النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَلا - حديث رقم (٦١٤٦)
أن أحدثك، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، واتخذ سبيله في البحر عجباً،
قال: ذلك ما كنا نبغي، فرجعا على آثارهما قصصاً، يقصان الأثر حتى انتهيا
إلى الصخرة، فأطاف بها موسى، فإذا هو مُتَسَجِّ ثوباً، فسلّم، فرفع رأسه،
فقال: من أنت؟ فقال: موسى، قال: من موسى؟ قال: موسى بني إسرائيل،
قال: فما لك؟ قال: أُخبرت أن عندك علماً، فأردت أن أصحبك، قال: إنك
لن تستطيع معي صبراً، قال: ستجدني إن شاء الله صابراً، ولا أعصي لك
أمراً، قال: كيف تصبر على ما لم تحط به خبراً؟ قال: قد أُمرت أن أفعله،
ستجدني إن شاء الله صابراً، قال: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى
أحدث لك منه ذكراً، فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة، فخرج من كان فيها،
وتخلّف ليخرقها، فقال له موسى: أتخرقها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئاً أمراً،
قال: ألم أقل: إنك لن تستطيع معي صبراً، قال: لا تؤاخذني بما نسيت، ولا
ترهقني من أمري عسراً، فانطلقا حتى إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل
البحر، فيهم غلام ليس في الغلمان أحسن منه، ولا أنظف منه، فقتله، فنفر
موسى وَليّ عند ذلك، وقال: قتلت نفساً زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئاً نكراً،
قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً، قال: فأخذته ذمامة من صاحبه،
واستحيا، وقال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني
عذراً، فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية لئام، وقد أصاب موسى جهد، فلم
يضيفوهما، فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض، فأقامه، فقال له موسى مما نزل
به من الجهد: لو شئت لاتخذت عليه أجراً، قال: هذا فراق بيني وبينك،
فأخذ موسى بطرف ثوبه، فقال: حدّثني، فقال: أما السفينة فكانت لمساكين
يعملون في البحر، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً، فإذا مَرَّ عليها
فرآها منخرقة تركها، ورفعها أهلها بقطعة خشبة، فانتفعوا بها، وأما الغلام،
فإنه كان طبع يوم طبع كافراً، وكان قد أُلقي عليه محبة من أبويه، ولو عصياه
شيئاً لأرهقهما طغياناً وكفراً، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاةً، وأقرب
رحماً، فوقع أبوه على أمه، فولدت خيراً منه زكاةً وأقرب رُحماً، وأما الجدار
فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالِحاً،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما، ويستخرجا كنزهما، رحمة من ربك، وما فعلته

٣٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
عن أمري، ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبراً)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٤٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌َل
قَرَأَ: ﴿لَتَّخِذْتَ عَلَيَّهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الباب، و((عمرو)) هو: ابن دينار.
وقوله: (قَرَأَ: ﴿لَتَّخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾)؛ أي: بفتح التاء، وكسر الخاء مِنْ
أَخَذ ثلاثيّاً، وتقدّم أنها قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، والباقون قرءوا:
(لَا تَّخَذْتَ) بهمزة الوصل، وتشديد التاء، وفتح الخاء، من الاتخاذ خماسيّاً.
والحديث بهذا اللفظ المختصر من أفراد المصنّف تَقْذَلُهُ، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٤٨] ( .. ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُزُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنِ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبٍ
مُوسَى عَلََّ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: هُوَ الْخَضِرُ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ الأَنْصَارِيُّ،
فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ، هَلُمَّ إِلَيْنَا، فَإِنِّي قَدْ تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِيِي
هَذَا فِي صَاحِبٍ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَهَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَه
يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيِّ (٢): سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلٍ مِنْ
بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَداً أَعْلَمُ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى:
لَا ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى، بَلْ عَبْدُنَا الْخَضِرُ، قَالَ: فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى
(١) ((السُّنن الكبرى)) للنسائيّ ٤٢٧/٣ - ٤٢٩.
(٢) وفي نسخة: ((فقال: إنّ سمعت)).

٣٠٣
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَلا - حديث رقم (٦١٤٨)
لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا افْتَقَدْتَ (١) الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنََّكَ
سَتَلْقَاهُ، فَسَارَ مُوسَى مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسِيرَ، ثُمَّ قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿ءَائِنَا غَدَآءَنَا﴾ [الكهف:
٦٢]، فَقَالَ فَتَى مُوسَى حِينَ سَأَلَهُ الْغَدَاءَ: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيِّنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ
الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَّكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، فَقَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿ذَلِكَ
مَا كُنَّا نَبْغَ فَأَرْتَذَا عَلَىَ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِراً، فَكَانَ مِنْ
شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ))، إِلَّا أَنَّ يُونُسَ قَالَ: فَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي
الْبَحْرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى) التُّجيبيّ المصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) الْهُذَليّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ثبتٌ [٣] (ت٩٤)، وقيل: سنة ثمان، وقيل غير ذلك (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
والباقيان ذُکرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف نَّتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب،
والباقون مصريّون، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وتابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ◌َّهَا (أَنَّهُ)؛ أي: عبد الله بن عبّاس، (تَمَارَى)؛
أي: تجادل، من المماراة: وهي المجادلة والتنازع. (هُوَ) أتى بضمير الفصل؛
لأنه لا يُعطف على الضمير المرفوع المتّصل إلا إذا أُكّد بالمنفصل، كما في
(١) وفي نسخة: ((إذا فقدت)).

