النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ (٤٣) - بَابٌ فِي ذِكْرٍ يُونُسَ عَا، وَقَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ: ((لَا يَنْبَغِي ... إلخ - حديث رقم (٦١٤٠) [تنبيه]: رواية عيسى بن يونس عن سليمان التيميّ ساقها النسائيّ ◌َظَّهُ في ((المجتبى)) بسند المصنّف، فقال: (١٦٣٤) - أخبرنا عليّ بن خَشْرَم، قال: حدّثنا عيسى، عن سليمان التيميّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَّه: ((مررتُ ليلة أسري بي على موسى ◌ِالَّله، وهو يصلي في قبره)). انتهى(١). ورواية سفيان الثوريّ، عن سليمان التيميّ ساقها أبو يعلى تَخُّْ في «مسنده))، فقال: (٤٠٨٥) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عبدة بن سليمان، عن سفيان، عن سليمان التيميّ، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله وَله: ((مررتُ على موسى، وهو يصلي في قبره)). انتهى(٢). وأما رواية جرير بن عبد الحميد، عن سليمان التيميّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظَرْ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٤٣) - (بَابٌ فِي ذِكْرٍ يُونُسَ عَلَّهُ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ◌َّ: (لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى))) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٤٠] (٢٣٧٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَ أَنَّهُ ((قَالَ - يَعْنِي اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ لِي - وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: لِعَبْدِي(٣) - أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَّ))، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْئَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفٍَ، عَنْ شُعْبَةَ). (١) ((سُنَّن النسائي - المجتبى )) ٢١٦/٣. (٣) وفي نسخة: (لعبد أن يقول)). (٢) ((مسند أبي يعلى)) ١٢٧/٧. ٢٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بن عثمان الْعَبْديّ، أبو بكر البصريُ، المعروف بُندار، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٢) وله بضع وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ البصريّ المعروف بغُندر، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌّ، كان الثوريّ يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فَتَّش بالعراق عن الرجال، وذَبّ عن السُّنَّة، وكان عابداً [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨١. ٤ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، وَلِي قضاء المدينة، وكان ثقةً، فاضلاً، عابداً [٥] (ت١٢٥) وقيل: بعدها، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٥ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣](١) (ت١٠٥) على الصحيح، وقيل: إن روايته عن عمر مرسلة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَغُّْ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ الاتّحاد كيفيّة الأخذ والأداء منه، ومنهم، وأن ابن المثنّى وابن بشار من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة نظُّه قد سبق القول فيه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبهِ (عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ) الضمير للشأن، وقد تقدّم البحث عنه قريباً؛ أي: أن الأمر والشأن. (قَالَ) وقوله: (يَعْنِي) من كلام أبي (١) هذا أولى مما في ((التقريب)) من أنه من الثانية؛ لأنه مختلف في روايته عن عمر ظُته، فكيف يكون من الثانية؟ فتأمل. ٢٠٣ (٤٣) - بَابٌ فِي ذِكْرٍ يُونُسَ عِلَّا، وَقَوْلِ النَِّيِّ ◌َِّ: ((لَا يَنْبَغِي ... إلخ - حديث رقم (٦١٤٠) هريرة، وهو الظاهر، أو من كلام غيره من الرواة، وقوله: (اللهَ تَبَارََكَ وَتَعَالَى -) بنصب ((الله)) على أنه مفعول به لـ ((يعني))، وأشار به إلى أن فاعل ((قال)) ضمير الله تبارك وتعالى، على قول من يقول: إن الفاعل لا يُحذف، وهم الجمهور، كما أشار إليه ابن مالك في ((الخلاصة)) بقوله: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فِإِنْ ظَهَرْ فَهْوَ وَإِلَّا فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ وأجاز الكسائيّ حذف الفاعل، وعليه فالمقدّر هنا لفظ الجلالة لا ضمیره، فتنبه. قوله: (لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ لِي) مقول ((قال))، قال الخطابي تَخُّْهُ: معناه: ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس ظلّ*، ويَحْتَمِل أن يراد: ليس لأحد أن يفضلني عليه، قال هذا منه على مذهب التواضع، والهضم من النفس، وليس مخالفاً لقوله: ((أنا سيد ولد آدم))؛ لأنه لم يقل ذلك مفتخراً، ولا متطاولاً به على الخلق، وإنما قال ذلك ذاكراً للنعمة، ومعترفاً بالمنّة، وأراد بالسيادة ما يُكرم به في القيامة، وقيل: قال ذلك قبل الوحي بأنه سيد الكل، وخيرهم، وأفضلهم، وقيل: قاله زجراً عن توهم حظّ مرتبته؛ لِمَا في القرآن من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْمُتِ إِذْ نَدَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨]، وهذا