه سمع القاضي أبا الطيب الطبريّ يقول: كنا في حلقة النظرِ بجامع المنصور، فجاء شابّ خُراسانيّ حنفيّ، فطالب بالدليل في مسألة المصرّاة، فأورد المدرّس عن أبي هريرة، فقال الشابّ: إنه غير مقبول الرواية، قال القاضي: فما استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فهرب عنها، فتبعته دون غيره، فقيل له: تُبْ، فقال: تبت، فغابت الحية، ولم يُرَ لها بعدُ أثرٌ، والله تعالى أعلم. ◌َّ روايةً، وإفتاءً: (المسألة الرابعة): في بيان المكثرين من الصحابة (اعلم): أن المكثرين منهم روايةً كما قاله أحمد، فيما نقله ابن كثير وغيره الذين زاد حديثهم على ألف، ستةٌ: وهم أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وأم المؤمنين عائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة، وهو أكثرهم، كما قاله سعيد بن أبي الحسن، وابن حنبل، وتبعهما ابن الصلاح. وقد روى بَقِيّ بن مَخْلَد في ((مسنده)) لأبي هريرة خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعين وسبعين، ولابن عمر ألفين وستمائة وثلاثين، ولأنس ألفين ومائتين وستة وثمانين، ولعائشة ألفين ومائتين وعشرة، ولابن عباس ألفاً وستمائة وستين، ولجابر ألفاً وخمسمائة وأربعين، ولأبي سعيد ألفاً ومائة وسبعين، وقد نَظَمه البرهان الحلبيّ. وقد أدرج ابن كثير في المُكْثِرِين ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، قال السخاويّ: ولم يبلغ حديث واحد منهما عند بقيّ ألفاً؛ إذ حديث أوّلهما عنده ثمان مائة وثمانية وأربعون، وثانيهما سبعمائة. وقد نَظَمهم الجمال ابن ظُهيرة، فقال (من البسيط]: ٣٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة مِنَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمُخْتَارِ خَيْرِ مُضَرْ سَبْعٌ مِنَ الصَّحْبِ فَوْقَ الأَلْفِ قَدْ نَقَلُوا أَبُو هُرَيْرَةَ سَعْدٌ جَابِرٌ أَنَسٌ صِدِّيقَةٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا ابْنُ عُمَرْ وسعد هو: أبو سعيد الخدريّ. قال الجامع عفا الله عنه: وقد رتَّتُهم حسب مرويّاتهم بقولي: مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ آخِرُ ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِیهِ جَابِرُ [فإن قلت]: أخرج البخاريّ في (صحيحه) عن همّام بن مُنَبِّه، قال: سمعت أبا هريرة به يقول: ما من أصحاب النبيّ وَلقول أحد أكثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، ولا أكتب(١). فقد قدّم أبو هريرة ربه عبد الله بن عمرو على نفسه في كونه أكثر الصحابة حديثاً، فهذا يدلّ على أنه أكثر حديثاً من أبي هريرة رضي الله، فكيف يُجاب؟. [قلت]: يجاب بأن عبد الله كان مشتغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلّت الرواية عنه، أو أن أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار كان بمصر، أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يَطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصدّياً فيها للفتوى والتحديث، حتى مات، أو لأن أبا هريرة ريه اختصّ بدعوة النبيّ ◌َليهِ بأن لا ينسى ما يحدّثه به، فانتشرت روايته. إلى غير ذلك من الأجوبة. وأما المكثرون منهم إفتاءً، فسبعة: عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة. قال الجامع عفا الله عنه: قد نَظَمتهم بقولي : عُمَرُ وَابْنُهُ كَذَا عَائِشَةٌ الْمُكْثِرُونَ فِي الْفَتَاوَى سَبْعَةُ كَذَا عَلِيٍّ مَعَ نَجْلٍ ثَابِتٍ وَنَجْلُ مَسْعُودٍ وَبَحْرُ الأُمَّةِ قال ابن حزم: يمكن أن يُجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلد (١) ((صحيح البخاريّ)) ١/ ٥٤. ٣٢٣ ٤٦ - كتاب فضائل الصحابة ضخم، وابن عباس أكثرهم فتوى، فيما قاله الإمام أحمد، بحيث كان كبار الصحابة يُحيلون عليه في الفتوى، وكيف لا؟ وقد دعا له النبيّ وَله بقوله: ((اللهم علّمه الكتاب))، وفي لفظ: ((اللهم فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل))، وفي آخر: ((اللهم علّمه الحكمة، وتأويل الكتاب))، وفي آخر: ((اللهم بارك فيه، وانشر منه)). وقال ابن عمر: هو أعلم من بقي بما أنزل الله على محمد وَالقاهـ وقال أبو بكرة: قَدِمَ علينا البصرة، وما في العرب مثله حَشَماً، وعِلْماً، وبياناً، وجمالاً. وقال ابن مسعود: لو أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد. وقالت عائشة: هو أعلم الناس بالحجّ. ثم إن وَصْفه بالبحر ثابت في ((صحيح البخاريّ)) وغيره، وإنما وُصف بذلك لكثرة علمه، كما قال مجاهد، فيما أخرجه ابن سعد، وغيره، وعند ابن سعد أيضاً من طريق ابن جريج، عن عطاء أنه كان يقول: قال البحر، وفعل البحر، يريد ابن عباس، بل سمّاه غير واحد: حبر الأمة، وبعضهم: حبر العرب، وترجمان القرآن، ربانيّ الأمة. قال ابن حزم: ويلي هؤلاء السبعة في الفتوى عشرون، وهم أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة. قال الجامع: وقد نظمتهم بقولي: سَلْمَانُ جَابِرٌ مُعَاذٌ يَأْنَسُ صِدِّيقُهُمْ عُثْمَانُ سَعْدٌ أَنَسُ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِي عُبَادَةُ :. وَالأَشْعَرِيُّ وَالزُّبَيْرُ طَلْحَةُ نَجْلُ حُصَيْنٍ وَنُفَيْعٌ حَبَّذَا. وَنَجْلُ عَمْرٍو وَابْنُ عَوْفٍ وَكَذَا وَابْنُ الزُّبَيْرِ هُمْ حَلِيفُو الْمَكْرَمَهْ سَعْدٌ مُعَاوِيَةُ أُمُّ سَلَمَهْ فِي عَصْرِهِمْ لِمُعْضِلِ الأَحْكَامِ فَهَؤُلَاءِ مَرْجِعُ الأَنَامِ قال ابن حزم: ويمكن أن يُجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير، ٣٢٤ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قال: وفي الصحابة نحو من مائة وعشرين نفساً مقلّون في الفتيا جدّاً، لا تروى عن الواحد منهم إلا المسألة، والمسألتان، والثلاث؛ كأُبيّ بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد، وسرد الباقين مما في بعضه نظر. قال: ويمكن أن يُجمع من فتيا جميعهم بعد البحث جزء صغير، ذكره السخاويّ ◌َخّتُهُ(١). (المسألة الخامسة): في بيان من يُطلق عليه العبادلة منهم دون سائر من اسمه عبد الله : هم: ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص، فهؤلاء الأربعة هم الذي اشتهروا بالعبادلة، فيما قاله الإمام أحمد، وليس منهم ابن مسعود، وإن جعله الثعلبيّ في ((تفسيره)) خامساً لهم، وكذا هو في ((شرح الكفاية)) لابن الحاجب؛ لأنه كما قال البيهقيّ تقدَّم موته، والآخرون عاشوا، حتى احتيج إلى علمهم، فكانوا إذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة، قال ابن الصلاح: ولا مَن شاكل ابن مسعود في التسمية بعبد الله، وهم نحو مائتين وعشرين نفساً، أو نحو ثلاثمائة فيما قاله العراقيّ، قال السخاويّ: بل يزيدون على ذلك بكثير، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال عليّ ابن المديني كَّتُهُ: انتهى علم أصحاب رسول الله من الأحكام إلى ثلاثة، ممن أُخذ منهم العلم، فذكر ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس وقال مسروق: انتهى العلم إلى ستة: زيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأُبيّ بن كعب، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب ه، ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى عليّ وابن مسعود. وعن الشعبيّ: كان العلم يؤخذ عن ستة من الصحابة، وذَكَرهم، ثم قال: وكان عمر وابن مسعود وزيد يُشْبه علم بعضهم بعضاً، وكان يقتبس بعضهم من بعض، وكان عليّ، والأشعريّ، وأُبَيّ يُشبه علم بعضهم بعضاً، وكان يقتبس بعضهم من بعض، والله تعالى أعلم. (١) ((فتح المغيث)) ٤٤/٤ - ٤٥. ٣٢٥ ٤٦ - كتاب فضائل الصحابة (المسألة السادسة): فيما قيل في عدد الصحابة (اعلم): أن المعتمَد أنهم لا يُحصرون إجمالاً فضلاً عن تفصيلهم؛ لتفرّقهم في البلدان، والنواحي، فقد ثبت قول كعب بن مالك نظريته في قصة تبوك بخصوصها: ((والمسلمون کثیر لا يجمعهم ديوان حافظ)). قال الحافظ العراقيّ تَخُّْهُ: ولا شكّ أنه لا يمكن حصرهم بعد فُشُوّ الإسلام، وقد ثبت في ((صحيح البخاريّ)) أن كعب بن مالك رَؤُه قال في قصّة تخلّفه عن غزوة تبوك: وأصحاب رسول الله وَلو كثير لا يجمعهم كتابٌ حافظ - يعني: الديوان - والحديث هذا في غزوةٍ خاصّة، وهم مجتمعون، فكيف بجميع من رآه مسلماً؟ والله أعلم(١). وقال أبو زرعة الرازيّ تَخْلَتُ ردّاً على من قال له: أليس يقال: حديث النبيّ ◌َل أربعة آلاف حديث؟ فقال: ومن قال ذا؟ قلقل الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله وَ له؟ قُبض رسول الله وَله عن مائة ألف، وأربعة عشر ألفاً من الصحابة، ممن روى عنه، وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا؟ وأين سمعوا منه؟ قال: أهل المدينة، وأهل مكة، ومَن بينهما من الأعراب، ومن شهد معه حجة الوداع، كلٌّ رآه، وسمع منه بعرفة. قال ابن فتحون في ((ذيل الاستيعاب)) بعد إيراده لهذا: أجاب به أبو زرعة سؤال من سأله عن الرواة خاصّة، فكيف بغيرهم؟ انتهى. وكذا لم يدخل في ذلك من مات في حياته في الغزوات وغيرها . على أنه قد جاء عن أبي زرعة رواية أخرى، أوردها أبو موسى المدينيّ في ((الذيل)) قال: تُوُفّي النبيّ وَّهِ، ومن رآه، وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان، من رجل، وامرأة، وكلّ قد روى عنه سماعاً، أو رؤيةً، فَعِلمُ رسول الله ◌َي كثير. ولكنها لا تنافي الأولى؛ لقوله فيها زيادة مع أنها أقرب لعدم التورط فيها بعهدة الحصر. نَعَم روى الحاكم في ((الإكليل)) من حديث معاذ قال: ((خرجنا مع رسول الله وَل﴿ إلى غزوة تبوك زيادةً على ثلاثين ألفاً))، وبهذه العدّة جزم ابن (١) ((التقييد والإيضاح)) ص٣٠٦. ٣٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة إسحاق، وأورده الواقديّ بإسناد آخر موصول، وزاد أنه كانت معه عشرة آلاف فرس. فيمكن أن يكون ذلك في ابتداء خروجهم، كما يُشعر به قوله: ((خرجنا))، وتكاملت العدة بعد ذلك. قال السخاويّ: ووقع لشيخنا - يعني: الحافظ ابن حجر - في ((الفتح)) هنا سهو حيث عيّن قول أبي زرعة في تبوك بأربعين ألفاً، وجمع بينه وبين قول معاذ: أكثر من ثلاثين ألفاً باحتمال جبر الكسر. وجاء ضبط من كان بين يدي النبيّ وَّر عام الفتح بمكة بأنهم خمسة عشر ألف