٣٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
قوله تعالى: ﴿أَشْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، قال ابن مالك في
(خلاصته)) :
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْع مُنْفَصِلْ عَطَفْتَ فَاقْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
(وَالْحُرُّ) بضمّ أوله، وتشديد الراء، (ابْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنِ الْفَزَارِيُّ) قال
في ((الإصابة)): الْحُرّ بن قيس بن حِصْن بن حُذيفة بن بَدْر الفزاريّ، ابن أخي
عيينة بن حصن، ذكره ابن السكن في ((الصحابة))، ورَوَى ابن شاهين من
طريق ابن أبي ذئب، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن حاطب، عن أبي وجزة
السلميّ، قال: لمّا قَفَل رسول الله وَله من غزوة تبوك، أتاه وفد بني فزارة،
بضعة عشر رجلاً، فيهم خارجة بن حصن، والحارث بن قيس ابن أخي
عيينة بن حِصْن، وهو أصغرهم، فذكر الحديث، وروى البخاريّ من طريق
الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: ((قَدِم عُيينة بن حصن،
فنزل على ابن أخيه الحرّ بن قيس، وكان من النفر الذين بعثهم عمر ... ))
الحديث، وروى الشيخان بهذا الإسناد قالا: ((تمارى ابن عباس والحرّ بن
قيس في صاحب موسى، فمرّ بهما أُبَيّ بن كعب ... ))، فذكر الحديث، وقال
مالك في ((العتبية)): ((قَدِمَ عيينة بن حصن المدينة، فنزل على ابن أخ له أعمى،
فبات يصلي، فلما أصبح غدا إلى المسجد، فقال: ما رأيت قوماً أوجه لِمَا
وجّهوهم له من قريش، كان ابن أخي عندي أربعين سنةً، لا يطيعني)).
انتهى(١).
[تنبيه]: ((الْفَزَارِيّ)) - بفتح الفاء، والزاي ـ: نسبة إلى فَزَارة بن ذُبيان بن
بغيض بن ريث بن غطفان، وهي: قبيلة كبيرة من قيس عيلان، قاله في
((اللباب))(٢).
ضًُّا (هُوَ)؛
(فِي صَاحِبٍ مُوسَى نَّا) يتعلّق بـ(تمارى))، (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ)
أي: صاحب موسى، (الْخَضِرُ) بفتح الخاء، وكسر الضاد المعجمتين، وبسكون
الضاد، مع فتح الخاء، وكسرها، قال في ((التاج)): وخَضِرٌ، وخِضْرٌ ككبِدٍ،
(١) (الإصابة في تمييز الصحابة)) ٥٨/٢.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٢٩/٢.

٣٠٥
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ علا - حديث رقم (٦١٤٨)
وكِبْدٍ، قال الجَوْهَرِيّ: وهو أَفْصُح، قلت(١): لعَلَّه لكونِه مخُفَفَّاً من الخَضِر؛
لكَثْرَة الاسْتِعْمَال كما في ((المِصْبَاحِ))، وزاد القَسْطَلانيّ في شرح البُخَارِيّ لُغَةً
ثالثة، وهو فَتْحِ الخَاءِ، مع سُكُونِ الضّاد.
واخْتُلِف في سَبَب لَقَبِهِ، فقيل: لأَنَّ جَلَسَ على فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فاهْتَزَّت
تَحْتَه خَضْراءَ، كما وردَ في حَدِثٍ مَرْفُوعٍ صحيح، وقِيل: لأَنّه كان إِذا جَلَسَ في
مَوْضع، وتَحْتَه روضَةٌ تَهْتَزُّ. وفي البُخَارِيّ: وَجَدَهُ موسى على طِنْفِسَةٍ خَضْرَاءَ،
على كَبِدِ البَحْر، وعن مُجاهِدٍ: كان إِذا صلَّى في مَوْضع اخْضَرَّ ما تَحْتَه،
وقيل: ما حَوْلَه، وقيل سُمِّيَ خَضِراً؛ لحُسْنِهِ، وإِشراق وَجْهِه؛ تَشْبِيهاً بالنَّبَات
الأَخْضَرِ الغَضِّ. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وأصحّ الأقوال الأول؛ لأنه رواه البخاريّ في
(صحيحه))، عن أبي هريرة ظُه، عن النبيّ وَ لّ قال: ((إنما سُمِّي الخضر؛ لأنه
جلس على فَرْوة(٣) بيضاء، فإذا هي تهتزّ من خلفه خضراء)). انتهى(٤).
وقوله: (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْخَضِرُ) قال الحافظ ◌َُّ: لم يذكر ما قال
الحرّ بن قيس، ولا وقفت على ذلك في شيء من طرق هذا الحديث، قال:
وخضر: بفتح أوله، وكسر ثانيه، أو بكسر أوله، وإسكان ثانيه، ثبتت بهما
الرواية، وبإثبات الألف واللام فيه، وبحذفهما.
قال: وهذا التماري الذي وقع بين ابن عباس والحرّ غير التماري الذي
وقع بين سعيد بن جبير ونوف البكاليّ، فإن هذا في صاحب موسى، هل هو
الخضر أو غيره؟، وذاك في موسى، هل هو موسى بن عمران الذي أُنزلت عليه
التوراة، أو موسى بن ميشا، بكسر الميم، وسكون التحتانية، بعدها معجمة؟.
(٥)
انتھی
(فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ الأَنْصَارِيُّ) ◌َُه (فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ)؛ أي: ناداه،
(١) القائل صاحب ((التاج))، فتنبّه.
(٢) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٢٧٧٠/١.
(٣) الفروة: الأرض البيضاء، ليس بها نبات. اهـ. ((ق)).
(٤) ((صحيح البخاريّ)) ١٢٤٨/٣.
(٥) ((الفتح)) ٢٩٧/١.

