النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَارِ - حديث رقم (٦١٣٢)
ورَوَى ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود، بإسناد
صحيح إليه، نحو ذلك، وفيه: ((وأصبح يونس، فأشرف على القرية، فلم ير
العذاب وقع عليهم، وكان في شريعتهم مَن كَذَب قُتل، فانطلق مغاضباً حتى
ركب سفينةً - وقال فيه -: فقال لهم يونس: إن معهم عبداً آبقاً من ربه، وإنها
لا تسير حتى تلقوه، فقالوا: لا نُلقيك يا نبي الله أبداً، قال: فاقترعوا، فخرج
عليه ثلاث مرات، فألقوه، فالتقمه الحوت، فبلغ به قرار الأرض، فسمع تسبيح
الحصى، ﴿فَنَادَى فِ اُلُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ﴾ الآية [الأنبياء: ٨٧]).
ورَوَى البزار، وابن جرير، من طريق عبد الله بن نافع، عن أبي هريرة،
رفعه: «لمّا أراد الله حَبْس يونس في بطن الحوت، أمر الله الحوت أن لا يكسر
له عظماً، ولا يَخْدِش له لحماً، فلما انتهى به إلى قعر البحر سبَّح الله، فقالت
الملائكة: يا ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة، قال: ذاك عبدي يونس،
فشفعوا له، فأمر الحوت، فقذفه في الساحل - قال ابن مسعود -: كهيئة الفرخ،
لیس علیە ریش».
وروى ابن أبي حاتم من طريق السديّ، عن أبي مالك، قال: ((لبث في
بطن الحوت أربعين يوماً))، ومن طريق جعفر الصادق، قال: ((سبعة أيام))، ومن
طريق قتادة، قال: ((ثلاثاً))، ومن طريق الشعبيّ، قال: ((التقمه ضُحَّى، ولَفَظَه
عشية)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٣٢/٤٢ و٦١٣٣ و٦١٣٤ و٦١٣٥] (٢٣٧٣)،
و(البخاريّ) في ((الخصومات)) (٢٤١١) و((الأنبياء)) (٣٤٠٨ و٣٤١٤) و((التفسير))
(٤٨١٣) و((الرقاق)) (٦٥١٧ و٦٥١٨)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة)) (٤٦٧١)،
و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٢٤٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤١٨/٤ و٦/
(١) ((الفتح)) ٦/ ٤٥٢.

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
٤٤٨)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٧٤)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٢٣٦٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٤/٢ و٤٥٠ - ٤٥١)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٦٢٣٨ و٧٣١١)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (١٧١/٤)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣١٥/٤)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء
والصفات)) (ص١٤٩ - ١٥٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٦٧١)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن تفضيل بعض الأنبياء على بعض، قال
العلماء: نهيه ولو عن التفضيل بين الأنبياء إنما هو إذا كان ممن يقوله بالرأي
والهوى، لا من يقوله بدليل، أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول،
أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع، أو المراد: لا تفضلوا بجميع أنواع الفضائل،
بحيث لا يترك للمفضول فضيلة، فالإمام مثلاً، إذا قلنا: إنه أفضل من المؤذن،
لا يستلزم نقص فضيلة المؤذن بالنسبة إلى الأذان، وقيل: النهي عن التفضيل
إنما هو في حق النبوة نفسها؛ كقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ ﴾
الآية [البقرة: ٢٨٥]، ولم ينه عن تفضيل بعض الذوات على بعض؛ لقوله تعالى:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٣]، وقال الحليميّ: الأخبار
الواردة في النهي عن التخيير إنما هي في مجادلة أهل الكتاب، وتفضيل بعض
الأنبياء على بعض بالمخايرة؛ لأن المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين لا يؤمَن
أن يخرج أحدهما إلى الازدراء بالآخر، فيفضي إلى الكفر، فأما إذا كان
التخيير مستنداً إلى مقابلة الفضائل؛ لتحصيل الرجحان، فلا يدخل في النهي،
قاله في ((الفتح)).
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّ﴿ من كمال التوضع، وكمال
الاحترام لإخوانه الأنبياء - صلوات الله، وسلامه عليهم - فكان يحترمهم
ويُجلّهم، ويدافع عنهم، مع أنه سيّدهم، وإمامهم، وحامل لواء الحمد، فآدم
ومَن دونه كلهم تحت لوائه ◌َّ﴾، وهو المراد في قوله ريك: ﴿عَسَ أَنْ يَبْعَثَكَ
رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
٣ - (ومنها): أن فيه بيان فضيلة موسى ظلِّلا، حيث اختصّ بهذه

