النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلا - حديث رقم (٦١٤٤) قَالَ: فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ؛ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ، أَنَّ عَبْداً مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ كَيْفَ لِي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتاً فِي مِكْتَلِ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ، فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ، وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَحَمَلَ مُوسَى عَلَّهُ حُوتاً فِي مِكْتَلٍ، وَانْطَلَقَ هُوَ، وَفَتَاهُ يَمْشِيَانٍ، حَتَّى أَنْيَا الصَّخْرَةَ، فَرَقَدَ مُوسَى عَا، وَفَتَاهُ فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ، حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمِكْتَلِ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، قَالَ: وَأَمْسَكَ اللهُ عَنْهُ جِرْيَةَ الْمَاءِ، حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ، فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَباً، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَباً، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ يُخْبِرَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى عَُّ، قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿مَاِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]، قَالَ: وَلَمْ يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، ﴿قَالَ أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ، وَمَّخَذَ سَبِيلَهُ، فِ الْبَحْرِ ◌َجبً (®)﴾ [الكهف: ٦٣] - قَالَ مُوسَى -: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ فَأَرْتَدًا عَ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، قَالَ: يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا، حَتَّى أَتْبَا الصَّخْرَةَ، فَرَأَى رَجُلاً، مُسَجَّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكَ عَلَى عِلْم مِنْ عِلْم اللهِ، عَلَّمَكَهُ اللهُ، لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ، عَلَّمَنِيهِ، لَا تَّعْلَمُهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى عَهُ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا غُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ قَالَ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُطَّ بِهِ، خُبْاً ٦٧ مَعِىَ صَبْرًاً صَابِرًا وَلَّ أَعْضِى لَكَ أَمْرًا (٣٩)﴾ [الكهف: ٦٦ - ٦٩]، قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: ﴿فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِى فَلاَ تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠]، قَالَ: نَعَمْ، فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَّ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا؛ لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً، ﴿قَالَ أَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ (٧٢) قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْفِقِى مِنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ٢٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل [الكهف: ٧٢، ٧٣]، ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْئَمَا هُمَا يَمْشِیَانِ أَمْرِى عُسْرًا مَا﴾ عَلَى السَّاحِلِ، إِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ، فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ، قَالَ أَلَمْ ٧٤ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِثْتَ شَيْئًا تُكْرًّاً أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٤، ٧٥] قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأُولَى، ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَحِبْنِى قَدْ بَغْتَ مِن لَُّنِ عُذْرًا ﴿ فَأَنْطَلَقَا حَتّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَنْ يُضَِّّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا حِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَةٌ﴾ [الكهف: ٧٦، ٧٧] يَقُولُ: مَائِلٌ، قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَأَقَامَهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ، فَلَمْ يُضَيِّفُونَا، وَلَمْ يُطْعِمُونَا، لَوْ شِئْتَ لَتَخِذْتَ (١) عَلَيْهِ (( (٧٨) أَجْراً، ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَبْنِكَ سَأْنِتُكَ بِنَّأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف: ٧٨]. قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ، حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا))، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((كَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَاناً))، قَالَ: ((وَجَاءَ عُصْفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، ثُمَّ نَقَرَ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ، إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ))، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكَ، يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْباً، وَكَانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِراً). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) هو: إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد، أبو محمد بن راهويه المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ قرين أحمد بن حنبل [١٠] (ت٢٣٨) وله اثنتان وسبعون سنةً (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قدامة السرخسيّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) تقدّم قريباً. ٥ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضاً قريباً. (١) وفي نسخة: (لاتّخذت)). ٢٢٣ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَ﴿ * - حديث رقم (٦١٤٤) ٦ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) المكيّ، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١. ٧ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] قُتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم يكمل الخمسين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٩/٥٧. ٨ - (إِبْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر ◌ًّا، تقدّم قبل بابين. ٩ - (أُبَيُّ بْنُ كَغْبٍ) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النّجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر، سيد القراء، ويكنى أبا الُفيل أيضاً، من فُضلاء الصحابة، اختُلِف في سنة موته اختلافاً كثيراً، قيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((شرح المقدمة) جـ٢ ص٤٦٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُ، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ الاتّحاد كيفيّة أخذه وأدائه عنهم، ثم فصّل، فقال: ((وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ)) إشارة إلى اختلافهم على شيخهم، فابن أبي عمر أخذ عنه سماعاً من لفظه، فلذا قال: ((حدَّثنا))، وأيضاً صرّح باسمه ونسبه إلى أبيه، بخلاف الآخرين فلم يصرّحوا بذلك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابيّ، وأن صحابيّه من فضلاء الصحابة ﴿ه، ذو مناقب جمّة، فكان سيّد القرّاء، قرأ عليه النبيّ وَّر ((سورة البيّنة))، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك وبه قال النبيّ وَل﴿ لأَبَيّ: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَّ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]، قال: وسمَّاني؟ قال: نعم، فبكى))، وفي رواية للبخاريّ: قال النبيّ وَّه لأُبَيّ: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن. قال أُبَيّ: الله سماني لك؟ قال: الله سمّاك لي. فجعل أبي يبكي، قال قتادة: فأُنبئت أنه قرأ عليه: ﴿لَمَّ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ﴾ [البينة: ١]. وأخرج ابن ماجه، وصححه ابن حبّان عن أنس بن مالك ظ ته أن رسول الله وَّي قال: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم عليّ بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أُبَيّ بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ٢٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل ثابت، ألا وإن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح))(١). شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ) أنه (قَالَ: قُلْتُ لِاِبْنِ عَبَّاسٍ) ◌َّ (إِنَّ نَوْفاً) - بفتح النون، وسكون الواو، وفي آخره فاء - ابن فَضَالة - بفتح الفاء، والضاد المعجمة - أبو يزيد، ويقال: أبو رشيد القاصّ البِكَاليّ، كان عالِماً فاضلاً إماماً لأهل دمشق، وقال ابن التين: كان حاجباً لعلي رَظُله وكان قاصّاً، وهو ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور، وقيل: ابن أخيه(٢). (الْبِكَالِيَّ) - بكسر الباء الموحّدة، وتخفيف الكاف -: نسبة إلى بني بِكال، بطن من حِمْيَر، وقال الرشاطيّ: البكالي في حِمْير يُنسب إلى بِكال بن دغمي بن عوف بن عديّ بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة بن سبأ الأصغر. قال الهمدانيّ، وقيّد دغمياً بِالْغَين المعجمة، قال: وسائر ما في العرب بِالْعَين المهملة، وضبط بكالاً بفتح الباء، وأصحاب الحديث يقولون بالفتح والكسر. وقال صاحب ((المطالع)): ونوف البكالي أكثر المحدثين يفتحون الباء، ويشددون الكاف، وآخره لام، وكذا قيّدناه عن أبي بحر، وابن أبي جعفر، عن العذريّ، وكذا قاله أبو ذرّ، وقيّد عن المهلَّب بكسر الباء، وكذلك عن الصدفيّ، وأبي الحسين بن سراج، بتخفيف الكاف، وهو الصواب، نسبة إلى بکال من چِمْیر. وقال أبو بكر ابن العربيّ في ((شرح الترمذيّ له: إنه منسوب إلى بكيل بطن من همدان، ورُدّ عليه بأن المنسوب إلى بكيل إنما هو أبو الوَدّاك جبر بن نوف وغيره، وأما هذا نوف بن فَضالة فهو منسوب إلى بكال، بطن من (٣) حمير(٣). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: لم يُختلف في أن نوفاً هو بفتح النون، وإسكان (١) ((سُنن ابن ماجه)) ٥٥/١. (٣) ((عمدة القاري)) ١٨٩/٢. (٢) ((عمدة القاري)) ١٨٩/٢. ٢٢٥ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلا - حديث رقم (٦١٤٤) الواو، وفتح الفاء المنوَّنة، وأما البكالي: فروايتي فيه، بكسر الباء، وفتح الكاف، وتخفيفها على كلّ من قرأتُه عليه في البخاريّ ومسلم، وهي المعروفة، وقد ضبطها الخشنيّ، وأبو بحر بفتح الباء، والكاف، وتشديد الكاف، والأول الصواب، وبِكال: بطن من حِمْيَر، وقيل: من هَمْدان، وإليهم يُنسب نوف هذا، وهو نوف بن فَضَالة، على ما قاله ابن دريد، وغيره، يكنى بأبي زيد، وكان عالِماً فاضلاً، وإماماً لأهل دمشق، وقيل: هو ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخته. انتهى (١). (يَزْعُمُ) من باب نصر، والجملة من الفعل والفاعل في محل الرفع؛ لأنها خبر ((إنّ)). (أَنَّ مُوسَى عَلَّا) بفتح ((أنّ))؛ لأنه مفعول يزعم. [فإن قلت]: يزعم من أفعال القلوب يقتضي مفعولين. [قلت]: إنما يكون من أفعال القلوب إذا كان بمعنى الظنّ، وقد يكون بمعنى القول، من غير حجة، فلا يقتضي إلا مفعولاً واحداً، نحو قوله تعالى: ﴿ِزَعَمَ اُلَّذِينَ كَفَرُوْاْ أَنْ لَّنْ يُبْعَثُواْ﴾ [التغابن: ٧]، فههنا يزعم يَحْتَمِل المعنيين، فإن كان بمعنى القول، فمفعوله ((أن موسى))، وهو ظاهر، وإن كان بمعنى الظن، فـ((أنّ)) مع اسمها وخبرها سَدَّت مسدّ المفعولين، و((موسى)) لا ينصرف؛ للعَلَمية والعجمة. (صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) بنصب ((صاحبَ)) صفةً لـ(موسى))، (لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ علا)، وفي رواية للبخاريّ: ((قلت لابن عبّاس: إن نوفاً البِكاليّ يزعم أن موسى ليس بموسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخر))، قال في ((العمدة)): قوله: ((ليس موسى بني إسرائيل))، وفي رواية: ((ليس بموسی))، والباء زائدة للتأكيد، وهي جملة في محل الرفع؛ لأنها خبر ((إنّ). [فإن قلت]: موسى عَلَمٌ، والعلم لا يضاف، فكيف يضاف موسى إلى بني إسرائيل؟ . [قلت]: قد نُكِّر، ثم أضيف، ومعنى التنكير أن يُؤَوَّل بواحد من الأمة المسماة به. (١) ((المفهم)) ٦/ ١٩٣. ٢٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقوله: ((إنما هو موسى آخر)) رُوي بتنوين ((موسى))، وبغير تنوين، أما وجه التنوين، فلأنه منصرف؛ لكونه نكرةً، قال ابن مالك: قد يُنَكَّر العَلَم تحقيقاً، أو تقديراً، فيجري مجرى نكرة، وجعل هذا مثال التحقيقي، وأما وجه ترك التنوين فظاهر، وأما لفظة ((آخر))، فإنه غير منصرف؛ للوصفية الأصلية، ووزن الفعل، فلا ينوّن على كل حال(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((إنما هو مُوسَى آخر)) كذا في روايتنا بغير تنوين فيهما، وهو عَلَم على شخص معين، قالوا: إنه موسى بن مِیشا - بكسر الميم، وبالشين المعجمة - وجزم بعضهم أنه منوّن مصروف؛ لأنه نكرة، ونقل عن ابن مالك أنه جعله مثالاً للعَلَم إذا نُكِّر تخفيفاً. قال: وفيه بحث. انتهى(٢). وقال في ((العمدة)): قوله: ((يزعم أن موسى ... إلخ))؛ أي: يزعم نوف أن موسى صاحب الخضر ثَلَّه الذي قَصّ الله تعالى علينا في ((سورة الكهف)) ليس موسى بن عمران الذي أُرسل إلى فرعون، وإنما هو موسى بن مِیشا - بكسر الميم، وسكون الياء آخر الحروف، وبالشين المعجمة - وميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم لّلا وهو أول موسى، وهو أيضاً نبيّ مرسلٌ، وزعم أهل التوراة أنه هو صاحب الخضر، والذي ثبت في ((الصحيح)) أنه موسى بن عمران - عليه الصلاة والسلام - انتهى (٣). [تنبيه]: السائل في هذه القصّة هو سعيد بن جبير، والمجيب ابن عباس ها، وقد اتّفق قبل هذا أن ابن عباس ظّ تمارى هو والحر بن قيس - كما سيأتي في آخر الباب - في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيّه، فقال ابن عباس: هو خضر، فمرّ بهما أُبيّ بن كعب رَظُته، فسأله ابن عباس، فأخبره، فيَحْتَمِل أن يكون سعيد بن جبير سأل ابن عباس بعد الوقعة الأُولى المتقدمة لابن عباس والحرّ، فأخبره ابن عباس لمّا سأله عن قول نوف: إن موسی لیس موسی بني إسرائيل. وجاء أيضاً أن السائل غير سعيد بن جبير، فرُوي عن سعيد أنه قال: (١) ((عمدة القاري)) ١٩٠/٢. (٣) ((عمدة القاري)) ١٩٣/٢. (٢) ((الفتح)) ٣٨١/١. ٢٢٧ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ علا - حديث رقم (٦١٤٤) جلست عند ابن عباس، وعنده قوم من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا عبد الله، إن نوفاً ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبيّ الذي طلب الخضر، إنما هو موسى بن ميشا، فقال ابن عباس: كذب نوف، وحدثني أُبَيّ، وذكر الحديث. انتهى(١). (فَقَالَ)؛ أي: ابن عبّاس، (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) جملة من الفعل والفاعل مقول ((قال))، قال القرطبيّ كَّلُ: قوله ((كذب عدوّ الله)) قولٌ أصدره غضبٌ على من يتكلم بما لم يصح، فهو إغلاظ، وردع، وقد صار غير نوفٍ إلى ما قاله نوف، لكن الصحيح ما قاله ابن عباس #ها على ما حكاه في الحديث. انتهى(٢). وقال ابن التين: لم يُرِد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحقّ، فيطلقون أمثال هذا الكلام؛ لقصد الزجر، والتحذير منه، وحقيقته غير مرادة. قال الحافظ: ويجوز أن يكون ابن عباس اتَّهَم نوفاً في صحة إسلامه، فلهذا لم يقل في حقّ الحرّ بن قيس هذه المقالة، مع تواردهما عليها . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن التين هو الأقرب، ولا يلزم عدم قوله ذلك في حقّ الحرّ بن فيس أن نظنّ بابن عبّاس هذا، فإن نوفاً رجل معروف صالح عالم، كما سبق في ترجمته، غير أنه أخطأ في هذه المسألة، فغضب عليه ابن عبّاس ﴿هَا، وقال ما تقدّم، فتأمل بالإمعان. وقد أجاد العينيّ كَّلُهُ في ((العمدة)) حيث قال: قوله: ((كذب عدو الله)) هكذا وقع من ابن عباس ها على طريق الإغلاظ على القائل بخلاف قوله، وألفاظ الغضب تجيء على غير الحقيقة في الغالب، وابن عباس قاله على وجه الزجر عن مثل هذا القول؛ لا أنه يعتقد أنه عدو الله، ولدينه حقيقةً، إنما قاله مبالغة في إنكاره، وكان ذلك في حال غضب ابن عباس ◌ًا؛ لشدة الإنكار، وحال الغضب تُطلق الألفاظ، ولا يراد بها حقائقها. انتهى(٣). قال الحافظ تَخْدَثُ: وأما تكذيبه فيستفاد منه أن للعالم إذا كان عنده علم (١) ((عمدة القاري)) ١٩٣/٢. (٣) ((عمدة القاري)) ١٩٣/٢. (٢) ((المفهم)) ١٩٣/٦. ٢٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل بشيء، فسمع غيره يَذكر فيه شيئاً بغير علم أن يكذبه، ونظيره قوله وَ له: (كَذَب أبو السنابل))؛ أي: أخبر بما هو باطل في نفس الأمر. انتهى (١). (سَمِعْتُ أُبَّيَّ بْنَ كَعْبٍ) رظُبه، قال في ((الفتح)): في استدلاله بذلك دليل على قوّة خبر الواحد المتقن عنده، حيث يُطلق مثل هذا الكلام في حقّ من خالفه، وفي الإسناد رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهما عمرو، وسعيد، وصحابيّ، عن صحابي وهما ابن عباس وأُبيّ(٢). (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((قَامَ مُوسَى عَلَّا) هو ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ظلّا، وُلد وعُمرُ عمران سبعون سنةً، وعُمِّر عمران مائة وسبعاً وثلاثين سنةً، وعمِّر موسى لظَلا مائة وعشرين سنةً، وقال الفربريّ: مات موسى وعمره مائة وستون سنة، وكانت وفاته في التيه، في سابع آذار لمضي ألف سنة وستمائة وعشرين سنة من الطوفان، في أيام منوجهر الملك، وكان عمره لمّا خرج ببني إسرائيل من مصر ثمانين سنة، وأقام بالتيه أربعين سنة، ولمّا مات الريان بن الوليد الذي وَلَّى يوسف على خزائن مصر، وأسلم على يديه مُلِّك بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف إلى الإسلام، فأبى، وكان جباراً، وقبض الله يوسف لِلَّا، وطال مُلكه، ثم هلك، ومُلِّك بعده أخوه الوليد بن مصعب بن ريان بن أراشة بن شروان بن عمرو بن فاران بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح فظلّل، وكان أعتى من قابوس، وامتدت أيام ملكه حتى كان فرعون موسى ظلّ الذي بعثه الله إليه، ولم يكن في الفراعنة أعتى منه، ولا أطول عمراً في المُلك منه، عاش أربعمائة سنة. و ((موسى)) معرَّب موشى بالشين المعجمة، سمّته به آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، لمّا وجدوه في التابوت، وهو اسم اقتضاه حاله؛ لأنه وُجد بين الماء والشجر، فمو: بلغة القبط الماء، وشى: الشجر، فعُرِّب، فقيل: موسى، وقال الصغانيّ: هو عبرانيّ عُرِّب، وقال أبو عمرو بن العلاء: موسى اسم رجل وزنه مُفْعَل، فعلى هذا يكون مصروفاً في النكرة، وقال الكسائيّ: وزنه فُعْلَى، وهو (١) ((الفتح)) ٣٨١/١. (٢) ((الفتح)) ٣٨١/١. ٢٢٩ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عِ * - حديث رقم (٦١٤٤) لا ينصرف بحال، ذكره في ((العمدة))(١). حال كونه (خَطِيباً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ) لم يُعرف السائل(٢). (أَّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ) موسى عَلَّهُ (أَنَا أَعْلَمُ) قيل: إنه مخالف لقوله في الرواية الأخرى في جواب ((هل تعلم أحداً أعلم منك؟، قال: لا))، قال الحافظ: وعندي لا مخالفة بينهما؛ لأن قوله هنا: ((أنا أعلم))؛ أي: فيما أعلم، فيطابق قوله: ((لا)) في جواب من قال له: ((هل تعلم أحداً أعلم منك؟)) في إسناد ذلك إلى عِلمه، لا إلى ما في نفس الأمر. وعند النسائيّ من طريق عبد الله بن عبيد، عن سعيد بن جبير، بهذا السند: ((قام موسى خطيباً، فَعَرَض في نفسه أن أحداً لم يؤت من العلم ما أوتي، وعَلِم الله بما حدّث به نفسه، فقال: يا موسى إن من عبادي من آتيته من العلم ما لم أوتِك)). وعند عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير: ((فقال: ما أجد أحداً أعلم بالله، وأمْره مني))، وهو عند مسلم من وجه آخر عن أبي إسحاق، بلفظ: ((ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً، أو أعلم مني)). قال ابن المنير: ظَنّ ابن بطال أن تَرْك موسى الجواب عن هذه المسألة كان أَولى، قال: وعندي أنه ليس كذلك، بل رَدّ العلم إلى الله تعالى متعيّن، أجاب أو لم يجب، فلو قال موسى عليّا: أنا والله أعلم، لم تحصل المعاتبة، وإنما عوتب على اقتصاره على ذلك؛ أي: لأن الجزم يوهم أنه كذلك في نفس الأمر، وإنما مراده الإخبار بما في علمه، كما قدّمناه، والعتب من الله تعالى محمول على ما يليق به، لا على معناه العرفي في الآدميين، كنظائره. انتهى. وقال في ((العمدة)): قال ابن بطال: كان ينبغي أن يقول: الله أعلم، إذا قيل له: أيُّ الناس أعلم؛ لأنه لم يُحط علماً بكل عالم في الدنيا، وقد قالت الملائكة: ﴿سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَّا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ الآية [البقرة: ٣٢]، وسئل النبيّ ◌َّ عن الروح وغيره، فقال: لا أدري حتى أسأل الله تعالى. وقال بعض الفضلاء ردّاً على ابن بطال في حصر الصواب في ترك (١) ((عمدة القاري)) ٥٩/٢. (٢) (تنبيه المعلم)) ص٤٠٣. ٢٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل الجواب بقوله: الله أعلم: بل الجواب أنّ ردَّ العلم إلى الله تَّخْلَ متعيّن، أجاب أم لا، فإن أجاب قال: أنا والله أعلم، وإن لم يجب قال: الله أعلم، وبهذا تأدّب المُفتون عقب أجوبتهم، والله أعلم. ولعل موسى ظلّا لو قال: أنا والله أعلم؛ أي: هذا لكان جواباً، وإنما وقعت المؤاخذة على الاقتصار على قوله: أنا أعلم. وقال المازريّ في الجواب: أما على رواية مَن روى: ((هل تعلم؟)) فلا عتب عليه، إذا أخبر عما يعلم، وأما على رواية: ((أيُّ الناس أعلم؟)) وقد أخبر الله تعالى أن الخضر أعلم منه، فمراد موسى علّل *: أنا أعلم؛ أي: فيما ظهر لي، واقتضاه شاهد الحال، ودلالة النبوة؛ لأن موسى في النبوة بالمكان الأرفع، والعلم من أعلى المراتب، فقد يعتقد أن يكون أعلم لهذه الأمور، وقيل: المراد أنه أعلم بما تقتضيه وظائف النبوة، وأمور الشريعة، والخضر أعلم منه على الخصوص بأمور أخر غير عينية، وكان موسى أعلم على العموم، والخضر أعلم منه على الخصوص. انتهى(١). (قَالَ: فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ) من بابي ضرب، وقتل، يقال: عَتَب عليه عَثْباً، ومَعْتَباً أيضاً: لَامَه في تسخّط، فهو عاتب، وعتّابٌ مبالغة، وعاتبه معاتبةً وعِتاباً، قال الخليل: حقيقة العتاب مخاطبةُ الإدلال، ومُذاكرة الْمَوْجِدَةِ، قاله الفيّومِيّ ◌َّهُ(٢). (إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ) ((إذ» تعليليّة؛ أي: لأنه لم يردّ العلم إلى الله تعالى حين أجاب بقوله: ((أنا أعلم))، وهذا من باب التنبيه لموسى لفظلا، والتعليم لمن بعده لئلا يقتدي به غيره في ذلك؛ إذ فيه تزكية للنفس، وقد قال الله : ﴿فَلَ تُزَّكُوَاْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢]. وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: مساق هذه الرواية هو أكمل ما سيق هذا الحديث عليه، فلنبحث فيه، وظاهر هذا اللفظ: أن الذي عتب الله تعالى على موسى ظلّ إنما هو أن قال: أنا أعلم، فأضاف الأعلمية إليه، ولم يقل: الله أعلم بمن هو أعلم الناس، فيفوَّض ذلك إلى الله، فيكون هذا من نوع ما عتبه (١) ((عمدة القاري)) ١٩٣/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٩١/٢. ٢٣١ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَل8 * - حديث رقم (٦١٤٤) النبيّ وَّ على لوط لعلَُّ حيث قال: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى زُكْنِ ﴾ [هود: ٨٠]، وسيأتي تكميل هذا المعنى في ((كتاب التفسير)) - إن شَدِيدٍ شاء الله تعالى. فكان الأَولى بموسى وسل﴿ أن يقول: الله أعلم بمن هو أعلم الناس، لكن لمّا لم يعلم في زمانه رسولاً آتاه الله كتاباً فيه عِلْم كل شيء، وتفصيل الأحكام سواه، قال ذلك حسب ما كان في علمه، لكنه تعالى لم يرض منه بذلك لكمال معرفته بالله تعالى، ولعلوِّ منصبه، وفي بعض طرق البخاريّ: أن السائل قال لموسى: هل في الأرض أعلم منك؟ قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه. قال القرطبيّ: وهذان اللفظان هما اللذان يتوجَّه العتب على موسى فيهما، وقد رُوي بألفاظ أخر يبعد توجُّه العتب عليها، فقد روي أنه قال: لا أعلم في الأرض خيراً، ولا أعلم مني. وفي أخرى: قيل له: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ فقال: لا، فهذان اللفظان قد نَفَى فيهما العلم فيما سئل عنه عن نفسه، وهو حقّ صحيح، وتبرؤ صريح، فكيف يتوجه على من قال مثل ذلك عتب، أو يُنسب إلى تقصير؛ فالصحيح من حيث المعنى أن الذي صدر من موسى ﴿ معنى اللفظين السابقين؛ فإنَّه جزم فيهما بأنه أعلم أهل الأرض، وهذا محل العتب على مثله، فإنَّه كان الأَولى به أن يفوِّض علم ذلك إلى الله تعالى، وهذا يدلّ على صحة ما قلناه فيما تقدَّم من أن الذنوب المنسوبة إلى الأنبياء المعدّدة عليهم، إنما هي من باب ترك الأولى، وعوتبوا عليها بحسب مقاديرهم، فإنَّ حسنات الأبرار سيئات المقرَّبين. انتهى(١). (فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ) إلى موسىِ عَها، (أَنَّ عَبْدَاً مِنْ عِبَادِي) هو: خضر، واسمه: بليا بن مَلْكان، على ما قاله بعض المفسرين، وسُمِّي الخضر، لِمَا أخرجه الترمذيّ من حديث أبي هريرة ﴿به، عن رسول الله وٍَّ: ((إنما سُمِّي الخضر؛ لأنه جلس على فَرْوةٍ (٢) بيضاء، فاهتزت تحته خضراء))، وقال: هذا حديث حسن صحيح. (١) ((المفهم)) ١٩٤/٦ - ١٩٥. (٢) ((الفروة)) - بفتح، فسكون - الأرض التي ليس بها نبات. ٢٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل (بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ)؛ أي: ملتقى البحرين، والبحر: خلاف البرّ، قيل: سُمّي بذلك؛ لعمقه، واتساعه، والجمع: أبحر، وبحار، وبحور، واختلفوا في البحرين، فقيل: هو ملتقى بحري فارس والروم، مما يلي المشرق، وقيل: طنجة، وقيل: أفريقية (١)، وذكر السهيليّ أنها بحر الأردن، وبحر القلزم، وقيل: بحر المغرب، وبحر الزقاق، قاله في ((العمدة)). وقال القرطبيّ كَّثُ: ((بمجمع البحرين))؛ أي: ملتقاهما، قال قتادة: هما بحرا فارس والروم، وقال السُّدِّي: هما الكرّ والرّسّ بأرمينية، وقال أبيّ: هما بأفريقية، وقال ابن عبد البرّ: بطنجة، وحُكي عن ابن عباس حًُّا إن بحري العلم: الخضر وموسى، وكأنَّ هذا لا يصح عنه، والله أعلم. انتهى(٢). وقال العلامة العينيّ بعد ذِكره ما تقدّم: بحر فارس ينبعث من بحر الهند شمالاً بين مكران، وهي على فم بحر فارس، من شرقيه، وبين عمان، وهي على فم بحر فارس، من غربيه، وبحر الروم هو: بحر أَفريقية والشام، يمتدّ من عند البحر الأخضر إلى المشرق، ويتصل بطرسوس، وبحر طنجة بينها وبين سبتة وغيرهما من برّ العدوة، من الأندلس، وبحر أَفريقية هو: بحر طرابلس الغرب، يمتدّ منها شرقاً حتى يتجاوز حدود أَفريقية، وهو الذي يتصل بإسكندرية، والكل يسمى بحر الروم، وإنما يضاف إلى البلاد عند الاتصال إليها، وبحر القلزم يأخذ من القلزم، وهي: بلدة للسودان على طرفه الشمال جنوباً بميله إلى المشرق، حتى يصير عند القصير، وهي فرصة قوص، والأُرْدُنّ بضم الهمزة، وسكون الراء، وضم الدال المهملتين، وتشديد النون في آخرها : بلدة من بلاد الغور من الشام، ولا أعرف بحراً يُنسب إليها، وإنما نُسب إليها نهر كبير يسمى نهر الأردن وهو: نهر الغور، ويسمى الشريعة أيضاً، وآخره ينتهي إلى البحيرة المنتنة: وهي بحيرة زغر، وبحر الزقاق بين طنجة وبر الأندلس، هناك يسمى بحر الزقاق، وهو يضيق هناك، وبحر الغرب هو: البحر الأخضر الذي لا يُعرف منه إلا ما يلي الغرب من أقاصي الحبشة إلى خلف بلاد الرومية، وهي بحيث لا يُدْرَك آخرها؛ لأن المراكب لا تجري فيها، وله (١) بفتح الهمزة. (٢) ((المفهم)) ١٩٥/٦. ٢٣٣ * - حديث رقم (٦١٤٤) (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ : خليج إلى الأندلس وطنجة. انتهى(١). (هُوَ أَعْلَمُ مِنَْكَ) قال القرطبيّ تَخْذُ: قوله: ((هو أعلم منك))؛ أي: بأحكام وقائع مفصّلة، وحكم نوازل معيَّنة، لا مطلقاً، بدليل قول الخضر لموسى: ((إنَّك على علم علَّمكه الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم علَّمنيه الله لا تعلمه أنت))، وعلى هذا فيَصْدُق على كل واحد منهما أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه كل واحد منهما، ولا يعلمه الآخر. فلما سمع موسى هذا تشوَّفت نفسه الفاضلة، وهمَّته العالية لتحصيل علم ما لم يعلم، وللقاء من قيل فيه: إنه منك أعلم، فعزم، فسأل سؤال الدَّليل كيف السبيل؟ فأمر بالإرتحال على كل حال، وقيل له: احمل معك حوتاً مالِحاً في مِكتل، وهو الزنبيل، فحيث يحيا، وتَفْقِده فثمَّ السبيل، فانطلق مع فتاه لِمَا واتاه، مجتهداً طالباً قائلاً: ﴿لَا أَبْرَحُ حَّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]، والْحُقُب: بضم الحاء، والقاف: الدهر، والجمع حِقَابٌ، مثلُ قُفّ وقِفَافٍ، وبضم الحاء وسكون القاف، ثمانون سنة، ويقال: أكثر من ذلك، والجمع حِقَاب، والحقبة بكسر الحاء، واحدة الْحِقَب، وهي: السنون. انتھی من «الصحاح)»(٢). قال: وفيه من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم، والصَّاحب، واغتنام لقاء الفضلاء، والعلماء، وإن بَعُدَت أقطارهم، وذلك كان دأب السَّلف الصالح، وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السعي الناجح، فرسخت في العلوم لهم أقدام، وصحَّ لهم من الذِّكر والأجر أفضل الأقسام. ثم إن موسى # أزعجه القلق، فانطلق مغموراً بما عنده من الشوق والحرق، يمشي مع فتاه على الشّ، ولا يبالي بمن حطّ، لا يجد نصباً، ولا يُخطئ سبباً، إلى أن أويا إلى الصخرة، فناما في ظِلُّها، قال بعض المفسرين: وكانت على مجمع البحرين، وعندها ماء الحياة، حكى معناه الترمذيّ عن سفيان بن عيينة، فانتضح منه على الحوت، فحيي، واضطرب، فخرج من (١) ((عمدة القاري)) ٥٩/٢. (٢) ((الصحاح)) ص٢٤٩. ٢٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل المكتل يضطرب، حتى سقط في البحر، فأمسك الله جرية الماء عن موضع دخوله، حتى كان مثل الطاق، وهو النَّقْب الذي يدخل منه. انتهى (١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((هو أعلم منك)) هذا ظاهر في أن الخضر نبيّ، بل نبيّ مرسل؛ إذ لو لم يكن كذلك للزم تفضيل العالي على الأعلى، وهو باطل من القول، ولهذا أورد الزمخشري سؤالاً، وهو: دلت حاجة موسى إلى التعلّم من غيره أنه موسى بن ميشا كما قيل؛ إذ النبيّ يجب أن يكون أعلم أهل زمانه، وأجاب عنه بأنه لا نقص بالنبيّ في أخذ العلم من نبيّ مثله. قال الحافظ: وفي الجواب نظر؛ لأنه يستلزم نفي ما أوجب، والحقّ أن المراد بهذا الإطلاق تقييد الأعلمية بأمر مخصوص؛ لقوله بعد ذلك: ((إني على علم من علم الله علّمنيه، لا تعلمه أنت، وأنت على علم علّمكه الله، لا أعلمه))، والمراد بكون النبيّ أعلم أهل زمانه؛ أي: ممن أُرسل إليه، ولم يكن موسى مرسلاً إلى الخضر، وإذاً فلا نقص به إذا كان الخضر أعلم منه، إن قلنا: إنه نبيّ مرسل، أو أعلم منه في أمر مخصوص، إن قلنا: إنه نبيّ، أو وليّ (٢)، وينحلّ بهذا التقرير إشكالات كثيرة. ومن أوضح ما يُستدلّ به على نبوة الخضر قوله: ﴿وَمَا فَعَلَئُهُ, عَنْ أَمْرِىَّ﴾ [الكهف: ٨٢]، وينبغي اعتقاد كونه نبيّاً؛ لئلا يتذرع بذلك أهل الباطل في دعواهم أن الوليّ أفضل من النبيّ، حاشا، وكلّا. وتعقب ابن الْمُنَيِّر على ابن بطال إيراده في هذا الموضع كثيراً من أقوال السلف في التحذير من الدعوى في العلم، والحثّ على قول العالم: لا أدري، بأن سياق مثل ذلك في هذا الموضع غير لائق، وهو كما قال ◌َُّهُ، قال: وليس قول موسى ظلّلها: أنا أعلم؛ كقول آحاد الناس مثل ذلك، ولا نتيجةُ قوله كنتيجة قولهم، فإن نتيجة قولهم: العُجب، والكِبْر، ونتيجة قوله: المزيد من العلم، والحث على التواضع، والحرص على طلب العلم، واستدلاله به أيضاً (١) ((المفهم)) ١٩٦/٦. (٢) هذا باطلٌ؛ يُبطله قوله في الآية: ﴿وَمَا فَعَلَنُّهُ عَنْ أَمْرِىَّ﴾، وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ الآية، وغير ذلك، فتنبّه. ٢٣٥ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَله - حديث رقم (٦١٤٤) على أنه لا يجوز الاعتراض بالعقل على الشرع خطأ؛ لأن موسى إنما اعترض بظاهر الشرع، لا بالعقل المجرد، ففيه حجة على صحة الاعتراض بالشرع على ما لا يسوغ فيه، ولو كان مستقيماً في باطن الأمر. انتهى(١). (قَالَ مُوسَى) عَُّ (أَيْ) حرف نداء، (رَبِّ كَيْفَ لِي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ) بكسر الميم أمْر مِن حَمَل، من باب ضرب. (حُوتاً)؛ أي: سمكةً، قيل: حَمَل سمكة مملوحة، وقيل: ما كانت إلا شقّ سمكة، (فِي مِكْتَلِ) بكسر الميم، وفتح المثنّاة من فوقُ: هو الزنبيل، ويقال: الْقُفّة، ويقال: فوق القُفّة، والزنبيلِ، وفي ((العباب)): الْمِكَتَل يُشبه الزنبيل، يسع خمسة عشر صاعاً (٢). وفي رواية أخرى: ((فجعل الله له آية))؛ أي: علامة لمكان الخضر، ولقائه، وذلك أنه لما قال موسى ظلّها: أين أطلبه؟ قال الله تعالى له: على الساحل عند الصخرة، قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتاً في مكتل، فحيث فقدته، فهو هناك. (فَحَيْثُ تَفْقِّدُ الْحُوتَ) المحمول (فَهُوَ)؛ أي: العبد الأعلم منك، (ثَمَّ) بفتح المثلّثة، وتشديد الميم؛ أي: هنالك. (فَانْطَلَقَ) موسى عَلَّا، (وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ، وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ) هو الذي قام في بني إسرائيل بعد موسى علَّا، ونقل ابن العربيّ أنه كان ابن أخت موسى، وزعم ابن العربيّ أن ظاهر القرآن يقتضي أن الفتى ليس هو يوشع، وكأنه أخذه من لفظ الفتى، وأنه خاصّ بالرقيق، وليس بجيّد؛ لأن الفتى مأخوذ من الفَتَاءِ، وهو: الشباب، وأُطلق ذلك على من يخدُم، سواء كان شابّاً، أو شيخاً، كذا في ((الفتح)). (فَحَمَلَ مُوسَى لِلَُّ حُوتاً فِي مِكْتَلِ، وَانْطَلَقَ هُوَ، وَفَتَاهُ يَمْشِيَانٍ) زاد في رواية: ((على ساحل البحر))، (حَتَّى أَتَّا الصَّخْرَةَ، فَرَقَدَ مُوسَى عَلِّ، وَفَتَاهُ فَاضْطَرَبَ)؛ أي: حَيِيَ، وتحرك (الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ) قيل: إن يوشع حمل الخبز والحوت في المكتل، فنزلا ليلة على شاطئ عين، تسمى عين الحياة، فلما أصاب السمكة رُوح الماء وَبْرده عاشت، وقيل: توضأ يوشع من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، (١) ((الفتح)) ٣٨٢/١، كتاب ((العلم)) رقم (١٢٢). (٢) ((عمدة القاري)) ١٨٩/٢. ٢٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل فعاش، ووقع في الماء (حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمِكْتَلِ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، قَالَ) ◌ِيه (وَأَمْسَكَ اللهُ عَنْهُ جِرْيَةَ الْمَاءِ) بكسر الجيم: حالة الجريان، قاله ابن الأثير(١)، وقال الفيّومي: جرى الماء: سال، خلاف وَقَفَ، وسَكَنَ، والمصدر: الْجَرْيُ بفتح الجيم، قال السَّرَقُسْطيّ: فإن أدخلتَ الهاء كسرت الجيم، وقلتَ: جرى الماء جِرْيَةً. انتهى(٢). (حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ) قال المجد: الطاق: ما عُطف من الأبنية، جَمْعه: طاقات، وطِيقان. انتهى(٣). (فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَباً)؛ أي: مسلكاً، قاله مجاهد، وقال قتادة: جمد الماء، فصار كالسَّرب. وقال أبو عبد الله القرطبيّ كَّتُهُ: السرب: المسلك، قاله مجاهد، وقال قتادة: جمد الماء فصار كالسرب، وجمهور المفسرين أن الحوت بقي موضع سلوكه فارغاً، وأن موسى مشى عليه متّبعاً للحوت، حتى أفضى به الطريق إلى جزيرة في البحر، وفيها وجد الخضر، وظاهر الروايات، والكتاب أنه إنما وجد الخضر في ضَفَّة البحر. انتهى (٤). (وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَباً) لَمَّا تذكرا، فرجعا، تعجبا من قدرة الله تعالى على إحياء الحوت، ومن إمساك جري الماء، حتى صار بحيث يُسْلَك فيه. وقال القرطبيّ المفسّر كَُّهُ: قوله: ((عجباً)) يَحْتَمِل أن يكون من قول يوشع لموسى؛ أي: اتخذ الحوت سبيله عجباً للناس، ويَحْتَمِل أن يكون قوله: ((واتخذ سبيله في البحر)) تمام الخبر، ثم استأنف التعجيب فقال من نفسه: ((عجباً)) لهذا الامر، وموضع العجب أن يكون حوت قد مات، فأكل شقه الأيسر، ثم حيي بعد ذلك. ويَحْتَمِل أن يكون قوله: ((واتخذ سبيله)) إخباراً من الله تعالى، وذلك على وجهين: إما أن يُخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البحر عجباً؛ أي: تعجّب منه، وإما أن يُخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله عجباً للناس. (١) ((النهاية)) ص ١٥٠. (٣) ((القاموس المحيط)) ص٨١٩. (٢) (المصباح المنير)) ١/ ٩٧. (٤) (تفسير القرطبيّ)) ١١/ ١٢. ٢٣٧ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلا - حديث رقم (٦١٤٤) ومن غريب ما روي في البخاريّ عن ابن عباس من قصص هذه الآية: أن الحوت إنما حيي لأنه مسّه ماء عين هناك تدعى عين الحياة، ما مسّت قط شيئاً إلا حبي. وفي التفسير: إن العلامة كانت أن يحيا الحوت، فقيل: لمّا نزل موسى بعدما أجهده السفر على صخرة إلى جنبها ماء الحياة، أصاب الحوت شيء من ذلك الماء فحيي. وقال الترمذي في حديثه: قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة، ولا يصيب ماؤها شيئاً إلا عاش، قال: وكان الحوت قد أُكل منه، فلما قَطَر عليه الماء عاش. وذكر صاحب كتاب ((العروس)) أن موسى لعلّا توضأ من عين الحياة، فقطرت من لحيته على الحوت قطرة فحيي، والله أعلم(١). (فَانْطَلَقَا بَقِيَّةً يَوْمِهِمَا) بالجر على الإضافة، (وَلَيْلَتَهُمَا) الأَولى أنه بالنصب عطفاً على (بقيّةَ))؛ إذ المراد سير جميعه، بخلاف اليوم فإن السير في بقيّته؛ إذ ناما أوله، وسارا آخره، فهو البقيّة، وأما الليل، فسارا جميعه؛ بدليل قوله: ((فلما أصبح))، فليُتَنّه، قال في ((الفتح)): قوله: ((فانطلقا بقية ليلتهما)» بالجرّ على الإضافة، و((يومهما)) بالنصب على إرادة سير جميعه، ونبه بعض الحذّاق على أنه مقلوب، وأن الصواب ((بقية يومهما، وليلتَهُما)) لقوله بعده: ((فلما أصبح))؛ لأنه لا يصبح إلا عن ليل. انتهى. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: ((فلما أصبح))؛ أي: من الليلة التي تلي اليوم الذي سارا جميعه، والله أعلم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد هذا الاحتمال، والأَولى ما قاله بعض الحذّاق، من أنه مقلوب، بدليل الرواية الأخرى، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ رَّتُهُ: قوله: ((فانطلقا بقية يومهما وليلتهما))؛ يعني: بعد أن قاما من نومهما، ونسيا حوتهما؛ أي: غفلا عنه، ولم يطلباه لاستعجالهما، (١) ((تفسير القرطبيّ)) ١٤/١١ - ١٥. (٢) ((الفتح)) ٣٨٢/١ - ٣٨٣. ٢٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقيل: نسي يوشع الحوت، وموسى أن يأمره فيه بشيء، وقيل: نسي يوشع، فُنُسب النسيان إليهما للصحبة؛ كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْحَانُ [الرحمن: ٢٢]؛ وعلى هذا القول يدل قوله في الحديث: ((ونسي صاحب موسى أن يخبره))، ويظهر منه أن يوشع أبصر ما كان من الحوت، ونسي أن يخبر موسى في ذلك الوقت. انتهى(١). (وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى) يوشع بن نون، ونسبة النسيان إليهما في قوله تعالى: ﴿فَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] من باب قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُّؤُلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج من الْمَلِحِ، وقيل: نَسِي موسى أن يتقدم إلى يوشع في أمر الحوت، ونَسِي يوشع أن يخبره بذهابه. (أَنْ يُخْبِرَهُ)؛ أي: بانسلاله