٣٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وذكر ابن التين أن فيه حذفاً، والتقدير: فقام إليه، فسأله؛ لأن المعروف عن
ابن عباس التأدب مع من يأخذ عنه، وأخباره في ذلك شهيرة. (فَقَالَ) ابن
عبّاس (يَا أَبَا الطَّفَيْلِ) كنية أُبيّ بن كعب رَظُه، ويُكنى أيضاً أبا المنذر، (هَلُمَّ
إِلَيْنَا)؛ أي: أقبِلْ إلى مجلسنا، و((هلُمّ)) قد سبق البحث فيها غير مرّة. (فَإِنِّي)
الفاء: للتعليل؛ أي: لأني (قَدْ تَمَارَيْتُ) تجادلت، (أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا)؛ يعني:
الحرّ بن قيس، (فِي صَاحِبٍ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ) موسى (السَّبِيلَ) الطريق الموصل
(إِلَى لُقِيِّهِ) بضمّ اللام، وكسر القاف، وتشديد التحتانيّة: مصدر بمعنى اللِّقَاء،
يقال: لَقِيَهُ، كَرَضِيَهُ لِقاءً، ولِقَاءَةً، ولِقايَةً، ولِقِيّاً، ولِقْياناً، ولِقْيانَةً، بكسرِهِنَّ،
ولُقْياناً، ولُقِيّاً، ولُقْيَةً، ولُقّى، بضمهنَّ، وَقَاءَةً مَفْتوحَةً: رآهُ، كَتَلَقَّاهُ، والْتَقَاهُ،
والاسمُ: التِّلْقَاءُ، بالكسر، ولا نَظِيرَ له غيرُ التِّبْيَانِ، قاله المجد ◌َُّ(١).
(فَهَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟)؛ أي: قصّته، والجملة حاليّة
(فَقَالَ أُبَيُّ)؛ أي: ابن كعب، ووقع في بعض النسخ: ((فقال: إنّي))، وهي:
(إنّ)) واسمها. (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((بَيْنَمَا) قد تقدّم غير مرّة أن أصله
(بَيْنَ))، زيدت فيه ((ما))، والفصيح في جوابه ترك ((إذ))، و((إذا)) وجوابه قوله: ((إذ
جاءه رجل)). (مُوسَى فِي مَلا) هي: الجماعة قاله عياض، وقال غيره: الملأ
الأشراف، وفي ((العباب)): الملأ بالتحريك: الجماعة، والملأ أيضاً: الْخُلُق،
يقال: ما أحسن مَلَأَ بني فلان؛ أي: عِشْرتهم، وأخلاقهم، والجمع: أملاء.
(مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) هم: أولاد يعقوب عليّا؛ لأن إسرائيل هو اسم يعقوب،
وأولاده اثنا عشر نَفْساً، وهم الذين يُسَمَّون الأسباط، وسُمُّوا بذلك؛ لأن كل
واحد منهم والد قبيلة، والأسباط في كلام العرب: الشجر الْمُلْتَفّ الكثير
الأغصان، والأسباط من بني إسرائيل كالشعوب من العجم، والقبائل من
العرب، وجميع بني إسرائيل من هؤلاء المذكورين(٢).
(إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ) لم يُعرف، (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: قال ذلك الرجل لموسى
(هَلْ تَعْلَمُ أَحَداً أَعْلَمُ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا)؛ أي: لا أعلمُ أعلمَ مني،
(١) ((القاموس المحيط) ١٧١٦/١.
(٢) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٣/ ٣٧.

٣٠٧
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عِل ـ حديث رقم (٦١٤٨)
(فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى، بَلْ عَبْدُنَا الْخَضِرُ)؛ أي: هو أعلم، و((بل)) بإسكان
اللام، والتقدير: فأوحى الله إليه لا تُطلق النفي، بل قل: خضرٌ، وإنما قال:
((عبدنا))، وإن كان السياق يقتضي أن يقول: عبد الله؛ لكونه أورده على طريق
الحكاية عن الله وَله، والإضافة فيه للتعظيم، قاله في ((الفتح))(١)، وعزا رواية
(بل)) للكشميهنيّ، والأكثرون رووا ((بلی)).
وقال في ((العمدة)): و(بل)) للإضراب، وهو من حروف العطف، فإن
قلت: ما المعطوف عليه المضروب عنه؟ قلت: مقدَّر تقديره: أوحى الله إليه:
لا تقل: لا، بل عبدنا خضر؛ أي: قل: الأعلم عبدك خضر، فإن قلت: فعلى
هذا كان ينبغي أن يقول: بل عبد الله، أو عبدك، قلت: وَرَدَ على طريقة
الحكاية عن قول الله تعالى. انتهى.
(قَالَ) ◌ِ (فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ)؛ أي: الطريق الموصل إليه،
(فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ) السمكة، (آيَةً)؛ أي: علامة على محلّ الخضر، (وَقِيلَ لَهُ)
القائل هو الله تعالى، (إِذَا افْتَقَدْتَ)، وفي بعض النسخ: ((إذا فقدتَ)) (الْحُوتَ
فَارْجِعْ) الى محل فَقْده (فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ)؛ أي: ستلقى خضراً في ذلك المحلّ. (فَسَارَ
مُوسَى)؛ أي: مع فتاه، (مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسِيرَ، ثُمَّ قَالَ لِفَتَاهُ)؛ أي: لصاحبه، وهو
يوشع بن نون، وإنما قال: فتاه؛ لأنه كان يخدمه، ويتبعه، وقيل: كان يأخذ العلم
عنه. (﴿وَإِنَا غَدَآءَ نَا﴾، فَقَالَ فَتَى مُوسَى حِينَ سَأَلَهُ الْغَدَاءَ: ﴿أَرَءَيْتَ﴾)؛ أي:
أخبرني ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة؛ أي: لجأنا (﴿إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ
الحُوتَ﴾)؛ أي: نسيت ذِكر شأنه، وقصة انسلاله من المكتل، واضطرابه في البحر
حياً، (﴿وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ﴾) تقدم أن ضم الهاء رواية حفص، والباقون بالكسر. (﴿إِلَّا
الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرُهُ﴾، فَقَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿ذَلِكَ﴾)؛ أي: فقدان الحوت، (﴿مَا﴾)؛
أي: الذي (﴿كُنَّا نَبْغْ﴾)؛ أي: نطلبه بسفرنا هذا، (﴿فَأَرْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾)؛
أي: رجعا من الطريق الذي سلكاه يقصّان الأثر؛ أي: يتّبعان أثر قدمهما حتى لا
يخطآ المكان، (فَوَجَدَا خَضِراً، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا)؛ أي: من شأن موسى والخضر،
(مَا)؛ أي: الذي (قَصَّ اللهُ)؛ أي: ذكره الله رَبَتْ (فِي كِتَابِه)))؛ أي: القرآن الكريم.
(١) ((الفتح)) ٢٩٨/١.