عِنَان، قاله الحاكم، ومن طريقه أبو موسى في ((الذيل)) بل عنده عن ابن عمر أنه قال: وافي النبيّ ◌َل﴿ يوم فتح مكة بعشرة آلاف من الناس، ووافى حُنيناً باثني عشر ألفاً، وقال: ((لن يُغلب اثنا عشر ألفاً من قلة))، ويقال: إن القائل غيره، وهذا هو اللائق، والله تعالى أعلم. ثم إنه جاء فيمن تُوُفي النبيّ وَّر عنهم خلاف ما تقدم، فعن الشافعيّ كما في مناقبه للآبريّ والسياجيّ من طريق ابن عبد الحكم عنه، قال: قُبض رسول الله وَّر، والمسلمون ستون ألفاً، ثلاثون ألفاً بالمدينة، وثلاثون - يعني: ألفاً - في قبائل العرب وغيرها . وعن أحمد فيما رواه البيهقيّ من طريق إبراهيم بن عليّ الطبريّ عنه قال: قُبض النبيّ وَّهِ، وقد صلَّى خلفه ثلاثون ألف رجل، وكأنه عَنِيَ بالمدينة؛ ليلتئم مع ما قبله. وثبت عن الثوريّ فيما أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه أنه قال: مَن قَدَّم عليّاً على عثمان، فقد أزرى على اثني عشر ألفاً، مات رسول الله وَالخير، وهو عنهم راض. ووجّهه النوويّ بأن ذلك بعد النبيّ وَّ باثني عشر عاماً بعد أن مات في خلافة أبي بكر في الردة والفتوح الكثير ممن لم تُضبط أسماؤهم، ثم مات في خلافة عمر في الفتوح، وفي الطاعون العام، وعَمَواس، وغير ذلك من لا يحصى كثرةً، وسبب خفاء أسمائهم أن أكثرهم أعراب، وأكثرهم حضروا ٣٢٧ ٤٦ - كتاب فضائل الصحابة حجة الوداع(١). ونقل عياض في ((المدارك)) عن مالك تَخْدَثُ أنه قال: مات بالمدينة من الصحابة نحو عشرة آلاف نفس. وقال أبو بكر بن أبي داود فيما رواه عن الوليد بن مسلم: بالشام عشرةُ آلاف عَيْن رأت رسول الله ◌َله. وقال قتادة: نزل الكوفة من الصحابة ألف وخمسون، منهم أربعة وعشرون بدريون، قال: وأُخبرت أنه قدم حِمْص من الصحابة خمسمائة رجل، وعن بقية نزلها من بني سليم أربعمائة. وقال الحاكم: الرواة عن النبيّ وَّ من الصحابة أربعة آلاف. وتعقّبه الذهبيّ بأنهم لا يَصِلون إلى ألفين، بل هم ألف وخمسمائة، وأن كتابه ((التجريد)) لعلَّ جميعَ من فيه ثمانيةُ آلاف نفس، إن لم يزيدوا لم ينقصوا، مع أن الكثير فيهم من لا يُعرف. انتهى. وكذا مع كثرة التكرير، وإيراد من لبس هو منهم وَهْماً، أو من ليس له إلا مجرد إدراك، ولم يثبت له لقاء. ووُجِد بخطه أيضاً أن جميع من في ((أسد الغابة)) سبعة آلاف، وخمسمائة، وأربعة وخمسون نفساً. وحصر ابن فتحون عدد من في ((الاستيعاب)) في ثلاثة آلاف وخمسمائة؛ يعني: ممن ذُكر فيه باسم، أو كنية، أو حصل الوهم فيه، وذكر أنه استدرك عليه على شَرْطه قريباً ممن ذَكَر. ومن الغريب ما أسنده أبو موسى في آخر ((الذيل)) عن ابن المدينيّ قال: الصحابة خمسمائة وثلاثة وستون رجلاً . وبالجملة فقد قال الحافظ تَخّلُ: إنه لم يحصل لنا جميعاً - أي: عن كلّ من صنف في الصحابة - الوقوفُ على العُشر من أساميهم بالنسبة إلى ما مضى عن أبي زرعة(٢). وقال أبو موسى: فإذا أثبت هذا - يعني: قول أبي زرعة - فكلٌّ حَكَى على قَدْر تتبّعه، ومبلغ عِلمه، وأشار بذلك إلى وقت خاصّ وحالٍ، فإذاً لا (١) ((الإصابة)) ٤/١. (٢) ((الإصابة)) ٣/١. ٣٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة تضادّ بين كلامهم(١). قال الجامع عفا الله عنه: وخلاصة القول في المسألة أنه لم يحصر أحدٌ عدد الصحابة ◌ّه، وإنما تكلّم كلّ أحد بمبلغ علمه، ﴿وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلٍَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، فالأولى أن نفوّض علمه إلى العليم الخبير. (المسألة السابعة): في طبقات الصحابة (اعلم): أنهم باعتبار سبقهم إلى الإسلام، أو الهجرة، أو شهود المشاهد الفاضلة طبقات، وقد اختُلفِ في مقدارها، فذكر الحاكم أبو عبد الله في ((علوم الحديث)) أنها اثنتا عشرة طبقة: فالأولى: من تقدم إسلامه بمكة؛ كالخلفاء الأربعة، الثانية: أصحاب دار الندوة التي خرج النبيّ وَّل إليها بعد أن أظهر عمر بن الخطّاب إسلامه، فبايعوه حينئذ فيها(٢). الثالثة: المهاجرة إلى الحبشة. الرابعة: مُبايعة العقبة الأولى. الخامسة: أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار. السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله * بقباء قبل أن يدخل المدينة، ويبني المسجد. السابعة: أهل بدر. الثامنة: المهاجرة بين بدر والحديبية. التاسعة: أهل بيعة الرضوان. العاشرة: المهاجرة بين الحديبية وفتح مكة. الحادية عشرة: مُسْلمة الفتح. الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله وَّيل يوم الفتح، وفي حجة الوداع، وغيرهما؛ يعني: مَن عَقَل منهم، ومن لم يعقل. وجعل ابن سعد طبقاتهم خمساً: فالأولى: البدريون. الثانية: من أسلم قديماً ممن هاجر عامتهم إلى الحبشة، وشهدوا أُحُداً، فما بعدها. الثالثة: من شهد الخندق، فما بعدها. الرابعة: مسلمة الفتح، فما بعدها. الخامسة: الصبيان والأطفال، ممن لم يَغْز، سواءٌ حَفِظ عنه، وهم الأكثر، أم لا، والله تعالى أعلم. (١) ((فتح المغیث)) ٤ / ٥٠ - ٥٤. (٢) هكذا قال السخاويّ، والذي في غيره أن المراد: أصحاب دار الندوة: هم الصحابة الذين أسلموا قبل تشاور قريش