النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَ﴿ - حديث رقم (٦١٣٠)
نحو: ((عمه))، و((لِمَه))، و((فيمه))، فإذا وصلوا حذفوها. انتهى (١).
(قَالَ) الله تعالى (ثُمَّ الْمَوْتُ)؛ أي: لا بُدّ منه، (قَالَ) موسى
(فَالآنَ)؛ أي: أريده الآن، و(الآن)) ظرف زمان، للوقت الحاضر الذي أنت
فيه، ولزم دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأن التعريف تمييز
للمشتركات، وليس لهذا ما يَشرَكه في معناه. قال ابن السرّاج: ليس هو آنَ وآنَ
حتى يدخل عليه الألف واللام للتعريف، بل وُضع مع الألف واللام للوقت
الحاضر، مثلُ ((الثُّرَيّا))، و((الذي))، ونحو ذلك.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: ((فالآن)) ظرف زمان، غير متمكن، وهو اسم لزمان
الحال الذي يكون المتكلم عليها، وهو الزمان الفاصل بين الماضي والمستقبل،
وهذا يدلّ على أن موسىعلَُّ لمّا خيّره الله بين الحياة والموت، اختار الموت
شوقاً للقاء الله رَت، واستعجالاً لِمَا له عند الله، من الثواب والخير، واستراحة
من الدنيا المكدِّرة، وهذا كما خُيّر نبيّنا وَ ﴿ عند موته، فقال: ((اللَّهم الرفيقَ
الأعلى)). انتهى(٢).
(فَسَأَلَ) موسى (اللهَ) رَتْ (أَنْ يُدْنِيَهُ)؛ أي: يقرّبه (مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ)
هي بيت المقدس، (رَمْيَةً بِحَجَرٍ) منصوب على أنه ظرف مكان؛ أي: مقدار
رَمْية بحجر.
قال القرطبيّ تَخْثُهُ: والأرض المقدّسة هي البيت المقدّس، وإنما سأل
موسىعلّ ذلك تبرّكاً بالكون في تلك البقعة، وليُدْفَن مع من فيها من الأنبياء،
والأولياء؛ ولأنها أرض المحشر، على ما قيل. انتهى (٣).
وقال بعض العلماء: وإنما سأل الإدناء، ولم يسأل نفس بيت المقدس؛
لأنه خاف أن يكون قبره مشهوراً عندهم، فيَفتتن به الناس. انتهى(٤).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((رميةً بحجر))؛ أي: قَدْر رمية حجر؛ أي: أدني
من مكان إلى الأرض المقدّسة هذا القَدْرَ، أو أدنني إليها حتى يكون بيني وبينها
هذا القَدْر. قال الحافظ: وهذا الثاني أظهر، وعليه شَرَح ابن بطّال وغيره،
(١) ((المفهم)) ٢٢٢/٦.
(٣) ((المفهم)) ٦/ ٢٢٢.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٢٢٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٥/ ١٢٧.

١٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وأما الأول، وإن رجحه بعضهم، فليس بجيّد؛ إذ لو كان كذلك لطلب الدنوّ
أكثر من ذلك.
ويَحْتَمِل أن يكون سرّ ذلك أن الله لمّا منع بني إسرائيل من دخول بيت
المقدس، وتَرَكهم في التيه أربعين سنة، إلى أن أفناهم الموت، فلم يدخل
الأرض المقدّسة مع يوشع إلا أولادهم، ولم يدخلها معه أحد، ممن امتنع أوّلاً
أن يدخلها، ومات هارون، ثم موسى ◌َ قبل فتح الأرض المقدّسة على
الصحيح، فكان موسى لمّا لم يتهيّأ له دخولها لغلبة الجبارين عليها، ولا يمكن
نَبْشه بعد ذلك ليُنقَل إليها، طلب القرب منها؛ لأن ما قارب الشيء يعطى
حکمه .
وقيل: إنما طلب موسى الدنوّ؛ لأن النبيّ يُدفن حيث يموت، ولا يُنقل،
وفيه نظر؛ لأن موسى قد نَقَلَ يوسف بَّهِ معه، لمّا خرج من مصر. وهذا كله
على الاحتمال الثاني. والله أعلم. انتهى(١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ) - بفتح المثلّثة: اسم إشارة يُشار به
إلى المكان البعيد؛ أي: هنالك، (لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ)؛ أي: قبر موسى علَّهَ، (إِلَى
جَانِبِ الطَّرِيقِ)، وفي رواية للبخاريّ: ((من جانب الطريق))، (تَحْتَ الْكَثِیبِ
الأَحْمَرِ)))، وفي رواية للبخاريّ: ((عند الكثيب الأحمر)). و((الكثيب)) بفتح
الكاف، وبالمثلّثة، آخره موحّدة، بوزن عَظيم: الرمل المجتمع. وقيل:
(الكثيب)) قطعة من الرمل مستطيلة، محدودبة، سمّي بذلك؛ لأنه انصبّ في
مکان، فاجتمع فيه.
وقال القرطبيّ كَُّهُ: (ثمَّ)) - مفتوحة الثاء -: اسم يشار به إلى موضع،
فأمَّا (ثُمَّ)) - بضم الثاء -: فحَرْف عَظْف، ويعني بالطريق: طريق بيت المقدس،
وقد تقدم أن النبيّ وَلِ مرَّ في طريقه إلى بيت المقدس - ليلة أسري به - بقبر
موسى، وهو قائم يصلي فيه، وهذا يدلّ على أن قبر موسى أخفاه الله تعالى عن
الخلق، ولم يجعله مشهوراً عندهم، ولعل ذلك لئلا يُعْبَد، والله أعلم.
قال: وقد وقع في الرواية الأخرى: ((إلى جانب الطور)) مكانَ ((الطريق))،
(١) ((الفتح)) ٥٦٨/٧.