١٨٣
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَّرِ - حديث رقم (٦١٣٢)
الفضيلة، وقد يختصّ المفضول بما ليس في الأفضل، ولا يكون بسببها مساوياً
له، ولا أفضل منه.
٤ - (ومنها): استعداء الذمي على المسلم، ورَفْعه إلى الحاكم، وسماع
الحاكم دعواه.
٥ - (ومنها): تَعَلَّم من لم يعرف الحكم ما خفي عليه منه، والاكتفاء
بذلك في حقّ المسلم.
٦ - (ومنها): ما قاله الأبّيّ تَخُّْ: فيه القول بالعموم، وأن العامّ في
الأشخاص عامّ في الأزمنة، والأمكنة، والأحوال؛ لأن الصحابيّ العربيّ فَهِم
ذلك، وأقرّه رسول الله ◌َّ على ذلك. انتهى(١).
٧ - (ومنها): أن الذميّ إذا أقدم على القول بما لا علم له به، جاز
للمسلم المعروف بالعلم تعزيره على ذلك، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في بيان الاختلاف في إسناد هذا الحديث:
قال في ((الفتح)) عند قوله: ((أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن
المسيِّب)) ما حاصله: كذا قال شعيب، عن الزهريّ، وتابعه محمد بن أبي
عتيق، عن ابن شهاب، وقال إبراهيم بن سعد: عن الزهريّ، عن أبي سلمة،
والأعرج، قال: والحديث محفوظ للزهري على الوجهين، وقد جمع البخاريّ
بين الروايتين في ((التوحيد)) إشارةً إلى ثبوت ذلك عنه على الوجهين، وله أصل
من حديث الأعرج، من رواية عبد الله بن الفضل عنه - يعني: رواية مسلم هذه -
ومن طريق أبي الزناد عنه، ومن طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، أخرجه
الترمذيّ، وابن ماجه، من طريق محمد بن عمرو عنه، ورواه مع أبي هريرة أبو
(٢)
.(
سعيد. انتهى
وفي ((العلل)) للدار قطنيّ كَّتُهُ ما نصّه:
(١٤١٧) - وسئل - يعني: الدارقطنيّ - عن حديث سعيد، وأبي سلمة،
والأعرج، عن أبي هريرة: (استبّ رجل من المسلمين، ورجل من اليهود ... ))
الحديث، فقال: يرويه الزهريّ، واختُلِف عنه، فرواه شعيب بن أبي حمزة،
(١) ((شرح الأبيّ)) ١٦٥/٦.
(٢) ((الفتح)) ٦/ ٤٤٣.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وعُقيل، ومحمد بن أبي عتيق، عن الزهريّ، عن سعيد، وأبي سعيد، عن أبي
هريرة، وخالفهم إبراهيم بن سعد، فرواه عن الزهريّ، عن أبي سلمة،
وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، وقد روى هذا الحديث عبدُ الله بن
الفضل بن العباس بن ربيعة الهاشميّ، وأبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي
هريرة، والقولان صحيحان، والله أعلم. انتهى كلام الدارقطنيّ كَّهُ(١).
ضرعنه
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن حديث أبي هريرة
صحيح محفوظ بالطرق المذكورة كلّها، ولذا اتّفق عليه الشيخان، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْفُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٣٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ السَّمِين، صدوقٌ، رُبّما وَهِم،
وكان فاضلاً [١٠] (ت٥ أو ٢٣٦) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٤/١.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ
متقنٌّ عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦.
و((عبد العزيز)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية يزيد بن هارون عن عبد العزيز الماجشون هذه لم أجد من
ساقها، فليُنْظَر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٣٤] ( .. ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، قَالَا:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ: رَجُلٌ
مِنَ الْيَهُودِ، وَرَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّداً وَِّ عَلَى
(١) ((العلل الواردة في الأحاديث النبوية)) ٦٧/٨ - ٦٨.

١٨٥
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَّهِ - حديث رقم (٦١٣٤)
◌َ﴿ عَلَى الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَرَفَعَ
الْعَالَمِينَ، وَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى
الْمُسْلِمُ بَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ◌َِّ،
فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى
مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِئٌ بِجَانِبٍ
الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي، أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ؟»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ) بن أبي النضر البغداديّ، وقد يُنسب لجده، اسمه
وكنيته واحد، وقيل: اسمه محمد، وقيل: أحمد، وأبو النضر هو هاشم بن القاسم
مشهور، وأبو بكر ثقةٌ [١١] (ت٢٤٥) (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ تُكُلّم فيه بلا قادح [٨]
(ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
والباقون ذكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (فَلَا أَدْرِي، أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي) قال القاضي
عياض كَُّهُ: هذا مِن أشكل الأحاديث؛ لأن موسىفِلَّ قد مات، فكيف
تُدركه الصعقة؟، وإنما تَصْعَق الأحياء، وقوله: (أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ) يدلّ
على أنه كان حيّاً، ولم يأت أن موسى رجع إلى الحياة، ولا أنه حي، كما جاء
في عيسى عظَّا، وقد قال ◌َّ: (لو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره، إلى جانب الطريق))،
قال القاضي: يَحْتَمِل أن هذه الصعقة صعقة فَزَع بعد البعث، حين تنشق
السماوات والأرض، فتنتظم حينئذ الآيات والأحاديث، ويؤيده قوله وقالت:
((فأفاق))؛ لأنه إنما يقال: أفاق من الغشي، وأما الموت، فيقال: بُعِث منه،
وصعقة الطور لم تكن موتاً .
وأما قوله وَ له: ((فلا أدري أفاق قبلي؟)) فَيَحْتَمِل أنه وَّ قاله قبل أن يعلم

١٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
أنه أول من تنشقّ عنه الأرض، إن كان هذا اللفظ على ظاهره، وأن نبيّنا وَله
أول شخص تنشقّ عنه الأرض على الإطلاق، قال: ويجوز أن يكون معناه أنه
من الزمرة الذين هم أول من تنشقّ عنهم الأرض، فيكون موسى من تلك
الزمرة، وهي - والله أعلم - زمرة الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم. انتهى
كلام القاضي عياض تَظّهُ(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٣٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
إِسْحَاقَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو
سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، بِمِثْلٍ حَدِيثٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ
شِهَاپٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصّغَانيّ
- بفتح الصاد المهملة، ثم الغين المعجمة - نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١]
(ت٢٧٠) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١١٦/٤.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله، و((أبو اليمان)) هو: الحكم بن
نافع الحمصيّ، و((شُعيب)) هو: ابن أبي حمزة الحمصيّ.
[تنبيه]: رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ تَخْشُهُ
في ((صحیحه))، فقال:
(٣٢٢٧) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني
أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيِّب، أن أبا هريرة ظُه قال: استَبَّ
رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى
(١) ((إكمال المعلم)) ٣٥٥/٧ - ٣٥٧، و((شرح النوويّ)) ١٣١/١٥ - ٠١٣٢