في دار الندوة على عداوته ربَّية، فإن صحّ ما قاله السخاويّ، فهو المعتمَد، فتنبّه. ٣٢٩ ٤٦ - كتاب فضائل الصحابة (المسألة الثامنة): في تفاوت مراتبهم في الفضل: (اعلم): أن أفضلهم مطلقاً بإجماع أهل السُّنَّة أبو بكر الصديق ظُه، بل هو أفضل الناس بعد الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لأدلة يطول ذكرها، منها قوله ول﴿ لأبي الدرداء، وقد رآه يمشي بين يديه: ((يا أبا الدرداء تمشي أمام من هو خير منك في الدنيا والآخرة، ما طلعت الشمس، ولا غربت على أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر))(١). [تنبيه]: مقتضى ما تقدّم في تعريف الصحابي يُلغز، فيقال: لنا صحابيّ أفضل من أبي بكر، وهو عيسى المسيح النبيّ بَّة، وإليه أشار التاج السبكيّ بقوله في قصيدته التي في أواخر ((القواعد)) [من البسيط]: خَيْرِ الصِّحَابِ أَبِي بَكْرٍ وَمِنْ عُمَرٍ مَنْ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْخَلْقِ أَفْضَلُ مِنْ مِنْ أُمّةِ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرِ وَمِنْ عَلِيٍّ وَمِنْ عُثْمَانَ وَهْوَ فَتَّى ثم يلي عمر بن الخطاب ئه بإجماع أهل السُّنَّة أيضاً، وممن حَكَّى إجماعهم على ذلك أبو العباس القرطبيّ، فقال: ولم يختلف في ذلك أحد من أئمة السلف، ولا الخلف، قال: ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع. وأسند البيهقي في ((الاعتقاد)) له عن الشافعيّ أنه أيضاً قال: ما اختَلَف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر، وتقديمهما على جميع الصحابة. وكذا جاء عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: من أدركت من الصحابة والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر، وفَضْلهما، وقال مالك: أوَ في ذلك شكّ؟. واختُلف بعده، فالأكثرون من أهل السُّنَّة على أن عثمان بن عفان يلي، كما حكاه الخطابي وغيره عنهم، وأن ترتيبهم في الأفضلية كترتيبهم في الخلافة . وقيل: عليّ ◌َُّه، وإلى هذا القول ذهب أهل الكوفة، وجَمْع، كما قاله الخطابيّ، وابن خزيمة، وطائفة. (١) حديث ضعيف، أخرجه أحمد في ((فضائل الصحابة)) بإسنادين ضعيفين. ٣٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وروى الخطابي عن الثوريّ حكايته عن أهل السُّنَّة من أهل الكوفة، وأن أهل السُّنَّة من أهل البصرة على الأول، فقيل للثوريّ: فما تقول أنت؟ قال: أنا رجل كوفيّ، ثم قال الخطابيّ: لكن قد ثبت عن الثوريّ في آخر قوليه تقديم عثمان، زاد غيره: ونُقِل مثله عن صاحبه و کیع. قال ابن كثير: وهذا المذهب ضعيف مردود، وإن نصره ابن خزيمة، والخطابيّ، وقد قال الدارقطنيّ: من قَدَّم عليّاً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، قال السخاويّ كَُّ: وصدق تَخْذَتُهُ، وأكرم مثواه، فإن عمر رَّه لَمّا جعل الأمر من بعده شورى بين ستة، انحصر في عثمان وعليّ، فاجتهد فيهما عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها، حتى سأل النساء في خدورها، والصبيان في المكاتب، فلم يرهم يعدلون بعثمان أحداً، فقدّمه على عليّ، وولاه الأمر قبله. وعن ابن عمر ﴿يّ قال: كنا في زمان النبيّ وَّر لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله وَلقول لا نفاضل بينهم. وفي لفظ للترمذيّ، وقال: إنه صحيح غريب: ((كنا نقول، ورسول الله وَله حيّ: أبو بكر، وعمر، وعثمان)). وفي آخر عند الطبرانيّ وغيره، مما هو أصرح، مع ما فيه من اطّلاعه بَّه: (كنا نقول، ورسول الله وَ ر حيّ: أفضل هذه الأمة بعد نبيّها أبو بكر، وعمر، وعثمان، فَيَسمع ذلك رسول الله وَّر، فلا ينكره)). قال الخطابيّ: وجه ذلك أنه أراد به الشيوخ، وذوي الأسنان منهم، الذين كان رسول الله 8* إذا حَزَبه أمر شاورهم فيه، وكان عليّ في زمان رسول الله ◌َ﴿ حديث السنّ، ولم يُرِد ابن عمر الإزراء بعليّ، ولا تأخيره، ودَفْعه عن الفضيلة بعد عثمان، ففضله مشهور، لا ينكره ابن عمر، ولا غيره من الصحابة، وإنما اختلفوا في تقديم عثمان عليه. انتهى. وإلى القول بتفضيل عثمان ذهب الشافعيّ، وأحمد، كما رواه البيهقيّ في (اعتقاده)) عنهما، وحكاه الشافعيّ عن إجماع الصحابة والتابعين، وهو المشهور عن مالك، والثوريّ، وكافة أئمة الحديث، والفقه، وكثير من المتكلمين، كما قال القاضي عياض، وإليه ذهب أبو الحسن الأشعريّ، والقاضي أبو بكر ٣٣١ ٤٦ - كتاب فضائل الصحابة الباقلانيّ، ولكنهما اختلفا في التفضيل: أهو قطعيّ، أو ظنيّ؟ فالذي مال إليه الأشعري الأول، والذي مال إليه الباقلانيّ، واختاره إمام الحرمين في ((الإرشاد)) الثاني. وقيل: بالتوقّف عن تفضيل أحدهما على الآخر، وروي عن مالك، ففي ((المدونة)) أنه سئل: أيُّ الناس أفضل بعد نبيّهم؟ فقال: أبو بكر، ثم عمر، ثم قال: أوَ في ذلك شك؟ قيل له: فعليّ وعثمان؟ قال: ما أدركت أحداً ممن أقتدي به يفضّل أحدهما على صاحبه، ونرى الكفّ عن ذلك، وتبعه جماعة، منهم يحيى القطان، ومن المتأخرين ابن حزم. لكن قد حكى عياض أيضاً قولاً عن مالك بالرجوع عن الوقف إلى تفضيل عثمان، قال القرطبيّ: وهو الأصح - إن شاء الله - قال عياض: ويحتمل أن يكون كفّه وكفّ من اقتدى به لِمَا كان شجر في ذلك من الاختلاف والتعصب، بل حكى المازريّ قولاً بالإمساك عن التفضيل مطلقاً، وعزاه الخطابي لقوم، وحكى هو قولاً آخر بتقديم أبي بكر من جهة الصحبة، وعليّ من جهة القرابة. وقيل غير ذلك من الأقوال الساقطة، قال السخاويّ بعد ذكرها: وكلُّ هذا مردود بما تقدم من حكاية إجماع الصحابة، والتابعين على أفضلية أبي بكر، وعمر على سائر الصحابة، ثم عثمان، ثم عليّ، وهو المذكور في المجامع، والمشاهد، وعلى المنابر، ولبعضهم: وَفَارُوقٌ فَتَى الْجَنَّهْ أَبُو بَكْرٍ عَلَى السُّنَّهْ عَلِيُّ حُبُّهُ جُنَّهْ وَعُثْمَانُ بِهِ الْمِنَّهْ ولذا قال الحافظ عقب القول بتفضيل عمر؛ تمسكاً بالحديث في المنام الذي فيه في حقّ أبي بكر: ((وفي نزعه ضعف)) ما نصه: وهو تمسُّك واهٍ، وعقّب القول بتفضيل العباس أنه مرغوب عنه، ليس قائله من أهل السُّنَّة، بل ولا من أهل الإيمان. وقال النوويّ عَقِب آخرها: وهذا الإطلاق غير مرضيّ، ولا مقبول. وقد روى البيهقيّ في ((الدلائل)) وغيره من طريق ابن سيرين قال: ذَكَر رجال على عهد النبيّ وَلقر عمر، فكأنهم فضّلوه على أبي بكر، فبلغ ذلك عمر، ٣٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة فقال: والله وددت لو أتى عملي كله مثل عمله يوماً واحداً من أيامه، وليلةً واحدة من لياليه، أما ليلته فذكر قصّة الغار، وأما يومه فذكر الردّة. وثبت عن عليّ بن أبي طالب نظُبه كما في ((صحيح البخاريّ)) وغيره أنه قال: ((خير الناس بعد رسول الله وَ ل أبو بكر، ثم عمر، ثم رجل آخر، فقال له ابنه محمد ابن الحنفية: ثم أنت يا أبة؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين))، ولأجل هذا قال أبو الأزهر: سمعت عبد الرزاق يقول: أُفَضِّل الشيخين بتفضيل عليّ إياهما على نفسه، ولو لم يفضّلهما ما فضّلتهما، كَفَى بي إزراءً أن أُحبّ عليّاً، ثم أخالف قوله. ولا يخدِش(١) في ذلك ما أخرجه الترمذيّ، وقال: إنه حسن صحيح، وصححه ابن حبان وغيره، من حديث أبي قلابة، عن أنس ◌َظُه قال: قال رسول الله وَي: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أُبَيّ، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل)). وكذا ما أخرجه الترمذيّ أيضاً، والنسائيّ، وابن ماجه، وغيرهم، من حديث حُبْشيّ بن جُنادة رُْ مرفوعاً: ((عليّ مني، وأنا من عليّ، لا يؤدي عني إلا أنا، أو عليّ)). لأن ما انفرد به الصديق وظبه أعلى، وأغلى، وأشمل، وأكمل، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء(٢)، والله تعالى أعلم. ثم يلي الخلفاء الأربعةَ المذكورين في الفضل الستةُ الباقون من العشرة الذين بشّرهم النبيّ ﴿ بالجنة، وهم: طلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين، وقد نظمهم الحافظ مع الأربعة، فقال [من الطويل]: بِجَنَّاتِ عَدْنٍ كُلُّهُمْ فَضْلُهُ اشْتَهَرْ لَقَدْ بَشَّرَ الْهَادِي مِنَ الصَّحْبِ زُمْرَةً أَبُو بَكْرٍ عُثْمَانُ ابْنُ عَوْفٍ علي عمر سَعِيدٌ زُبَيْرٌ سَعْدٌ طَلْحَةٌ عَامِر (١) من باب ضرب. (٢) راجع: ((فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث)) ٥٥/٤ - ٦٣. ٣٣٣ ٤٥ - كتاب فضائل الصحابة وقال غيره [من الطويل]: هُمُ الْعَشْرُ طُرّاً بُشِّرُوا بِجِنَانٍ خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ وَسَعْدَانِ وَالصِّهْرَانِ وَالْخَتَنَانِ(١) زُبَيْرٌ وَطَلْحَ وَابْنُ عَوْفٍ وَعَامِرٌ وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر التميميّ البغداديّ: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة. ثم أهل بدر، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، فالمهاجرون نيّف على ستين، والأنصار نيف وأربعون ومائتان، فقد قال * لعمر في بعض من شهدها: ((أليس من أهل بدر؟ لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة، أو قد غفرت لكم، فدَمَعت عينا عمر)). قال العلماء: والترجي في كلام الله تعالى وكلام رسوله مط هر للوقوع، ويتأيد بوقوعه بالجزم في بعض الروايات: ((إن الله اطّلع على أهل بدر فقال ... )) وذكره، وفي حديث آخر: ((لن يدخل النار أحد شهد بدراً))(٢). ثم أهل أُحُد، وكانوا فيما قاله عروة حين خروجهم ألفاً، فرجع عبد الله بن أَبَيّ بثلاثمائة، وبقي مع النبيّ ◌َِّ سبعمائة، استُشهد منهم الكثير. ثم أهل بيعة الرضوان التي نزل فيها: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨]. وقد قال ابن عبد البرّ في أواخر خطبة ((الاستيعاب)): وليس في غزواته ما يَعْدِل بها؛ يعني: بدراً في الفضل، ويَقْرُب منها إلا غزوة الحديبية، حيث كانت بيعة الرضوان، وكانوا ألفاً وأربعمائة على المعتمَد، وقال لهم النبيّ ◌َّ: ((أنتم خير أهل الأرض)). قال ابن الصلاح: وفضل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار قد (١) قوله: ((طلح)) هو: طلحة بن عبيد الله، رُخّم للضرورة، ((وسعدان)) هما: سعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد، ففيه التغليب، و((الصهران)) هما: عليّ وعثمان، والختنان هما: أبو بكر وعمر (٢) أخرجه أحمد بإسناد على شرط مسلم، كما قال في ((الفتح)) ٣٠٥/٧. ٣٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ورد في القرآن إيماءً، لا نصّاً، نَعَم النصّ الصريح في تفضيل من أنفق من قبل الفتح وقاتل. وقد اختُلِف في السابقين، فقيل كما قال الشعبيّ: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان عام الحديبية، رواه سُنيد، وعبد في ((تفسيره)) بسند صحيح عنه، وقال محمد بن كعب القرطبيّ، وعطاء بن يسار: أهل بدر، حكاه ابن عبد البرّ عن سنيد بسند ضعيف إليهما. وقيل: هم أهل القبلتين الذين صَلَّوا إليهما مع رسول الله ◌َ﴾، قاله أبو موسى الأشعريّ، ورواه سنيد وعبد أيضاً بسند صحيح عن سعيد بن المسيِّب، وابن سيرين، وقتادة، وهو عند عبد الرزاق في ((تفسيره))، ومن طريقه عبدٌ، عن قتادة وحده، وكذا رُوي عن الحسن. وعن الحسن كما رواه سنيد بسند صحيح عنه أنهم الذين كان إسلامهم قبل فتح مكة . وصحَّح بعض المتأخرين أنهم الذين آمنوا، وهاجروا قبل بيعة الرضوان، وصلح الحديبية، لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ﴾ الآية [الحديد: ١٠]، قال: والفتح هو صلح الحديبية على الأرجح، وفيها نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتَحَا مُّبِينًا ﴾﴾ [الفتح: ١]، ولذا لمّا سئل ابن تيمية عن المفاضلة بين العباس وبلال ◌ًا، قال: بلال وأمثاله من السابقين الأولين أفضل من العباس، وأمثاله من التابعين لهم بإحسان؛ لأنه قيّد التابعين بشرط الإحسان. والحاصل: أن من قاتل مع النبيّ ◌َّ﴿، أو في زمانه بأمره، وأنفق شيئاً من ماله بسببه، لا يعدِله في الفضل أحد بعده كائناً من كان. ورَوَى ابن جرير وغيره عن محمد بن كعب القرظيّ قال: مَرّ عمر برجل يقرأ: ﴿وَالسَِّقُونَ ... ) الآية، فأخذ بيده، فقال: من أقرأك هذا؟ فقال: أُبيّ بن كعب، فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال له عمر: أأنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم، قال: سمعتها من رسول الله وَليه؟ قال: نعم، قال: لقد كنتُ أرى أَنَّا رُفِعنا رِفعةً لا يبلغها أحد بعدنا، فقال أُبي: تصديق هذه الآية في أول ((سورة الجمعة)): ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ [الجمعة: ٣]، وفي ((سورة الحشر)): ﴿وَلَّذِينَ جَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ﴾ الآية [الحشر: ١٠]، ٣٣٥ ٤٦ - كتاب فضائل الصحابة وفي ((الأنفال)): ﴿وَذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٧٥](١) . وقال النوويّ في ((شرحه)): قال الإمام أبو عبد الله المازريّ: اختَلَف الناس في تفضيل بعض الصحابة على بعض، فقالت طائفة: لا نفاضل، بل نُمسك عن ذلك، وقال الجمهور بالتفضيل، ثم اختلفوا، فقال أهل السُّنَّة: أفضلهم أبو بكر الصديقٌ، وقال الخطابية: أفضلهم عمر بن الخطاب، وقالت الراوندية: أفضلهم العباس، وقالت الشيعة: عليّ، واتَّفَق أهل السُّنَّة على أن أفضلهم أبو بكر، ثم عمر، قال جمهورهم: ثم عثمان، ثم عليّ، وقال بعض أهل السُّنَّة، من أهل الكوفة: بتقديم عليّ على عثمان، والصحيح المشهور تقديم عثمان، قال أبو منصور البغداديّ: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، على الترتيب المذكور، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أُحُد ثم بيعة الرضوان، وممن له مزيّة أهل العقبتين من الأنصار، وكذلك السابقون الأولون، وهم من صلى إلى القبلتين في قول ابن المسيِّب، وطائفةٍ، وفي قول الشعبيّ: أهل بيعة الرضوان، وفي قول عطاء، ومحمد بن كعب: أهل بدر، قال القاضي عياض: وذهبت طائفة، منهم: ابن عبد البرّ، إلى أن من تُؤُقّي من الصحابة في حياة النبيّ يَّ أفضل ممن بقي بعده، وهذا الإطلاق غير مرضيّ، ولا مقبول. واختَلَف العلماء في أن التفضيل المذكور قطعيّ، أم لا؟ وهل هو في الظاهر والباطن، أم في الظاهر خاصّةً؟ وممن قال بالقطع أبو الحسن الأشعريّ، قال: وهم في الفضل على ترتيبهم في الإمامة، وممن قال: بأنه اجتهاديّ ظنيّ أبو بكر الباقلانيّ، وذكر ابن الباقلاني اختلاف العلماء في أن التفضيل، هل هو في الظاهر، أم في الظاهر والباطن جميعاً، وكذلك اختلفوا في عائشة وخديجة أيتهما أفضل؟ وفي عائشة وفاطمة - رضي الله عنهم أجمعين -. وأما عثمان رظُه، فخلافته صحيحة بالإجماع، وقُتل مظلوماً، وقَتَلَتُه (١) ((فتح المغيث بشرح ألفية الحديث)) للسخاويّ ٥٥/٤ - ٦٨. ٣٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة فسقةٌ؛ لأن موجبات القتل مضبوطة، ولم يَجْرِ منه رَُّه ما يقتضيه، ولم يشارك في قَتْله أحد من الصحابة، وإنما قَتَله هَمَجٌ، ورَعَاع من غوغاء القبائل، وسِفْلة الأطراف، والأرذال، تحزبوا، وقصدوه من مصر، فعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم، فحصروه حتى قتلوه رقڅته. وأما عليّ رَظُه، فخلافته صحيحة بالإجماع، وكان هو الخليفة في وقته، لا خلافة لغيره، وأما معاوية ظه فهو من العدول الفضلاء، والصحابة النجباء څته . وأما الحروب التي جرت، فكانت لكل طائفة شبهة، اعتقدت تصويب أنفسها بسببها، وكلهم