١٤٣
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَلَّهِ - حديث رقم (٦١٣٠)
والطور: الجبل بالسريانية، وقال أيضاً في الرواية الأخرى: ((فما توارت يدك))
مكان: ((غَّت يدك))، وهو بمعناه. والتاء فيه زائدة؛ لأنَّ معناه: وارت، والله
أعلم(١) .
وقال في ((الفتح)): وزعم ابن حبّان أن قبر موسى معظلَّا بِمَدْيَن، بين
المدينة وبيت المقدس. وتعقّبه الضياء بأن أرض مَدْيَن ليست قريبة من المدينة،
ولا من بيت المقدس.
وزاد في رواية عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة تظ له عند أحمد:
((فشمّه شمة، فقبض روحه، وكان يأتي الناس خُفْيَة))؛ يعني: بعد ذلك. ويقال:
إنه أتاه بتُفّاحة من الجنّة، فشمّها، فمات. وذكر السُّدّيّ في ((تفسيره)) أن موسى
لمّا دنت وفاته مشى هو ويوشع بن نون، فجاءت ريح سوداء، فظنّ يوشع أنها
الساعة، فالتزم موسى، فانسلّ موسى من تحت القميص، فأقبل يوشع
بالقميص. وعن وهب بن منبه: أن الملائكة تولّوا دفنه، والصلاة عليه، وأنه
عاش مائة وعشرين سنة. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َّ ◌ُبه هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٣٠/٤٢ و٦١٣١] (٢٣٧٢)، و(البخاريّ) في
((الجنائز)) (١٣٣٩) و((الأنبياء)) (٣٤٠٧)، و(همّام بن منبه) في ((صحيفته)) (١/
٤٣)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (١١٨/٤ - ١١٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّه))
(٢٠٥٣٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٩/٢ و٥٣٣)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٦٢٢٣ و٦٢٢٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٨٨/١)، و(ابن أبي
عاصم) في ((السُّنَّة)) (٥٩٩ و٦٠٠)، و(الطبريّ) في ((التاريخ)) (٤٣٤/١)،
و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٦٣٢/٢)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات))
(ص٤٩٢ و٤٩٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٤٥١)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٢٢٢/٦.
(٢) ((الْفَتْحِ)) ٥٦٨/٧.

١٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن الملَك يتمثّل بصورة الإنسان، وقد جاء ذلك في عدّة
أحاديث.
٢ - (ومنها): أنه استُدِلَّ بقوله: ((فله بكل شعرة سنة)) على أن الذي بقي
من الدنيا كثير جدّاً؛ لأن عدد الشعر الذي تغطيه اليد قدر المدة التي بين
موسى، وبعثة نبيّنا وَّله مرتين، أو أكثر.
٣ - (ومنها): أن قبر موسى ◌ُلِّلُ غير معروف، قال بعضهم: وليس في
قبور الأنبياء ما هو محقَّقٌ سوى قبر نبيّنا وَّه.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ بالحديث على جواز الزيادة في العمر، وهو
استدلال واضح، وهو أصحّ القولين في المسألة، كما سيأتي تحقيقه في المسألة
الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
٥ - (ومنها): أن البخاريّ كَّتُهُ استنبط من الحديث استحباب الدفن
بالأرض المقدسة، فقال في ((صحيحه)): ((باب من أحبّ الدفن في الأرض
المقدّسة، أو نحوها)).
قال الزين ابن المنيّر تَخْلَتُهُ: المراد بقوله: ((أو نحوها)) بقيّة ما تُشدّ إليه
الرحال، من الحرمين. وكذلك ما يمكن من مدافن الأنبياء، وقبور الشهداء،
والأولياء؛ تيمّناً بالجوار، وتعرّضاً للرحمة النازلة عليهم؛ اقتداء بموسى علَّلا
انتھی .
قال: وهذا بناء على أن المطلوب القُرب من الأنبياء الذين دُفنوا ببيت
المقدس، وهو الذي رجحه عياض. وقال المهلّب: إنما طلب ذلك؛ لِيَقْرب
عليه المشي إلى المحشر، وتسقط عنه المشقّة الحاصلة لمن بَعُد عنه، والله
تعالى أعلم (١) ..
(المسألة الرابعة): قال الإمام ابن خزيمة تَخّتُهُ: أنكر بعض المبتدعة هذا
الحديث، وقالوا: إن كان موسى عرفه - يعني: ملك الموت - فقد استخفّ به،
وإن لم يعرفه، فكيف لم يقتصّ له من فقء عينه؟.
(١) ((الفتح)) ٢٠٦/٣.

١٤٥
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلٍ مُوسَى بَطِّ - حديث رقم (٦١٣٠)
والجواب: أن الله لم يبعث ملك الموت لموسى، وهو يريد قبض روحه
حينئذ، وإنما بعثه إليه اختباراً، وإنما لطم موسى ملك الموت؛ لأنه رآه آدميّاً،
دخل داره بغير إذنه، ولم يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين
الناظر في دار المسلم بغير إذنه. وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم، وإلى لوط
في صورة آدميين، فلم يعرفاهم ابتداء، ولو عرفهم إبراهيم، لَمَا قدّم لهم
المأكول، ولو عرفهم لوط لَمَا خاف عليهم من قومه.
وعلى تقدير أن يكون عرفه، فمن أين لهذا المبتدع مشروعية القصاص بين
الملائكة والبشر؟ ثم من أين له أن ملك الموت طلب القصاص من موسى، فلم
يقتصّ له؟.
ولخّص الخطّابيّ كلام ابن خزيمة، وزاد فيه أن موسى دفعه عن نفسه؛
لِمَا رُكِّبَ فيه من الحدّة، وأن الله ردّ عين الملك؛ ليعلم موسى أنه جاءه من
عند الله؛ فلهذا استسلم حينئذ.
وقال الإمام ابن حبّان تَُّ في (صحيحه)): إن الله جل وعلا بعث
رسول الله * معلماً لخلقه، فأنزله موضع الإبانة عن مراده، فبلّغ ◌َل رسالته،
وبَيَّن عن آياته بألفاظ مجملة، ومفسرة، عَقَلها عنه أصحابه، أو بعضهم، وهذا
الخبر من الأخبار التي يُدْرِك معناه من لم يُحْرَم التوفيق لإصابة الحقّ، وذاك
أن الله جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى عالَلها رسالةَ ابتلاء واختبار،
وأمره أن يقول له: ((أَجِبْ ربك)) أمر اختبار وابتلاء، لا أمراً يريد الله جل وعلا
إمضاءه، كما أمر خليله - صلى الله على نبينا وعليه - بذبح ابنه أمر اختبار
وابتلاء، دون الأمر الذي أراد الله جل وعلا إمضاءه، فلما عَزَم على ذبح ابنه،
وثَلَّه للجبين، فداه بالذبح العظيم، وقد بعث الله جل وعلا الملائكة إلى رُسُله
في صُوَر لا يعرفونها، كدخول الملائكة على رسوله إبراهيم ظلّها، ولم
يعرفهم، حتى أوجس منهم خيفة، وكمجيء جبريل إلى رسول الله وقلقه وسؤاله
إياه عن الإيمان، والإسلام، فلم يعرفه المصطفى وَ له حتى وَلّى، فكان مجيء
ملك الموت إلى موسى على غير الصورة التي كان يعرفه موسى لعلَّلا عليها،
وكان موسى غَيُوراً، فرأى في داره رجلاً لم يعرفه، فشال يده، فلطمه، فأتت
لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي يتصور بها، لا الصورة التي خلقه الله

١٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
عليها، ولمّا كان المصرَّح عن نبينا وَّ في خبر ابن عباس حيث قال: ((أمَّني
جبريل عند البيت مرتين ... ))، فذكر الخبر، وقال في آخره: ((هذا وقتك،
ووقت الأنبياء قبلك))، كان في هذا الخبر البيان الواضح أن بعض شرائعنا قد
تتفق ببعض شرائع من قبلنا من الأمم، ولمّا كان من شريعتنا أن من فقأ عين
الداخل داره بغير إذنه، أو الناظر إلى بيته بغير أمره من غير جُناح على فاعله،
ولا حرج على مرتكبه؛ للأخبار الجمّة الواردة فيه التي أمليناها في غير موضع
من كُتُبنا، كان جائزاً اتفاق هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمن فقاً
عين الداخل داره بغير إذنه، فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحاً له، ولا
حرج عليه في فعله، فلما رجع ملك الموت إلى ربه، وأخبره بما كان من موسى
فيه، أمره ثانياً بأمر آخر أمر اختبار وابتلاء، كما ذكرنا قبلُ؛ إذ قال الله له: ((قل
له: إن شئت، فضع يدك على متن ثور، فلك بكل ما غطت يدك، بكل شعرة
سنة))، فلما عَلِم موسى كليم الله - صلى الله على نبينا وعليه - أنه ملك الموت،
وأنه جاءه بالرسالة من عند الله، طابت نفسه بالموت، ولم يستمهل، وقال:
فالآن، فلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت، لاستعمل ما
استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه، وعِلمه به، ضِدَّ قول من زعم أن أصحاب
الحديث حمالةُ الحطب، ورُعاة الليل، يجمعون ما لا ينتفعون به، ويروون ما لا
يؤجرون عليه، ويقولون بما يبطله الإسلام؛ جهلاً منه لمعاني الأخبار، وترك
التفقه في الآثار، معتمداً منه على رأيه المنكوس، وقياسه المعكوس. انتهى
كلام ابن حبّان ◌َُّ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ: لا يمتنع أن يأذن لموسى في هذه اللطمة امتحاناً للملطوم.
وقال غيره: إنما لَطَمه؛ لأنه جاء لِقَبْض روحه من قبل أن يُخبره؛ لِمَا
ثبت أنه لم يُقبض نبيّ حتى يُخيّر؛ فلهذا لمّا أخبره في المرّة الثانية أذعن.
قيل: وهذا أَولى الأقوال بالصواب. وفيه نَظَر؛ لأنه يعود أصل السؤال،
فيقال: لِمَ أَقدمَ ملك الموت على قبض نبيّ الله، وأخلّ بالشرط؟ فيعود الجواب
أن ذلك وقع امتحاناً .
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١١٥/١٤.

١٤٧
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَّ ر - حديث رقم (٦١٣٠)
وزعم بعضهم أن معنى ((فَقَّأَ عينه))؛ أي: أبطل حجته. وهو مردود بقوله
في نفس الحديث: ((فردّ الله عينه))، وبقوله: ((لطمه لطمة))، وغير ذلك من قرائن
السياق.
وقال ابن قتيبة: إنما فقأ موسى العين التي هي تخييل، وتمثيل، وليست
عيناً حقيقة، ومعنى ((ردّ الله عينه))؛ أي: أعاده إلى خِلقته الحقيقية. وقيل: على
ظاهره، وردّ الله إلى ملك الموت عينه البشرية؛ ليرجع إلى موسى على كمال
الصورة، فيكون ذلك أقوى في اعتباره. وهذا هو المعتمد.
وجوّز ابن عقيل أن يكون موسى أُذن له أن يفعل ذلك بملك الموت،
وأمر ملك الموت بالصبر على ذلك، كما أُمر موسى بالصبر على ما يصنع
الخضر. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح التأويلات عندي ما قاله الإمامان:
ابن خزيمة، وابن حبّان، ونُقل عن غيرهما من المتقدمين، رحمهم الله تعالی:
وحاصله: أن موسى ظلَّا لم يعلم أنه ملك الموت، بل ظنه آدميّاً قَصَد
نفسه، فدافعه عنها، فأدّت المدافعة إلى فقء عينه، لا أنه قصدها بالفقء، وهذا
الجواب اختاره المازريّ، والقاضي عياض، رحمهم الله تعالى كما ذكره
النوويّ في ((شرحه))، قالوا: وليس في الحديث تصريح بأنه فقأ عينه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قولهم: ((ليس في الحديث ... إلخ)) فيه
نظر، فقد صُرّح في ((الصحيحين)) بقوله: ((ففقأ عينه)). فتبصّر.
قال: فإن قيل: فقد اعترف موسى حين جاءه ثانياً بأنه ملك الموت،
فالجواب أنه أتاه في المرة الثانية بعلامة، عَلِم بها أنه ملك الموت، فاستسلم،
بخلاف المرّة الأولى.
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: ظاهر هذا الحديث أن ملك الموت تمثّل لموسى في
صورة لها عين، وأنه دعاه لقبض روحه، وأن موسى عرف أنه ملك الموت،
وأنه لطمه بيده على عينه ففقأها، ولمّا ظهر هذا من هذا الحديث شنَّعته
الملحدة، وقالوا: إن هذا كله محال، ولا يصح.
وقد اختَلَفت أقوال علمائنا في تأويل هذا الحديث، فقال بعضهم: كانت
عيناً متخيَّلة، لا حقيقة، ومنهم من قال: هي عين معنوية، وإنما فقأها بالحجَّة،

١٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وهذان القولان لا يُلتفت إليهما؛ لظهور فسادهما، وخصوصاً الأول؛ فإنَّه يؤدي
إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة، لا حقيقة له، وهو قول باطل
بالنصوص المنقولة، والأدلة المعقولة، ومنهم من قال: كان ذلك ابتلاءً
وامتحاناً لملك الموت؛ فإنَّ الله تعالى يمتحن خلقه بما شاء، وهذا ليس
بجواب، فإنَّه إنما وقع الإشكال في صدور سبب هذا الامتحان من موسى،
وكيف يجوز وقوع مثل هذا؟ وأشبه ما قيل فيه: ما قاله الشيخ الإمام أبو بكر بن
خزيمة، وهو أن موسى وسلّ لم يعرف ملك الموت، وأنه رأى رجلاً دخل في
منزله بغير إذنه يريد نفسه، فدافع عن نفسه، فلطم عينه، ففقأها، وتجب
المدافعة في مثل هذا بكل ممكن، وهذا وجه حَسَن، غير أن هذا اعترض عليه
بما في الحديث، وهو أن ملك الموت لمّا رجع إلى الله تعالى قال: ((يا رب!
أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت))، فلو لم يعرفه موسى - وإنما دفعه عن نفسه -
لَمَا صدق هذا القول من ملك الموت.
قال القرطبيّ: وقد أظهر لي ذو الطَّوْل والإفضال وجهاً حسناً يحسم مادّة
الإشكال؛ وهو أن موسى عَرَف ملك الموت، وأنه جاء ليقبض روحه، لكنه
جاء مجيء الجازم بأنه قد أُمر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد
نَصّ عليه نبينا وَّ من: ((أن الله تعالى لا يقبض روح نبي حتى يخيره)) - متّفقٌ
عليه - فلمَّا جاءه على غير الوجه الذي عَلِم به، بادر بشهامته، وقوة نفسه إلى
أَدَب ملك الموت، فلطمه، فانفقأت عينه امتحاناً لملك الموت؛ إذ لم يصرّح
له بالتخيير، ومما يدل على صحة هذا: أنه لما رجع إليه ملك الموت، فخيَّره
بين الحياة والموت؛ اختار الموت واستسلم، وهذا الوجه - إن شاء الله -
أحسن ما قيل فيه، وأسلم، وقد تقدَّم القول في تمثّل الملائكة في الصور
المختلفة عقلاً، وثبوت وقوع ذلك نقلاً. انتهى كلام القرطبيّ كَظَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد علمت فيما أسلفته أن الأرجح عندي
هو ما ذهب إليه ابن خزيمة، كما استحسنه القرطبيّ نفسه، وأما ما ذكره
(١) ((المفهم)) ٢٢٠/٦ - ٢٢٢.

