النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ (٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَلِ ـ حديث رقم (٦١٢٧) وأخرج أبو داود عن حذيفة ظبه قال: ((كان النبيّ ◌َّ إذا حَزَبَه أمر صلى))(١). (فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، لَمْ يَتَمَالَْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا) ((أن)) مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بحرف جرّ محذوف قياساً، كما قال في ((الخلاصة)): وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ وَعَدِّ لَازِماً بِحَرْفِ جَرِّ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ«عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا)) نَقْلاً وَفي ((أَنَّ))، و((أَنْ)) يَظَرِدُ والمعنى: لم يملك نفسه عن بسط يدها إليها . (فَقُبِضَتْ) بالبناء للمفعول، (يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً)، وفي رواية للبخاريّ: ((فلما دخلت عليه، ذهب يتناولها بيده، فَأُخِذ))، كذا في أكثر الروايات، وفي بعضها: ((ذهب يناولها يده))، وفي رواية أبي الزناد، عن الأعرج، من الزيادة: ((فقام إليها، فقامت توضأ، وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك، وبرسولك، وأحصنت فرجي، إلا على زوجي، فلا تسلط عليّ الكافر، فغُطّ حتی رگض برجله)). وقوله في هذه الرواية: ((فغُطّ)) هو بضم المعجمة في أوله، وقوله: ((حتى رَكَض برجله))؛ يعني: أنه اختَنَقَ، حتى صار كأنه مصروع، قيل: الغَطّ صوت النائم من شدّة النفخ، وحَكَى ابن التين أنه ضُبط في بعض الأصول: فَغَطّ بفتح الغين، والصواب ضمّها . ويمكن الجمع بأنه عوقب تارةً بقبض يده، وتارةً بصراعه. وقوله: ((فَدَعَت)) من الدعاء، وقولها: ((اللهم إن كنت تعلم ... إلخ)) مع كونها قاطعةً بأنه سبحانه وتعالى يعلم ذلك محمول على أنها ذكرته على سبيل الفرض هضماً لنفسها، أفاده في ((الفتح))(٢). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ((إن)) هنا ليست للشكّ، بل للتحقيق، والتأكيد، فهي بمعنى: ((إذ)) على مذهب الكوفيين، كما بيّنه ابن هشام في (المغني))(٣)، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿وَنَّقُواْ اللَّهَ إِن كُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ويقول (١) حديث حسن، أخرجه أبو داود في ((سننه)) ٣٥/٢. (٢) ((الفتح)) ٦٤٧/٧ - ٦٤٩، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٣٥٧ و ٣٣٥٨). (٣) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٦٢/١. ١٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل الرجل لابنه: إن كنت ولدي فلا تفعل كذا، ولا يتشكّك في كونه ولده، وإنما هو تھییج، وتأكید للأمر. والحاصل: أن هذا مما قالته على جهة التأكيد، واليقين؛ توسّلاً بعملها الصالح على إنجاح دعائها، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) الجبّار (لَهَا)؛ أي: لسارة، (ادْعِي اللَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلَا أَضُرُّكِ)؛ أي: لا أفعل بك سوءاً. قال القرطبيّ تَُّهُ: هذا يدلّ على أن هذا الجبّار كان عنده معرفة بالله تعالى، وبأن الله من عباده من إذا دعاه أجابه، ومع ذلك فلم يكن مسلماً؛ لأنَّ إبراهيم و قد قد قال لسارة: ((ما أعلم على الأرض مسلماً غيري وغيرك))(١). (فَفَعَلَتْ)، وفي رواية البخاريّ: ((قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: قالت: اللهم إن يمت يقولوا: هي التي قتلته، قال: فأُرسل)). (فَعَادَ)؛ أي: إلى بَسْط يده إليها، وفي رواية البخاريّ: ((ثم تناولها الثانية))، في رواية: ((ثم قام إليها، فقامت