من المكتل إلى البحر، (فَلَمَّا أَصْبَحَ)؛ أي: دخل الصباح، (مُوسَى عَلََّ، قَالَ لِفَتَاهُ) يوشع (آتِنَا)؛ أي: أعطنا (غَدَاءَنَا) بالفتح، والمدّ: طعام الغداة؛ أي: أول النهار. قال القرطبيّ كَخَُّهُ: هذا يدلّ على أنهما كانا تزوَّدا، وقيل: كان زادهما الحوت، وكان مملَّحاً، قال: والظاهر من الحديث أنه إنما حمل الحوت معه؛ ليكون فَقْده دليلاً على موضع الخضر، كما تقدَّم من قوله تعالى لموسى: ((احمل معك حوتاً في مكتل، فحيث تفقد الحوت فهو ثمَّ))، وعلى هذا فيكون تزوَّدا شيئاً آخر غير الحوت. انتهى(٢). وقال القرطبيّ المفسّر: فيه اتخاذ الزاد في الأسفار، وهو ردّ على الصوفية الجهلة الأغمار، الذين يقتحمون المهامه، والقفار، زعماً منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار، هذا موسى نبيّ الله، وكليمه من أهل الارض قد اتخذ الزاد، مع معرفته بربه، وتوكله على رب العباد. وفي ((صحيح البخاريّ)): إن ناساً من أهل اليمن كانوا يحجّون، ولا يتزوّدون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قَدِمُوا سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ﴾. انتهى(٣). (١) ((المفهم)) ٦/ ١٩٧. (٣) ((تفسير القرطبيّ)) ١٣/١١. (٢) ((المفهم)) ٦/ ١٩٧. ٢٣٩ (٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلها - حديث رقم (٦١٤٤) (لَقَدْ لَقِينَا) بكسر القاف، من باب تَعِب؛ أي: استقبلنا، وصادفنا (مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً)؛ أي: تعباً ومشقّةً، قيل: عَنَى به هنا: الجوع، وفيه دليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الآلام، والأمراض، وأن ذلك لا يقدح في الرّضا، ولا في التسليم للقضاء، لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر، ولا تسخُط(١). (قَالَ) وَّرِ (وَلَمْ يَنْصَبْ) بفتحِ الصادِ، من باب تعِب وزناً ومعنّى؛ أي: لم يتعب موسى (حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِى أُمِرَ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: أمَره الله تعالى بالوصول إليه، وعدم مجاوزته؛ لأن الخضر هناك. وقال القرطبيّ كَّهُ: أي: لم يجد موسى أَلَم النَّصب، إلا بعد أن جاوز موضع فَقْد الحوت، وكان الله تعالى جَعَل وجدان النَّصَب سبب طلب الغداء، وجعل طلب الغداء سبب تذكّر ما كان من الحوت، ومن هنا قيل: إن النَّصب هنا هو الجوع. انتهى (٢). (قَالَ) يوشع (أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخْبِرني، وفيه حَذْف، تقديره: أرأيت ما دهاني؟ (إِذْ أَوَيْنَا)؛ أي: وقت إيوائنا (إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِنِّي) الفاء فيه تفسيرية، يُفَسِّر بها ما دهاه من نسيان الحوت، حين أويا إلى الصخرة. (نَسِيتُ الْحُوتَ)؛ أي: نسيت تفقّد أمره، وما يكون منه، مما جُعل أمارة على الظفر بالطَّلِبَةِ، من لقاء الخضر وقال القرطبيّ ◌َّهُ: هذا قول يوشع جواباً لموسى، وإخباراً له عما جرى، ومعنى ﴿أَوَيْنَآ﴾: انضممنا، وهي هنا بقصر الهمزة؛ لأنه لازم، وقد تقدَّم ذِكر الخلاف في المتعدّي في قَصْرِه ومدّه، ونسبة الفتى النسيان إلى نفسه نسبة عاديةٌ، لا حقيقية. انتهى (٣). (وَمَا أَنْسَانِيهُ) بضم الهاء في رواية حفص، وبكسرها في رواية غيره، (إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) قال القرطبيّ تَخُّْهُ: ((أن)) مع الفعل بتأويل المصدر، وهو منصوب بدل اشتمال من الضمير في ((أنسانيه))، وهو بدل الظاهر من المضمَر، (١) ((المفهم)) ٦/ ١٩٧. (٣) ((المفهم)) ١٩٨/٦. (٢) ((المفهم)) ١٩٨/٦. ٢٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وهذا إنما ذكره يوشع في معرض الاعتذار، وذلك أن في البخاريّ: أن موسى عالَّه قال لفتاه: ((لا أُكلِّفك إلا أن تُخبرني بحيث يفارقك الحوت))، فاعتذر بذلك القول؛ ويعني بذلك: أن الشيطان سبب للنسيان، والغفلة بما يورده على القلب من الخوض في غير المعنى المطلوب، ومن المعلوم أن النسيان لا صُنع فيه للإنسان، وأنه مغلوب عليه، ولذلك لم يؤاخذ الله تعالى به؛ وإنَّما محل المؤاخذة الإهمال والتفريط، والانصراف عن الأمور المهمة إلى ما ليس بمهم، حتى ينسى المهم، وهذا هو فعل الشيطان المذموم أن يَشغَل ذكر الإنسان بما ليس بمهم، ويزيّنه له حتى ينصرف عن المهم، فيذم على ذلك، ويُعاقب، فيحصل مقصود الشيطان من الإنسان. انتهى(١). (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً)؛ أي: اتخذ الحوت طريقه في البحر عجباً تعجب منه يُوشع، ويتعجب به غيره ممن شاهده، أو سمع قضيته. (قَالَ مُوسَى) عَُّ (ذَلِكَ)؛ أي: فِقدان الحوت، (مَا كُنَّا نَبْغِي)؛ أي: هو الذي كنا نطلبه؛ لأنه علامة وجدان المقصود. وقال في ((العمدة)): قوله: ((ما كنا نبغي)) كلمة ((ما)) موصولة، والعائد محذوف؛ أي: نبغيه، ويجوز حذف الياء من ((نبغي))؛ للتخفيف، وهكذا قُرىء أيضاً في السبعة، وإثباتها أحسن، وهي قراءة أبي عمرو. انتهى(٢). وقال السمين الحلبيّ كَُّ: حَذَف نافع، وأبو عمرو، والكسائيّ ياء ((نبغي)) وقفاً، وأثبتوها وصلاً، وابن كثير أثبتها في الحالين، والباقون حذفوها في الحالين؛ اتّباعاً للرسم، وكان من حقّها الثبوت، وإنما حُذفت تشبيهاً بالفواصل، أو لأن الحذف يؤنس بالحذف، فإن ((ما)) موصولة، حُذف عائدها. انتھی(٣) . (فَارْتَدًّا)؛ أي: رجعا (عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً، قَالَ) وَ (يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا)؛ أي: يتّبعان آثار أقدامهما اتّباعاً؛ لئلا يخطئا طريقهما، (حَتَّى أَنْيَا الصَّخْرَةَ، (١) ((المفهم)) ١٩٨/٦. (٢) ((عمدة القاري)) ٢/ ١٩٢ بتصرّف يسير. (٣) ((الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون)) ٥٢٤/٧.