١٤٩
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَّهِ - حديث رقم (٦١٣٠)
القرطبيّ من الاعتراض عليه بأن موسى لو لم يعرف ملك الموت لَمَا صَدَق قول
الملك: ((يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت)).
فالجواب عنه: أن الملك قال ذلك ظنّاً منه أن موسى ظلَّ عرفه، ثم لم
يستجب له، لا أنه عرفه حقيقة، ثم صكّه، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(المسألة الخامسة): أنه استُدِلّ بهذا الحديث على جواز الزيادة في
العمر، وهذا الاستدلال واضح، وهو الصواب من القولين في المسألة.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة دَّثُهُ: وأما نقص العمر وزیادته، فمن الناس
من يقول: إنه لا يجوز بحال، ويَحمِل ما ورد على زيادة البركة، والصواب أن
يحصل نقص وزيادة عما كُتب في صحف الملائكة، وأمّا عِلم الله تعالى القديم
فلا يتغيّر، وأما اللوح المحفوظ، فهل يُغيّر ما فيه؟ على قولين، وعلى هذا يتفق
ما ورد في هذا الباب من النصوص. انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وهو كلام
نفيس جدّاً.
وقد حقق المسألة العلامة الشوكانيّ كَّتُهُ، وكتب فيه رسالة مفيدة جدّاً،
ورجح القول بأن العمر يزيد، وينقص حقيقةً، أحببت إيرادها هنا تتميماً للفائدة
ونشراً للفائدة: قال رحمه الله تعالى:
[اعلم]: أنه قد طال الكلام من أهل العلم على ما يظهر في بادئ الرأي
من التعارض بين هذه الآيات الشريفة، وهي قوله رمّ: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا
أَجَلّ
لِكلّ
﴾ [المنافقون: ١١]، وقوله:
جَاءَ أَجَلُهَاْ وَاللّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
أُمِّ
[الأعراف: ٣٤]، وقوله: ﴿وَمَا
٣٤
فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ
كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٥]، فقد قيل: إنها
معارضة لقوله ومت: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتٌ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ
١٣٩
[الرعد: ٣٩]، وقوله رغمت: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلَّاً وَأَجَلٌ مُسَنَّى عِندَهُ﴾ الآية [الأنعام: ٢].
فذهب الجمهور إلى أن العمر لا يزيد، ولا ينقص؛ استدلالاً بالآيات
المتقدّمة، والأحاديث الصحيحة، كحديث ابن مسعود رضُه، عن النبيّ وَّه
قال: ((إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أربعين يوماً، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك،
ثم يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له:

١٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
اكتب عمله، ورزقه، وأَجَله، وشقيّ، أو سعيد)). وهو في ((الصحيحين))
وغيرهما، وما ورد في معناه من الأحاديث الصحيحة.
وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِثٌ وَعِندَهُ: أُمُّ
اُلْكِنَبِ
[الرعد: ٣٩] بأن المعنى: يمحو ما يشاء، من الشرائع،
والفرائض بنَسْخه، ويُبْدله، ويُثْبِت ما يشاء، فلا ينسخه، وجملة الناسخ
والمنسوخ عنده في أم الكتاب.
ولا يخفى أن هذا تخصيص لعموم الآية لغير مخصّص، وأيضاً: يقال
لهم: إن القلم قد جرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، كما في الأحاديث
الصحيحة، ومن جملة ذلك الشرائع، والفرائض، فهي مثل العمر، إذا جاز فيها
المحو والإثبات جاز في العمر المحو والإثبات.
وقيل: المراد: محو ما في ديوان الحفظة مما ليس بحسنة، ولا سيئة؛
لأنهم مأمورون بكَتْب كل ما ينطق به الإنسان. ويجاب عنه بمثل الجواب الأول.
وقيل: يغفر الله ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء، فلا يغفره.
ويجاب عنه بمثل الجواب السابق.
وقيل: يمحو ما يشاء من القرون؛ كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوَأْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم
مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾﴾ [يس: ٣١]، وكقوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ
[المؤمنون: ٣١]، فيمحو قرناً، ويُثبت قرناً. ويجاب عنه بمثل ما
٣١
تقدّم.
قَرْنَاءَآخَرِينَ
وقيل: هو الذي يعمل بطاعة الله ما يعمل، ثم يعمل بمعصيته، فيموت
على ضلالة، فهذا الذي يمحو الله، والذي يكتبه الرجل يعمل بمعصية الله، ثم
يتوب، فيمحو الله من ديوان السيئات، ويُثْبته في ديوان الحسنات.
وقيل: يمحو ما يشاء؛ يعني: الدنيا، ويثبت الآخرة. وقيل غير ذلك.
وكل هذه الأقوال دعاوي مجرّدة، ولا شكّ أن آية المحو والإثبات عامّة
لكلّ ما يشاؤه سبحانه، فلا يجوز تخصيصها إلا لمخصص، وإلا كان من
التقوّل على الله بما لم يقل، وقد توعّد الله سبحانه على ذلك، وقَرَنه بالشرك،
فقال: ﴿قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ
[الأعراف: ٣٣].
٣٣
تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ

١٥١
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلٍ مُوسَى ◌َّهِ - حديث رقم (٦١٣٠)
وأجابوا على قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِهِ إِلَّا فِ
كِتَبٍ﴾ [فاطر: ١١]. بأن المراد بالمعمّر: طويل العمر، والمراد بالناقص: قصير
العمر.
وفي هذا نظر؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُقَصُ مِنْ عُمُرِهِةٍ﴾ يعود إلى
قوله: ﴿مِن ◌ُعَمَّرِ﴾. والمعنى على هذا: وما يعمَّر من معمّر، ولا ينقص من
عمر ذلك المعمر إلا في كتاب. هذا ظاهر معنى النظم القرآنيّ، وأما التأويل
المذكور، فإنما يتمّ على إرجاع الضمير المذكور إلى غير ما هو المرجع في
الآية، وذلك لا وجود له في النظم.
وقيل: إن معنى ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾: ما يستقبله من عمر، ومعنى ﴿وَلَا
يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهٍِ﴾: ما قد مضى. وهذا أيضاً خلاف الظاهر، وأن هذا ليس نقصاً
من نفس العمر، والنقص يقابل الزيادة، وههنا جعله مقابلاً للبقيّة من العمر،
وليس ذلك بصحيح. وقيل: المعنى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرِ﴾ من بلغ من الهرم،
﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهٍ﴾ من عمر آخر غير الذي بلغ من الهرم. ويجاب عنه بما
تقدّم. وقيل: المعمر من بلغ عمره ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت
قبل الستين. وقيل غير ذلك، من التأويلات التي يردّها اللفظ، ويدفعها.
وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَىَ أَجَلَّاً وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَهُ﴾ بأن المراد
بالأجل الأول الهرم، والثاني الوفاة. وقيل: الأول: ما قد نقص من عمر كلّ
أحد. والثاني: ما بقي من عمر كلّ أحد. وقيل: الأول: أجَلُ الموت، والثاني
أجل الحياة في الآخرة. وقيل: المراد بالأول: ما بين خلق الإنسان إلى موته،
والثاني: ما بين موته إلى بعثه. وقيل غير ذلك، مما فيه مخالفة للنظم القرآنيّ.
وذهب جَمْع من أهل العلم إلى أن العمر يزيد، وينقص، واستدلّوا
بالآيات المتقدّمة، فإن المحو والإثبات عامّان، يتناولان العمر، والرزق، أو
السعادة، والشقاوة، وغير ذلك. وقد ثبت عن جماعة من السلف، من الصحابة
ومَن بعدهم أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم: اللَّهم إن كنت كتبتني في أهل
السعادة، فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحني، وأثبتني في
أهل السعادة. ولم يأت القائلون بمنع زيادة العمر ونقصانه، ونحو ذلك بما
يخصص هذا العموم، وهكذا تدلّ على هذا المعنى الآية الثانية، فإن معناها أنه

١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
لا يطول عمر إنسان، ولا ينقص إلا وهو في كتابٍ؛ أي: اللوح المحفوظ،
وهكذا يدلّ قوله رَتْ: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلَّاً وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَهُ﴾ أن للإنسان أجلين،
يقضي الله ومث له بما يشاء منهما، من زيادة، أو نقص، ويدلّ على هذا أيضاً
ما في ((الصحيحين))، وغيرهما، عن جماعة من الصحابة، عن النبيّ وَّ ر أن
صلة الرحم تزيد في العمر. وفي لفظ في ((الصحيحين)): ((من أحبّ أن يُبسط له
في رزقه، وأن يُنسأ له في أثره، فلْيَصِل رحمه)). وفي لفظ: ((من أحبّ أن
يمدّ الله في عمره وأجله، ويبسط له في رزقه، فليتق الله، وليصل رحمه)). وفي
لفظ: ((صلة الرحم، وحسن الخلق يعمّران الديار، ويزيدان من الأعمار)).
ومن أعظم الأدلة ما ورد في الكتاب العزيز من الأمر بالدعاء؛ لقوله رؤيت :
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾
[النمل: ٦٢]، وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا
دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله: ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]،
والأحاديث المشتملة على الأمر بالدعاء متواترة، وفيها: إن الدعاء يدفع البلاء،
ويردّ القضاء، وفيها: أن الدعاء هو العبادة، وفيها: الاستعاذة من سوء القضاء،
كما ثبت عنه ( 18 في ((الصحيح)) أنه قال: ((اللَّهم إني أعوذ بك من سوء
القضاء))، كما ثبت عنه وَّ أنه قال: ((وَقِي شرّ ما قضيت)).
فإذا كان الدعاء لا يفيد شيئاً، وأنه ليس للإنسان إلا ما قد سبق في
القضاء الأزليّ، لكان أمْره بالدعاء لغواً، لا فائدة فيه، وكذلك وَعْده بالإجابة
للعباد الداعين، وهكذا تكون استعاذة النبيّ ◌َ لّ لغواً لا فائدة فيها، وهكذا
يكون ما ثبت في الأحاديث المتواترة المشتملة على الأمر بالدعاء، وأنه عبادة
لغواً، لا فائدة فيها، وهكذا يكون قوله وَلجر: ((وقني شرّ ما قضيت)) لغواً، لا
فائدة فيه، وهكذا يكون أمره وَّله بالتداوي، وأن الله رأيت ما أنزل من داء، إلا
وله دواء لغواً لا فائدة فيه، مع ثبوت الأمر بالتداوي في ((الصحيح)) عنه أَّ .
[فإن قلت]: فعلى مَ يُحمل ما تقدّم من الآيات القاضية بأن الأجل لا
يتقدم، ولا يتأخّر، ومن ذلك قوله رَك: ﴿فَإِذَا جَّةَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا
يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]؟.

١٥٣
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَله - حديث رقم (٦١٣٠)
[قلت]: قد أجاب عن ذلك بعض السلف، وتبعه الخلف، بأن هذه الآية
مختصّة بالأجل إذا حضر، فإنه لا يتقدّم، ولا يتأخّر عند حضوره.
ويؤيد هذا أنها مقيدة بذلك، فإنه قال: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾، ومثل هذا
التقييد المذكور في هذه الآية قوله : ﴿وَلَنْ يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاْ وَاَللَّهُ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: ١١]، وقوله ◌َّ: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا
يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، فقد أمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى، فإذا
حضر الأجل لم يتقدّم، ولم يتأخّر، وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخّره الله
بالدعاء، أو بصلة الرحم، أو بفعل الخير. ويجوز أن يقدَّم لمن عمل شرّاً، أو
قطع ما أمر الله به أن يوصل، وانتهك محارم الله رحمك .
[فإن قلت]: فعلى مَ يُحمل قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن تُصِيبَةٍ فِىِ الْأَرْضِ وَلَا
فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّ فِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَهِ يَسِيرٌ
[الحديد: ٢٢]، وقوله: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ الآية
[التوبة: ٥١]، وكذلك معنى ما ورد في هذا المعنى؟.
[قلت]: هذه أوّلاً معارضة بمثلها، مثل قوله رَك: ﴿وَمَآ أَصَبَكُم مِّن
قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِرٍ
﴾ [الشورى: ٣٠]، ومثل ذلك ما
٣٠
ثبت في الحديث الصحيح القدسيّ: ((يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم،
ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنّ
إلا نفسه)).
وثانياً: بإمكان الجمع بحَمْل مثل قوله: ﴿إِلَّ فِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ
تَّبْرَهَاً﴾، وقوله رَى: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ على عدم
التسبب من العبد بأسباب الخير من الدعاء، وسائر أفعال الخير، وحَمْل ما ورد
فيما يخالف ذلك على وقوع التسبب بأسباب الشرّ المقضية لأمان المكروه(١)،
ووقوعه على العبد.
وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة لِسَبْق القضاء، وأنه فُرِغ من
تقدير الأجل، والرزق، والسعادة، والشقاوة، وبين الأحاديث الواردة في صلة
(١) هكذا النسخة، وفيها ركاكة، فليُحرّر.

١٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
الرحم بأنها تزيد في العمر، وكذلك سائر أعمال الخير، وكذلك الدعاء.
فتُحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبّب العبد بأسباب الخير
والشرّ، وتُحمل الأحاديث الأخرى على أنه قد وقع من العبد التسبب بأسباب
الخير، من الدعاء، والعمل الصالح، وصلة الرحم، أو التسبب بأسباب الشرّ.
[فإن قلت]: قد تقرر بالأدلّة من الكتاب بأن علمه رَ أزليّ، وأنه قد
سبق في كلّ شيء، ولا يصحّ أن يقدّر وقوع غير ما قد علمه، وإلا انقلب العلم
جهلاً، وذلك لا يجوز إجماعاً .
[قلت]: عِلْمه رَك سابق أزليّ، وقد عَلِم ما يكون قبل أن يكون، ولا
خلاف بين أهل الحقّ من هذه الحيثية، ولكنه غلا قوم، فأبطلوا فائدة ما ثبت
في الكتاب والسُّنَّة من الإرشاد إلى الدعاء، وأنه يردّ القضاء، وما ورد في
الاستعاذة منه 18 من سوء القضاء، وما ورد من أنه يصاب العبد بذنبه، وبما
كسبت يده، ونحو ذلك، مما جاءت به الأدلة الصحيحة، وجعلوه مخالفاً لسبق
العلم، ورتّبوا عليه أنه يلزم انقلاب العلم جهلاً، والأمر أوسع من هذا، والذي
جاءنا بسبق العلم، وأزليته هو الذي جاءنا بالأمر بالدعاء، والأمر بالدواء،
وعرَّفَنا بأن صلة الرحم، تزيد في العمر، وأن الأعمال الصالحة تزيد أيضاً،
وأن أعمال الشرّ تمحقه، وأن العبد يصاب بذنبه، كما يصل إلى الخير، ويندفع
عنه الشرّ بكسب الخير، والتلبّس بأسبابه، فإعمال بعض ما ورد في الكتاب
والسُّنَّة، وإهمال البعض الآخر، ليس كما ينبغي، فإن الكلّ ثابت عن الله رَك،
وعن رسول الله وَّر، والكلّ شريعة واضحة، وطريق مستقيمة، والجمع ممكن
بما لا إهمال فيه لشيء من الأدلّة.
وبيانه أن الله تعالى كما علم أن العبد يكون له في العمر كذا، ومن
الرزق كذا، وهو من أهل السعادة، أو الشقاوة، قد علم أنه إذا وصل رَحِمَه
زاد له في الأجل كذا، وبسط له من الرزق كذا، وصار في أهل السعادة بعد
أن كان في أهل الشقاوة، أو صار في أهل الشقاوة بعد أن كان في أهل
السعادة، وهكذا قد علم ما ينقصه للعبد، كما علم أنه إذا دعاه، واستغاث به،
والتجأ إليه صرف عنه الشرّ، ودفع عنه المكروه، وليس في ذلك خُلْف، ولا
مخالفة لِسَبْق العلم، بل فيه تقييد المسببات بأسبابها، كما قدّر الشبع والرّيّ

١٥٥
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى ◌َّهِ - حديث رقم (٦١٣٠)
بالأكل والشرب، وقدّر الولد بالوطء، وقدّر حصول الزرع بالبذر، فهل يقول
عاقل بأن ربط المسبَّبات بأسبابها يقتضي خلاف العلم السابق، أو يُنافيه بوجه
من الوجوه؟
ولو قال قائل: أنا لا آكل، ولا أشرب، بل أنتظر القضاء، فإن قدّر الله
ذلك كان، وإن لم يقدّره لم يكن، أو قال: أنا لا أجامع زوجتي، أو أَمَتِي
ليحصل منهما الذرية، بل إن قدّر الله ذلك كان، وإن لم يقدّره لم يكن، لكان
هذا مخالفاً لِمَا عليه رسل الله، وما جاءت به كتبه، وما كان عليه صلحاء
الأمة، وعلماؤها، بل يكون مخالفاً لِمَا عليه هذا النوع الإنسانيّ، من أبينا آدم
إلى الآن، بل يكون مخالفاً لما عليه جميع الحيوانات في البرّ والبحر، فكيف
يُنكر وصول العبد بدعائه، أو بعمله الصالح؟ فإن هذا من الأسباب التي ربط الله
مسبباتها، وعَلِمها قبل أن تكون، فعِلْمه على كل تقدير أزليّ في المسببات على
حصول أسبابها. ولم يعدّ العادّ من أمثال هذه الآيات القرآنية، وما ورد موردها
من الأحاديث النبوية.
وهل ينكر هؤلاء الغُلاة مثل هذا، أو يجعلونه مخالفاً لسبق العلم، مبايناً
الأزليته؟. فإن قالوا: نعم، فقد أنكروا ما في كتاب الله ربك من فاتحته إلى
خاتمته، وما في السُّنَّة المطهرة من أولها إلى آخرها، بل أنكروا أحكام الدنيا
والآخرة جميعاً؛ لأنها كلها مسببات مترتبة على أسبابها، وجزاءات معلّقة
بشروطها، ومن بلغ إلى هذا في الغباوة، وعدم تعقّل الحجة لم يستحقّ
المناظرة، ولا ينبغي معه الكلام فيما يتعلّق بالدين، بل ينبغي إلزامه بإهمال
أسباب ما فيه صلاح معاشه، وأمر دنياه حتى يغشى عن غفلته، ويستيقظ من
نومته، ويرجع عن ضلالته وجهالته.
ثم يقال لهم: هذه الأدعية الثابتة عن رسول الله وَّر في دواوين الإسلام،
وما يلحق بها من كتاب السُّنَّة المطهرة، قد علم كلّ من له علم أنها كثيرة جدّاً،
بحيث لا يحيط بأكثرها إلا مؤلف بسيط، ومصنّف حافل، وفيها تارة استجلاب
الخير، وفي أخرى استدفاع الشرّ، وتارة متعلّقة بأمور الدنيا، وتارة بأمور
الآخرة، ومن ذلك تعليمه وَل# لأمته ما يدعون به في صلاتهم، وعقب
صلواتهم، وفي صباحهم، ومسائهم، وفي ليلهم، ونهارهم، وعند نزول

١٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
الشدائد، وعند حصول نِعَم الله إليهم، هل كان هذا منه ◌ّيهم لفائدة عائدة عليه،
وعلى أمته بالخير، جالبة لِمَا فيه مصلحة، دافعة لما فيه مفسدة؟
[فإن قالوا]: نعم، قلنا: فحينئذ لا خلاف بيننا وبينكم، فإن هذا
الاعتراف يدفع عنا، وعنكم مَعَرَّة الاختلاف، ويُريحنا من التطويل في الكلام
على ما أوردتموه.
[وإن قالوا]: ليس ذلك لفائدة عائدة عليه، وعلى أمته بالخير، جالبة لما
فيه مصلحة، دافعة لما فيه مفسدة، فهم أجهل من دوائهم(١)، وليس للمحاجة
لهم فائدة، ولا في المناظرة معهم نَفْع.
يا عجباه كلّ العجب، أَمَا بلغهم ما كان عليه أمْر رسول الله وَّهِ، وهو
يعمل من أول نبوّته إلى أن قبضه الله إليه من الدعاء لربه، والإلحاح عليه،
ورفع يديه عند الدعاء حتى يبدو بياض إبطيه، وحتى يسقط رداؤه، كما وقع منه
في يوم بدر، فهل يقول عاقل، فضلاً عن عالم: إن هذا الدعاء منه(٢) فَعَله
رسول الله وَي﴾، وهو يعلم أنه لا فائدة فيه، ولا انتفاع به، ومعلوم أنه ◌َلّر أعلم
بربه، وبقضائه وقَدَره، وبأزليته، وسبق علمه بما يكون في بريّته، فلو كان
الدعاء منه، ومن أمته لا يفيد شيئاً، ولا ينفع نفعاً لم يفعله، ولا أرشد الناس
إليه، ولا أمرهم به، فإن ذلك نوع من العبث الذي ينزّه كل عاقل، فضلاً عن
خير البشر، وسيد ولد آدم عنه، لِمَ لَمْ يقل لهم: إذا كان القضاء واقعاً لا
محالة، فإنه لا يدفعه شيء من الدعاء، والالتجاء، والإلحاح، والاستغاثة؟
فكيف لم يتأدب رسول الله وَّ﴿ مع ربّه؟، فإنه قد صحّ عنه أنه استعاذ بالله رسمى
من سوء القضاء، كما عرّفناك، وقال: ((وقني شرّ ما قضيت))، فكيف يقول
هؤلاء الغلاة في الجواب عن هذا؟ أو على أيّ محمل يحملونه؟
ثم ليت شِعْري علام يحملون أمره مت لعباده بدعائه، بقوله: ﴿وَقَالَ
رَبُّكُمُ أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ثم عقّب ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكُْونَ عَنْ
عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]؛ أي: عن دعائي، كما صرّح
(١) هكذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف ((من دابّهم))، والله أعلم.
(٢) هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب إسقاط ((منه))، فليُحرّر.

١٥٧
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلٍ مُوسَى لِ لـ ـ حديث رقم (٦١٣٠)
بذلك أكثر أئمة التفسير. فكيف أَمَر عباده أولاً، ثم يجعل تركه استكباراً منهم،
ثم يُرغّبهم في الدعاء، ويخبرهم أنه قريب من الداعي، مجيب لدعوته بقوله:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ الآية [البقرة:
١٨٦]، ثم يقول معنوناً لِكَلمه الكريم بحرف يدلّ على الاستفهام الإنكاريّ،
والتقريع والتوبيخ: ﴿أَمَّن ◌ُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوَءَ﴾ الآية [النمل:
٦٢]، ثم يأمرهم بسؤاله من فضله بقوله: ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾﴾ الآية
[النساء: ٣٢]؟
[فإن قالوا]: إن هذا الدعاء الذي أمرنا الله به، وأرشدنا إليه، وجعل تركه
استكباراً، وتوعّد عليه بدخول النار مع الذّلّ، ورغّب عباده إلى دعائه، وعرّفهم
أنه قريب، وأنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وأنكر عليهم أن يعتقدوا أن غيره
يجيب المضطرّ إذا دعاه، ويكشف ما تنزّل به من السوء، وأمرهم أن يسألوه من
فضله، ويطلبوا ما عنده من الخيرات، كلّ ذلك لا فائدة فيه للعبد، وأنه لا ينال
إلا ما قد جرى به القضاء، وسَبَق به العلم، فقد نسبوا إلى الربّ رَك ما لا
يجوز عليه، ولا يحلّ نسبته إليه، فإنه لا يأمر العبد إلا بما فيه فائدة يُعتدّ بها،
ولا يرغّبه بما لا يحصل به الخير، ولا يرهّبه إلا عما يكون به عليه الضير، ولا
يَعِده إلا ما هو حقّ يترتب عليه فائدة، فهو صادق الوعد، ولا يُخلف الميعاد،
ولا يأمرهم بسؤاله فَضْله، إلا وهناك فائدة تحصل بالدعاء، ويكون لسببه
الفضل عليهم، ورَفْع ما هم فيه من الضرّ، وكشف ما حلّ بهم من السوء، هذا
معلوم لا يشكّ فيه إلا من لم يعقل حُجَج الله، ولا يفهم كلامه، ولا يدري
بخير ولا شرّ، ولا نفع ولا ضرّ، ومن بلغ به الجهل إلى هذه الغاية، فهو حقيق
بأن لا يُخاطب، وقَمِين بأن لا يناظَر، فإن هذا المسكين المتخبّط في جهله،
المتقلب في ضلالته قد وقع فيما هو أعظم خطراً من هذا، وأكثر ضرراً منه.
وهكذا ما شرعه الله لعباده من الشرائع على لسان أنبيائه، وأنزل بها كتبه،
يقال فيه مثل هذا، فإنه إذا كان ما قد حصل في سابق علمه رَّت كائناً، سواء
بعث الله إلى عباده رسله، وأنزل إليهم كتبه، أو لم يفعل، كان ذلك عبئاً يتعالى
الربّ رَّ عنه، ويُنزّه عن أن يُنسب إليه.
[فإن قالوا]: إن الله مت قد سبق علمه بكلّ ذلك، ولكنه قيّده بقیود،

١٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وشَرَطه بشروط، وعلّقه بأسباب، فعلم مثلاً أن الكافر يُسلم، ويدخل في الدين
بعد دعائه إلى الإسلام، أو مقاتلته على ذلك، وأن العباد يعمل منهم من يعمل
بما یعدهم الله به بعد بعثه رسله، وإنزال کتبه علیھم.
[قلنا لهم]: فعليكم أن تقولوا هكذا في الدعاء، وفي أعمال الخير، وفي
صلة الرحم، ولا نطلب منكم إلا هذا، ولا نريد غيره، وحينئذ قد دخلتم إلى
الوفاق من طريق قريبة، فعلام هذا الجدال الطويل العريض، واللجاج الكبير
الكثير؟ فإنا نقول: إن الله رَك قد علم في سابق علمه أن فلاناً يطول عمره إذا
وَصَل رحمه، وأن فلاناً يحصل له من الخير كذا، أو يقع عنه من الشرّ كذا،
إذا دعا ربّه، وأن هذه المسبَّبات مترتبة على حصول أسبابها، وهذه المشروطات
مقيّدة بحصول شروطها، وحينئذ فارجعوا إلى ما قدمنا ذِكره من الجمع بين ما
تقدم من الأدلّة، واستريحوا من التعب، فإنه لم يبق بيننا وبينكم خلاف من هذه
الحيثية .
وقد كان الصحابة ، مثل عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود،
وأبي وائل، وعبد الله بن عمر الذين كانوا يدعون الله ربك بأن يجعلهم في أهل
السعادة، إن كانوا قد كُتبوا من أهل الشقاوة كما قدَّمنا، وهم أعلم بالله ێ،
وما يجب له، ويجوز عليه. وقال كعب الأحبار حين طُعن عمر، وحَضَرَته
الوفاة: والله لو دعا عمر أن يؤخّر أجله، لأخّره، فقيل له: إن الله وم يقول:
﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِّرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، فقال: هذا إذا
حضر الأجل، فأما قبل ذلك، فيجوز أن يزداد، وأن ينقص.
ومن شكّ في شيء من هذا، فليطالع الكتب الصحيحة في أخبار
الصالحين، كـ((حلية أبي نعيم))، و((صفوة الصفوة)) لابن الجوزيّ، و((رسالة
القشيريّ))، فإنه يجد من هذا القبيل ما ينشرح له صدره، ويثلج(١) به قلبه.
بل كل إنسان إذا حقّق حال نفسه، ونظر في دعائه لربه عند عروض
الشدائد، وإجابته له، وتفريجه عنه يجد ما يغنيه عن البحث عن حال غيره، إذا
(١) يقال: ثلجت النفسُ ثُلُوجاً، وثَلَجاً، من بابي قعد، وتَعِبَ: اطمأنّت. انتهى.
((المصباح)) ٨٣/١.

١٥٩
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَلّهِ - حديث رقم (٦١٣٠)
كان من المعتبرين المفكّرين، وهذا نبيّ الله عيسى ابن مريم بُلَّا كان يحيي
الموتى بإذن الله، ويشفي المرضى بدعائه، وهذا معلوم حسبما أخبرنا الله
سبحانه في كتابه الكريم، وفي الإنجيل من القصص المتضمنة لإحياء الموتى،
وشفاء المرضى بدعائه، ما يعرفه من اطلع عليه.
وبالجملة فهؤلاء الغُلاة الذين قالوا: إنه لا يقع من الله إلا ما قد سبق به
العلم، وإن ذلك لا يتحوّل، ولا يتبدل، ولا يؤثّر فيه دعاء، ولا عمل صالح،
فقد خالفوا ما قدمنا من آيات كتاب الله العزيز، ومن الأحاديث النبويّة
الصحيحة، من غير ملجئ إلى ذلك، فقد أمكن الجمع على ما قدمناه، وهو
متعيّن، وتقديم الجمع على الترجيح متفق عليه، وهو الحقّ.
وقالوا: إن الله لا يعلم بالجزئيات، إلا عند وقوعها تعالى عن ذلك،
وهذا قول باطل، يخالف كتاب الله وَك، وسُنَّة رسول الله وَّةٍ، وإجماع
المسلمين، وقد تبرّأ من مقالة مَعْبَد هذه، وأصحابه من أدركهم من الصحابة،
منهم ابن عمر، كما ثبت ذلك في ((الصحيح)) (١).
وقد غَلِط من نسب مقالتهم إلى المعتزلة، فإنه لم يقل بها أحد منهم قط،
وكتبهم مصرّحة بهذا، ناطقة به، ولا حاجة لنا إلى نقل مقالات الرجال، فقد
قدمنا من أدلة الكتاب والسنن، والجمع بينهما ما يكفي المنصف، ويُريحه من
الأبحاث الطويلة العريضة الواقعة في هذه المسائل، ومن الإلزامات التي ألزم
بها بعض القائلين البعض الآخر، ودين الله سبحانه بين المفرّط والغالي، وفي
هذا القَدْر كفاية لمن له هداية، والله وليّ التوفيق. تمّت. انتهت الرسالة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حققه الإمام الشوكانيّ رحمه الله
تعالى، من أن الصواب قول من قال: إن العمر يزيد، وينقص، وتقدم عن شيخ
الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى قوله: إنه الصواب، هو الحقّ عندي؛
لموافقته لظواهر الكتاب والسُّنن الصحيحة، كما سبق تقريره في كلام الشوكانيّ
رحمه الله تعالى.
[خاتمة]: مما يدلّ على زيادة العمر ونقصه، ويؤيّد القول الراجح الذي
(١) أي: ((صحيح مسلم))، وقد تقدّم في كتاب ((الإيمان)).
٠٠

١٦٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
ذكرناه: ما أخرجه الإمام الترمذيُّ تَخّْتُهُ في ((جامعه))، وصححه - وهو كما قال -
فقال :
(٣٠٧٦) - حدّثنا عبد بن حميد، حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا هشام بن سعد،
عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله:
((لما خلق الله آدم، مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة، هو خالقها من
ذريته، إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وَبِيصاً من نور، ثم
عرضهم على آدم، فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً
منهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا رجل
من آخر الأمم، من ذريتك، يقال له: داود، فقال: رب كم جعلت عمره؟
قال: ستين سنة، قال: أي رب، زده من عمري أربعين سنة، فلما قضي عمر
آدم، جاءه ملك الموت، فقال: أَوَ لَمْ يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أَوَ لَمْ
تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته،
وخَطِئ آدم، فخطئت ذريته)).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقد رُوي من غير وجه، عن
أبي هريرة، عن النبيّ وَّل.
وقال أيضاً:
(٣٣٦٨) - حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا صفوان بن عيسى، حدّثنا
الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَالر: ((لما خلق الله آدم، ونفخ فيه الروح
عطس، فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذنه، فقال له ربه: يرحمك الله يا آدم،
اذهب إلى أولئك الملائكة، إلى ملأ منهم، جُلُوس، فقل: السلام عليكم،
قالوا: وعليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه، فقال: إن هذه تحيتك،
وتحية بَنِيك بينهم، فقال الله له، ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت، قال:
اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها، فإذا فيها آدم
وذريته، فقال: أي رب ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء ذريتك، فإذا كل إنسان،
مكتوب عمره بين عينيه، فإذا فيهم، رجل أضوؤهم، أو من أضوئهم، قال: يا
رب من هذا؟ قال: هذا ابنك داود، قد كتبت له عمر أربعين سنة، قال: يا