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وقوله: (إِلَّا أَنَّ يُونُسَ)؛ يعني: ابن يزيد الأيليّ (قَالَ) في روايته (فَكَانَ
يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ) أراد المصنّف كَُّهُ بهذا: أن يونس يخالف غيره
ممن رواه عن الزهريّ بزيادة قوله: ((فَكَانَ يَتَبعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ)) بعد قوله:
((فارجع فإنك ستلقاه)).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي في قول المصنّف هذا إشكالان:
أحدهما: أنه لم يذكر في الإسناد مع يونس غيره حتى يفاضل بين
روايتهما .
وثانيهما: أن هذه الزيادة ثبتت في رواية غير يونس أيضاً، فقد زادها
الأوزاعيّ عن الزهريّ، كما في ((صحيح البخاريّ)) في ((كتاب العلم)) برقم
(٧٨)، ولفظه: ((فكان موسى ◌َّ﴾ يتّبع أثر الحوت في البحر))، وكذلك زادها
صالح بن كيسان، عند البخاريّ في (العلم)) أيضاً برقم (٧٤)، ولفظه: ((وكان
يتّبع أثر الحوت في البحر))، فليُتأمّل حقّ التأمّل، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

٣٠٩
٤٦ - كتاب فضائل الصحابة
٤٦ _ (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَّةِ
قال الجامع عفا الله عنه: الكتاب الذي قبل هذا هو ((كتاب الفضائل))،
والمراد به: فضائل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وهذا ((كتاب فضائل
الصحابة ﴿))، وقد تقدّم معنى الفضائل مستوفَى في أول الكتاب الماضي،
ولنذكر هنا ما يتعلّق بالصحابة ، وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): في تعريف الصحابيّ:
قال الحافظ تَظُّ في ((الإصابة)): وأصحّ ما وقفت عليه من ذلك أن
الصحابيّ: من لقي النبيّ ◌َير مؤمناً به، ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه:
من طالت مجالسته له، أو قصرت، ومن روى عنه، أو لم يرو، ومن غزا معه،
أو لم يغز، ومن رآه رؤية، ولو لم يُجالسه، ومن لم يَرَه لعارض؛ کالعمى.
ويخرج بقيد ((الإيمان)) من لقيه كافراً، ولو أسلم بعد ذلك، إذا لم يجتمع
به مرّةً أخرى.
وقولنا: ((به)) يُخرج من لقيه مؤمناً بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل
الكتاب قبل البعثة، وهل يدخل من لقيه منهم، وآمن بأنه سيُبعث، أو لا
يدخل؟ محلّ احتمال، ومن هؤلاء بَحِير الراهب، ونظراؤه.
ويدخل في قولنا: ((مؤمناً به)) كلّ مكلّف من الجنّ والإنس.
وخرج بقولنا: ((ومات على الإسلام)) من لقيه مؤمناً به، ثم ارتدّ، ومات
على ردّته(١) - والعياذ بالله -.
ويدخل فيه من ارتدّ، وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع
(١) وقد وُجد من ذلك عدد يسير؛ كعبيد الله بن جحش زوج أم حبيبة عظُه قبله وَلهر،
تنصّر في الحبشة، ومات هناك؛ وكعبد الله بن خَطَل الذي قُتل وهو متعلّق بأستار
الكعبة؛ وكربيعة بن أميّة بن خَلَف. ((الإصابة)) ١٥٩/١.

٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
به وَّل مرّة أخرى، أم لا؟ وهذا هو الصحيح المعتمد. انتهى ملخّصاً (١).
وقال الإمام البخاريّ تَظْتُ في ((صحيحه)): ((ومَن صَحِب النبيّ ◌ََّ، أو
رآه من المسلمين فهو من أصحابه)). انتهى.
قال في ((الفتح)): يعني: أن اسم صحبة النبيّ ◌َُّ مُسْتَحَقٌّ لمن صحبه أقلّ
ما يُطلق عليه اسم صحبة لغةً، وإن كان العرف يخص ذلك ببعض الملازمة،
ويُطلق أيضاً على من رآه رؤيةً، ولو على بُعْد، وهذا الذي ذكره البخاريّ هو
الراجح، إلا أنه هل يُشترط في الرائي أن يكون بحيث يميز ما رآه، أو يُكتفى
بمجرد حصول الرؤية؟ محلّ نظر، وعَمَلُ من صنّف في الصحابة يدلّ على
الثاني، فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما وُلد قبل وفاة
النبيّ وَله بثلاثة أشهر وأيام، كما ثبت في ((الصحيح)) أن أمه أسماء بنت عُميس
ولدته في حجة الوداع قبل أن يدخلوا مكة، وذلك في أواخر ذي القعدة سنة
عشر من الهجرة، ومع ذلك فأحاديث هذا الضرب مراسيل، والخلاف الجاري
بين الجمهور، وبين أبي إسحاق الإسفراينيّ ومن وافقه على ردّ المراسيل مطلقاً
حتى مراسيل الصحابة لا يجري في أحاديث هؤلاء؛ لأن أحاديثهم لا من قبيل
مراسيل كبار التابعين، ولا من قبيل مراسيل الصحابة الذين سمعوا من
النبيّ وَّر، وهذا مما يُلغز به، فيقال: صحابي حديثه مرسل، لا يقبله من يقبل
مراسيل الصحابة.
ومنهم من بالغ، فكان لا يعدّ في الصحابة إلا من صحب الصحبة
العُرفية، كما جاء عن عاصم الأحول قال: رأى عبد الله بن سَرْجِس
رسول الله ◌َ﴾ غير أنه لم يكن له صحبة، أخرجه أحمد، هذا مع كون عاصم
قد روى عن عبد الله بن سرجس هذا عدّة أحاديث، وهي عند مسلم وأصحاب
((السُّنن))، وأكثرها من رواية عاصم عنه، ومن جملتها قوله: ((إن النبيّ وَل
استغفر له))، فهذا رأي عاصم أن الصحابي من يكون صحب الصحبة العرفية،
وكذا رُوي عن سعيد بن المسيِّب أنه كان لا يَعُدّ في الصحابة إلا من أقام مع
النبيّ وَ﴿ سنةً فصاعداً، أو غزا معه غزوةً فصاعداً، والعمل على خلاف هذا
(١) (الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٥٨/١ - ١٥٩.