١٨٧
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَله - حديث رقم (٦١٣٦)
محمداً ﴿ّ على العالمين، في قَسَم يُقْسِم به، فقال اليهوديّ: والذي اصطفى
موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده، فَلَطَم اليهوديّ، فذهب
اليهوديّ إلى النبيّ وَلّه، فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم، فقال: ((لا
تخيّروني على موسى، فإن الناس يَصْعَقون، فأكون أولَ من يُفيق، فإذا موسى
باطش بجانب العرش، فلا أدري، أكان فيمن صَعِقٍ، فأفاق قبلي، أو كان ممن
استثنى الله؟)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٣٦] (٢٣٧٤) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ،
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ:
جَاءَ يَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ
الزُّهْرِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوِ اكْتَفَى
بِصَعْقَةِ الطُّورِ؟))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمَر بن درهم
الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أنه قد يخطىء في حديث الثوريّ [٩] (ت٢٠٣)
(ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٤/٥٠.
٣ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بن عُمارة بن أبي حسن المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦]
مات بعد الثلاثين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٨/ ٤٦٤.
٥ - (أَبُوهُ) يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٤/٨٨.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ أبو
سعيد الصحابيّ ابن الصحابيّ، استصغر بأَحُد، ثم شَهِد ما بعدها، وروى الكثير
(١) (صحيح البخاريّ)) ١٢٥١/٣.

١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
من الحديث، مات بالمدينة سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس وستين، وقيل: سنة
أربع وسبعين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٨٥.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ) فاعل ((ساق)) ضمير
عمرو بن يحيى؛ يعني: أنه ساق الحديث عن أبيه، عن أبي سعيد رَظُه بمعنى
حديث الزهريّ، بسنده السابق.
[تنبيه]: رواية عمرو بن يحيى عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ ◌ُله هذه
ساقها البخاريّ تَظُْ في ((صحيحه))، فقال:
(٤٣٦٢) - حدّثنا محمد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى
المازنيّ، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ ◌َّ ◌ُّه قال: جاء رجلٌ من اليهود إلى
النبيّ وَ ◌ّه قد لُطِم وجهُهُ وقال: يا محمد إن رجلاً من أصحابك من الأنصار لَطَم
في وجهي، قال: ((ادعوه))، فدعوه، قال: ((لم لطمت وجهه؟)) قال: يا رسول الله،
إني مررت باليهود، فسمعته يقول: والذي اصطفى موسى على البشر، فقلت:
وعلى محمد؟ وأخذتني غَضْبَةٌ، فلطمته، قال: ((لا تخيّروني من بين الأنبياء، فإن
الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من
قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أم ◌ُزِي بصعقة الطور؟)). انتهى(١).
وهذا الحديث أخرجه (المصنف) هنا [٦١٣٦/٤٢ و٦١٣٧] (٢٣٧٤)،
و(البخاري) في (صحيحه)) (١٢٤٥/٣ و١٧٠٠/٤ و٢٥٣٤/٦)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٣/٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٣٧] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ
(ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ))،
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ: عَمْرِو بْنِ يَحْبَى، حَدَّثَنِي أَبِي).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاحِ بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ - بضم الراء، وهمزة، ثم
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٧٠٠/٤.

١٨٩
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَلِ - حديث رقم (٦١٣٧)
مهملة - أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) وله
سبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ - بسكون الميم -أبو
عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير - بنون، مصغراً - الهمدانيّ، أبو هشام
الكوفيّ، ثقةٌ صاحب حديث، من أهل السُّنَّة، من كبار [٩] (ت١٩٩) وله أربع
وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، و(سفيان)) هو: الثوريّ، والحديث
متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ولله الحمد والمنّة.
وقوله: (لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ) قال البيهقيّ ◌َُّهُ: وقول الله رَبَّ: ﴿تِلْكَ
الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٣] يدلّ على تفضيل بعضهم على
بعض، وقول النبيّ وَله: ((لا تفضلوا بين أنبياء الله))، وقوله: ((لا تخيروا بين
أنبياء الله)) إنما هو في محاولة أهل الكتاب على معنى الإزراء ببعضهم، فإنه
ربما أدى ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم، والإقلال(١) الواجب من حقوقهم، أما
إذا كانت المخايرة من مسلم، يريد الوقوف على الأفضل منهم، فليس هذا
يُنْهَى عنه، والله أعلم. انتهى(٢).
وقال في ((معتصر المختصر من الآثار)): قوله وَ يقول: ((لا تخيروني على
موسى ... )) الحديث، وقوله: ((لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن
متّى))، رواه عليّ بن أبي طالب، وزاد فيه: ((قد سبّح الله في الظلمات)) يَحْتَمِل
أنه قاله قبل عِلمه بتفضيل الله تعالى إياه على جميع خلقه، وكذا جوابه لمن قال
له: يا خير البرية، فقال: ((ذاك أبي إبراهيم))، يَحْتَمِل أن يكون قبل أن يتخذه الله
خليلاً، فلمّا جعله خليلاً عاد بالخلة من الله بمنزلة إبراهيم في الخلة، وهي
المحبة التي لا محبة فوقها، وزاد عليه بذكره فيما لا يُذكر فيه إبراهيم في
(١) هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب: الإخلال من واجب حقوقهم، فليحرّر، والله
تعالى أعلم.
(٢) ((شعَب الإيمان)) ١٨٣/٢.