تَوضَّأ، وتصلي))، (فَقُبِضَتْ) يده (أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الأُولَى)، وفي رواية البخاريّ: ((فأُخذ مثلها، أو أشدّ))، (فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، فَلَكِ اللهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ) قال القرطبيّ تَخْتُ: الرواية فيه بنصب ((الله))، لا يجوز غيره، وهو قسم، ومقسَم به، ومقسَم عليه، وفيه حذفٌ يتبيَّن بالتقدير، وتقدير ذلك: أُقسم بالله على ألا أضرك، فحُذف الخافض، فتعدَّى الفعل، فنُصب، ثم حُذف فِعل القَسَم، وبقي المقسَم به - وهو الله تعالى - منصوباً، وكذلك المقسم عليه، وهو ((ألا أضرك))؛ يعني: مفتوح همزة ((ألا))، ويجوز في ((أضرك)) رفع الراء على أن تكون ((أن)) مخففة من الثقيلة، ويجوز فيها النصب على أن تكون ((أن)) الناصبة للفعل المضارع. انتهى(٢). (فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا) لم يُعرف اسمه، وفي رواية البخاريّ: ((فدعا بعض حجبته)) بفتح الحاء المهملة، والجيم، والموحّدة: جمع حاجب، (فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ)، وفي رواية (١) ((المفهم)) ١٨٦/٦ - ١٨٧. (٢) ((المفهم)) ١٨٦/٦ - ١٨٧. ١٢٣ (٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَلــ حديث رقم (٦١٢٧) للبخاريّ: ((إنك لم تأتني بإنسان، إنما أتيتني بشيطان))، في رواية: ((ما أرسلتم إليّ إلا شيطاناً، أرجعوها إلى إبراهيم))، وهذا يناسب ما وقع له من الصرع، والمراد بالشيطان: المتمرد من الجن، وكانوا قبل الإسلام يعظّمون أمر الجن جدّاً، ويَرَوْن كل ما وقع من الخوارق مِنْ فِعلهم، وتصرّفهم، قاله في ((الفتح)). وقال القرطبيّ كَُّ: وقول الجبَّار للذي جاءه بسارة: ((إنما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان)) كلام يناقض قوله لها: ((ادعي الله لي))، فيكون ذُّه لها عناداً، بعد أن ظهر له كرامتها على الله، أو إخفاء لحالها؛ لئلا يُتَحَدَّث بما ظهر عليها من الكرامة، فتَعْظُم في نفوس الناس، وتُتَّبع، فلَبَّس على السامع بقوله: ((إنما أتيتني بشيطان))(١). (فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ)، وفي رواية البخاريّ: ((فَأَخْدَمها هاجر))؛ أي: وَهَبها لها لتخدمها؛ لأنه أعظمها أن تخدُم نفسها. وقال في ((الفتح)): وفي رواية مسلم: ((فأَخْرِجها من أرضي، وأعطها آجر))، ذكرها بهمزة بدل الهاء، وهي كذلك في رواية الأعرج، والجيم مفتوحة، على كل حال، وهي اسم سُريانيّ، ويقال: إن أباها كان من ملوك القبط، وإنها من حَفْن - بفتح الحاء المهملة، وسكون الفاء - قرية بمصر، قال اليعقوبيّ: كانت مدينةً. انتهى، وهي الآن كَفْر مِن عمل أنصنا بالبرّ الشرقيّ من الصعيد في مقابلة الأشمونين، وفيها آثار عظيمة باقية. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذه النسخة التي ذكرها في ((الفتح)) بأنها في (صحيح مسلم)) بلفظ: ((آجر)) بالهمز لم أرها فيما بين يديّ من النسخ، بل كلها متّفقة على لفظ: ((هاجر)) بالهاء كما هو عند البخاريّ، ولعل الحافظ وقع في نسخته هكذا، فإنه إمام حافظ دقيق النقل والعزو، والله تعالى أعلم. (قَالَ) وَ (فَأَقْبَلَتْ) سارة، حال كونها (تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ انْصَرَفَ)؛ أي: من صلاته، والظاهر أنه وافق وقت خروجه من الصلاة، أو خرج منها؛ لشدّة ما أصابه من الغمّ والهمّ بشأنها، (فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟) - بفتح (١) ((المفهم)) ١٨٦/٦ -١٨٧. (٢) ((الفتح)) ٦٤٧/٧ - ٦٤٩، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٣٥٧ و ٣٣٥٨). ١٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل الميم، والياء، وإسكان الهاء، بينهما -؛ أي: ما شأنُك؟ وما خبرك؟(١)، وفي رواية المستملي: ((مهيا))، وفي رواية ابن السكن: ((مهين)) بنون، وهي بدل الميم، وكأن المستملي لمّا سمعها بنون ظنها نون تنوين، ويقال: إن الخليل أول من قال هذه الكلمة، ومعناها: ما الخبر؟. وقال القرطبيّ كَُّهُ: ((مهيم)) قال الخليل: هي كلمة لأهل اليمن خاصّة، معناها: ما هذا؟ وفي ((الصحاح)): هي كلمة يُستفهم بها، معناها: ما حالك؟ وما شأنك؟ ونحوه قال الطبريّ(٢). (قَالَتْ: خَيْراً) منصوب بفعل مضمر؛ أي: فعل الله خيراً، ثمّ فسّرت الخيريّة بقولها: (كَفَّ اللهُ يَدَ الْفَاجِرِ)؛ أي: منع الله يده من أن يتناول جسدها، (وَأَخْدَمَ خَادِماً))؛ أي: أعطانا الفاجر هاجر خادماً، والخادم يُطلق على الذكر والأنثى، قال الفيّوميّ تَغْتُهُ: خَدَمَهُ يَخْدُمُهُ، من بابي ضرب، ونصر خِدْمَةً، فهو خادم، غلاماً كان، أو جاريةً، والخَادِمَةُ بالهاء في المؤنث قليل، والجمع: خَدَمٌ، وخُدَّامٌ، وقولهم: فُلانَةٌ خَادِمَةٌ غَداً، ليس بوصف حقيقيّ، والمعنى ستصير كذلك، كما يقال: حائضة غداً، وأَخْدَمْتُهَا بالألف: أعطيتها خادماً، وخَدَّمْتُهَا بالتثقيل: للمبالغة، والتكثير، واسْتَخْدَمْتُهُ: سألته أن يَخْدُمني، أو جعلته كذلك. انتهى(٣). وفي رواية البخاريّ: ((ردّ الله كيد الكافر، أو الفاجر في نحره))، قال في ((الفتح)): هذا مَثَلُ تقوله العرب لمن أراد أمراً باطلاً، فلم يَصِل إليه، ووقع في رواية الأعرج: ((أشَعَرت أن الله كَبَتَ الكافرَ، وأخدم وليدةً))؛ أي: جارية للخدمة، و(كَبَت)) بفتح الكاف، والموحّدة، ثم مثناة؛ أي: ردّه خاسئاً، ويقال: أصله كَبَدَ؛ أي: بلغ الهمّ كَبِده، ثم أُبدلت الدال مثناةً، ويَحْتَمِل أن يكون ((وأخدم)) معطوفاً على ((كبت))، ويَحْتَمِل أن يكون فاعل ((أَخْدَم)) هو الكافر، فيكون استئنافاً. انتهى (٤). (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٥/١٥. (٢) ((المفهم)) ١٨٦/٦ - ١٨٧. (٣) ((المصباح المنير)) ١٦٥/١، بزيادة من ((القاموس المحيط)) ص٣٥٤. (٤) ((الفتح)) ٦٤٧/٧ - ٦٤٩، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٣٥٧ و٣٣٥٨). ١٢٥ (٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ل ـ حديث رقم (٦١٢٧) وقال القرطبيّ تَخْذَثُهُ: (كفّ الله يد الفاجر، وأخدم خادماً))؛ أي: عصمها الله منه بما أظهر من كرامتها، وأعطاها الله خادماً، وهي: هاجر، ويقال: آجر - بالهمزة يُبدلونها من الهاء - وفيه: جواز قبول هدية المشرك، وقد تقدم القول فيها. انتهى(١). (فَتِلْكَ أُمُّكُمْ، يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ) قال القرطبيّ ◌َّهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َ﴾ فتلك: إشارة إلى هاجر، والمخاطَب العرب، قال الخطابيّ: سُمُّوا بذلك؛ لانتجاعهم المطر، وماء السماء للرعي، وقال غيره: سُمُّوا بذلك؛ لخلوص نَسَبهم، وصفائه، وشبَّهه بماء السماء، قال القاضي أبو الفضل: والأظهر عندي أن المراد به الأنصار، نَسَبَهم إلى جَدِّهم عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وكان يُعرف بماء السماء، وهو مشهور، والأنصار كلهم بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور، والله أعلم(٢). وقال في ((الفتح)): قوله: ((فتلك أمكم)) كأنه خاطب بذلك العرب؛ لكثرة ملازمتهم للفلوات التي بها مواقع القطر؛ لأجل رعي دوابهم، ففيه تمسُّك لمن زعم أن العرب كلهم من ولد إسماعيل، وقيل: أراد بماء السماء زمزم؛ لأن الله أنبعها لهاجر، فعاش ولدها بها، فصاروا كأنهم أولادها، قال ابن حبان في ((صحيحه)): كلُّ من كان من ولد إسماعيل يقال له: ماء السماء؛ لأن إسماعيل وَلَدُ هاجر، وقد رُبّي بماء زمزم، وهي من ماء السماء. وقيل: سُمُّوا بذلك؛ لخلوص نَسَبهم، وصفائه، فأشبه ماء السماء، وعلى هذا فلا متمسّك فيه. وقيل: المراد بماء السماء: عامرٌ ولد عمرو بن عامر بن مزيقيا بن حارثة بن الغطريف، وهو جدّ الأوس والخزرج، قالوا: إنما سُمِّي بذلك؛ لأنه كان إذا قَحَط الناس أقام لهم ماله مقام المطر، وهذا أيضاً على القول بأن العرب كلها من وَلَدِ إسماعيل. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ١٨٦/٦ - ١٨٧. (٢) ((المفهم)» ١٨٦/٦ - ١٨٧. (٣) ((الفتح)) ٦٤٧/٧ - ٦٤٩، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٣٥٧ و٣٣٥٨). ١٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٢٧/٤١] (٢٣٧١)، و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢٢١٧) و((الهبة)) (٢٦٣٥) و((الأنبياء)) (٣٣٥٧ و٣٣٥٨) و((النكاح)) (٥٠٨٤) و((الإكراه)) (٦٩٥٠)، و(أبو داود) في ((الطلاق)) (٢٢١٢)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٦٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٩٨/٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٣٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٦/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعية أن يقال: أخي في غير النسب، ويراد به الأخوّة في الإسلام(١). ٢ - (ومنها): إباحة المعاريض، والرخصة في الانقياد للظالم والغاصب، قال القرطبيّ كَُّهُ: وفي هذا ما يدلّ على جواز المعاريض، والحيل في التخلص من الظَّلمة، بل نقول: إنه إذا لم يُخلِّص من الظالم إلا الكذب الصَّراح جاز أن يكذبَه، بل قد يجب في بعض الصور بالاتفاق بين الفِرَق؛ ككذبة تُنجي نبيّاً، أو وليّاً ممن يُريد قتله، أو أمناً من المسلمين من عدوهم. (٢) انتھی . ٣ - (ومنها): أنه يدلّ على أن العمل بالأسباب المعتادة التي يُرْجَى بها دفع مضرَّة، أو جلب منفعة لا يقدح في التوكل، خلافاً لِمَا ذهب إليه جُهَّال المتوكِّلة، وقد تقدَّم كثير من نحو هذا(٣). ٤ - (ومنها): قبول صلة الملِك الظالم، وقبول هدية المشرك. ٥ - (ومنها): إجابة الدعاء بإخلاص النية. (١) ((عمدة القاري)) ٢٥٠/١٥. (٣) ((المفهم)) ١٨٦/٦. (٢) ((المفهم)) ١٨٦/٦. ١٢٧ (٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَ﴾ - حديث رقم (٦١٢٧) ٦ - (ومنها): كفاية الرب لل لمن أخلص في الدعاء بعمله الصالح، وسيأتي نظيره في قصة أصحاب الغار. ٧ - (ومنها): أن فيه ابتلاءَ الصالحين لرفع درجاتهم، ويقال: إن الله تعالى كشف لإبراهيم عليَّ حتى رأى حال الملك مع سارة معاينةً، وأنه لم يصل منها إلى شيء، ذكر ذلك في ((التيجان))، ولفظه: فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه، ثم نحى إبراهيم إلى خارج القصر، وقام إلى سارة، فجعل الله القصر لإبراهيم كالقارورة الصافية، فصار يراهما، ويسمع كلامهما . ٨ - (ومنها): بيان أن من نابه أمر مهمّ من الكرب، ينبغي له أن يَفْزَع إلى الصلاة، وقد تقدم حديث حذيفة برضه: ((كان رسول الله وَ﴿ إذا حزبه أمر صلّى))، وهو حديث حسن، رواه أبو داود. ٩ - (ومنها): بيان أن الوضوء كان مشروعاً للأمم قبلنا، وليس مختصّاً بهذه الأمة، ولا بالأنبياء؛ لثبوت ذلك عن سارة، وإنما الذي اختصتّ به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل، وذهب بعضهم إلى نبوّة سارّة، والجمهور على أنها ليست بنبيّة(١). ١٠ - (ومنها): ما كتبه النوويّ كَّلُ عند قوله: ((لم يكذب إبراهيم ... إلخ)): قال المازريّ: أما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى، فالأنبياء معصومون منه، سواء كثيره وقليله، وأما ما لا يتعلق بالبلاغ، ويُعَدّ من