هو السبب في تخصيص يونس ظلّل بالذكر من بين سائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -(١). وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى))؛ أي: لا يصلح، ولا يجوز، و((لعبدٍ)) منوَّن مُنكر؛ أي: لعبد من عباد الله، وفي الرواية الأخرى: ((لعبدي) بإضافته إلى ياء المتكلم، وهو الله تعالى في هذه الرواية، فَيَحْتَمِل أن يراد به النكرة، فتكون إضافته غير محضة، كما قال الشاعر [من الرجز]: وَسَائِلِي بِمُزْعِجِي عَنْ وَطَنِي مَا ضَاقَ بِي جَنَابُهُ وَلَا نَبَا فأدخل (رُبَّ)) على ((سائلي)) مع أنه مضاف إلى ياء المتكلم، فدلّ على أنه لم يُرِد به سائلاً واحداً، فكأنه قال: وربّ سائلٍ، وكذلك الوطن في قوله: عن وطني؛ لأن الجملة التي بعده صفة له؛ أي: عن وطن لم ينب بي جنابه؛ أي: (١) ((عمدة القاري)) ١٥/ ٢٩٣. ٢٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل غير ناب، ويصح أن تكون إضافة ((عبدي)) محضة، ومعرِّفة، ويعني به: عبدي المكرَّم عندي، كما قال: ﴿إِنَّ ◌ِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ الآية [الحجر: ٤٢]؛ أي: عبادي المكرمون عندي، والمشرَّفون لديّ، وقد شهد لهذا المعنى ما قد روي في كتاب أبي داود في هذا الحديث: ((لا ينبغي لنبيّ أن يقول: أنا خير من يونس))، كما قد روي أيضاً ما يشهد بتنكير ((عبد)) في كتاب مسلم: ((لا أقول: إن أحداً أفضل من يونس))، وعلى هذا فَيُقَيَّد مطلق الرواية الأولى بمقيّد هذه الرواية، فيكون معناه: لا ينبغي لعبدٍ نبيٍّ أن يقول: أنا خير من يونس، وهذا هو الأَولى؛ لأنَّ من ليس بنبي لا يمكنه بوجه أن يقول: أنا أفضل من النبيّ؛ لأنه من المعلوم الضروريّ عند المتشرِّعين أن درجة النبيّ لا يبلغها وليٍّ، ولا غيره؛ وإنما يمكن ذلك في الأنبياء؛ لأنهم - صلوات الله وسلامه عليهم - قد تساووا في النبوة، وتفاضلوا فيما بينهم بما خُصَّ به بعضهم دون بعض؛ فإنَّ منهم من اتخذه الله خليلاً، ومنهم من اتخذه حبيباً، ومنهم أولو العزم، ومنهم من كلَّم الله، على ما هو المعروف من أحوالهم، وقد قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٣]. [فإن قيل]: إذا كانوا متفاضلين في أنفسهم، فكيف يُنهَى عن التفضيل؟، وكيف لا يقول من هو في درجة عليا: أنا خير من فلان، لمن هو دونه، على جهة الإخبار عن المعنى الصحيح؟. [فالجواب]: أن مقتضى هذا الحديث المنع من إطلاق ذلك اللفظ، لا المنع من اعتقاد معناه أدباً مع يونس الظل*، وتحذيراً من أن يُفْهَم في يونس نقص من إطلاق ذلك اللفظ، وإنما خَصَّ يونس عَلَه بالذكر في هذا الحديث؛ لأنَّه لما دعا قومه للدخول في دينه، فأبطؤوا عليه ضجر، واستعجل بالدعاء عليهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، وفرَّ منهم، فرأى قومُهُ دخاناً، ومقدمات العذاب الذي وعدهم به، فآمنوا به، وصدَّقوه، وتابوا إلى الله تعالى، فردُوا المظالم، حتى رقُّوا حجارة مغصوبة كانوا بَنَوْها، ثم إنهم فرّقوا بين الأمهات، وأولادهم، ودعوا الله تعالى، وضجُوا بالبكاء والعويل، وخرجوا طالبين يونس، فلم يجدوه، فلم يزالوا كذلك، حتى كشف الله عنهم العذاب، ومَنَعهم إلى حين، وهم أهل نِينُوى من بلاد الموصل، على شاطىء دجلة، ثم إن ٢٠٥ (٤٣) - بَابٌ فِي ذِكْرٍ يُونُسَ عِلَّا، وَقَوْلِ النَِّّ ◌َّهِ: ((لَا يَنْبَغِي ... إلخ - حديث رقم (٦١٤٠) يونس ثِّ رَكِب في سفينة، فسكنت، ولم تَجْر، فقال أهلها: فيكم آبق، فقال: أنا هو، فأبوا أن يكون هو الآبق، فقارعهم، فخرجت القرعة عليه، فُرُمي في البحر، فالتقمه حوت كبير، فأقام في بطنه ما شاء الله تعالى. وقد اختُلِف في عدد ذلك من يوم إلى أربعين، وهو في تلك المدة يدعو الله تعالى، ويسبّحه إلى أن عفا الله عنه، فلَفَظه الحوت في ساحل، لا نبات فيه، وهو كالفرخ، فأنبت الله تعالى عليه من حينه شجرة اليقطين، فسترته بورقها . وحَكَى أهل التفسير: أن الله تعالى قَيَّض له أَرْوَى تُرضعه إلى أن قَوِي، فيبست الشجرة، فاغتم لها، وتألم، فقيل له: أتغتم، وتحزن لهلاك شجرة، ولم تغتم على هلاك مائة ألف أو يزيدون؟ وقد دلَّ على صحّة ما ذكر قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ الآيات إلى إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ اٌلْمَشْحُونِ (١)﴾ ١٣٠ آخرها [الصافات: ١٣٩، ١٤٨]، وقد رُوي عن النبيّ ◌َّلو أنه قال: ((إن للنبوة أثقالاً، كاد يونس يتفسخ تحتها تفسُّخَ الرُّبَع)) (١)، أو كما قال. قال القرطبيّ تَخْلَتُهُ: ولمّا جرى هذا ليونس لعلّ*، وأطلق الله تعالى عليه أنه ﴿مُلِيمٌ﴾؛ أي: آتٍ بما يلام عليه، قال الله تعالى على لسان نبيه وَله: ((لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس))؛ لأن ذلك يوهم نقصاً في نبوّته، وقدحاً في درجته، وقد بيَّنَّا أن ((لعبد)) هنا بمعنى: لنبيّ، وقد قيل: إنه محمول على غير الأنبياء، ويكون معناه: لا يَظُنّ أحد ممن ليس بنبيّ - وإن بلغ من العلم والفضل والمنازل الرفيعة، والمقامات الشريفة الغاية القصوى - أنه يبلغ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) بسنده عن عبد الله بن الأجلح، عن محمد بن إسحاق، حدّثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: سمعت ابن منبّه يقول: إن للنبوة أثقالاً، ومؤونة لا يحملها إلا القويّ، وإن يونس بن متى كان عبداً صالِحاً، فلما حُمِلت عليه النبوة، تفسخ تحتها تفسخ الرُّبَع عند الحمل، فرفضها من يده، فخرج هارباً، فقال الله لنبيّه وَلّهِ: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوُلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، وقال: ﴿فَاضِرِ ◌ِحَّكْرِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْمُتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (@)﴾. انتهى. ((حلية الأولياء)) ٥٠/٤، وهو من الإسرائيليّات التي يحكيها وهب بن منبه، فليُتنبّه. وقوله: ((تفسّخ))؛ أي: لم يُطق مشاقّ الرسالة، والرُّبَع: ولد الناقة. ٢٠٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل مرتبة يونس ؛ لأنَّ أقل مراتب النبوة لا يلحقها من ليس من الأنبياء، وهذا المعنى صحيح، والذي صدّرنا به الكلام أحسن منه. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: لِعَبْدِي) أشار به إلى الاختلاف الواقع بين شيوخه الثلاثة، فأبو بكر، وابن بشار قالا: ((لا ينبغي لعبد لي)) باللام، وقال ابن المثنّى: (لعبدي)) بالإضافة، ولا يختلف به المعنى، ووقع في بعض النسخ: ((لعبدٍ)) بالتنوين. (أَنْ يَقُولَ: أَنَا) تقدّم أن الضمير للمتكلّم، وهو الظاهر، أو للنبيّ ◌َِّ، (خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَ(*))) - بفتح الميم، وتشديد التاء المثناة من فوقُ وبالألف، وهو اسم أبيه، كما سيأتي صريحاً، وفي ((جامع الأصول)): وقيل: هو اسم أمه، ويقال: لم يشتهر نبي بأمه غير يونس، والمسيح ◌ِّالِ. وقال الفربريّ: وكان مَتَّى رجلاً صالحاً، من أهل بيت النبوة، فلم يكن له ولدٌ ذَكَر، فقام إلى العين التي اغتَسَل منها أيوب، فاغتسل هو وزوجته منها، وصلّيا، ودعوا الله أن يرزقهما رجلاً مباركاً يبعثه الله في بني إسرائيل، فاستجاب الله دعاءهما، ورزقهما يونس، وتُوُفي مَتّى، ويونس في بطن أمه، وله أربعة أشهر، وقد قيل: إنه من بني إسرائيل، وإنه من سبط بنيامين، وقال الكرمانيّ: وهو ذو النون، أرسله الله إلى أهل الموصل، وذهب قوم إلى أن نبوّته بعد خروجه من بطن الحوت، وقال العلماء بأخبار القدماء: كان يونس من أهل القرية، من قرى الموصل، يقال لها: نِينُوَى، وكان قومه يعبدون الأصنام، وعن عليّ بن أبي طالب رَظُه: بعث الله يونس بن متّى إلى قومه، وهو ابن ثلاثين سنةً، فأقام فيهم يدعوهم إلى الله ثلاثاً وثلاثين سنةً، فلم يؤمن به إلا رجلان، أحدهما روبيل، وكان عالِماً حكيماً، والآخر تنوخا، وكان زاهداً عابداً، ذكره في ((العمدة))(٢) . وقوله: (قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ) أشار به إلى أبا بكر بن أبي شيبة قال في روايته: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَنُ جَعْفَرٍ، عن شُعْبَةَ))، فرواه (١) ((المفهم)) ٢٢٣/٦ - ٢٢٦. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٩٣/١٥. ٢٠٧ (٤٣) - بَابٌ فِي ذِكْرٍ يُونُسَ عَا، وَقَوْلِ النَّبِّ ◌َِّ: ((لَا يَنْبَغِي ... إلخ - حديث رقم (٦١٤١) بـ((عن)) بدل قول الآخرين: ((حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ))، فصرّحا بتحديث شعبة، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة عبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٤٠/٤٣] (٢٣٧٦)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٤١٦) و((التفسير)) (٤٦٠٤ و٤٦٣١ و٤٨٠٥)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة)) (٤٦٦٩)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٥٣١)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (٥٤٠/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٠٥/٢ و٥٣٩)، و(البزّار) في ((مسنده)) (١٠٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٣٨)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٧٢٠)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٣١٦/٤)، و((مشكل الآثار)) (٤٤٦/١ - ٤٤٧)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٤١] (٢٣٧٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ الْمُثَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ وَّهِ - يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ -، عَنِ النَّبِيِّ وَّل قَالَ: ((مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى))، وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو الْعَالِيَةِ) رُفيع - بالتصغير - ابن مِهْران الرياحيّ - بكسر الراء، والتحتانية - ثقةٌ كثير الإرسال [٢] (ت٩٠ أو ٩٣) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان) ٤٢٥/٨٠. ٣ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عمّ رسول الله وَه، وُلِد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله ◌َ﴿ بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عمر ظه: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منّا أحدٌ، مات سنة ثمان ٢٠٨ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وستين بالطائف، وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة من فقهاء (ع) تقدم في ((الإيمان)» ١٢٤/٦. الصحابة والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه ابن المثنّى، وابن بشّار سبق القول فيهما في الحديث الماضي، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس ◌َّ الحبر البحر، أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة . بالطائف. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة السدوسيّ البصريّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ) رُفيع بن مهران الرِّياحيّ (يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ وََّ)، وقوله: (يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ) من كلام قتادة، حيث لم يصرّح أبو العالية باسمه، فأوضحه بـ(يعني)). (عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أنه (قَالَ: «مَا) نافية، (يَنْبَغِي لِعَبْدٍ) من عباد الله تعالى (أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى))) لفظ ((أنا)) واقع موقع ((هو))، ويكون راجعاً إلى النبيّ وَّه، ويَحْتَمِل أن يكون المراد به نفس القائل، فحينئذ ((كَذَب)) بمعنى كَفَر، كَنَى به عن الكفر؛ لأن هذا الكذب مساوٍ للكفر، كذا في ((المرقاة))، وقال النوويّ تَخُّْهُ: الضمير في ((أنا)) قيل: يعود إلى النبيّ ◌َّ، وقيل: يعود إلى القائل؛ أي: لا يقول ذلك بعض الجاهلين، من المجتهدين في عبادة، أو علم، أو غير ذلك، من الفضائل، فإنه لو بلغ من الفضائل ما بلغ لم يبلغ درجة النبوة، ويؤيد هذا التأويل الرواية التي قبله، وهي قوله: ((لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متّى)). انتهى(١) . وقوله: (وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ)؛ أي: حيث قال: يونس بن مَتَّى - بفتح الميم، وتشديد المثناة، مقصوراً - وفيه ردّ لِمَا وقع في تفسير عبد الرزاق أنه اسم (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١٥ - ١٣٣، و((تحفة الأحوذيّ)) ٨٥/٩. ٢٠٩ (٤٤) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ يُوسُفَ عَل ـ حديث رقم (٦١٤٢) أمه(١)، قاله في ((الفتح)). وقال في موضع آخر: وأما قوله: ((ونسبه إلى أبيه))، ففيه إشارة إلى الرد على من زعم أن ((مَتَّى)) اسم أمه، وهو مَحْكِيّ عن وهب بن مُنَبِّه في ((المبتدأ))، وذكره الطبريّ، وتبعه ابن الأثير في ((الكامل))، والذي في ((الصحيح)) أصحّ، وقيل: سبب قوله: ((ونسبه إلى أبيه)) أنه كان في الأصل يونس بن فلان، فنسي الراوي اسم الأب، وكنى عنه بفلان، وقيل: إن ذلك هو السبب في نسبته إلى أمه، فقال الذي نسي اسم أبيه: يونس بن متّى، وهي أمه، ثم اعتذر، فقال: ونسبه؛ أي: شيخه إلى أبيه؛ أي: سمّاه، فنسيه، ولا يخفى بُعد هذا التأويل، وتكلّفه. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٤١/٤٣] (٢٣٧٧)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٣٩٥ و٣٤١٣) و((التفسير)) (٤٦٣٠) و((التوحيد)) (٧٥٣٩)، و(أبو داود) في (السُّنَّة)) (٤٦٦٩)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٦٥٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٤١/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٢/١ و٢٥٤ و٢٩١ و٢٩٥ و٣٠١ و٣٢٠ و٣٤٢ و٣٤٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣١/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٤١)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٤٤٦/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٢٧٥٣)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٤٤) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ يُوسُفَ لَّا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخََّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٤٢] (٢٣٧٨) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي (١) ((الفتح)) ٦/ ٤٥١. (٢) ((الفتح)) ٤٥٢/٦. ٢١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: (أَتْقَاهُمْ))، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: ((فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ نَبِّ اللهِ ابْنِ خَلِيلِ اللهِ»، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: ((فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِ؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ، إِذَا فَقِهُوا)). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ، مأمونٌ، سنيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرُّوخ التميميّ، أبو سعيد القطان البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت١٩٨) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٥. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، قدَّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهريّ عن عروة عنها [٥] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ [٣]، وروايته عن عائشة وأم سلمة مرسلة، مات في حدود العشرين ومائة، وقيل: قبلها، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٥ - (أَبُوهُ) كيسان، أبو سعيد المقبريّ المدنيّ، مولى أم شريك، ويقال: هو الذي يقال له: صاحب العباء، ثقةٌ ثبتٌ [٢] (ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧٤/ ٣٩٢. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ الاتحاد الأخذ والأداء منه ومنهم، كما أسلفناه غير مرّة، وهو مسلسل بالمدنيين من عبيد الله، والباقون بصريون، سوى زهير، فبغداديّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في عصره. ٢١١ (٤٤) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ يُوسُفَ عَل ـ حديث رقم (٦١٤٢) شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: قِيلَ) لم يُعرف القائل(١). (يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ) ◌ِّرِ ((أَتْقَاهُمْ))) خبر لمبتدأ محذوف دلّ عليه السؤال؛ أي: أكرمهم أتقاهم؛ أي: أشدهم تقوى، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقْنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. (قَالُوا)؛ أي: الصحابة السائلون، (لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ) بَّهِ ((فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ خَلِيلِ اللهِ))، وفي رواية للبخاريّ: ((فأكرم الناس يوسف نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن خليل الله)). ووقع في نسخة شرح النوويّ كَّلُهُ بحذف ((ابن نبيّ الله)) الثالث، ولذا قال في ((شرحه)): هكذا وقع في مسلم: ((نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن خليل الله))، وفي روايات للبخاريّ كذلك، وفي بعضها: ((نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن خليل الله))، وهذه الرواية هي الأصل، وأما الأُولى فمختصرة منها، فإنه يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ◌َل*، فنسبه في الأُولى إلى جدّه، ويقال: يوسف بضم السين، وكسرها، وفتحها، مع الهمز، وتَرْكه، فهي ستة أوجه. قال العلماء: وأصل الكرم كثرة الخير، وقد جمع يوسف وَ﴾ مكارم الأخلاق، مع شرف النبوة، مع شرف النسب، وكونه نبيّاً ابن ثلاثة أنبياء، متناسلين، أحدهم خليل الله وَّر، وانضم إليه شَرَف علم الرؤيا، وتمكّنه فيه، ورياسة الدنيا، وملكها بالسيرة الجميلة، وحياطته للرعية، وعموم نفعه إياهم، وشفقته عليهم، وإنقاذه إياهم من تلك السنين، والله أعلم. قال العلماء: لَمّا سئل ◌َّ: أي الناس أكرم؟ أخبر بأكمل الكرم، وأعمّه، فقال: أتقاهم الله، وقد ذكرنا أن أصل الكرم كثرة الخير، ومن كان متقياً كان كثير الخير، وكثير الفائدة في الدنيا، وصاحب الدرجات العلا في الآخرة، فلما قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: يوسف الذي جمع خيرات الآخرة والدنيا، وشَرَفهما، فلما قالوا: ليس عن هذا نسأل، فَهِم عنهم أن (١) ((تنبيه العلم)) ص٤٠٣. ٢١٢ - البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل مرادهم قبائل العرب، قال: ((خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فَقِهُوا))، ومعناه: أن أصحاب المروءات، ومكارم الأخلاق في الجاهلية، إذا أسلموا، وفقهوا، فهم خيار الناس. انتهى(١). وقال في ((العمدة)): أي: فيوسف نبي الله أشرفهم؛ لأن معنى الكرم هنا الشرف، وذلك أن من اتقى ربه رَكَ شَرُف؛ لأن التقوى تحمله على أسباب العزّ؛ لأنها تُبعده عن الطمع في كثير من المباح، فضلاً عن غيره من المآثم، وما ذاك إلا مَن أَسَره هواه، قال: وادَّعَى القرطبيّ أنه يخرج من هذا الحديث أن إخوة يوسف ليسوا أنبياء؛ إذ لو كانوا كذلك لشاركوه في هذه المنقبة، وفيه نظرٌ؛ لأنه ذَكَره لكونه أفضلهم، لا سيما على القول برسالته. وقوله: ((ابن نبي الله)) هو يعقوب، ابن نبي الله هو إسحاق، ابن خليل الله هو إبراهيم - عليهم الصلاة والسلام - انتهى (٢). (قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ) وَلِّهِ ((فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟)؛ أي: أصولهم التي يُنسبون إليها، ويتفاخرون بها، وإنما جُعلت معادن؛ لِمَا فيها من الاستعدادات المتفاوتة، فمنها قابلة لفيض الله على مراتب المعدنيات، ومنها غير قابلة له، وشبّههم بالمعادن؛ لأنهم أوعية للعلوم، كما أن المعادن أوعية للجواهر النفيسة(٣). وقال في ((الفتح)): وقوله: ((أفعن معادن العرب))؛ أي: أصولهم التي ينسبون إليها، ويتفاخرون بها، وإنما جُعلت معادن؛ لما فيها من الاستعداد المتفاوت، أو شبّههم بالمعادن؛ لكونهم أوعية الشرف، كما أن المعادن أوعية للجواهر. انتهى (٤). (خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ، إِذَا فَقِهُوا))) بضم القاف على المشهور، وحُكي كسرها؛ أي: صاروا فقهاء، عالمين بالأحكام الشرعية (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٤/١٥ - ١٣٥. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٤٥/١٥ ببعض تصرّف. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٤٥/١٥. (٤) ((الفتح)) ٦٨٣/٧، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٣٧٤). ٢١٣ (٤٤) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ يُوسُفَ علا - حديث رقم (٦١٤٢) الفقهية، قاله النوويّ ◌َخْذَلُهُ(١). وقال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن يريد بقوله: ((خياركم جمع خير))، ويَحْتَمِل أن يريد أفعل التفضيل، تقول في الواحد: خير، وأخير، ثم القسمة رباعية، فإن الأفضل: مَنْ جَمَع بين الشرف في الجاهلية والشرف في الإسلام، وكان شَرَفهم في الجاهلية بالخصال المحمودة، من جهة ملائمة الطبع، ومنافرته، خصوصاً بالانتساب إلى الآباء المتّصفين بذلك، ثم الشرف في الإسلام بالخصال المحمودة شرعاً، ثم أرفعهم مرتبة: من أضاف إلى ذلك التفقه في الدين، ومقابل ذلك من كان مشرَّفاً في الجاهلية، واستمر مشرَّفاً في الإسلام، فهذا أدنى المراتب، والقسم الثالث: مَن شَرُف في الإسلام، وفَقُّه، ولم يكن شريفاً في الجاهلية، ودونه من كان كذلك، لكن لم يتفقه، والقسم الرابع: من كان شريفاً في الجاهلية، ثم صار مشرّفاً في الإسلام، فهذا دون الذي قبله، فإن تفقّه فهو أعلى رتبة من الشريف الجاهل. انتهى(٢). وقال في ((العمدة)): قوله: ((إذا فقهوا)) بكسر القاف، معناه: إذا فَهِموا، وعَلِموا، وهو من باب عَلِم يَعْلَم، وأما فَقُه بضم القاف يَفْقُهُ كذلك، فمعناه: صار فقيهاً عالِماً، والفقه في العرف خاصّ بعلم الشريعة، ويختص بعلم الفروع(٣)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٤٢/٤٤] (٢٣٧٨)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٣٥٣ و٣٣٧٤ و٣٣٨٣) و((المناقب)) (٣٤٩٠ و٣٤٩٣ و٣٤٩٦ و٣٥٨٨) و((التفسير)) (٤٦٨٩) وفي ((الأدب المفرد)) (٥٨/١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٧/٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٦٤١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٤/١٥ - ١٣٥. (٢) ((الفتح)) ٦٨٣/٧، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٣٧٤). (٣) ((عمدة القاري)) ٢٤٥/١٥. ٢١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل (١٠٤٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٧/٢ و٢٦٠ و٣٩١ و ٤٣٨ و٤٨٥ و ٤٩٨ و٥٢٥ و٥٣٩) وفي ((فضائل الصحابة)) (١٥١٨ و١٥١٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٨٤/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٤٨)، و(الطحاويّ) في مشكل الآثار)) (٣١٥/٤)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٨٣/٨)، و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (٦٠٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٨٤٤ و٣٨٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قال القاضي عياض رَّتُهُ: قد تضمَّن الحديث في الأجوبة الثلاثة أن الكرم كله عمومه، وخصوصه، ومجمله، ومبيّنه إنما هو الدّين، من التقوى، والنبوة، والإعراق فيها، والإسلام مع الفقه، فإذا تمّ ذلك، أو ما حصل منه مع شرف الأب المعهود عند الناس، فقد كان شرف الشريف، وكرم (١) الكريم. انتهى (١). ٢ - (ومنها): أنه إنما قيّد بقوله: ((إذا فقهوا)) والحال أن كل من أسلم، وكان شريفاً في الجاهلية، فهو خير من الذي لم يكن له الشرف فيها؛ لأن المعنى ليس على ذلك، فإن الوضيع العالم خير من الشريف الجاهل، والعلم يرفع كل من لم يُرْفَع(٢). وقد أخرج مسلم عن عامر بن واثلة، أن نافع بن عبد الحارث، لَقِي عمر رَظُه بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله وَك، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم وَ ◌ّ قد قال: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويَضَعُ به آخرين)). انتهى(٣). ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال [من البسيط]: الْعِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتاً لَا عِمَادَ لَهُ وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ (١) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٣٦٢. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٤٥/١٥. (٣) تقدّم في هذا الشرح في كتاب ((صلاة المسافرين وقصرها)) برقم [١٨٩٧/٤٨] (٨١٧). ٢١٥ (٤٤) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ يُوسُفَ عُلا - حديث رقم (٦١٤٢) ٣ - (ومنها): أنه يدلّ على شرف الفقه في الدين. ٤ - (ومنها): أن العالم يجوز له أن يجيب بحسب ما يظهر له، ولا يلزمه أن يستفصل السائل عن تعيين الاحتمالات، إلا إن خاف على السائل غلطاً، أو سوء فهم، فيستفصله (١). ٥ - (ومنها): ما قال القرطبيّ كَخَّثهُ: قول السائل: ((من أكرم الناس؟))؛ معناه: مَن أَولى بهذا الاسم، ولذلك أجابه النبيّ وَّهِ بجواب كُلِّيّ، فقال: ((أتقاهم))، وهذا مُنْتَزَعٌ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٣]، فلما قالوا: ليس عن هذا نسألك، نَزَل عن ذلك إلى ما يقابله، وهو الخصوص بشخص معين، فقال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؛ لأنَّه نبيّ ابن نبيّ ابن نبيّ ابن نبيّ، فإنَّ هذا لم يجتمع لغيره من ولد آدم، فهو أحق الناس المعنيِّين بهذا الاسم، فلما قالوا: ليس عن هذا نسألك تبيّن له أنهم سألوه عمن هو أحقّ بهذا الاسم من العرب، فأجابهم بقوله: ((فعن معادن العرب تسألوني؟))؛ أي: عن أكرم أصولها، وقبائلها؟ وقد تقدَّم أن المعدن هو مأخوذ من عَدَن؛ أي: أقام، والعَدْن: الإقامة، ولمّا كانت أصول قبائل العرب ثابتةً سُمِّيت معادن، ثم قال: ((خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا))، فمعنى هذا: أن من اجتمع له خصال شرف زمن الجاهلية، من شرف الآباء، ومكارم الأخلاق، وصنائع المعروف، مع شرف دين الإسلام، والتفقه فيه، فهو الأحق بهذا الاسم، وقد تقدَّم أن الكرم: كثرة الخير، والنفع، ولمّا كان تقوى الله تعالى هو الذي حصل به خير الدنيا والآخرة مطلقاً، كان المتّصف به أحقّ؛ فإنَّه أكرم الناس، لكن هذه قضية عامة، فلما نظر النبيّ وَ﴿ فيمن تعيَّن في الوجود بهذه الصفة، ظهر له أن الأنبياء أحقّ بهذا المعنى؛ إذ لا يبلغ أحد درجتهم، وإن أحقّهم بذلك من كان مُعْرِقاً في النبوة، وليس ذلك إلا يوسف عظلّا، كما ذَكَرَ، ويخرج منه الردّ على من قال: إن إخوة يوسف كانوا أنبياء؛ إذ لو كانوا كذلك لشاركوا يوسف في ذلك المعنى . (١) ((المفهم)) ٢٢٧/٦. ٢١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن بعضهم تعقّب هذا الاستنباط، لكن الذي يظهر لي هو الذي قاله القرطبيّ تَظُّ، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. قال: ثم إنه لمّا نظر النبيّ وَّهِ بين الأعم والأخصّ، ظهر أن الأحقّ بذلك المعنى نوع من الأنواع المتوسطة بين الجنس الأعم، والنوع الأخص، وظهر له أنهم أشراف العرب، ورؤساؤهم، إذا تفقهوا في الدين، وعَلِمُوا، وعَمِلُوا، فحازوا كل الرُّتَب الفاخرة؛ إذ اجتمعَ لهم شرف الدنيا والآخرة. انتهى كلام القرطبيّ كَّتُهُ، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٤٥) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ زَكَرِيَّاءَ ثـ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٤٣] (٢٣٧٩) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ِ قَالَ: ((كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّاراً))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (أَبُو رَافِع) نُفَيِعٌ الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ مشهور بكنيته [٢] (ع) تقدّم في (شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٦٢. والباقون تقدّموا قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف نَخْذُ، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ظُله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ِّهِ قَالَ: ((كَانَ زَكَرِيَّاءُ) فيه أربع لغات: المدّ، والقصر، وحذف الألف، مع تخفيف الياء، وفيه تشديدها أيضاً، ٢١٧ (٤٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ زَكَرِيَّاءَ علا - حديث رقم (٦١٤٣) وحذفها، وقال الجوهريّ: لا يُصرف مع المدّ، والقصر، قاله في ((الفتح))(١). وقال المجد تَخْذَتُهُ: وزَكَرِيَّاءُ، ويُقْصَرُ، وكعربِيٍّ، ويُخَفَّفُ: عَلَمٌ، فإن مَدَدْتَ، أو قَصَرْتَ، لم تَصْرِفْ، وإن شَدَّدْتَ صَرَفْتَ، وتَثْنِيَةُ المَمْدُودِ زَكَرِيَّاوانٍ، والجمع: زَكَرِيَّاؤونَ، وفي النَّصْبِ والخَفْضِ: زَكَرِيَّاوِينَ، والنِّسْبَةُ: زَكَرِيَّاوِيُّ، فإذا أضَفْتَ إليكَ قلتَ: زَكَرِيَّائِي بلا واوٍ، وفي التَّثْنِيَةِ: زَكَرِيًّاوايَ، وفي الجَمْعِ: زَكَرِيَّاويَّ، وتَثْنِيَةُ المَقْصُور: زَكَرِيَّانِ، ورأيتُ زَكَرِيَّيْنِ، وهُمْ زَكَرِيُّونَ، وتَثْنَِةُ زَكَرِي مُخَفَّفَةً: زَکَرِیَانِ، والجمع: زَکَرونَ. انتھی(٢). وقال في ((التاج)): و((زَكَرِيّاءُ)) فيه أَربعُ لُغَات: مَمْدودٌ، مَهْمُوزٌ، وبه قَرَأَ ابنُ كَثِير، ونافِعٌ، وأَبو عَمْرو، وابنُ عَامِر، ويَعْقُوبُ، ويُقْصَرُ، وبه قَرَأَ حَمْزَةُ، والكِسَائِيّ، وحَفْص، وزَكَرِيُّ؛ كعرَبِيّ، بحذْفِ الأَلف، غَيْر مُنَوَّن أَيضاً، ويُخَفَّفُ، وهي اللُّغَةُ الرَّابِعَة، قال الأَزْهَرِيّ: وهذا مَرْفُوض عند سِيبَوَيْه، قُلْت(٣): ولذا اقتصرَ الزَّجَّاجُ، وابنُ دُرَيْد، والجَوْهَرِيّ على الثَّلاثَةِ الْأَول، وشدَّ بعضُ المفسِّرين، فزادَ لُغَةً خَامِسَةً، وقال: زَكَر؛ كجَبَل: عَلَمٌ على رَجلٍ . (٤) انتھی (٤). وقال في ((تهذيب الأسماء)): قال أهل التواريخ: كان زكريا من ذرية سليمان بن داود لل#* وقُتل زكريا بعد قتل يحيى ابنه - صلوات الله، وسلامه عليهما -(٥). وقال في ((التكملة))(٦): وليس هو زكريا الذي له صحيفة مستقلّة في أسفار العهد القديم لأهل الكتاب؛ لأنه كان قبل المسيح ظلّا بخمسة قرون، وزكريالعلَّهُ الذي ذُكر في القرآن كان قبل المسيح فعله، وابن يحيى، وزوجته (١) ((الفتح)) ٤٩/٨، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٤٣٠). (٣) القائل صاحب التاج. (٢) ((القاموس المحيط)) ٥١٣/١. (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٢٨٩١/١. (٤) (٥) ((تهذيب الاسماء)) ١٩٥/١. (٦) راجع: (تكملة فتح الملهم)) ٣٧/٥ - ٣٨. ٢١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل اليشع، أخت لحنّة امرأة عمران، وأم مريم، فكانت زوجة زكريا فظلُّ خالة لمريم عَلَّاه، وكان زكريا من سلالة داود ◌َلَّاله، وزوجته من ذريّة هارون ◌َلَّلهُ. وقال ابن إسحاق: كان زكريا وابنه آخر من بُعث من بني إسرائيل قبل عيسى، وقال أيضاً: أراد بنو إسرائيل قتل زكريا، ففرّ منهم، فمرّ بشجرة، فانفلقت له، فدخل فيها، فالتأمت عليه، فأخذ الشيطان بهُدبة ثوبه، فرأوها، فوضعوا المنشار على الشجرة، فنشروها حتى قطعوه من وسطه في جوفها . وأما يحيى فقُتِل بسبب امرأة أراد مَلِكهم أن يتزوجها، فقال له يحيى: إنها لا تحلّ لك؛ لكونها كانت بنت امرأته، فتوصلت إلى الملك حتى قَتَل يحيى، قال ابن إسحاق: كان ذلك قبل أن يُرْفَع عيسى، ورَوَى أصلَ هذه القصة الحاكم في ((المستدرك)) من حديث عبد الله بن الزبير، وروى أيضاً من حديث ابن عباس أن دم يحيى كان يفور، حتى قَتَل عليه بختنصر من بني إسرائيل سبعين ألفاً، فسَكَن، ذكره في ((الفتح))(١). (نَجَّاراً)) - بفتح النون، وتشديد الجيم - صيغة مبالغة مِن نَجَر الخشبةَ نجراً، من باب نصر: إذا نَحَتَها، والحرفة: النِّجارة بالكسر؛ كالتجارة، والزراعة، والحياكة، ونحوها. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: هذا يدلّ على شرف النجارة، وعلى أن التحرُّف بالصناعات لا يغض من مناصب أهل الفضائل، بل نقول: إن الْحِرَف والصناعات غير الركيكة زيادة في فضيلة أهل الفضل، يحصل لهم بذلك التواضع في أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخالي عن الامتنان الذي هو خير المكاسب، كما قد نصَّ عليه النبيّ وَّر حيث قال: ((إن خير ما أكل المرء من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده))، رواه البخاريّ. وقد نُقل عن كثير من الأنبياء أنهم كانوا يحاولون الأعمال، فأوّلهم آدم وَ لِّ علَّمه الله صناعة الحراثة، ونوح وَّه علّمه الله صناعة النجارة، وداود وعَلّ علّمه الله صناعة الحدادة، وقيل: إن موسى #4 * كان كاتباً، كان يكتب التوراة (١) ((الفتح)) ٥١/٨، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٤٣٠). ٢١٩ (٤٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ زَكَرِيَّاءَ علا - حديث رقم (٦١٤٣) بيده، وكلهم قد رَعَى الغنم، كما قال صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف دخّلُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٤٣/٤٥] (٢٣٧٩)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٢١٥٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٦/٢ و٤٠٥)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (١١٣/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥١٤٢)، و(الطحاويّ) في (مشكل الآثار)) (٤٢٩/١)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٩٠/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣١١/١١)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٤٩/١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل زكريّا عَلَّل*، فإنه كان صانعاً يأكل من كَسْبه، وأن عمل اليد أفضل المكاسب، فقد أخرج البخاريّ عن المقدام بن معدي كرب رَظُه، عن رسول الله وَّه قال: ((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبيّ الله داود علّا كان يأكل من عمل يده)). وأخرج أيضاً عن أبي هريرة ظه، عن رسول الله ويت: ((أن داود كان لا يأكل إلا من عمل يده)). انتهى. ٢ - (ومنها): جواز الصنائع، وأن النجارة لا تُسقط المروءة، وأنها صنعة فاضلةٌ. ٣ - (ومنها): ما قال في ((الفتح)): وقد استُدِلّ به على مشروعية الإجارة من جهة أن عمل اليد أعمّ من أن يكون للغير أو للنفس، والذي يظهر أن الذي كان يعمله داود بيده هو نسج الدروع، وألان الله له الحديد، فكان ينسج الدروع، ويبيعها، ولا يأكل إلا من ثَمَن ذلك، مع كونه كان من كبار الملوك، (١) ((المفهم)) ٢٢٧/٦ - ٢٢٨. ٢٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل قال الله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص: ٢٠]. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): ما قال المناويّ كَّلهُ: وجه خيرية عمل اليد ما فيه من إيصال النفع إلى الكاسب وغيره، والسلامة عن البطالة المؤدية إلى الفضول، وكسر النفس به، والتعفف عن ذلّ السؤال، وفيه تحريض على الكسب الحلال، وهو متضمن لفوائد كثيرة: منها: إيصال النفع لآخذ الأجرة، إن كان العمل لغيره، وإيصال النفع إلى الناس بتهيئة أسبابهم من نحو زرع، وغرس، وخياطة، وغير ذلك. ومنها: أن يشتغل الكاسب به، فيسلم عن البطالة واللهو. ومنها : كسر النفس به، فيقلّ طغيانها، ومَرَحها . ومنها: التعفف عن ذلّ السؤال، والاحتياج إلى الغير. وشرط المكتسِب أن لا يعتقد الرزق من الكسب، بل من الرزاق ذي القوة. انتهى كلام المناويّ كَّفُ(٢)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . البَلاء) (٤٦) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٤٤] (٢٣٨٠) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكُِّ، كُلَّهُمْ عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ أَبِي عُمَرَ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفاً الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى عَلُّ صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ ظَِّ، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَقُولُ: ((قَامَ مُوسَى عِلَّهُ خَطِيباً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، (١) (الفتح)) ٤٥٥/٦. (٢) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) ٤٢٦/٥.