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
التأذين، والإقامة، وإعطائه في الآخرة المقام المحمود الذي لم يعطه غيره،
كما رُوِي عن كعب أنه قال: قال النبيّ وَلّه: ((يُحشر الناس يوم القيامة، فأكون
أنا وأمتي على تَلّ، فيكسوني ربي حلة خضراء، ثم يُؤْذَن لي، فأقول ما شاء الله
أن أقول، فذلك المقام المحمود، وهو المقام الذي أشفع فيه لأمتي))، وعن
ابن مسعود قال رسول الله قال: ((إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وإن صاحبكم
خليل الله، ثم قرأ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ الآية [الإسراء: ٧٩]))، فالمقام
المحمود ما اختصه الله تعالى به في الآخرة حتى يغبطه به الأولون والآخرون،
ففي هذا كله دليل على أن ما قاله في إبراهيم، وموسى، ويونس، إنما كان
ذلك قبل إعطائه إياه، والذي يروى عن أبي سعيد من قوله وَله: ((لا تخيروا بين
أنبياء الله سبحانه)) محمول على التفضيل بآرائنا، من غير توقيف، فأما ما بيّنه
لنا، فقد أطلقه لنا. انتهى (١).
[تنبيه]: الظاهر أن المصنّف تَخْلَتُ أراد هذه الرواية المختصرة، وقد أخرجها
البخاريّ أيضاً في (صحيحه)) بهذا اللفظ، عن أبي نعيم، عن سفيان، فقال:
(٦٥١٨) - حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه،
عن أبي سعيد، عن النبيّ وَّ قال: ((لا تخيّروا بين الأنبياء)). انتهى(٢)، ومثله
لابن حبّان(٣).
وقد أخرج الإمام أحمد كَخْتُ رواية وكيع عن سفيان في ((مسنده)) بأتمّ مما
هنا ، فقال :
(١١٣٠٤) - حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه،
عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول اللهِ وَله: ((لا تخيروا بين الأنبياء،
وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، فأُفيق، فأجد موسى متعلقاً بقائمة
من قوائم العرش، فلا أدري أجزي بصعقة الطور، أو أفاق قبلي؟)). انتهى(٤).
وأما رواية عبد الله بن نمير عن سفيان، فلم أجد من ساقها، فليُنْظَر،
والله تعالى أعلم.
(١) ((معتصر المختصر من مشكل الآثار)) ٦/١.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٥٣٤.
(٣) ((صحيح ابن حبّان)) ١٤/ ١٣١.
(٤) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٣/٣.

١٩١
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَّه ــ حديث رقم (٦١٣٨)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٣٨] (٢٣٧٥) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، قَالَا:
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ،
أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لِ قَالَ: «أَتَبْتُ - وَفِي رِوَايَةٍ هَدَّابٍ - مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ
أُسْرِيَ بِي، عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) - بفتح الهاء، وتشديد الدال المهملة - ويقال له:
هُذْبة - بضم أوله، وسكون الدال، بعدها موحّدة - ابن خالد بن الأسود
القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائي بتليينه، من صغار [٩]
مات سنة بضع وثلاثين ومائتين (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٥١/١١.
٢ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار البصريّ، تقدّم قريباً.
٤ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) ابن أسلم البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) ابن طَرْخان البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَُه تقدّم في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ◌َّثهُ، كلاحقيه، وهو (٤٧٠) من رباعيّات
الكتاب، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه أنس بن مالك ظُه من المكثرين
السبعة، وآخر من مات من الصحابة ﴿ه بالبصرة، وقد جاوز عمره مائة.
شرح الحديث:
(أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: «أَتَيْتُ - وَفِي رِوَايَةٍ
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك)
هَذَّابٍ - مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى) عَلَّهُ (لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ)
((الكثيب)) بفتح، فكسر: هو ما ارتفع من الرَّمْل؛ كالثَّلِّ الصغير، قيل: هذا ليس
صريحاً في الإعلام بقبره الشريف، ومن ثَمّ اختلفوا فيه.
وقال القرطبيّ: الكثيب: هو الكوم من الرمل، ويُجْمَع كُثُباً، وهذا