عدول رَّه، ومتأولون في حروبهم، وغيرها، ولم يُخْرِج شيء من ذلك أحداً منهم عن العدالة؛ لأنهم مجتهدون، اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد، كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء، وغيرها، ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم. (واعلم): أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختَلَف اجتهادهم، وصاروا ثلاثة أقسام: قسم ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ، فوجب عليهم نُصرته، وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه، ففعلوا ذلك، ولم يكنّ يحلّ لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده، وقسم عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر، فوجب عليهم مساعدته، وقتال الباغي عليه، وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضية، وتحيَّروا فيها، ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين، فاعتزلوا الفريقين، وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم؛ لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحقّ لذلك، ولو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين، وأن الحق معه لَمَا جاز لهم التأخر عن نصرته في قتال البغاة عليه، فكلهم معذورون ﴿، ولهذا اتفق أهل الحقّ، ومن يُعتدّ به في الإجماع على قبول شهاداتهم، ورواياتهم، وكمال عدالتهم - رضي الله عنهم أجمعين. انتهى كلام النوويّ كَُّ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحث أنيس، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٨/١٥ - ١٤٩. ٣٣٧ ٤٦ - كتاب فضائل الصحابة (المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في أولهم إسلاماً: (اعلم): أنه اختَلَف السلف من الصحابة والتابعين، فمَن بَعْدَهم في أيّ الصحابة أول إسلاماً؟ على أقوال: فقيل: أبو بكر الصدّيقِ ظُه، حُكي عن ابن عباس، والنخعيّ، وغيرهما؛ لقوله - كما في الترمذيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ عنه -: ألستُ أول من أسلم؟ ولقوله وَ لقر لعمرو بن عبسة حين سأله: من معك على هذا الأمر؟: ((حُرّ، وعبدٌ))؛ يعني: أبا بكر، وبلالاً، ولقول الشعبيّ لمن سأله عن ذلك: أما سمعت قول حسان [من الطويل]: فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْواً مِنْ أَخِي ثِقَةٍ بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا خَيْرَ الْبَرِيّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلَهَا وَأَوَّلَ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا وَالثَّانِيَ الثَّالِيَ الْمَحْمُودَ مَشْهَدَهُ ويقول أبي مِحْجَن الثقفيّ [من الطويل]: سِوَاكَ يُسَمَّى بِاسْمِهِ غَيْرَ مُنْكَرٍ وَسُمِّيتَ صِدِّيقاً وَكُلُّ مُهَاجِرٍ وَكُنْتَ جَلِيساً فِي الْعَرِيشِ الْمُشَهَّرِ سَبَقْتَ إِلَى الإِسْلَامِ وَاللَّهُ شَاهِدٌ وقيل: بل عليّ بن أبي طالب ◌ُه؛ لقوله على المنبر: ((اللهم لا أعرف عَبَدَك قبلي غير نبيك - ثلاث مرات - لقد صليت قبل أن يصلي الناس سبعاً))، وسنده حسن. ولقوله مما أنشده القُضاعيّ [من الوافر]: سَبَقْتُكُمُ إِلَى الإِسْلَامِ ظُرّاً صَغِيراً مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حُلْمِي ولِمَا رُوي في ذلك عن أنس، وجابر، وخَبّاب، وخزيمة، وزيد بن أرقم، وسلمان، وابن عباس، ومعقل بن يسار، والمقداد بن الأسود، ويعلى بن مرّة، وأبي أيوب، وأبي ذرّ، وأبي رافع، وأبي سعيد الخدريّ رُه، في آخرين. وقد ادّعى الحاكم الإجماع على هذا القول حيث قال في ((علوم الحديث)) له: لا أعلم فيه خلافاً بين أصحاب التواريخ، وإنما اختلفوا في بلوغ عليّ، وقد استُنكر منه هذا، كما قاله ابن الصلاح، وقال ابن كثير: إنه لا دليل على إطلاق الأولية فيه من وجه صحيح، هذا مع أن الحاكم قال بعد حكايته للإجماع: والصحيح عند الجماعة أن أبا بكر أول من أسلم من الرجال البالغين؛ لحديث عمرو بن عبسة الماضي. ٣٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وقيل: أولهم زيد بن حارثة ﴿يا، وقيل: خديجة وادعى بعضهم الاتفاق على ذلك، زاد الثعلبيّ: وأما الاختلاف إنما هو فيمن بعدها، وزاد ابن عبد البرّ حكاية الاتفاق على أن إسلام عليّ بعدها، قال ابن كثير: وكونها أول الناس إسلاماً هو ظاهر السياقات في أول البعثة، وقال النوويّ: إنه الصواب عند جماعة المحققين. وجمع ابن عبد البرّ بين الاختلاف في ذلك بالنسبة إلى أبي بكر وعليّ بأن الصحيح أن أبا بكر أول من أظهر إسلامه، ثم رَوَى عن محمد بن کعب القُرظيّ أن عليّاً أخفى إسلامه من أبيه أبي طالب، وأظهر أبو بكر إسلامه، ولذلك اشتبه على الناس، ونحوه قول الحافظ في قول عمار: رأيت النبيّ وَلَيه وما معه إلا خمسة أعبد، وامرأتان، وأبو بكر: مراده: ممن أظهر إسلامه، وإلا فقد كان حينئذ جماعة ممن أسلم، لكنهم كانوا يُخْفُونه من أقاربهم. وكذا قال ابن إسحاق: أول من آمن خديجة، ثم عليّ، قال: فكان أولَ ذَكَرٍ آمن، وهو ابن عشر سنين، ثم زَيْد، فكان أولَ ذَكَر أسلم بعد