النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَلا - حديث رقم (٦١٤٤) فَرَأَى رَجُلاً، مُسَجّى)؛ أي: مغطّى (عَلَيْهِ بِثَوْبٍ)، وفي رواية: ((مُستلقياً على القفا، أو قال: على حلاوة القفا))؛ أي: مباشراً بظهره وقفاه الأرض، مستقبلاً بوجهه السماء، كهيئة الميت، وقال القرطبيّ: وقوله: ((حلاوة القفا))؛ يعني بها - والله أعلم -: أن هذه الضجعة مما تُستحلَى؛ لأنَّها ضِجعة استراحة، فكأنه قال: أو حلاوة ضجعة القفا، ويقال: بضم الحاء، وفتحها، وحلاء بالضم والمد، وبه، وبالقصر، وكأن هذه الضجعة من الخضر كانت بعد تعب عبادة، وآثر هذه الضجعة لِمَا فيها من تردُّد البصر في المخلوقات، ورؤية عجائب السماوات، فكأن الخضر في هذه الضجعة متفرغ عن الخليقة، مملوء بما لاح له من الحقّ والحقيقة، ولذلك لما سلَّم عليه موسى ◌َ ﴿ كشف الثوب عن وجهه، وقال: وعليك السلام، من أنت؟. انتهى(١). (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى) عَّا (فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟)؛ معناه: من أين تعرف السلام بهذه الأرض التي أنت فيها؟! وقال في ((الفتح)): قوله: ((أَنَّى))؛ أي: كيف بأرضك السلام؟ ويؤيده ما في ((التفسير)): ((هل بأرضي من سلام؟»، أو من أين، كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَكٍ هَذّ﴾ [آل عمران: ٣٧]، والمعنى: من أين السلام في هذه الأرض التي لا يُعرف فيها؟ وكأنها كانت بلاد كفر، أو كانت تحيتهم بغير السلام، وفيه دليل على أن الأنبياء، ومَنْ دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم الله تعالى؛ إذ لو كان الخضر يعلم كل غيب لعرف موسى قبل أن يسأله. انتهى(٢). وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((أنّى بأرضك السلام؟)) هذا يَحْتَمِل وجهين: [أحدهما]: أن ذلك الموضع كان قفراً لم يكن به أحدٌ يصحبه، ولا أنيس، فيكلمه، ويَحْتَمِل أن يكون أهل ذلك الموضع لا يعرفون السلام الذي سلّم به موسى عليه، إما لأنهم ليسوا على دين موسى، وإما لأنه ليس من کلا مهم. و((أنى)) تأتي بمعنى حيث، وكيف، وأين، ومتى، حكاه القاضي، وفي هذا من الفقه: تسليم القائم على المضطجع، وهذا القول من الخضر كان بعد (١) ((المفهم)) ١٩٩/٦. (٢) ((الفتح)) ٣٨٣/١. ٢٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل أن ردَّ عليه السلام، لا قبله، كما قد ذكرناه، ومساق هذه الرواية يدل: على أن اجتماع موسى وَّ بالخضر كان في البرّ عند الصخرة، وهو ظاهر قوله: ((حتى إذا أتى الصخرة، فرأى رجلاً مسجَّى))، وفي بعض طرق البخاريّ: ((حتى أتى الصخرة، فإذا رجل مسجَّى))، فعَطَفه بالفاء المعقبة، وإذا المفاجئة، غير أنه قد ذَكَر البخاريّ ما يقتضي أنه رآه في كبد البحر، وذلك أنه قال فيها: ((فوجد خضراً على طنفسة خضراء، على كبد البحر، مسجَّى بثوبه، وجعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه))، و((كبد البحر)): وسطه، وهذا يدلّ على أنه اجتمع به في البحر، ويَحْتَمِل أن موسى مشى على الماء، وتلاقياً عليه، وهذا لا يُستبعد على موسى والخضر، فإنَّ الذي خُرِق لهما من العادة أكثرُ من هذا وأعظمُ، وعلى هذا فهذه الزيادة تُضم إلى الرواية المتقدِّمة، ويُجمع بينهما بأن يقال: إن وصول موسى للصخرة، واجتماعه مع الخضر كان في زمان متقارب، أو وقت واحد لطيٍّ الأرض، وتسخير البحر، والقدرة صالحة، وهذه الحالة خارقة للعادة؛ ولمّا كان كذلك عبَّر عنها بصيغ التعقيب، والاتصال، والله تعالى أعلم. انتهى(١). (قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ) حرف جواب في الإيجاب، فكأنه قال: أنا موسى بني إسرائيل، فهو نصٌّ في الرد على نوفٍ، وعلى من قال بقوله، وهم أكثر اليهود(٢). (قَالَ) الخضر لموسى ◌َلَّ بعد أن طلب منه التعلم، ففي الرواية التالية: ((قال: مجيء ما جاء بك؟ قال: جئت لتعلّمني مما عُلّمت رشداً)). (إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ، عَلَّمَكَهُ اللهُ، لَا أَعْلَمُهُ) أنا، (وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْم الهِ، عَلَّمَنِيهِ، لَا تَعْلَمُهُ) أنت، قال القرطبيّ كَّتُهُ: ظاهر هذا أن الَّخضر كَان لا يعلم التوراة، ولا ما علّمه موسى من الأحكام، وقد جاء هذا الكلام في بعض روايات البخاريّ بغير هذا اللفظ، وبزيادة فيه؛ فقال: ((أما يكفيك أن التوراة بين يديك، وأن الوحي يأتيك يا موسى؟ إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه)). (١) ((المفهم)) ١٩٩/٦ - ٢٠٠. (٢) («المفهم)» ٦/ ٢٠٠. ٢٤٣ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَل ـ حديث رقم (٦١٤٤) قال القرطبيّ: ولا بُعد فيما ظهر من رواية مسلم؛ لأنَّ الخضر إن كان نبياً، فقد اكتفى بما تعبَّده الله به من الأحكام، وإن كان غير نبيّ، فليس متعبّداً بشريعة بني إسرائيل؛ إذ يمكن أن لا يكون منهم، والله أعلم، وسيأتي القول في نبوّته. وأما مساق رواية البخاريّ، فهو مساق حسن لا يَرِد عليه من هذا الاستبعاد شيء؛ لأنَّ مقتضاه أن لكل واحد منهما علماً خاصاً به، لا يعلمه الآخر، ويجوز أن يشتركا في علم التوراة، أو غيرها مما شاء الله أن يشركهما فيه من العلوم، ويظهر لي أن الذي خُصَّ به موسى و لير العلم بالأحكام، والمصالح الكلية التي تنتظم بها مصالح الدنيا؛ لأنَّه أُرسل إلى عامة بني إسرائيل. انتهى (١). (قَالَ لَهُ مُوسَى) عَُّ (﴿هَلْ أَتَِّعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا﴾) منصوب على أنه مفعول ثان لـ(تعلّمن))، وهذا من موسىلعلَّلها سؤال ملاطفة؛ أي: هل يمكن كوني معك، حتى أتعلم منك؟ فأجابه بما يقتضي أن ذلك ممكن لولا المانع الذي من جهتك، وهو عدم صبرك. وقال أبو عبد الله القرطبيّ: هذا سؤال الملاطِف، والمخاطب المستنزل المبالغ في حسن الأدب، والمعنى: هل يتفق لك، ويخفّ عليك؟ وهذا كما في الحديث: ((هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﴿ يتوضأ؟))، وعلى بعض التأويلات يجيء كذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآَبِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]. قال: وفيه دليل على أن المتعلم تَبَع للعالم، وإن تفاوتت المراتب، ولا يُظَنّ أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل منه، فقد يَشِذّ عن الفاضل ما يعلمه المفضول، والفضل لمن فضّله الله، فالخضر إن كان وليّاً فموسى أفضل منه؛ لأنه نبيّ، والنبيّ أفضل من الوليّ، وإن كان نبياً فموسى فَضَلَه بالرسالة، والله أعلم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفنا أن الحقّ أنه نبيّ، وسيأتي تمام تحقيقه قريباً - إن شاء الله تعالى -. (١) ((المفهم)) ٢٠١/٦ - ٢٠٢. (٢) ((تفسير القرطبيّ)) ١١/ ١٧. ٢٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل فـ (قَالَ) جازماً في قضيته، لِمَا علمه من حالته: (﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾)؛ أي: إنك يا موسى لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي؛ لأن الظواهر التي هي عِلمك لا تُعطيه، وكيف تصبر على ما تراه خطأ، ولم تُخْبَر بوجه الحكمة فيه، ولا طريق الصواب، وهو معنى قوله: (﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِ خُبْرً (®﴾)؛ أي: والأنبياء لا يُقِرُّون على منكر، ولا يجوز لهم التقرير؛ أي: لا يسعك السكوت جرياً على عادتك وحُكمك، قاله القرطبيّ المفسّر تَخْذَهُ(١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ: معناه: إنك لا تصبر عن الإنكار والسؤال، وأنت في ذلك كالمعذور؛ لأنَّك تشاهد أموراً ظاهرة، ولا تَعرف بواطنها، وأسرارها، وانتصاب ﴿خُبْ﴾ على التمييز المحوّل عن الفاعل، وقيل: على المصدر الملاقي في المعنى؛ لأنَّ قوله: ﴿لَ تُحِطَ﴾؛ معناه: لم تُخْبَره، فكأنه قال: لم تخبره خبراً، وإليه أشار مجاهد، والخبير بالأمور: هو العالم بخفاياها، وبما يُختبر منها(٢). (قَالَ) موسى ◌َُّ (﴿سَتَجِدُنِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَّ أَعْضِى لَكَ أَمْرًا﴾) هذا تفويض إلى الله تعالى في الصبر، وجزمٌ بنفي المعصية؛ وإنما كان منه ذلك؛ لأن الصبرَ أمر مستقبل، ولا يدري كيف يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزومٌ عليه حاصل في الحال، فالاستثناء فيه يُنافي العزمَ عليه، والله تعالى أعلم. ويُمكن أن يفرَّق بينهما بأن الصبرَ ليس مُكتسَباً لنا، بخلاف فعل المعصية، وتَرْكها، فإن ذلك كله مكتسَب لنا، قاله القرطبيّ تَذّتُهُ(٣). وقال القرطبيّ المفسّر: قوله تعالى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾؛ أي: سأصبر بمشيئة الله ﴿وَلَّ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾؛ أي: قد ألزمت نفسي طاعتك، وقد اختُلِف في الاستثناء، هل هو يشمل قوله: ﴿وَلَّ أَعْصِى لَّكَ أَمْرًا﴾ أم لا؟ فقيل: يشمله؛ كقوله: ﴿وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقيل: استثنى في الصبر، فَصَبَر، وما استَثْنَى في قوله: ﴿وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾، (١) (تفسير القرطبيّ)) ١١/ ١٧. (٣) ((المفهم)) ٢٠٢/٦. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٢٠٢. ٢٤٥ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلا - حديث رقم (٦١٤٤) فاعترض، وسأل، قال علماؤنا: إنما كان ذلك منه؛ لأن الصبر أمر مستقبل، ولا يدرى كيف يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزوم عليه حاصل في الحال، فالاستثناء فيه ينافي العزم عليه. ويمكن أن يفرق بينهما بأن الصبر ليس مكتسباً لنا، بخلاف فعل المعصية وتركها، فإن ذلك كله مكتسب لنا، والله أعلم. (قَالَ لَهُ)؛ أي: لموسى، (الْخَضِرُ: ﴿فَإِنِ أَتََّعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىٌ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾)؛ أي: حتى أكون أنا الذي أُفسّره لك، هذا من الْخَضِر تأديبٌ، وإرشادٌ لِمَا يقتضي دوامَ الصُّحبة، ووعدٌ بأنه يُعرِّفه بأسرار ما يراه من العجائب، فلو صبرَ، ودَأبَ لرأى العجبَ، لكنَّه أكثر من الاعتراض، فتعيَّن الفِراق والإعراض. (قَالَ) موسى ◌َُّ (نَعَمْ)؛ يعني: لا أسألك عن شيء حتى تحدّثني به أنت. (فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى) لم يذكر معهما فتى موسى، فيَحْتَمِل أنه لم يكن معهما بل تخلّف عنهما، ويَحْتَمِل أنه معهما ولكن اكتُفي بذكر المتبوع عن التابع. (يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ)؛ أي: على شاطىء البحر، والجمع: سواحل، (فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَّاهُمْ)؛ أي: كلّم الخضر وموسى أصحاب تلك السفينة، وفي رواية: ((فكلموهم)) بالجمع، قال في ((الفتح)): ضم يوشع معهما في الكلام لأهل السفينة؛ لأن المقام يقتضي كلام التابع. (أَنْ يَحْمِلُوهُمَا) عليها، والظاهر أن يوشع لم يركب معهما؛ لأنه لم يقع له ذِكر بعد ذلك. (فَعَرَفُوا الْخَضِرَ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ)؛ أي: بغير شيء ناله أصحابُ السفينة منهما؛ أي: بغير جُعل، والنَّولُ، والنَّالُ، والنَّيْلُ: العطاء، وفيه ما يدلُ على قَبُول الرجل الصالح ما يُكرمُه به من يعتقدُ فيه صلاحاً، ما لم يتسبَّب هو بإظهار صلاحه لذلك، فيكون قد أَكَلَ بدينه، وذلك مُحرَّم، وربا(١). (فَعَمَدَ)؛ أي: قصد، يقال: عمدت للشيء عَمْداً، من باب ضرب، وعَمَدت إليه: قصدتُ، وتعمّدته: قصدت إليه أيضاً (٢). (الْخَضِرُ) عَلَّهُ (إِلَى (١) ((المفهم)) ٦/ ٢٠٣. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٢٨/٢. ٢٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل لَوْحِ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَتَزَعَهُ)؛ أي: أخرجه من مكانه، قال الأُبيّ: الظاهر أنه ليس بمرئي من أهلها؛ إذ لم يثبت أنّ أحداً من أهلها أنكر عليه، وقَصْده أن يَعيبها دون أن يقع بأهلها ضرر، وهذا من خرق العادة(١). (فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هؤلاء قوم (حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ)؛ أي: بغير أجرة، وأصل النول: العطال، وقد يُستعمل في الأجرة، (عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا؛ لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) قرأه حمزة، والكسائي بالمثناة تحتُ مفتوحةٍ، و﴿أَهْلُهَا﴾ بالرفع على أنه فاعل يَغرَق، والباقون بالمثناة فوق مضمومة، و﴿أَهْلَهَا﴾ بالنصب، فعلى الأول تكون اللام للمآل، كما قال تعالى: ﴿فَلْنَقَطَهُ: ◌َالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية [القصص: ٨]، وعليها فلم يَنسُبْ له أنه أراد الإغراق، وعلى القراءة الثانية تكون اللام لام كي، ويكون نَسبَ إليه أنه قَصَد بفعله ذلك إغراقهم، وحملَه على ذلك فرطُ الشفقة عليهم، ومراعاة حقهم، ولأنهم قد أحسنوا، فلا يُقابَلون بالإساءة، ولم يقل: لتُغرقني؛ لأن الذي غلب عليه في الحال فَرطُ الشفقة عليهم، ومراعاة حقهم(٢). (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً)؛ أي: ضعيف الحجة، يُقال: رجل إمرٌ؛ أي: ضعيف الرأي، ذاهبُه، يحتاج إلى أن يُؤمر، قال معناه أبو عبيد، وقال مجاهد: منكراً، وقال مقاتل: عجباً، وقال الأخفش: يُقال: أَمِرَ أَمْرُهُ، يأمر أمْراً؛ أي: اشتدّ، والاسم: الإمْرُ، قال الراجز: قَدْ لَقِيَ الأَقْرَانُ مِنِّي نُكراً داهِيَةَ دَهْيَاءَ إِدّاً إِمْرَا وفيه من الفقه: العمل بالمصالح إذا تحقق وجهها، وجواز إصلاح كل المال بفساد بعضه(٣). (قَالَ) الخضر (﴿أَلَمَّ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ؛ أي: من عهدك، فتكون ((ما)) مع الفعل بتأويل المصدر؛ أي: سهوي، وغفلتي، وصدقَ، ولذلك قال رسول الله وَّه: ((كانت الأُولى من موسى نسياناً)) (٤). (﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ)) قال أبو عبد الله القرطبيّ: قوله: (١) ((شرح الأبيّ)) ١٧٦/٦ - ١٧٧. (٣) ((المفهم)) ٢٠٤/٦. (٢) ((المفهم)) ٢٠٤/٦. (٤) ((المفهم)) ٦/ ٢٠٤. ٢٤٧ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَل - حديث رقم (٦١٤٤) · تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾ في معناه قولان: أحدهما: يُروى عن ابن عباس، قال: هذا من معاريض الكلام. والآخر أنه نسي فاعتذر، ففيه ما يدلّ على أن النسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف، ولا يتعلق به حكم طلاق، ولا غيره، وقد تقدم، ولو نسي في الثانية لاعتذر. انتهى(١). (﴿وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُدْرًا﴾)؛ أي: لا تُفَنِّدني فيما تركته، قاله الضحَّاك، وقال مقاتل: لا تكلِّفني ما لا أقدر عليه، من التحفّظ عن السهو. (ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانٍ عَلَى السَّاحِلِ، إِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ) قال القرطبيّ ◌َخَُّ: قد تقدم أن الغلام في الرجال يقال على من لم يبلغ، ويُقابله الجارية في النساء، قال الكلبي: اسم هذا الغلام: شمعون، وقال الضخَّاك: حيسون، وقال وهب: اسم أبيه سلاس، واسم أمه رُحمى، وقال ابن عباس: كان شاباً يقطع الطريق. قال القرطبيّ تَخْتُ: ويظهر من كلام ابن عباس هذا أنه كان بالغاً، وأنه بلغ سن التكليف، وليس هذا معروفاً في إطلاق اسم الغلام في اللغة، ومساق الحديث يدلّ على أنه لم يبلغ سن التكليف، فلعل هذا القول لم يصحّ عن ابن عباس، بل الصحيح عنه أنه كان لم يبلغ، كما يأتي(٢). وقال القرطبيّ المفسّر: اختلف العلماء في الغلام، هل كان بالغاً أم لا؟ فقال الكلبيّ: كان بالغاً يقطع الطريق بين قريتين، وأبوه من عظماء أهل إحدى القريتين، وأمه من عظماء القرية الأخرى، فأخذه الخضر، فصرعه، ونزع رأسه عن جسده، قال الكلبيّ: واسم الغلام شمعون، وقال الضحاك: حيسون، وقال وهب: اسم أبيه سلاس، واسم أمه رُحْمَى، وحَكَى السهيلي أن اسم أبيه کازیر، واسم أمه سهوی. وقال الجمهور: لم يكن بالغاً، ولذلك قال موسى: ﴿زَكِيَّةٌ﴾ لم تُذنب، وهو الذي يقتضيه لفظ الغلام، فإن الغلام في الرجال يقال على من لم يَبْلُغ، وتقابله الجارية في النساء. (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٠/١١. (٢) ((المفهم)) ٢٠٥/٦. ٢٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وكان الخضر قَتَله لمّا عَلِم من سرّه، وأنه ◌ُبع كافراً كما في صحيح الحديث، وأنه لو أدرك لأرهق أبويه كفراً، وقتلُ الصغير غير مستحيل؛ إذا أَذِن الله في ذلك، فإن الله تعالى الفعّال لِمَا يريد، القادر على ما يشاء، وفي ((كتاب العرائس)): إن موسى لمّا قال للخضر: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ﴾ - الآية - غضب الخضر، واقتلع كتف الصبي الأيسر، وقشر اللحم عنه، وإذا في عَظْم كتفه مكتوب: كافر، لا يؤمن بالله أبداً . وقد احتج أهل القول الأول بأن العرب تبقي على الشاب اسم الغلام، ومنه قول ليلى الأخيلية [من الطويل]: غُلَامٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سَقَاهَا شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي بِها وقال صفوان لحسان [من الطويل]: تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنِّي فَإِنَّنِي غُلَامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرٍ وفي الخبر: إن هذا الغلام كان يُفسد في الأرض، ويُقسم لأبويه أنه ما فعل، فيُقْسمان على قَسَمه، ويحميانه ممن يطلبه، قالوا: وقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ يقتضي أنه لو كان عن قَتْل نفس لم يكن به بأس، وهذا يدل على كِبَر الغلام، وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس، وإنما جاز قتله؛ لأنه كان بالغاً عاصياً . قال ابن عباس: كان شاباً يقطع الطريق. وذهب ابن جبير إلى أنه بلغ سنّ التكليف؛ لقراءة أُبَيّ وابن عباس: ((وأما الغلام فكان كافراً، وكان أبواه مؤمنين))، والكفر والإيمان من صفات المكلَّفين، ولا يُطلق على غير مكلَّف إلا بحكم التبعية لأبويه، وأبَوَا الغلام كانا مؤمنين بالنصّ، فلا يصدق عليه اسم الكافر إلا بالبلوغ، فتعيّن أن يصار إليه. والغلام من الاغتلام وهو: شدّة الشَّبق. انتهى(١). (فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ، فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ)، وفي ((صحيح البخاريّ)): قال يعلى: قال سعيد: ((وجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً، فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين، قال: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَّبِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسِ﴾ لم تعمل بالحنث)). (فَقَالَ مُوسَى) عندما شاهد هذه الفعلة من الخضر، وهي قَتْله الغلام، وفي الرواية التالية: (١) (تفسير القرطبيّ)) ٢٢/١١. ٢٤٩ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَل ـ حديث رقم (٦١٤٤) ((فَذُعِرَ عندها موسى ◌ِلَّا ذَعْرَةً منكرةً))؛ أي: فَزِعَ فَزَعاً شديداً عند هذه الفعلة التي هي قَتْله الغلام، وعند ذلك لم يتمالك موسى أن بادر بالإنكار، تاركاً للاعتذار، فقال: (أقتلت نفسا زاكية) هذه قراءة العامة، وقرأه الكوفيون، وابن عامر (زكيّة) بغير ألف، وتشديد الياء، قال ثعلب: الزكية: أبلغ، قال أبو عبيد: الزكية في الدين، والزاكية في البدن، قال الكسائي: هما بمعنى واحد؛ كقاسية، وقسيَّة، وقرأ ابن عباس: مُسْلمة، قال أبو عمرو: التي ما حلَّ ذنبها، وقال ابن جبير: يريد على الظاهر(١). (﴿ِغَيْرِ نَفْسٍ﴾)؛ يعني: أنها لم تقتل نفساً، فتستحقّ القتل بها (﴿لَقَدْ جِثْتَ شَيْئًا تُكْرًا﴾) أشدَّ المنكر، وأفحشه، قاله قتادة، وفيه لغتان: ضم الكاف، وسكونها، وقرئ بهما، وهذه بادرة من موسى علَّا تَرَك بها كل ما كان التزم له من الصبر، وتَرْك المخالفة؛ لكن حَمَله على ذلك استقباح ظاهر الحال، وتحريم ذلك في شَرْعه، ولذلك قال النبيّ وَله: ((وهذه أشدُّ من الأُولى))(٢). وقال القرطبيّ المفسّر: اختلف الناس أيهما أبلغ (إمْراً)، أو قوله: ، فقالت فرقة: هذا قتل بَيِّن، وهناك مترقب، ف﴿نُكْرًا﴾ أبلغ. وقالت فرقة: هذا قتل واحد، وذاك قتل جماعة فـ(إِمْراً) أبلغ. قال ابن عطية: وعندي أنهما لمعنيين، وقوله: (إِمْراً) أفظع، وأهول من حيث هو متوقَّع عظيم، و﴿ذُكْرًا﴾ بَيِّن في الفساد؛ لأن مكروهه قد وقع، وهذا بین(٣). (﴿قَالَ أَلَّمَ أَقُل لَّكَ﴾) قيل: إنما ذكر (لك) في هذه المرة، ولم يذكرها في الأُولى مقابلةً له على شدّة في هذه الكرَّة؛ فإنَّ مقابلته بـ(لك) مع كاف خطاب المفرد يُشعر بذلك، والله أعلم. قَالَ) فَ: (وَهَذِهِ)؛ أي: هذه الصيغة، (﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا وهي قوله: ((ألم أقل لك)) بزيادة (لك))، (أَشَدُّ مِنَ الأُولَى)؛ أي: من الصيغة الماضية، فإنها: ((ألم أقل)) بدون ((لك)). (قَالَ) موسىَُّ (﴿إِن سَأَلْئُكَ عَنْ شَىْءٍ (١) ((المفهم)) ٦/ ٢٠٥. (٣) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٢/١١. (٢) ((المفهم)) ٢٠٦/٦. ٢٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل بَعْدَهَا فَلاَ تُصَحِبْنِى﴾) هذا قول أبْرَزه من موسى ظلَّهُ استحياؤه من كثرة المخالفة، وتهديده لنفسه عند معاودتها للاعتراض بالمفارقة. وقال المفسّر(١): هذا شرط، وهو لازم، والمسلمون عند شروطهم، وأحقّ الشروط أن يُوفَى به ما التزمه الأنبياء، والتُزِمِ للأنبياء(٢) . وقوله تعالى: ﴿فَلاَ تُصَحِبْنِىٌ﴾ كذا قرأ الجمهور؛ أي: تتابعني، وقرأ الاعرج: (تَصْحَبَنّي)) بفتح التاء، والباء، وتشديد النون، وقرئ: (تَصْحَبْني))؛ أي: تتبعني، وقرأ يعقوب: ((تصحبني)) بضم التاء وكسر الحاء، ورواها سهل عن أبي عمرو، قال الكسائي: معناه: فلا تتركني أصحبك(٣). (﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَُّنِ عُذْرًا﴾)؛ أي: قد صرت عندي معذوراً، وقد تقدَّم الفرق بين لدنِّي وعندي، وأن في لدنِّي لغات، وقرئت: (مِنْ لَدْنِي) بضم الدال، وتخفيف النون، وسكون الدال، وإشمامها الضم، وتخفيف النون لأبي بكر عن عاصم، وبضم الدال، وتشديد النون، والأُولى النافع، والثالثة للباقين، قاله القرطبيّ (٤) . قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت لغات ((لدن)) بقولي: لَدُنْ بِفَتْحِ ثُمَّ ضَمِّ يَنْجَلِي (لَدُنْ» لَهَا مِنَ اللُّغَاتِ مَا يَلِي لُذْنٌ كَقُفْلٍ وَكَجَيْرٍ فَاعْرِفِ لَدْنٌ كَفَلْسٍ لَدِنٌ کَکَتِفِ مِثْلُ قَفَا كَذَا لُدُنْ قَدْ وَرَدَا وَلَدْ كَلَمْ وَلُدُ كَمُذْ ثُمَّ لَدَى بِضَمَّتَيْنٍ وَكَذَا لُدُ احْذِفَا نُوناً فَتِلْكَ عَشَرَةٌ خُذْ مُنْصِفَا أَعْنِي بِهِ ((الْقَامُوسَ)) فَلْتُعْنَ بِهِ أَوْرَدَهَا الْمَجْدُ لَدَى كِتَابِهِ وقال القرطبيّ المفسّر: قوله: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِ عُذْرًا﴾: هذا يدلّ على قيام الاعتذار بالمرة الواحدة مطلقاً، وقيام الحجة من المرة الثانية بالقطع، قاله ابن العربي، وقال ابن عطية: ويُشبه أن تكون هذه القصة أيضاً أصلا للآجال في الأحكام التي هي ثلاثة، وأيام المتلوّم ثلاثة، فتأمله(٥). (١) هو: أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر تلميذ أبي العبّاس القرطبيّ صاحب ((المفهم)). (٣) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٢/١١. (٢) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٢/١١. (٤) ((المفهم)) ٦/ ٢٠٧. (٥) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٢/١١. ٢٥١ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَلَّا - حديث رقم (٦١٤٤) قال: وقوله: (﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّكُنِّ عُذْرًا﴾)؛ أي: بلغت مبلغاً تُعذر به في ترك مصاحبتي، وقرأ الجمهور: ﴿مِن ◌َّكُنِ﴾ بضم الدال، إلا أن نافعاً وعاصماً خفَّفا النون، فهي ((لدن)) اتصلت بها ياء المتكلم التي في غلامي، وفرسي، وگُسر ما قبل الياء كما كُسر في هذه. وقرأ أبو بكر عن عاصم: ((لَدْنِي)) بفتح اللام وسكون الدال وتخفيف النون. وروي عن عاصم: ((لُذْني)) بضم اللام وسكون الدال، قال ابن مجاهد: وهي غلط، قال أبو علي: هذا التغليط يُشبه أن يكون من جهة الرواية، فأما على قياس العربية فهي صحيحة. وقرأ الجمهور: ((عُذْراً))، وقرأ عيسى: ((عُذُرا)) بضم الذال. وحكى الداني أن أُبِّ روى عن النبيّ وَّر: ((عُذْرِي)) بكسر الراء وياء بعدها (١). (﴿فَأَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَيَا أَهْلَ فَرْيَةٍ﴾)، وفي رواية: ((أهل قرية لئاماً))، قال قتادة: القرية أيلة، وقيل: أنطاكية، و((لئام)) هنا: بخلاء، واللؤم في الأصل: هو البخل، مع دناءة الآباء. (﴿أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾) الاستطعام: سؤال الطعام، والمراد به هنا: أنهما سألا الضيافة، بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَبَوْاْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾. [الكهف: ٧٧]؛ فاستحقّ أهل القرية أن يُذمُّوا، ويُنسبوا إلى اللؤم، كما وصفهم بذلك نبيّنا وَّ﴾، ويظهر من ذلك أن الضيافة كانت عليهم واجبة، وأن الخضر وموسى إنما سألا ما يجب لهما من الضيافة، وهذا هو الأَلْيَق بحال الأنبياء والفضلاء، وبعيد أن يُذَمّ من تَرَك المندوب هذا الذم، مع أنه يَحْتَمِل أن يقال: إن الضيافة لمّا كانت من المكارم المعروفة المعتادة عند أهل البوادي، ذُمَّ المتخلف عنها عادةً، كما قد قالوا: ((شرٌّ القُرى التي تبخل بالقِرى))، ويَحْتَمِل أن يكون سؤالهما الضيافة عند حاجتهما إلى ذلك، وقد بيَّنَّا: أن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يردُّ به جوعه، ففيه ما يدل على جواز المطالبة بالضيافة، كما قال ◌َله: ((إن نزلتم بقوم، فَأَمَر لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا، فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حقّ الضيف))، متّفقٌ عليه. (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٢/١١ - ٢٣. ٢٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقد تقدَّم القول في الضيافة وأحكامها، ويعفو الله عن الحريري؛ فإنَّه استَخَفَّ في هذه الآية، ومَجَّن، فاستدل بها على الكُذْيَةِ، والإلحاح فيها؛ وأن ذلك ليس بعيب على فاعله، ولا منقصة عليه، فقال [من الطويل]: فإِنْ رُدِدتَ فَمَا بَالرَدِّ مَنقَصَةٌ عَلَيْكَ قَدْ رُدَّ مُوسَى قَبْلُ وَالْخَضِرُ وهذا لعبٌّ بالدِّين، وانسلال عن احترام النبيين، وهي: شنشنة أدبية، وهفوة سخافية، ويرحم الله السَّلف الصالح، فإنَّهم بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعباً بشيء، فإياك أن تلعب بدينك. انتهى كلام القرطبيّ(١). قال الجامع عفا الله عنه: وأنا أقول: سامح الله القرطبيّ في هذا الهجوم الذي هاجم به الحريريّ، واتّهمه بالسخافة والمجون، فأي ذنب اقترفه، فإنه ما زاد في بيته على ما أسلفه القرطبيّ نفسه في تقرير حال الخضر وموسى ◌َالهِ. ومعنى البيت الذي قاله هو معنى قوله رَك: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَاً أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ الآية [الكهف: ٧٧]، وإياك ثم إياك أن تتّهم مسلماً بالمجون، أو الزندقة إلا ببيّنة واضحة، فإن هذا مزلّة أقدام، وهفوة أقلام، عافانا الله من ذلك بمنّه وكرمه، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم، آمين. (﴿فَأَبَوْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ فَأَقَامَةٌ﴾) الجدار: الحائط، و﴿يَنْقَضَّ﴾: يسقط، قال القرطبيّ تَخْذَتُهُ: وصفُهُ بالإرادة مجاز، مستعمل، وقد فسّره في الحديث بقوله: ((يقول: مائل))، فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن، وهو مذهب الجمهور، ومما يدلّ على استعمال ذلك المجاز وشهرته، قول الشاعر [من الوافر]: ويَرْغَبُ عَنْ دِماء بَنِي عَقِيلٍ يُرِيدُ الرُّمحُ صَدْرَ أبي بَراءٍ وقال آخر [من الخفيف]: لَزَمَانٌ يَهُمُّ بِالإِحسانِ إِنَّ دَهْراً يَلُفُّ شَمْلِي بِسَلْمَى وقال آخر [من الكامل]: فَلْقَ الفُؤُوسِ إِذَا أَرَدْنَ نُصُولَا فِي مَهْمَهِ فُلِقَت به هاماتُنَا (١) ((المفهم)) ٢٠٨/٦. ٢٥٣ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ علا - حديث رقم (٦١٤٤) والنصول هنا: الثبوت في الأرض، من قولهم: نصل السَّهم: إذا ثبت في الرَّميَّة، فشبّه وقع السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوس في الأرض الشديدة؛ فإنَّ الفأس يقع فيها، ويثبت، ولا يكاد يخرج، والمجاز موجود في القرآن، والسُّنَّة، كما هو موجودٌ في كلام العرب، وقد استوفينا مباحث هذه المسألة في الأصول. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: مسألة وقوع المجاز في القرآن والسُّنَّة، وفي كلام العرب عموماً قد استوفيت البحث فيها في ((التحفة المرضيّة))(٢)، و((شرحها))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (يَقُولُ) الراوي مفسّراً قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ﴾ معناه: (مَائِلٌ)؛ أي: انحرف عن الاستقامة، وكاد يسقط. (قَالَ الْخَضِرُ) عِلَّا (بِيَدِهِ هَكَذَا، فَأَقَامَهُ)؛ يعني به: أنه أشار إليه بيده، فقام، قال القرطبيّ: فيه دليل على كرامات الأولياء، وكذلك كل ما وُصف من أحوال الخضر في هذا الحديث، وكلها أمور خارقة للعادة، هذا إذا تنزّلنا على أنه وليّ، لا نبيّ، وقد اختلف فيه أئمة أهل السُّنَّة، والظاهر من مساق قصته، واستقراء أحواله، مع قوله: ﴿وَمَا فَعَلْنُهُ. عَنْ أَمْرِئَّ﴾؛ أنه نبيّ يوحى إليه بالتكاليف، والأحكام، كما أوحي إلى الأنبياء، غیر أنه ليس برسول. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: القول بكون الخضر وليّاً ضعيف جدّاً؛ لمخالفته ظواهر الكتاب والسُّنَّة، وسيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى. (قَالَ لَهُ مُوسَى)؛ أي: قال للخضر لَمّا أقام ذلك الجدار بدون أجر يتقوون به في سفرهما، (قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ، فَلَمْ يُضَيِّفُونَا، وَلَمْ يُطْعِمُونَا، لَوْ شِئْتَ لَتَخِذْتَ(٣) عَلَيْهِ أَجْراً) قال القرطبيّ: هذه قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، ويعقوب، وقراءة غيرهم: (لَاتَّخَذْتَ)، وهما لغتان بمعنى واحد من الأخذ، وهذه صدرت من موسى سؤالاً على جهة العرض، لا الاعتراض. (١) ((المفهم)) ٢٠٨/٦ - ٢٠٩. (٢) راجع: ((التحفة المرضيّة)) ص٣٨ - ٣٩. (٣) وفي نسخة: ((لاتّخذت)). ٢٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقال السمين تَّتُهُ: قوله: (لَاتَّخَذْتَ) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (لتَخِذت)) بفتح التاء، وكسر الخاء، من تَخِذَ يَتْخَذُ؛ كتَعِبَ يَتْعَبُ، والباقون: ((لاتّخذت)) بهمز الوصل، وتشديد التاء، وفتح الخاء، من الاتّخاذ، واختُلف هل هما من الأخذ، والتاء بدل من الهمزة، ثم تُحذف التاء الأولى، فيقال: تَخِذَ، کتَقِيَ، من اتَّقَی، نحو: تَقِ اللَّهَ فِينَا وَالْكِتَابَ الَّذِي تَتْلُو أم هما من تَخِذ، والتاء أصليّة، ووزنهما فِعِلَ، وافْتَعَلَ؟ قولان، قال: والفعل هنا على القراءتين متعدّ لواحد؛ لأنه بمعنى الكسب. انتهى (١). فعند ذلك (﴿قَالَ﴾) له الخضر (﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَّنْكَ﴾﴾ أي: هذا وقت ذلك، بحكم ما شرطتَ على نفسكَ، قال المحلّي ◌َُّهُ: فيه إضافة (بين)) إلى غير متعدّد، سوّغها تكريره بالعطف. انتهى(٢). ثم وعدَه بأن يُخبرَه بحكم تلك الأحكام، فقال: (﴿سَأْنِبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا﴾))) قال المفسّر: تأويل الشيء مآله؛ أي: قال له: إني أخبرك لِمَ فعلتُ ما فعلت؟، وقيل في تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر: إنها حجة على موسى، لا عجباً له، وذلك أنه لمّا أنكر أمْر خرق السفينة نودي: يا موسى أين كان تدبيرك هذا، وأنت في التابوت مطروحاً في اليم! فلما أنكر أمر الغلام، قيل له: أين إنكارك هذا من وكزك القبطيّ، وقضائك عليه! فلما أنكر إقامة الجدار نودي: أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعیب دون أجر !. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا النداء لموسى يحتاج إلى سند يصحّ به، فأين هو؟ والله تعالى أعلم. (قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْتُ) بفتح الواو، وكسر الدال، يقال: وَدِدْتُهُ، أَوَدُهُ، من باب تَعِبَ وُدّاً بفتح الواو، وضمّها: أحببته، والاسم: المَوَدَّةُ، وَوَدِدْتُ لو كان كذا أَوَدُّ أيضاً وُدّاً، ووَدَادَةً، بالفتح: تمنَّيته، (١) ((الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون)) ٥٣٥/٧. (٢) ((تفسير المحليّ)) ٣٩/٣ بنسخة ((حاشية الجمل)). ٢٥٥ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَل - حديث رقم (٦١٤٤) وفي لغة: وَدَدْتُ أَوَدُّ، بفتحتين، حكاها الكسائيُّ، وهو غَلَطّ عند البصريين، وقال الزجاج: لم يقل الكسائيُّ إلا ما سَمِع، ولكنه سمعه ممن لا يوثّق بفصاحته، ذكره الفيّوميّ(١). (أَنَّهُ)؛ أي: موسى، (كَانَ صَبَرَ) الظاهر أن ((كان)) زائدة، كما قال في (الخلاصة)» : وَقَدْ تُزَادُ ((كَانَ)) فِي حَشْوٍ كَمَا («كَانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا)) (حَتَّى يُقَصَّ) بالبناء للمفعول؛ أي: حتى يقصّ الله تعالى في كتابه، وفيما يوحيه إليّ، (عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا)))؛ أي: فنسمع العجائب والغرائب. ، (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((كَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى (قَالَ) أُبيّ بن كعب نِسْيَاناً)، قَالَ: ((وَجَاءَ عُصْفُورٌ) بضمّ أوّله، قيل: هو الصُّرَد، بضم المهملة، وفتح الراء، وفي ((الرحلة)) للخطيب أنه الْخُطاف. (حَتَى وَقَعَ عَلَى حَرْفٍ السَّفِينَةِ)؛ أي: طَرَفها، (ثُمَّ نَقَرَ)؛ أي: أصاب بمنقاره (فِي الْبَحْرِ)؛ أي: منه، فـ(في)) بمعنى ((من)). (فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْم اللهِ، إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ))) لفظُ النقص ليس على ظاهره؛ لأن علم الله تعالى لا يدخله النقص، فقيل: معناه: لم يأخذ، وهذا توجيه حسنٌ، ويكون التشبيه واقعاً على الأخذ، لا على المأخوذ منه، وأحسن منه أن المراد: بالعلم المعلوم، بدليل دخول حرف التبعيض؛ لأن العلم القائم بذات الله تعالى صفة قديمةٌ لا تتبعض، والمعلوم هو الذي يتبعض. وقال الإسماعيليّ: المراد: أن نقص العصفور لا ينقص البحر بهذا المعنى، وهو كما قيل [من الطويل]: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ. بِهِنَّ قُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ أي: ليس فيهم عيب، وحاصله: أن نفي النقص أُطلَق على سبيل المبالغة، وقيل: ((إلا)) بمعنى: ((ولا))؛ أي: ولا كنقرة هذا العصفور. وقال القرطبيّ: من أطلق اللفظ هنا تجوَّز؛ لِقَصْده التمسّك والتعظيم؛ إذ لا نقص في علم الله، ولا نهاية لمعلوماته. وقد وقع في رواية ابن جريج بلفظٍ أحسنَ سياقاً من هذا، وأبعد إشكالاً، (١) ((المصباح المنير)) ٦٥٣/٢. ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل فقال: ((ما علمي وعلمك في جنب علم الله، إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من البحر))، وهو تفسير للّفظ الذي وقع هنا، ذكر هذا كله في ((الفتح))(١). (قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ) ابن عبّاس ◌ِّ؛ لأن سعيداً روى الحديث عنه، لا عن أبيّ رَظُبه، وقال بعض الشرّاح(٢): هو أبيّ، وهو غير صحيح، فتنبه . وهذه القراءة شاذّة، ولعله زادها من باب تفسير المراد، والله تعالى أعلم. (يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِك، يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ)؛ أي: بزيادة هذا اللفظ، (غَصْباً) قال القرطبيّ المفسّر تَخْتُ: قرأ ابن عباس وابن جبير: ((صحيحة))، وقرأ أيضاً ابن عباس، وعثمان بن عفان: ((صالحة)). [تنبيه]: ((وراء)) أصلها بمعنى خَلْف، فقال بعض المفسرين: إنه كان خَلْفه، وكان رجوعهم عليه. والأكثر على أن معنى ((وراء)) هنا أمام، يعضده قراءة ابن عباس وابن جبير: ((وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصباً))، قال ابن عطية: ((وراءهم)) هو عندي على بابه، وذلك أن هذه الالفاظ إنما تجيء مُرَاعًى بها الزمان، وذلك أن الحدث المقدَّم الموجود هو الأمام، والذي يأتي بعده هو الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر بادي الرأي، وتأمل هذه الالفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد، فهذه الآية معناها: إن هؤلاء وعملهم وسعيهم يأتي بعده في الزمان غصبُ هذا الملك، ومن قرأ: ((أمامهم)) أراد: في المكان؛ أي: كأنهم يسيرون إلى بلد، وقوله وَّ: ((الصلاة أمامك))، متّفقٌ عليه، يريد: في المكان، وإلا فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمان، وتأمل هذه المقالة، فإنها مريحة من شَغَب هذه الألفاظ، ووقع لقتادة في كتاب الطبريّ: ((وكان وراءهم ملك)) قال قتادة: أمامهم، ألا تراه يقول: ((من ورائهم جهنم))، وهي بين أيديهم، وهذا القول غير مستقيم، وهذه هي (١) ((الفتح)) ٣٨٣/١ - ٣٨٤. (٢) هو: الشيخ الهرريّ، راجع: ((شرحه)) ٣٣٩/٢٣. ٢٥٧ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عِ ل - حديث رقم (٦١٤٤) العجمة التي كان الحسن بن أبي الحسن يضجّ منها، قاله الزجاج. قلت: وما اختاره هذا الإمام قد سبقه إليه في ذلك ابن عرفة، قال الهرويّ: قال ابن عرفة: يقول القائل: كيف قال: ((من ورائه)) وهي أمامه؟ فزعم أبو عبيد، وأبو علي قُظْرب أن هذا من الأضداد، وأن ((وراء)) في معنى ((قدّام))، وهذا غير محضَّل؛ لأن ((أمام)) ضدّ ((وراء))، وإنما يصلح هذا في الاماكن، والأوقات؛ كقولك للرجل إذا وعد وعداً في رجب لرمضان، ثم قال: ومن ورائك شعبان لجاز، وإن كان أمامه؛ لأنه يخلفه إلى وقت وعده، وأشار إلى هذا القول أيضاً القشيريّ، وقال: إنما يقال هذا في الأوقات، ولا يقال للرجل أمامك: إنه وراءك، قال الفراء: وجوّزه غيره، والقوم ما كانوا عالمين بخبر الملِك، فأخبر الله تعالى الخضر حتى عاب السفينة، وذكره الزجاج. وقال الماوردي: اختلف أهل العربية في استعمال ((وراء)) موضع ((أمام)) على ثلاثة أقوال: أحدها: يجوز استعمالها بكل حال، وفي كل مكان، وهو من الأضداد. جَهَّمْ﴾ [الجائية: ١٠]؛ أي: من أمامهم، وقال قال الله تعالى: ﴿مِن وَرَآيِهِمْ. الشاعر [من الطويل]: أَتَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي وَقَوْمِي تَمِيمٌ وَالْفَلَاةُ وَرَائِيَا يعني: أمامي. والثاني: أن ((وراء)) تُستعمل في موضع ((أمام)) في المواقيت والأزمان؛ لأن الإنسان قد يجوزها، فتصير وراءه، ولا يجوز في غيرها . الثالث: أنه يجوز في الأجسام التي لا وجه لها؛ كحجرين متقابلين، كل واحد منهما وراء الآخر، ولا يجوز في غيرهما، وهذا قول علي بن عيسى(١). [تنبيه آخر]: اختُلِف في اسم هذا الملِك، فقيل: هدد بن بدد، وقيل: الجلندي، وقاله السهيلي. وذكر البخاري اسم الملِك الآخذ لكل سفينة غصباً فقال: هو هدد بن بدد، والغلام المقتول اسمه: جيسور، قال القرطبيّ: وهكذا قيّدناه في (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٣٦/١١. ٢٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل ((الجامع)) من رواية يزيد المروزيّ، وفي غير هذه الرواية: حيسور، بالحاء، وعندي في حاشية الكتاب رواية ثالثة: وهي حيسون. وكان يأخذ كل سفينة جيدة غصباً فلذلك عابها الخضر وخَرَقها، ففي هذا من الفقه العمل بالمصالح إذا تحقق وجهها، وجواز إصلاح كل المال بإفساد بعضه، وقد تقدم. وفي (صحيح مسلم)) وجه الحكمة بخرق السفينة، وذلك قوله: ((فإذا جاء الذي يسخّرها وجدها منخرقة، فتجاوزها، فأصلحوها بخشبة))، الحديث. وتحصّل من هذا الحضّ على الصبر في الشدائد، فكم في ضمن ذلك المكروه من الفوائد، وهذا معنى قوله: ﴿وَعَسَّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٦] (١) . (وَكَانَ يَقْرَأُ)؛ أي: ابن عبّاس أيضاً، وليس أُبيّاً، كما زُعِم، وقد صرّح ابن عبد البرّ أنه ابن عبّاس، فقال في ((التمهيد)): قال إسحاق: وأخبرنا سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: ((وأما الغلام فكان كافراً)). انتهى(٢). (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِراً) بزيادة لفظ ((كافراً)) وهي قراءة شاذّة أيضاً، تكون من باب تفسير المراد. وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وصححه ابن حبّان عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أَبَيّ بن كعب، عن النبيّ وَّ: ((الغلام الذي قتله صاحب موسى ◌ِللا طُبع يوم طُبع كافراً))، ولفظ ابن حبّان: ((إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً))، وفي لفظ لأحمد: ((وأما الغلام، فإنه كان طبع يوم طبع كافراً، وكان قد أُلقي عليه محبةٌ من أبويه، ولو أطاعاه لأرهقهما طغياناً وكفراً))، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((وأما الغلام فكان كافراً)) هذا حديث مرفوع من رواية أُبَيٍّ، كما قال في الرواية الأخرى: ((طبع يوم طُبع كافراً))، وقد روي أن أُبِيّاً كان يقرأ: ((وأما الغلام فكان كافراً، وكان أبواه مؤمنين))، وهذا محمول (١) (تفسير القرطبيّ)) ٣٦/١١. (٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٨٦/١٨. ٢٥٩ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلا - حديث رقم (٦١٤٤) على أن أُبيّاً فسَّر، لا أنه قرأ كذلك؛ لأنَّه لم يُثْبِتْها في المصحف، وهو من جُملة كَتَبتِه، والجمهور على أن هذا الغلام لم يكن بلغ من التكليف، وقد ذهب ابن جبير إلى أنه بلغ سن التكليف، وقد حكي ذلك عن ابن عباس كما تقدَّم، والصحيح عنه أنه كان صغيراً لم يبلغ كما تقدَّم من كتابه إلى نجدة الحروريّ، كما ذكرناه في ((الجهاد))، وهذا هو المعروف من اسم الغلام، كما قد تقدَّم، وإنما صار ابن جبير إلى ذلك لقوله وَلجر: كان كافراً، والكفر والإيمان من صفات المكلَّفين، ولا يطلق على غير مكلَّف إلا بحكم التبعية لأبويه، وأبوًا الغلام كانا مؤمنين بالنصّ، فلا يَصْدُق عليه اسم الكافر إلا بالبلوغ، فتعيَّن أن يصار إليه، وقد يُطلق الغلام على الكبير إذا كان قريباً من زمان الغلومية توسُّعاً، وهو موجود في كلام العرب، كما قالت ليلى الأخيلية [من الطويل]: غُلامٌ إِذَا هَزَّ القَنَاةَ شَفَاهَا شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي بِهَا وقال صفوان لحسَّان [من الطويل]: غُلامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرٍ تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيفِ عنِّي فإنَّنِي قال القرطبيّ: وما صار إليه الجمهور أولى تمسُّكاً بحقيقة لفظ الغلام، ولقوله وفيه: ((وأما الغلام فطبع يوم طُبع كافراً))؛ أي: خُلق قلبه على صفة قلب الكافر من القسوة، والجهل، ومحبَّة الفساد، وضرر العباد، ولقوله: ((ولو أدرك لأرهق أبويه طغياناً وكفراً))؛ أي: لو بلغ، ولَمَّا عَلِم الله تعالى ذلك منه، أعلمَ الخضر بذلك، وأمَره بقتله، فيكون قَتْله من باب دفع الضرر، كقتل الحيَّات، والسِّباع العادية، لا من باب القتل المترتب على التكليف، وهذا لا إشكال على أصول أهل السُّنَّة فيه؛ فإن الله تعالى الفعَّالُ لِمَا يريد، القادر على ما يشاء، لا يتوجه عليه وجوبٌ، ولا حقّ، ولا يثبت عليه لَوْمٌ ولا حُكْم، وأما على أصول أهل البدع القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، وما يتولَّد على ذلك من الأصول الفاسدة من التجويز، والتعديل، والإيجاب على الله تعالى، فلا يُلتفت إليها، ولا يُعرّج عليها؛ لظهور فسادها، كما بيَّنَّاه في الأصول. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ٢١١/٦ - ٢١٢. ٢٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس عن أبيّ بن كعب ﴿هَ هذا متّفقٌ عليه . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٤٤/٤٦ و٦١٤٥ و٦١٤٦ و٦١٤٧ و٦١٤٨] (٢٣٨٠)، و(البخاريّ) في ((العلم)) (٧٤ و٧٨ و١٢٢) و((الإجارة)) (٢٢٦٧) و((الأنبياء)) (٣٤٠٠ و٣٤٠١) و((بدء الخلق)) (٣٢٧٨) و((التفسير)) (٤٧٢٥ و٤٧٢٦ و٤٧٢٧) و ((الأيمان والنذور)) (٦٦٧٢)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة)) (٤٧٠٥ و٤٧٠٦)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٤٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦/ ٣٨٩)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٢٤٢/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٦/٥ و١١٧ و١١٨ و١١٩ و١٢٠)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٣٧١)، و(الطبريّ) في ((التفسير)) (٢٨٢/١٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٢ و٦٢٢٠)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٦٢٦/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٣١/٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الرحلة للعلم. ٢ - (ومنها): جواز التزود للسفر. ٣ - (ومنها): بيان فضيلة طلب العلم، والأدب مع العالِم، وحرمة المشايخ، وتَرْك الاعتراض عليهم، وتأويل ما لم يُفهم ظاهره من أقوالهم، وأفعالهم، والوفاء بعهودهم، والاعتذار عند المخالفة. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في ((العمدة)) (١)، وأطلق عدم الإنكار على المشايخ، وهذا غير مقبول، بل ذلك مقيَّد في المحتمَلات، وما يَقبل التأويل، وأما منهيّات الشرع الظاهرة، فلا يسع الطالب أن يسكت عليها، بل يُنكرها، لكن بلطف، واستفسار، لا بعنف، واستهتار؛ حفظاً لمنصب العلماء، فتفطّن، واستيقظ، فإن هذا مما زلّت به أقدام كثير ممن يُنسب إلى العبادة (١) ((عمدة القاري)) ١٩٥/٢.