٣١١
٤٦ - كتاب فضائل الصحابة
القول؛ لأنهم اتفقوا على عَدّ جَمْعِ جَمٍّ في الصحابة، لم يجتمعوا بالنبيّ وَّ إلا
في حجة الوداع، ومن اشترط الصّحبة العرفية أخرج من له رؤية، أو من اجتمع
به، لكن فارقه عن قرب، كما جاء عن أنس أنه قيل له: هل بقي من أصحاب
النبيّ وَّ غيرك؟ قال: لا، مع أنه كان في ذلك الوقت عدد كثير ممن لقيه من
الأعراب.
ومنهم من اشترط في ذلك أن يكون حين اجتماعه به بالغاً، وهو مردود
أيضاً؛ لأنه يخرج مثل الحسن بن عليّ، ونحوه، من أحداث الصحابة.
والذي جزم به البخاريّ هو قول أحمد، والجمهور من المحدثين.
وقول البخاريّ: ((من المسلمين)) قيد يُخرج به مَن صحبه، أو من رآه من
الكفار، فأما من أسلم بعد موته منهم، فإن كان قوله: ((من المسلمين)) حالاً
خرج مَن هذه صفته، وهو المعتمد.
ويَرِد على التعريف مَن صحبه، أو رآه مؤمناً به، ثم ارتدّ بعد ذلك، ولم
يَعُد إلى الإسلام، فإنه ليس صحابيّاً اتفاقاً، فينبغي أن يزاد فيه: ((ومات على
ذلك)» .
وقد وقع في ((مسند أحمد)) حديث ربيعة بن أمية بن خَلَف الْجُمَحِيّ، وهو
ممن أسلم في الفتح، وشَهِد مع رسول الله ربَّ حجة الوداع، وحدّث عنه بعد
موته، ثم لحقه الخذلان، فلَحِق في خلافة عمر بالروم، وتنصَّر بسبب شيء
أغضبه، وإخراج حديث مثل هذا مُشْكِل، ولعل من أخرجه لم يَقِف على قصة
ارتداده، والله أعلم.
فلو ارتدّ، ثم عاد إلى الإسلام، لكن لم يره ثانياً بعد عَوْده، فالصحيح
أنه معدود في الصحابة؛ لإطباق المحدثين على عَدِّ الأشعث بن قيس، ونحوه،
ممن وقع له ذلك، وإخراجهم أحاديثهم في المسانيد.
وهل يختصّ جميع ذلك ببني آدم، أو يعمّ غيرهم، من العقلاء؟ محلّ
نظر، أما الجنّ فالراجح دخولهم؛ لأن النبيّ وَّرِ بُعِث إليهم قطعاً، وهم
مكلَّفون، فيهم العصاة، والطائعون، فمن عُرِف اسمه منهم، لا ينبغي التردد في
ذِكره في الصحابة، وان كان ابن الأثير عاب ذلك على أبي موسى، فلم يستند
في ذلك إلى حجة.

٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وأما الملائكة، فيتوقف عدّهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، فإن فيه خلافاً
بين الأصوليين، حتى نَقَل بعضهم الإجماع على ثبوته، وعكس بعضهم.
وهذا كله فيمن رآه، وهو في قيد الحياة الدنيوية، أما من رآه بعد موته،
وقبل دفنه، فالراجح أنه ليس بصحابيّ، وإلا لَعُدّ مَن اتَّفَق أن يرى جسده
المكرم، وهو في قبره المعظم، ولو في هذه الأعصار، وكذلك من كُشف له
عنه من الأولياء، فرآه كذلك على طريق الكرامة؛ إذ حجة من أثبت الصحبة
لمن رآه قبل دفنه أنه مستمرّ الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية، وإنما هي
أخروية، لا تتعلق بها أحكام الدنيا، فإن الشهداء أحياء، ومع ذلك، فإن
الأحكام المتعلقة بهم بعد القتل جارية على أحكام غيرهم، من الموتى، والله
أعلم.
وكذلك المراد بهذه الرؤية: مَن اتفقت له ممن تقدم شرحه، وهو يقظان،
أما من رآه في المنام، وإن كان قد رآه حقّاً، فذلك مما يرجع إلى الأمور
المعنوية، لا الأحكام الدنيوية، فلذلك لا يُعَدّ صحابيّاً، ولا يجب عليه أن
يعمل بما أَمَره به في تلك الحالة، والله أعلم.
قال: وقد وجدت ما جزم به البخاريّ من تعريف الصحابيّ في كلام
شيخه عليّ ابن المدينيّ، فقرأت في ((المستخرج)) لأبي القاسم ابن منده بسنده
إلى أحمد ابن سيار الحافظ المروزيّ، قال: سمعت أحمد ابن عتيك يقول:
قال عليّ ابن المدينيّ: مَن صَحِب النبيّ ◌َّ، أو رآه، ولو ساعة من نهار، فهو
من أصحاب النبيّ وَّ. انتهى كلام الحافظ تَّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في الطريق الموصل إلى معرفة كون الشخص صحابيّاً :
(اعلم) أن الصحابي يُعرف بأشياء:
(أولها): أن يثبت بطريق التواتر أنه صحابيّ؛ كالخلفاء الأربعة، وبقيّة
العشرة في خَلْق كثير سواهم، ممن تواترت صحبته، ثم بالاستفاضة والشهرة
القاصرة عن التواتر؛ كعُكاشة بن محصن، وضمام بن ثعلبة، وغيرهما، ثم بأن
(١) ((الفتح)) ٣١٣٣١٥/٨، كتاب ((فضائل الصحابة ﴿ه)) رقم (٣٦٤٩).