١٩٢
-
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
الكثيب هو بطريق بيت المقدس، كما سيأتي. انتهى (١).
وقال القاضي عياض رَّتُهُ :
[فإن قيل]: كيف رأى موسى ظلَّلا يصلي في قبره، وصلى النبيّ وَل
بالأنبياء ببيت المقدس، ووجدهم على مراتبهم في السماوات، وسلّموا عليه،
ورحّبوا به؟.
[فالجواب]: أنه يَحْتَمِل أن تكون رؤيته موسى في قبره عند الكثيب
الأحمر كانت قبل صعود النبيّ وَّةٍ إلى السماء، وفي طريقه إلى بيت المقدس،
ثم وجد موسى قد سبقه إلى السماء.
ويَحْتَمِل أنه وَِّ رأى الأنبياء - صلوات الله، وسلامه عليهم - وصلى بهم
على تلك الحال لأوّل ما رآهم، ثم سألوه، ورحّبوا به، أو يكون اجتماعه
بهم، وصلاته، ورؤيته موسى بعد انصرافه، ورجوعه عن سدرة المنتهى، والله
تعالى أعلم. انتهى(٢).
(وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّ فِي قَبْرِهِ) قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ◌َُّهُ: هذه الصلاة
ونحوها مما يتمتّع بها الميت، ويتنعّم بها كما يتنعّم أهل الجنّة بالتسبيح، فإنهم
يُلهمون التسبيح، كما يُلهم الناس في الدنيا النفَسَ، فهذا ليس من عمل
التكليف الذي يُطلب له ثواب منفصلٌ، بل نفس هذا العمل هو من النعيم الذي
تتنعّم به الأنفس، وتتلذّذ به، وقول النبيّ وَّ: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله
إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم يُنتفع به، وولد صالح يدعو له)) يريد به
العمل الذي يكون له ثواب، لم يُرِدْ به نفس العمل الذي يُتنعم به، فإن أهل
الجنة يتنعمون بالنظر إلى الله، ويتنعّمون بذكره، وتسبيحه، ويتنعمون بقراءة
القرآن، و((يقال لقارئ القرآن: اقرأ، وارْقَ، ورَتِّل كما كنت تُرتّل في الدنيا،
فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها))، ويتنعمون بمخاطبتهم لربهم، ومناجاته، وإن
كانت هذه الأمور في الدنيا أعمالاً يترتب عليها الثواب، فهي في الآخرة
أعمالٌ يتنعم بها صاحبها أعظم من أكله، وشربه، ونكاحه، وهذه كلها أعمال
(١) «المفهم)» ٦/ ١٩٢.
(٢) راجع: ((شرح النوويّ على مسلم)) ٢٣٨/٢.

١٩٣
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَلِ - حديث رقم (٦١٣٨)
أيضاً، والأكل والشرب والنكاح في الدنيا مما يؤمر به، ويثاب عليه مع النية
الصالحة، وهو في الآخرة نفس الثواب الذي يتنعم به، والله أعلم. انتهى كلام
شيخ الإسلام تَخْذِفُهُ(١)، وهو تحقيقُ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقال الشيخ بدر الدين الصاحب تَُّ في مؤلّف له في حياة الأنبياء لقتلة:
هذا صريح في إثبات الحياة لموسى لعلّ في قبره، فإنه وصفه بالصلاة، وإنه
قائم، ومثل ذلك لا يوصف به الروح، وإنما يوصف به الجسد، وفي تخصيصه
بالقبر دليل على هذا، فإنه لو كان من أوصاف الروح لم يُحْتَج لتخصيصه.
وقال الشيخ تقي الدين السبكيّ تَّفُ: في هذا الحديث أن الصلاة
تستدعي جسداً حيّاً، ولا يلزم من كونها حياة حقيقة أن تكون لا بدّ معها كما
كانت في الدنيا، من الاحتياج إلى الطعام، والشراب، وغير ذلك من صفات
الأجسام التي نشاهدها، بل يكون لها حكم آخر. انتهى(٢).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى:
[فإن قيل]: كيف يَحُجُّون، ويُلبّون، وهم أموات، وهم في الدار الآخرة،
وليست دار عمل؟.
فاعلم أن للمشايخ، وفيما ظهر لنا عن هذا أجوبة:
أحدها: أنهم كالشهداء، بل هم أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم،
فلا يبعد أن يحجّوا، ويصلّوا، كما ورد في الحديث الآخر، وأن يتقرّبوا إلى الله
تعالى بما استطاعوا؛ لأنهم، وإن كانوا قد تُوفّوا، فهم في هذه الدنيا التي هي
دار العمل، حتى إذا فنيت مدّتها، وتعقبتها الآخرة التي هي دار الجزاء، انقطع
العمل.
الوجه الثاني: أن عمل الآخرة ذِكْر، ودعاء، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَئِهُمْ فِهَا
سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّنُهُمْ فِيَهَا سَلَمْ وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
[يونس: ١٠].
الوجه الثالث: أن تكون هذه رؤية منام، في غير ليلة الإسراء، أو في
(١) ((مجموع الفتاوى)) ٣٣/٤.
(٢) راجع: ((زهر الربى في شرح المجتبى)) للسيوطيّ تخلفُ ٢١٥/٣ -٢١٦.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
بعض ليلة الإسراء، كما قال في رواية ابن عمر ظها: ((بينا أنا نائم، رأيتني
أطوف بالكعبة))، وذكر الحديث في قصة عيسى ظلّلا.
الوجه الرابع: أنه وس ◌ّ أُري أحوالهم التي كانت في حياتهم، ومثّلوا له في
حال حياتهم، كيف كانوا؟، وكيف حجّهم، وتلبيتهم؟ كما قال وَلّ: ((كأني
أنظر إلى موسى)) و((كأني أنظر إلى عيسى))، و((كأني أنظر إلى يونس)) لَيلة.
الوجه الخامس: أن يكون أَخبر عما أُوحي إليهِ وَّر، من أمرهم، وما
كان منهم، وإن لم يَرَهُم رؤية عين. انتهى كلام القاضي نَّتُهُ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الأول هو الأرجح؛
لظواهر النصوص، ولا داعي إلى هذه التأويلات البعيدة عن ظواهر الأحاديث،
فتفطّن، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق.
ثم رأيت القرطبيّ كَّتُ قد أجاد، وأفاد في هذا الموضوع، حيث قال:
وهذا الحديث يدلّ بظاهره على أنه ◌َ رأى موسى رؤية حقيقية في اليقظة،
وأن موسى كان في قبره حيّاً، يصلي فيه الصلاة التي كان يصلّيها في الحياة،
وهذا كله ممكن لا إحالة في شيء منه، وقد صحَّ أن الشهداء أحياء يرزقون،
ووجد منهم من لم يتغيّر في قبره من السنين كما ذكرناه، وإذا كان هذا في
الشهداء كان في الأنبياء أحرى وأَولى.
[فإنْ قيل]: كيف يصلّون بعد الموت، وليس تلك الحال حال تكليف؟.
[فالجواب]: أن ذلك ليس بحكم التكليف، وإنَّما ذلك بحكم الإكرام لهم
والتشريف، وذلك أنهم كانوا في الدنيا حبِّبت لهم عبادة الله تعالى، والصلاة
بحيث كانوا يلازمون ذلك، ثم توفوا وهم على ذلك، فشرَّفهم الله تعالى بعد
موتهم بأن أبقى عليهم ما كانوا يحبون، وما عُرفوا به، فتكون عبادتهم إلهاميَّة
كعبادة الملائكة، لا تكليفية، وقد وقع مثل هذا لثابت البنانيّ تَخْذُ، فإنَّه حُبِّبت
الصلاة إليه حتى كان يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحداً يصلِّي لك في قبره،
فأعطني ذلك، فرآه مُلْحِدُه، بعدما سوَّى عليه لَحْده قائماً يصلِّي في قبره، وقد
دلَّ على صحة ذلك كله قول نبينا وَّه: ((يموت المرء على ما عاش عليه،
ويُحشر على ما مات عليه))، وقد جاء في الصحيح: ((أن أهل الجنَّة يُلهمون