عليّ، ثم أبو بكر، فأظهر إسلامه، ودعا إلى الله تعالى، فأسلم بدعائه عثمان، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة، فكأن هؤلاء النفر الثمانية أسبق الناس بالإسلام. وقيل - فيما نقله أبو الحسن المسعوديّ عن بعضهم -: أولهم إسلاماً بلال؛ لحديث عمرو بن عبسة الماضي. وقد جمع ابن الصلاح بين هذه الأقوال، فقال: والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرارِ أبو بكر، ومن الصبيان عليّ، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زَيْد، ومن العبيد بلال، وهو أحسن ما قيل؛ لاجتماع الأقوال به، على أنه قد سُبق به ما عدا بلالاً، فذكر ابن قتيبة أن إسحاق بن راهويه ذكر الاختلاف في أول من أسلم، فقال: الخبر في كل ذلك صحيح، أما أول من أسلم من النساء فخديجة، وأما أول من أسلم من الرجال فأبو بكر، وأما أول من أسلم من الموالي فزيد، وأما أول من أسلم من الصبيان فعليّ. وكذا جاء دونه وبدون زيد أيضاً عن أبي حنيفة، فروى الحاكم في ترجمة ٣٣٩ ٤٦ - كتاب فضائل الصحابة أحمد بن عباس بن حمزة الواعظ من ((تاريخ نيسابور)) من طريق أبي مسهر، حدّثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: كان أبو حنيفة يقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان عليّ. وكان البرهان التنوخي يقول: الأولى أن يقال: ومن غير البالغين عليّ، وهو حسن، والله تعالى أعلم (١). (المسألة العاشرة): في آخر الصحابة رضي موتاً: (اعلم): أن آخرهم موتاً على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثيّ رَظُه، كما ثبت من قوله، حيث قال: ((رأيت رسول الله وَله، وما على وجه الأرض رجل رآه غيري))، وبذلك جزم مصعب الزبيريّ، وأبو زكريا ابن منده، وخَلْق، بل أجمع عليه أهل الحديث، وممن جزم به مسلم بن الحجاج، وأنه مات عام مائة، وكذا قال ابن عبد البرّ، لكن قال خليفة: إنه مات بعد ستة مائة، وعن ابن الْبَرْقيّ: سنة اثنتين ومائة، وعن مبارك بن فَضاله: سنة سبع، وبه جزم غير واحد، وعن جرير بن حازم: سنة عشر، وصححه الذهبي في ((الوفيات))، والحافظ في ((التهذيب))، وكانت وفاته بمكة، كما قاله ابن المدينيّ، وابن حبان، وغيرهما، وقيل: بالكوفة، والأول أصح، وحينئذ فيكون الصحيح أنه آخر من مات بمكة أيضاً من الصحابة كما جزم به ابن حبان، وأبو زكريا ابن منده، بل هو آخر المائة التي أشار إليها رسول الله وله في أواخر عمره، كما صح عنه بقوله: ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد)»، أخرجه البخاريّ، وبه تمسّك هو وغيره للقول بموت الخضر، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد. [تنبيه]: قال السخاويّ كَّلُهُ: دعوى من اذَّعَى الصحبة، أو اذُّعِيت له بعد أبي الطفيل، وهم: جبير بن الحارث، والربيع بن محمود المارديني، ورَتَن، وسرباتك الهنديان، ومعمر، ونسطور، أو جعفر بن نسطور الروميّ، وبسر بن عبيد الله، الذين كان آخرهم رتن، فإنه فيما قيل: مات سنة اثنتين وثلاثين وستمائة؛ باطلة، والكلام في شأنهم مبسوط في ((لسان الميزان)) لشيخنا - (١) راجع: ((فتح المغيث)) ٦٩/٤ - ٧٣. ٣٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة يعني: الحافظ ابن حجر -، وفي غيره من تصانيفه، بل قال: وقد سئل عن طرق المصافحة إلى المعمّر ما نصّه: لا يخلو طريق من طرق المعمر عن متوقَّف فيه، حتى المعمر نفسه، فإن من يدعي هذه الرتبة يتوقف على ثبوت العدالة، وإمكانُ ثبوت ذلك عنادٌ لا يفيد، مع ورود الشرع بنفيه، فإنه أخبر بانخرام قرنه بعد مائة سنة من يوم مقالته، فمن ادعى الصحبة بعد ذلك لزم أن يكون مخالفاً لظاهر الخبر، فلا يُقبل إلا بطريق ينقطع العذر بها، ويحتاج معها إلى تأويل الحديث المشار إليه. انتهى(١). ن موتاً بالنسبة إلى النواحي المختلفة، فمات قبل وأما آخر الصحابة أبي الطفيل إما السائب بن يزيد ابن أخت النمر بالمدينة، أو سهل بن سعد الساعديّ، أو جابر بن عبد الله، كما قيل به في كلّ واحد من الثلاثة، فجزم به في الأول أبو بكر بن أبي داود، وفي الثاني ابن المدينيّ، والواقديّ، وإبراهيم بن المنذر الحزاميّ، وابن حبان، وابن قانع، وأبو زكريا ابن منده، وابن سعد، وادَّعَى نفي الخلاف فيه، فقال: ليس بيننا في ذلك اختلاف، بل أطلق أبو حازم أنه آخر الصحابة موتاً، وكأنه أخذه من قول سهل نفسه: لو متّ لم تسمعوا أحداً يقول: قال رسول الله وَّله، ولكن الظاهر كما قال العراقيّ أنه أراد أهل المدينة خاصّة. وفي الثالث أبو نعيم، وقتادة، فيما رواه أحمد عنه، وصدّر به ابن الصلاح كلامه. وآخر من مات بمكة أبو الطفيل، على الصحيح، وقيل: جابر، وقيل: ابن عمر. وبالبصرة أنس بن مالك، وبالكوفة عبد الله بن أبي أوفى، وقيل: عمرو بن حُريث، وقيل: أبو جُحيفة، وبالشام عبد الله بن بسر، أو أبو أمامة الباهليّ، وبدمشق واثلة بن الأسقع، وبحمص عبد الله بن بُسر، وبالجزيرة العُرس بن عَمِيرة الكِنديّ، وبفلسطين أبو أُبيّ، واسمه عبد الله، وبمصر عبد الله بن الحارث الزُّبيديّ، وباليمامة الهِرْماس بن زياد الباهليّ، وببَرْقة رُوَيفع بن ثابت (١) ((فتح المغيث)) ٧٨/٤ - ٧٩.