٣١٣
٤٦ - كتاب فضائل الصحابة
يُروى عن آحاد الصحابة أن فلاناً له صحبة مثلاً، وكذا عن آحاد التابعين، بناءً
على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح، ثم بأن يقول هو: أنا صحابيّ، إذا
كان ثابت العدالة والمعاصرة.
أما الشرط الأول: وهو: العدالة، فجزم به الآمديّ وغيره؛ لأن قوله قبل
أن تثبت عدالته: أنا صحابيّ، أو ما يقوم مقام ذلك يلزم من قبول قوله إثبات
عدالته؛ لأن الصحابة كلهم عدولٌ، فيصير بمنزلة قول القائل: أنا عَدْلٌ، وذلك
لا يُقبل.
وأما الشرط الثاني: وهو: المعاصرة، فيُعتبر بمضيّ مائة سنة وعشر سنين
من هجرة النبيّ وَ ﴿؛ لقوله ◌َّير في آخر عمره لأصحابه: ((أرأيتكم ليلتكم هذه،
فإن رأس مائة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد)) متّفقٌ عليه،
زاد مسلم من حديث جابر أن ذلك كان قبل موته بشهر، ولفظه: سمعت
النبيّ ◌َ﴿ يقول قبل أن يموت بشهر: «تسألوني عن الساعة، وإنما عِلْمها
عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة،
وهي حيّة يومئذ)».
ولهذه النكتة لم يُصدّق الأئمة أحداً ادّعى الصحبة بعد الغاية المذكورة،
وقد ادّعاها جماعة، فكُذّبوا، وكان آخرهم رَتَنَ الهنديّ.
ثم من لم يُعرف حاله إلا من جهة نفسه فمقتضى كلام الآمديّ السابق
ومن تبعه ألا تثبت صحبته، ونقل أبو الحسن ابن القطّان فيه الخلاف، ورجّح
عدم الثبوت، وأما ابن عبد البرّ فجزم بالقبول بناء على أن الظاهر سلامته من
الجَرح، وقوّى ذلك بتصرّف أئمة الحديث في تخريجهم أحاديث هذا الضرب
في مسانيدهم، ولا ريب في انحطاط رتبة من هذا سبيله عمن مضى.
ومن صور هذا الضرب أن يقول التابعيّ: أخبرني فلان أنه سمع النبيّ ◌َلِّل
يقول، سواء سمّاه أم لا، أما إذا قال: أخبرني رجل مثلاً عن النبيّ صلير بكذا،
فثبوت الصحبة بذلك بعيد؛ لاحتمال الإرسال، ويَحْتَمِل التفرقة بين أن يكون
القائل من كبار التابعين، فيُرجّح القبول، أو صغارهم فيرجّح الرّ، ومع ذلك
فلم يتوقّف من صنّف في الصحابة في إخراج من هذا سبيله في كُتُبهم، والله
تعالى أعلم.

٣١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
[ضابط]: يستفاد من معرفته صحبة جَمْع كثير يُكتفى فيهم بوصف يتضمّن
أنهم صحابة، وهو مأخوذ من ثلاثة آثار:
أحدها: أنهم كانوا لا يؤمِّرون في المغازي إلا الصحابة، فمن تتبع
الأخبار الواردة في الردّة والفتوح وجد من ذلك الكثير.
ثانيها: أن عبد الرحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود، إلا أتى
به النبيّ وَّة، فدعا له، وهذا أيضاً يوجد منه الكثير.
ثالثها: أنه لم يبق بالمدينة، ولا بمكة، ولا الطائف، ولا بينهما من
الأعراب إلا من أسلم، وشَهِد حجة الوداع، فمن كان في ذلك الوقت موجوداً
اندرج فيهم؛ لحصول رؤيتهم للنبيّ وَّ، وإن لم يرهم هو، والله أعلم(١).
(المسألة الثالثة): في بيان حال الصحابة
من العدالة :
عدولٌ كلّهم مطلقاً، کبیرهم،
اتّفق أهل السُّنَّة على أن الصحابة بطه
وصغيرهم، لابَسَ الفتنة أم لا؛ وجوباً لحسن الظنّ، ونظراً إلى ما تمهّد لهم
من المآثر، من امتثال أوامره بَ له بعده، وفَتْحهم الأقاليم، وتبليغهم عنه الكتاب
والسُّنَّة، وهدايتهم الناس، ومواظبتهم على الصلاة والزكاة، وأنواع القربات،
مع الشجاعة، والبراعة، والكرم، والإيثار، والأخلاق الحميدة التي لم يكن في
أمة من الأمم المتقدمة.
وقد عقد الخطيب البغداديّ كَّتُهُ في ((الكفاية)) فصلاً نفيساً في ذلك،
جمّ ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم،
فقال: عدالة الصحابة
واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:
١١٠]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿لَّقَّدْ رَضِىَ
اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١٨]، وقوله:
﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ
[الأنفال: ٦٤]، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ
الْمُؤْمِنِينَ
وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ
٨
(١) ((فتح المغيث)) ١٠٨/٣.

٣١٥
٤٦ - كتاب فضائل الصحابة
- إلى قوله -: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠] في آيات كثيرة يطول ذِكْرها،
وأحاديث شهيرة، يكثر تعدادها .
وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يَحتاج أحد منهم مع تعديل الله
له إلى تعديل أحد من الخلق.
على أنه لو لم يَرِد من الله تعالى ورسوله و 18 فيهم شيء مما ذكرناه
لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، ونصرة الإسلام، وبذل
الْمُهَج والأموال، وقتل الآباء والأبناء، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان
واليقين، القطع على تعديلهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع
الخالفين بعدهم، والمعدّلين الذين يجيئون من بعدهم، هذا مذهب كافّة
العلماء، ومن يُعتمد قوله.
ثم أسند عن أبي زرعة الرازيّ أنه قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من
أصحاب رسول الله ** فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله وَلهول حقّ،
والقرآن حقّ، وما جاء به حقّ، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وهؤلاء
يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ لِيُبطلوا الكتاب والسُّنَّة، والجرح بهم أولى، وهم
زنادقة. انتهى كلام الخطيب كَُّ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ وتحقيقٌ أنيسٌ، والله
تعالى أعلم.
قال السخاويّ كَّثُ: فأما الآية الأولى: فالذي رجّحه كثير من المفسرين
عمومها في أمة محمد ◌ّله، وخصّها آخرون بالصحابة، بل قال بعضهم: اتفقوا
على أنها واردة فيهم، وحينئذ فالاستدلال منها ظاهر.
وأما الثانية: فهي خطاب مع الموجودين منهم حينئذ، ولكن لا يمتنع
إلحاق غيرهم بهم ممن شاركهم في الوصف.
وكذا من الآيات: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَاهُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ﴾
الآية [الفتح: ٢٩]، ومن غيرها: ((أصحابي كالنجوم))(٢)، مع ما تحقق عنهم
بالتواتر من الجدّ في الامتثال.
(١) ((الكفاية في علم الرواية)) ٤٦/١.
(٢) حديث موضوع، راجع: ((الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ تخلّفُ ١/ ٧٨ - ٨٥.