١٩٥
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَلَه - حديث رقم (٦١٣٨)
التسبيح كما تُلهمون النَّفَس)). انتهى كلام القرطبيّ تَخْذُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيس،
وبحث أنيسٌ، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٣٨/٤٢ و٦١٣٩] (٢٣٧٥)، و(النسائيّ) في
(المجتبى)) (٢١٥/٣ - ٢١٦) و((الكبرى)) (٤١٩/١)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (٥٧٧/٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٠٧/١٤ و٣٠٨)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٠/٣ و١٤٨ و٢٤٨)، وفي ((الزهد)) (١/ ٧٤)،
و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٣٦٢/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٤٢/١
و٢٤٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٧١/٦)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين))
(٤٢٠/٢)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٢٥٣/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣٧٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان علم من أعلام النبوّة لنبيّنا وَّل، وهو أنه أُسري به
بجسده، وروحه إلى البيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماوات العلى، حتى
ناجى ربه، فأوحى إليه ما أوحى، ولقد رأى من آيات ربّه الكبرى، ومع ذلك
ما زاغ بصره، وما طغى، وفرض الله رحمت عليه وعلى أمته خمسين صلاة، ثم
منّ عليه، فخفّف عددها، وأكمل مددها، فصارت خمس صلوات لها أجر
خمسين صلاة، وهذا هو الفضل العظيم، من ربّ رؤوف رحيم ثَلاً .
٢ - (ومنها): بيان فضيلة موسى ظلِّ، حيث منّ الله رَّ عليه بأن يصلي
في قبره.
٣ - (ومنها): بيان أن الأنبياء أحياء في قبورهم، يصلّون، ويحجّون،
والله تعالى على كلّ شيء قدير.
(١) ((المفهم)) ٦/ ١٩٢ - ١٩٣.

١٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
٤ - (ومنها): بيان أن الله تعالى يُكرم بعض عباده في قبورهم بما شاءوا
من أنواع العبادة؛ كالصلاة، كما ثبت في موسى ظلّلا نصّاً، وكذا في
عيسى ◌ُالَّ أيضاً، وكما سبق في قصّة ثابت البناء، فقد أخرج ابن الجعد في
((مسنده))، فقال:
(١٣٧٩) - حدّثنا الوليد بن شجاع، نا ضمرة، نا ابن شوذب، قال:
سمعت ثابتاً البنانيّ يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحداً أن يصلّي في قبره،
فأعطني ذلك(١).
(١٣٨٠) - حدّثنا علي بن مسلم، نا سيار، نا جعفر (٢)، قال: سمعت
ثابتاً البنانيّ يقول: اللهم إن كنت أَذِنت لأحد أن يصلي في قبره، فَأُذن لي أن
(٣)(٤)
أصلي في قبري(٣)(٤).
وهذا لا يُستغرب، ولا يُستبعد، فإن البرزخ من عالم الآخرة، وقد ثبت
في النصوص قوله رَك: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنَفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا
تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١]، وقد أخرج البخاريّ تَّتُ في ((صحيحه)) عن أبي
هريرة نظبه أن النبيّ وَّ كان يوماً يحدّث، وعنده رجل من أهل البادية: ((أن
(١) قال الجامع: هذا إسناد صحيح.
(٢) قال الجامع: هذا حديث حسن، وفيه سيار بن حاتم، متكلّم فيه، وقال في
(التقريب)): صدوقٌ، له أوهام، لكن يشهد له الحديث السابق، فلذا حسّنته، فتنبّه.
(٣) ((مسند ابن الجعد)) ٢٠٩/١.
(٤) أخرج أبو نعيم كَّفُ في ((حلية الأولياء)) ٣١٩/٢ بسنده عن محمد بن سنان القزّاز،
عن شيبان بن جسر، عن أبيه قال: أنا والله الذي لا إله إلا هو أدخلت ثابتاً
البنانيّ لَحْده، ومعي حميد الطويل، أو رجل غيره - شك محمد - قال: فلما سوينا
عليه اللبن، سقطت لبنة، فإذا أنا به يصلي في قبره، فقلت للذي معي: ألا ترى؟
قال: اسكت، فلمّا سوينا عليه، وفرغنا، أتينا ابنته، فقلنا لها: ما كان عمل أبيك
ثابت؟ فقالت: وما رأيتم؟ فأخبرناها، فقالت: كان يقوم الليل خمسين سنة، فإذا
كان السَّحَر قال في دعائه: اللهم إن كنت أعطيت أحداً من خلقك الصلاة في
قبره، فأعطنيها، فما كان الله ليردّ ذلك الدعاء. انتهى.
قال الجامع: لم أعرف رجال إسناده، والله أعلم.