٣١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
قال الحافظ تَخْذُ: والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة، من
أدلّها على المقصود ما رواه الترمذيّ، وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث
عبد الله بن مُغَفَّل ◌َظُه قال: قال رسول الله وٍَّ: ((اللّهَ اللهَ في أصحابي، لا
تتخذوهم غَرَضاً، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم،
ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله، فيوشك أن
يأخذه))(١).
وذكر غيره من الأدلة حديث أبي سعيد الخدريّ تَظُله: ((لا تَسُبّوا
أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أُحُد ذهباً ما أدرك مُدّ
أحدهم، ولا نصيفه))، مُتّفق عليه، وهو وإن ورد على سبب، وذلك أنه كان بين
خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبّه خالد، فقال
النبي ◌َ﴾ .... ، فذكره، بحيث خصه بعض أصحاب الحديث بمن طالت
صحبته، وقاتل معه، وأنفق، وهاجر، لكن العبرة إنما هي بعموم اللفظ، لا
بخصوص السبب، كما ذهب إليه الأكثرون، وصححه القاضي عياض هنا.
ومثل هذا يقال، وإن كان المقول له صحابيّاً للتنبيه على إرادة حفظ
الصحبة عن ذلك.
ووجه الاستدلال به أن الوصف لهم بغير العدالة سبّ، لا سيما وقد نَھَی
بعض من أدركه، وصحبه عن التعرض لمن تقدمه؛ لشهود المواقف الفاضلة،
فيكون مَن بعدَهم بالنسبة لجمیعهم من بابٍ أولى.
وحديث: ((خير الناس قرني ... )) المتواتر، مما هو أيضاً متفق عليه، من
حديث ابن مسعود، وعمران بن حصين، حتى بالغ بعضهم، فتمسّك به بعدالة
التابعين أيضاً، وأنه لا يُسأل عنهم حتى يقوم الجَرح؛ لقوله فيه: ((ثم الذين
يلونهم))، وهو فيهم محمول على الغالب، والمراد بِقَرْن النبيّ ◌َّ فيه الصحابة،
وإن أُطلق القرن على مدة من الزمان في تحديدها أقوال، أدناها عشرة أعوام،
وأعلاها مائة وعشرون، وعليه ينطبق الواقع في كون آخر الصحابة موتاً أبو
(١) رواه الترمذيّ، وابن حبّان، وفي سنده رجل مجهول، لكن المتن يشهد له ما بعده،
فيتقوّى به.

٣١٧
٤٦ - كتاب فضائل الصحابة
الطفيل، إن اعتُبِر ذلك في زمن البعثة؛ إذ المدة منها القَدْر المذكور، أو دونه،
أو فوقه بقليل، على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، أما إن مشينا على أن
القرن مائة، كما هو المشهور، بل وقع ما يدل له في حديث لعبيد الله بن بسر
عند مسلم(١)، فيكون الاعتبار من موته ێ﴾ .
ومن الأدلة أيضاً ما جاء عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، عن
النبيّ وَّر أنه قال: ((أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله (ێ))،
أخرجه أحمد، والترمذيّ وحسّنه، وابن ماجه، وغيرهم.
وعن سعيد بن المسيِّب، عن جابر قال: قال رسول الله وَلفيه: ((إن الله
اختار أصحابي على الثقلين، سوى النبيين والمرسلين))، قال الحافظ: أخرجه
البزار بسند رجاله موثقون.
وعن عبد الله بن هاشم الطوسيّ، حدّثنا وكيع، سمعت سفيان، يقول في
قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىّ﴾ الآية [النمل: ٥٩]
قال: هم أصحاب محمد وَل18. إلى غير ذلك مما يطول إيراده.
وممن حَكَى الإجماع على القول بعدالتهم إمام الحرمين، قال: ولعل
السبب فيه أنهم نقلة الشريعة، فلو ثبت توقُّف في روايتهم لانحصرت الشريعة
على عصر الرسول وَله، ولَمَا اسْتَرْسَلَت على سائر الأعصار(٢).
ونحوه قول أبي محمد بن حزم: الصحابةُ كلهم من أهل الجنة قطعاً؛
قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَلِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ
بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةُ وَكُلًا وَعَدَ اَللّهُ
الْحُسْنَى﴾ الآية [النساء: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ
[الأنبياء: ١٠١]، فثبت أن الجميع من أهل الجنة، وأنه
أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
(١) لم يَرْو مسلم لعبد الله بن بُسر إلا حديثاً واحداً، وليس فيه ما يدلّ على المذكور،
وأما الحديث الدالّ على المذكور، فأخرجه البخاريّ في ((التاريخ الصغير)) (١)
١٨٦)، ولفظه أنه وسر قال له: ((يعيش هذا الغلام قرناً))، فعاش مائة سنة. انتهى.
أفاده محقق ((فتح المغيث)) في ٣٤/٤.
(٢) ((البرهان)) ٦٣٢/١.

٣١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
لا يدخل أحد منهم النار؛ لأنهم المخاطبون بالآية السابقة(١).
[فإن قيل]: التقييد بالإنفاق والقتال يُخرج من لم يتصف بذلك، وكذلك
التقييد بالإحسان في الآية السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠] يخرج من لم يتصف
بذلك.
[فالجواب]: أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، وإلا فالمراد
من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل، أو القوة، ولكن قد أشار إلى الخلاف
إلكيا الطبريّ، حيث قال: إن عليه كافة أصحابنا، وكذا قال القاضي، هو قول
السلف، وجمهور الخلف.
وحَكَى الآمديّ، وابن الحاجب قولاً أنهم كغيرهم في لزوم البحث على
عدالتهم مطلقاً، وهو قضية كلام أبي الحسين ابن القطان من الشافعية، فإنه
قال: فوحشيّ قَتَل حمزة، وله صحبة، والوليد شرب الخمر.
قلنا: من ظهر منه خلاف العدالة لا تقع عليه اسم الصحبة، والوليد(٢)
ليس بصحابيّ، إنما أصحابه الذين كانوا على طريقته.
وهذا عجيب، فالكل أصحابه باتفاق، وقَتْل وحشيّ لحمزة كان قبل
إسلامه، وأما الوليد وغيره ممن ذُكِر بما أشار إليه، فقد كَفَّ النبيّ وََّ مِن لعن
بعضهم بقوله: ((لا تلعنه، فوالله ما عَلِمت إلا أنه يحب الله ورسوله))، كما كَفَّ
عمرَ عن حاطب ◌ِّ قائلاً له: ((إنه شَهِد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على
أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم))، لا سيما وهم مخلصون
في التوبة فيما لعله صدر منهم، والحدود كفارات، بل قيل في الوليد
بخصوصه: إن بعض أهل الكوفة تعصبوا عليه، فشهدوا عليه بغير الحقّ.
وبالجملة فَتْك الخوض في هذا ونحوه متعيِّن.
وقيل: لا يُحكم بعدالة من دخل من الصحابة في فتنة من الفتن الواقعة
من حين مقتل عثمان ظه؛ كالْجَمَل، وصِفِّين من الفريقين، إلا بعد البحث
(١) ((الإحكام)) ٩٠/٥.
(٢) أي: ابن عقبة أخو عثمان ظُبه لأمه.