١٩٧
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَلِ - حديث رقم (٦١٣٨)
رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال:
بلى، ولكني أحب أن أزرع، قال: فبذر، فبادر الطرفَ نباته، واستواؤه،
واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يُشبعك
شيء))، فقال الأعرابيّ: والله لا تجده إلا قرشيّاً، أو أنصاريّاً، فإنهم أصحاب
زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك النبيّ وَّر. انتهى(١).
فإذا كان الله رَت وعد للمؤمنين أن لهم في الآخرة ما تشتهيه أنفسهم،
وهم يدّعون؛ أي: يطلبون، وأخبر النبيّ ◌َّ أن هذا الرجل طلب أن يزرع في
الجنّة، وأُعطي ذلك، فما بالك بالصلاة، والعلم، والذُّكر ونحو ذلك من أنواع
العبادات، مما يموت المرء ملازماً لها، ومحبّاً للاستمرار على العمل بها، ألا
يُعطى إن طلب ذلك؟ نعم - إن شاء الله - وفوق ذلك، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر الإمام ابن حبّان ◌َظُّ في ((صحيحه)) بعد إخراجه حديث
أنس به هذا بحثاً نفيساً يتعلّق بالحديث، أحببت إيراده هنا تكميلاً للفوائد،
ونشراً للعوائد، قال:
قال أبو حاتم: الله جل وعلا قادر على ما يشاء، ربما يُعِدّ الشيء لوقت
معلوم، ثم يقضي كون بعض ذلك الشيء قبل مجيء ذلك الوقت، كوعده إحياء
الموتى يوم القيامة، وجعله محدوداً، ثم قضى كون مثله في بعض الأحوال،
مثل مَن ذَكره الله، وجعله الله جل وعلا في كتابه، حيث يقول: ﴿أَوْ كَلَّذِى مَرَّ
عَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَّ يُعِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةً
عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ، قَالَ كَمْ لَبِثْتٌ قَالَ لَبِئْتُ يَوْمًّا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾
إلى آخر الآية [البقرة: ٢٥٩]، وكإحياء الله جل وعلا لعيسى ابن مريم - صلوات الله
عليه - بعض الأموات، فلما صحّ وجود كون هذه الحالة في البشر إذا أراده الله
جل وعلا قبل يوم القيامة، لم يُنكَر أن الله جل وعلا أحيا موسى في قبره،
حتى مَرّ عليه المصطفى وَ﴿ ليلة أسري به، وذاك أن قبر موسى بمدينة بين
المدينة وبين بيت المقدس، فرآه ◌َّله يدعو في قبره؛ إذ الصلاة دعاء.
قال الجامع عفا الله عنه: حَمْله الصلاة على الدعاء غير ظاهر، بل هي
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٨٢٦/٢.

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
الصلاة ذات الأركان على ظاهر الحديث؛ إذ لا داعي إلى التأويل، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
قال: فلما دخل وَ له بيت المقدس، وأُسري به أُسري بموسى حتى رآه في
السماء السادسة، وجرى بينه وبينه من الكلام ما تقدَّم ذِكرنا له، وكذلك رؤيته
سائر الأنبياء الذين في خبر مالك بن صعصعة.
فأما قوله ◌َير في خبر مالك بن صعصعة: ((بينما أنا في الحطيم؛ إذ أتاني
آتٍ، فشقّ ما بين هذه إلى هذه))، فكان ذلك له فضيلةً، فُضِّل بها على غيره،
وأنه من معجزات النبوة؛ إذ البشر إذا شُقّ عن موضع القلب منهم، ثم استُخرج
قلوبهم ماتوا .
وقوله: ((ثم حُشِي)) يريد أن الله جل وعلا حشا قلبه وَّهُ اليقين، والمعرفة
الذي كان استقراره في طست الذهب، فنُقل إلى قلبه، ثم أُتي بدابة، يقال لها:
البراق، فحُمل عليه من الحطيم، أو الحِجْر، وهما (١) جميعاً في المسجد
الحرام، فانطلق به جبريل، حتى أتى به على قبر موسى، على حسب ما
وصفناه، ثم دخل مسجد بيت المقدس، فخَرَق جبريل الصخرة بإصبعه، وشدّ
بها البراق، ثم صعد به إلى السماء. ذِكْرُ شدّ البراق بالصخرة في خبر بريدة،
ورؤيته موسى * يصلي في قبره ليسا جميعاً في خبر مالك بن صعصعة. فلما
صعد به إلى السماء الدنيا، استفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل:
ومن معك؟ قال: محمد مرَّ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ يريد به: وقد أرسل إليه
ليسرى به إلى السماء؟ لا أنهم لم يعلموا برسالته إلى ذلك الوقت؛ لأن الإسراء
كان بعد نزول الوحي بسبع سنين، فلما فُتح له، فرأى آدم على حسب ما
وصفنا قبل، وكذلك رؤيته في السماء الثانية: يحيى بن زكريا، وعيسى
ابن مريم، وفي السماء الثالثة: يوسف بن يعقوب، وفي السماء الرابعة:
إدريس، ثم في السماء الخامسة: هارون، ثم في السماء السادسة: موسى، ثم
في السماء السابعة: إبراهيم؛ إذ جائز أن الله جل وعلا أحياهم؛ لِأنْ يراهم
المصطفى 18 في تلك الليلة، فيكون ذلك آية معجزة يُستدلّ بها على نبوّته،
(١) هذا يقتضي أنهما شيئان، والظاهر أنهما شيء واحد، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.