٣١٩
٤٦ - كتاب فضائل الصحابة
عنها، وعن بعضهم ردّهم كافّةً مطلقاً، وقيل: يُقبَل الداخل فيها إذا انفرد؛ لأن
الأصل العدالة، وشككنا في ضدّها، ولا تُقْبَل مع مخالفة لتحقق إبطال أحدهما
من غير تعيين، وقيل: إن القول بالعدالة يخص بمن اشتهر منهم، ومن عداهم
كسائر الناس، فيهم العدول وغيرهم.
قال المازريّ في ((شرح البرهان)»: لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول، كل
من رآه يوماً ما، أو زاره، أو اجتمع به لغرض، وانصرف عن قريب، وإنما
نعني به الذين لازموه، وعزّروه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه،
فأولئك كما قال الله تعالى: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢].
قال السخاويّ: ولم يوافَق المازري على ذلك، ولذا اعترضه غير واحد،
وقال العلائيّ: إنه قول غريب، يُخرج كثيراً من المشهورين بالصحبة، والرواية
عن الحُكم بالعدالة، كوائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي
العاص، وغيرهم، ممن وَفَد عليه، ولم يُقِم عنده إلا قليلاً، وانصرف، وكذلك
من لم يُعرف إلا برواية الحديث الواحد، أو لم تُعرف مقدار إقامته من أعراب
القبائل.
قال الحافظ: وقد كان تعظيم الصحابة، ولو كان اجتماعهم به قليلاً
مقرّراً عند الخلفاء الراشدين، وغيرهم، ثم ساق بسند رجاله ثقات، عن أبي
سعيد الخدريّ أنه كان متكئاً، فذَكَرَ من عنده عليّاً ومعاوية ﴿ها، فتناول رجلٌ
معاوية، فاستوى جالساً، ثم قال: كنا ننزل رفاقاً مع رسول الله بَ﴾، فكنا في
رُفقة فيها أبو بكر، فنزلنا على أهل أبيات، وفيهم امرأة حبلى، ومعنا رجل من
أهل البادية، فقال للمرأة الحامل: أيسرّك أن تلدي غلاماً؟ قالت: نعم، قال:
إن أعطتني شاةً ولدت غلاماً، فأعطته، فسجع لها أسجاعاً، ثم عمد إلى الشاة
فذبحها، وطبخها، وجلسنا نأكل منها، ومعنا أبو بكر، فلمّا علم بالقصّة قام،
فتقيا كل شيء أكله، قال: ثم رأيت ذلك البدويّ قد أُتِي به عمر بن الخطاب،
وقد هجا الأنصارَ، فقال لهم عمر: لولا أن له صحبة من رسول الله وَلام ما
أدري ما نال فيها لكفيتموه، ولكن له صحبة، قال: فتوقف عمر عن معاتبته
فضلاً عن معاقبته؛ لكونه عَلِم أنه لقي النبيّ ◌َّ، وفي ذلك أكبر شاهد على

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدله شيء، كما ثبت في حديث أبي
سعيد الماضي(١).
وقال الإمام أحمد بعد ذِكر العَشرة، والمهاجرين، والأنصار: ثم أفضلُ
الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله وَ ﴿ القرن الذي بُعِث فيهم كلُّ من صَحِبه
سنةً، أو شهراً، أو يوماً، أو ساعةً، أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة
على قدر ما صَحِبِه، وكانت سابقته معه، وسمع منه، ونظر إليه نظرةً، فأدناهم
صحبةً هو أفضل من القَرْن الذين لم يروه، ولو لَقُوا الله بجميع الأعمال، كان
هؤلاء الذين صحبوا النبيّ وَّل ، ورأوه، وسمعوا منه، وآمنوا به، ولو ساعة
أفضل بصحبته من التابعين، ولو عملوا كل أعمال الخير.
وبالجملة فما قاله المازريّ منتقَد، بل كل ما عدا المذهب الأول القائل
بالتعميم باطلٌ، والأول هو الصحيح، بل الصواب المعتبر، وعليه الجمهور،
كما قال الآمديّ، وابن الحاجب؛ يعني: من السلف والخلف، زاد الآمديّ:
وهو المختار، وحَكَى ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب)) إجماع أهل الحقّ من
المسلمين، وهم أهل السُّنّة والجماعة عليه، سواء من لم يُلابِس الفتن منهم،
أو لابَسَها؛ إحساناً للظنّ بهم، وحَمْلاً لهم في ذلك على الاجتهاد، فتلك أمور
مبناها عليه، وكل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد، والمخطئ معذور، بل
مأجور.
قال ابن الأنباريّ: وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم، واستحالة
المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلّف بحثٍ عن أسباب
العدالة، وطلب التزكية، إلا إن ثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك - ولله
الحمد - فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله وَ﴿ حتى ثبت
خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير، فإنه لا يصحّ، وما صحّ فله تأويل
صحیح.
وما أحسن قول عمر بن عبد العزيز تَخَّتُهُ: تلك دماء طهّر الله منها
سيوفنا، فلا تخضب بها ألسنتنا .
(١) أي حديث: ((لا تسبّوا أصحابي ... )).