١٩٩
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى بَارِ - حديث رقم (٦١٣٨)
على حسب ما أصّلنا قبلُ، ثم رُفع له سدرة المنتهى، فرآها على الحالة التي
وَصَفَ، ثم فُرض عليه خمسون صلاةً، وهذا أمرُ ابتلاءٍ، أراد الله جل وعلا
ابتلاء صفيه محمد ◌ّ حيث فرض عليه خمسين صلاةً؛ إذ كان في علم الله
السابق أنه لا يَفرض على أمته إلا خمس صلوات فقط، فأمَره بخمسين صلاةً
أمْر ابتلاء، وهذا كما نقول: إن الله جل وعلا قد يأمر بالأمر، يريد أن يأتي
المأمور به إلى أمره، من غير أن يريد وجود كونه، كما أمر الله جل وعلا خليله
إبراهيم بذبح ابنه، أمْره بهذا الأمر أراد به الانتهاء إلى أمْره دون وجود كونه،
فلما أسلما وتلّه للجبين، فداه بالذبح العظيم؛ إذ لو أراد الله جل وعلا كون ما
أَمر لوُجِد ابنه مذبوحاً، فكذلك فرض الصلاة خمسين أراد به الانتهاء إلى أَمْره
دون وجود كونه، فلما رجع إلى موسى، وأخبره أنه أُمر بخمسين صلاةً كل
يوم، أَلهم الله موسى أن يسأل محمداً - صلى الله عليهما وسلم - بسؤال ربه
التخفيف لأمته، فجعل جل وعلا قول موسى ◌ِلَّا له سبباً لبيان الوجود لصحة
ما قلنا: إن الفرض من الله على عباده أراد إتيانه خمساً، لا خمسين، فرجع
إلى الله جل وعلا، فسأله، فوضع عنه عشراً، وهذا أيضاً أمْر ابتلاء أريد به
الانتهاء إليه، دون وجود كونه، ثم جعل سؤال موسى ظلّها إياه سبباً لنفاذ
قضاء الله جل وعلا في سابق علمه، أن الصلاة تُفرض على هذه الأمة خمساً
لا خمسين، حتى رجع في التخفيف إلى خمس صلوات، ثم ألهم الله جل
وعلا صفيّه مَ ﴿ حينئذ، حتى قال لموسى: قد سألت ربي، حتى استحييت،
لكني أرضى وأسلّم، فلما جاوز ناداه منادٍ: أمضيتُ فريضتي، أراد به الخمس
صلوات، وخففت عن عبادي، يريد عن عبادي مِن أمْر الابتلاء الذي أمرتهم به
من خمسين صلاةً التي ذكرناها، وجملة هذه الأشياء في الإسراء رآها
رسول الله وَ﴿ بجسمه عياناً، دون أن يكون ذلك رؤية، أو تصويراً صُوِّرَ له؛ إذ
لو كان ليلة الإسراء، وما رأى فيها نوماً دون اليقظة لاستحال ذلك؛ لأن البشر
قد يرون في المنام السماوات، والملائكة، والأنبياء، والجنة، والنار، وما
أشبه هذه الأشياء، فلو كان رؤية المصطفى ﴿ ما وُصف في ليلة الإسراء في
النوم دون اليقظة، لكانت هذه حالة يستوي فيها معه البشر؛ إذ هم يرون في
مناماتهم مثلها، واستحال فضله، ولم تكن تلك حالة معجزة يُفضَّل بها على

:
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
٢٠٠
غيره، ضدَّ قول من أبطل هذه الأخبار، وأنكر قدرة الله جل وعلا، وإمضاء
حكمه لِما يحب كما يحب جل ربنا وتعالى عن مثل هذا، وأشباهه. انتهى
كلام ابن حبّان تَخْذُهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٣٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا عِيسَى - يَعْنِي: ابْنَ
يُونُسَ - (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدََّّنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ
التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: «مَرَرْتُ عَلَى
مُوسَى، وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ))، وَزَادَ فِي حَدِيثِ عِيسَى: ((مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) - بمعجمتين - وزن جعفر المروزيّ، ثقةٌ، من صغار
[١٠] (ت٢٥٧) أو بعدها،ً وقارب المائة (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام
مرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت١٨٧) وقيل: (ت١٩١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٣ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان
الْعَبْسيّ، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ [١٠] (ت٢٣٩) وله
ثلاث وثمانون سنةً (خ م د س ق) تقدمة في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الرَّيِّ
وقاضيها، ثقةٌ صحيحُ الكتاب [٨] (ت١٨٨) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٥ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكِلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه
عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت١٨٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣٣٩/٦١.
والباقون ذُكروا في الباب، و((سفيان)) هو: الثوريّ.
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١/ ٢٤٣ - ٢٤٦.