الصفات؛ كالكذبة الواحدة في حقير من أمور الدنيا، ففي إمكان وقوعه منهم، وعصمتهم منه القولان المشهوران السلف والخلف. وقال القاضي عياض: الصحيح أن الكذب فيما يتعلق بالبلاغ لا يُتصور وقوعه منهم، سواء جوّزنا الصغائر منهم، وعِصمتهم منه، أم لا، وسواء قَلَّ الكذب، أم كثُر؛ لأن منصب النبوة يرتفع عنه، وتجويزه يرفع الوثوق بأقوالهم. وأما قوله وَّه: ((ثنتين في ذات الله تعالى، وواحدة في شأن سارة))، (١) ((الفتح)) ٦٤٧/٧ - ٦٤٩، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٣٥٧ و٣٣٥٨)، و((عمدة القاري)) ١٥/ ٢٥٠. ١٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل فمعناه: أن الكذبات المذكورة إنما هي بالنسبة إلى فَهْم المخاطَب والسامع، وأما في نفس الأمر فليست كذباً مذموماً؛ لوجهين: أحدهما: أنه وَرَّى بها، فقال في سارة: أختي في الإسلام، وهو صحيح في باطن الأمر. والوجه الثاني: أنه لو كان كذباً لا تورية فيه، لكان جائزاً في دفع الظالمين، وقد اتَّفَقَ الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنساناً مختفياً ليقتله، أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصباً، وسأل عن ذلك وجب على من عَلِم ذلك إخفاؤه، وإنكار العلم به، وهذا كذب جائز، بل واجب؛ لكونه في دفع الظالم، فنَّه النبيّ وَّ على أن هذه الكذبات ليست داخلة في مطلق الكذب المذموم. قال المازريّ: وقد تأول بعضهم هذه الكلمات، وأخرجها عن كونها كذباً، قال: ولا معنى للامتناع من إطلاق لفظ أطلقه رسول الله وَ له . قال النوويّ: أما إطلاق لفظ الكذب عليها فلا يمتنع؛ لورود الحديث به، وأما تأويلها فصحیح، لا مانع منه. قال العلماء: والواحدة التي في شأن سارة هي أيضاً في ذات الله تعالى؛ لأنها سببُ دَفْع كافر ظالم عن مواقعة فاحشة عظيمة، وقد جاء ذلك مفسَّراً في غير مسلم، فقال: ((ما فيها كذبة إلا يُماحِل بها عن الإسلام))؛ أي: يجادل، ويدافع، قالوا: وإنما خَصَّ الثنتين بأنهما في ذات الله تعالى؛ لكون الثالثة تضمَّنت نفعاً له، وحظّاً مع كونها في ذات الله تعالى، وذكروا في قوله: ﴿إِنّ سَقِيمُ﴾؛ أي: سأسقم؛ لأن الإنسان عُرْضة للأسقام، وأراد بذلك الاعتذار عن الخروج معهم إلى عيدهم، وشهود باطلهم، وكفرهم، وقيل: سقيم بما قُدِّر عليّ من الموت، وقيل: كانت تأخذه الحمى في ذلك الوقت . وأما قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُهُمْ﴾، فقال ابن قتيبة، وطائفة: جعل النطق شرطاً لِفعل كبيرهم؛ أي: فَعَله كبيرهم إن كانوا ينطقون، وقال الكسائيّ: يوقف عند قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾؛ أي: فعله فاعله، فأضمر، ثم يبتدئ، فيقول: ١٢٩ (٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى ◌َّر - حديث رقم (٦١٢٨) ﴿كَبِرُهُمْ هَذَا﴾، فاسألوهم عن ذلك الفاعل، وذهب الأكثرون إلى أنها على ظاهرها، وجوابها ما سبق، والله تعالى أعلم(١). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٤٢) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَّ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٨] (٣٣٩)(٢) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِّ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَفِ: («كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى عَلَّا يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا، إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِأَثَرِهِ، يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةٍ مُوسَى، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، فَقَامَ الْحَجَرُ بَعْدُ، حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْباً))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ(٣) سِتَّةٌ، أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى عَلَهُ بِالْحَجَرِ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى للمصنّف في ((كتاب الحيض)) سنداً ومتناً برقم [٧٧٦/١٧] (٣٣٩)، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فلا حاجة إلى إعادة ذلك إلا بعض المواضع المستشكلة، فإن أردت الاستفادة فراجع ذلك الباب، تجد بُغيتك، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ) هم أولاد يعقوب ظلّلا، فـ((إسرائيل)) لقبه، وأولاده كانوا اثني عشر، تقدّم بيانهم في الباب المذكور. (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٤/١٥ - ١٢٥. (٣) وفي نسخة: ((إن بالحجر ندباً)). (٢) هذا مكرّر، فتنبّه. ١٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقوله: (عُرَاةً) بالضمّ جمع عار، وهو منصوب على الحال، والظاهر أن التعريّ ليس حراماً في شريعتهم، ولذا أقرّهم موسى عليّل عليه، هذا هو الصحيح. وأما ما قاله القرطبيّ: إنما كانت بنو إسرائيل تفعل ذلك معاندة للشرع، ومخالفة لموسى وَّة، وهو من جملة عتوِّهم، وقلّة مبالاتهم باتباع شرع موسى، ألا ترى أن موسى مص * كان يستتر عند الغسل، فلو كانوا أهل توفيق، وعقل اتبعوه، ثم لم يَكْفهم مخالفتهم له حتى آذوه بما نسبوا إليه من آفة الأُدْرة، فأظهر الله تعالى براءته مما قالوا بطريق خارق للعادة، زيادة في أدلة صدق موسى وَّل، ومبالغة في قيام الحجة عليهم. انتهى (١). ففيه نظر لا يخفى، بل الصواب أن هذا كان جائزاً في شرعهم، ولذا لم يظهر من موسى ظلَّا إنكار، ولا يمكن أن يسكت على المنكر، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ) السوءة بالفتح: العورة. وقوله: (وَكَانَ مُوسَى ◌َُّ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ) بيّن في الرواية التالية سبب ذلك، حيث قال: ((وكان موسى رجلاً حييّاً، لا يُرى متجرّداً)). وقوله: (فَقَالُوا)؛ أي: بنو إسرائيل. وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ) بالمدّ، وفتح الدال؛ أي: منتفخ الخصيتين. وقوله: (فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ) قيل: إنه الحجر الذي كان يحمله معه في الأسفار، فيضربه، فتفجّر منه الماء. وقوله: (فَجَمَحَ مُوسَى)؛ أي: أسرع في مشيه خلف الحجر؛ ليأخذ ثوبه، والْجَمُوح من الخيل: هو الذي يركب رأسه في إسراعه، ولا يَثْنيه شيء، وهو عيب فيها؛ وإنَّما أُطلق على إسراع موسى خلف الحجر جماحاً؛ لأنَّه اشتدَّ خلفه اشتداداً لا يُثنيه شيء عن أخْذ ثوبه، وهو مع ذلك ينادي: ((ثوبي حجر! ثوبي حجر!))، كلُّ ذلك استعظام لكشف عورته، فسبقه الحجر إلى أن وصل إلى جَمْع بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى ظلَّا، فكذّبهم الله في قولهم، وقامت (١) ((المفهم)) ١٨٩/٦. ١٣١ (٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى لَّهِ - حديث رقم (٦١٢٨) حجته عليهم(١). وقوله: (بِأَثَرِهِ) بكسر الهمزة، وسكون المثلّثة، ويفتحتين أيضاً لغتان؛ أي: بَعْده. وقوله: (يَقُولُ) جملة حالية من الفاعل؛ أي: حال كونه قائلاً. وقوله: (ثَوْبي) مفعول لفعل محذوف؛ أي: أعطني، أو رُدّ عليّ ثَوْبِي. وقوله: (حَجَرُ) منادى حُذف منه حرف النداء، كما قال الحريريّ تَخْذُّ: وَحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ ((رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي)) وقال القرطبيّ تَخُّْ: وقول موسى وَلّ: ((ثوبي حجر! ثوبي حجر!)) منصوب بفعل مضمَر، وحجرُ منادى مفردٌ محذوفُ حرفِ النداء، وتقدير الكلام: أعطني ثوبي يا حجر! أو اترك ثوبي يا حجر! فحُذف الفعل لدلالة الحال عليه، وحُذف حرف النداء هنا استعجالاً للمنادى، وقد جاء في كلام العرب حَذف حرف النداء مع النكرة، كما قالوا: أَظْرِقْ كَرًا، وافتدٍ مخنوقُ، وهو قليل، وإنما نادى موسى وَله الحجر نداء من يعقل؛ لأنَّه صدر عن الحجر فِعل من يعقل. وفي وَضْع موسى عليَّ ثوبه على الحجر، ودخوله في الماء عرياناً: دليلٌ على جواز ذلك، وهو مذهب الجمهور. ومَنَعه ابن أبي ليلى، واحتج بحديث لم يصح، وهو قوله وير: ((لا تدخلوا الماء إلا بمئزر، فإنَّ للماء عامراً))، قال القاضي عياض: وهو ضعيف عند أهل العلم. انتهى(٢). وقوله: (وَاللهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ)؛ أي: من عيب؛ أي: ليس به ما كنّا نظنّه فيه من أنه آدر. وقوله: (فَقَامَ الْحَجَرُ بَعْدُ)؛ أي: توقّف عن السير بعد أن وصل إلى ملأ بني إسرائيل. وقوله: (حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى بريئاً مما اتهموه به. (١) ((المفهم)) ٦/ ١٩٠. (٢) ((المفهم)) ١٩٠/٦. ١٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقوله: (فَأَخَذَ ثَوْبَهُ) زاد عند البخاريّ: ((فلبسه)). وقوله: (فَطَفِقَ) بكسر الفاء، وفتحها؛ أي: شرع. وقوله: (بِالْحَجَرِ) الباء زائدة، والحجر منصوب بقوله: ((ضَرْباً))؛ لأنه نائب مناب يضرب، وقيل: هو منصوب بالمفعل المقدّر، والجملة خبر طفق. وقوله: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) هو من تَتِمّة كلام همّام بن منبّه، وليس معلّقاً. وقوله: (وَاللهِ إِنَّهُ) الضمير للشأن. وقوله: (بِالْحَجَرٍ) خبر مقدّم لقوله: (نَدَبٌ)، وفي بعض النسخ: ((إن بالحجر ندباً)». وقوله: (سِتَّةٌ) بدل من ((ندبٌ))، (أَوْ سَبْعَةٌ) ((أو)) للشكّ من الراوي. وقوله: (ضَرْبُ مُوسَى عَلَّا) خبر لمحذوف؛ أي: هو ضرب موسى علَّلا. وقوله: (بِالْحَجَرٍ) الباء زائدة، وهو منصوب بـ(ضرب))، وإن أردت استيفاء الشرح، وبيان المسائل، فارجع إلى أوائل الكتاب بالرقم المذكور، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ شَقِيقٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَأَنَ مُوسَى عَّ رَجُلاً حَيِّاً، قَالَ: فَكَانَ لَا يُرَى مُتَجَرِّداً، قَالَ: فَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ: إِنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَاغْتَسَلَ عِنْدَ مُوَيْهٍ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَانْطَلَقَ الْحَجَرُ بَسْعَى، وَاتَّبَعَهُ بِعَصَاهُ يَضْرِبُهُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَلِ مِنْ بَنِيٍ إِسْرَائِيلَ، وَنَزَلَتْ: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَاذَوْاْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَحِيَهَا (٦)﴾ [الأحزاب: ٦٩]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) - بتقديم الزاي، مصغّراً - أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تَقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. ١٣٣ (٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَلِ - حديث رقم (٦١٢٩) ٣ - (خَالِدُ الْحَذَّاءُ(١)) ابن مِهْران، أبو المنازل - بفتح الميم، وقيل: بضمها، وكسر الزاي ـ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ يرسل، أشار حماد بن زيد إلى أن حفظه تغيّر لَمّا قَدِم من الشام، وعاب عليه بعضهم دخوله في عمل السلطان [٥] (ت١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٤. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقيلي - بالضمّ - البصريّ، ثقةٌ فيه نَصْبٌ [٣] (ت١٠٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٠/٨٤. و ((أبو هريرة)) ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيات المصنّف تَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة به أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ) الْعُقيليّ أنه (قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َظُه (قَالَ: كَانَ مُوسَىعَلَّه) هكذا رواية المصنّف من رواية عبد الله بن شقيق موقوفاً على أبي هريرة ظه، وقد رواه البخاريّ في ((صحيحه)) من رواية الحسن البصريّ، وابن سيرين، وخِلاس ثلاثتهم عن أبي هريرة مرفوعاً، ولفظه: ((عن أبي هريرة رضيه قال: قال رسول الله وَله: كان موسى رجلاً حييّاً)) الحديث. (رَجُلاً حَيِيّاً) بفتح الحاء المهملة، وكسر التحتانيّة: على وزن فعيل بمعنى فاعل؛ أي: كثير الحياء، زاد في رواية البخاريّ: ((سَتِيراً))، وهو بفتح السين المهملة(٢) على وزن فَعِيل، بمعنى فاعل؛ أي: من شأنه، وإرادته حبّ الستر والصون. (قَالَ) أبو هريرة به مما رواه عن النبيّ وَّر؛ لأننا قدّمنا أن الحديث مرفوع عند (١) ((الحذّاء)) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الذال المعجمة -، قيل له ذلك: لأنه كان يجلس عند الحذّائين، وقيل: لأنه كان يقول: احذُ على هذا النحو. (٢) وأما ضَبْط بعضهم له بكسر السين، وتشديد الياء، وهو المشهور على الألسنة، فلا أصل له، ولم يُثبته أحد من اللغويين؛ كصاحب ((اللسان))، و((القاموس))، و((المصباح))، و((النهاية))، كما أوضحته في ((شرح النسائيّ))، فتنبّه. ١٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل البخاريّ، فتنبّه. (فَكَانَ) موسى ◌َّ (لَا يُرَى) بالبناء للمفعول؛ أي: لا يراه أحد ممن لا تجوز رؤية عورته، حال كونه (مُتَجَرِّداً) من الثياب. (قَالَ) أبو هريرة مما رواه عنه ﴿﴿ أيضاً، كما أسلفته آنفاً، (فَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ)؛ أي: أولاد يعقوب فَلَّا، (إِنَّهُ)؛ أي: موسى، (آدَرُ)؛ أي: إنما لا يغتسل معنا؛ لأنه معيب فيه داء الأُدْرة، و((الآدر)) بالمد: بوزن آدم: منتفخ الخصيتين، و((الأدرة)) بضم الهمزة، وسكون الدال، على المشهور، وحَكَى الطحاويّ عن بعض مشايخه فتح الهمزة، والدال، وقال ابن الأثير: الأُدرة بالضم: نفخة في الخصية، يقال: رجل آدر: بَيِّن الأَدَر، بفتح الهمزة والدال(١). (قَالَ) أبو هريرة (فَاغْتَسَلَ) موسى عَلَُّ (عِنْدَ مُوَيْهٍ) قال النوويّ ◌َّتُهُ: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا، ومعظم غيرها: ((مُويه)) بضم الميم، وفتح الواو، وإسكان الياء، وهو تصغير ((ماء))، وأصله: مَوَهٌ، والتصغير يردّ الأشياء إلى أصولها، وقال القاضي عياض: وقع في بعض الروايات ((مُويه))، كما ذكرناه، وفي معظمها: ((مَشْرَبة)) بفتح الميم، وإسكان الشين، وهي حُفْرة في أصل النخلة، يُجمَع الماء فيها لِسَقْيها، قال القاضي: وأظن الأول تصحيفاً، كما سبق، والله أعلم(٢). (فَوَضَعَ) موسى (ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ) تقدّم الكلام عليه في الحديث الماضي. (فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (الْحَجَرُ) حالٌ كونه (يَسْعَى)؛ أي: يسرع في المشي، ويجري حتى لا يلحقه موسى ◌ِلَّا، (وَاتَّبَعَهُ) موسى (بِعَصَاهُ) متعلّق بقوله: (يضربه))، قال الفيّوميّ كَخْذُهُ: ((العَصَا)) مقصورٌ مؤنثةٌ، والتثنية: عَصَوَانِ، والجمع: أَعْصِ، وعِصِيٌّ، على فُعُول مثل أَسَدٍ وأُسُود، والقياس: أَعْصَاءُ، مثل سَبَب وأَسْبَاب، لكنه لم يُنقل، قاله ابن السكيت. انتهى(٣). وقوله: (يَضْرِبُهُ) جملة حاليّة مقدّرة؛ أي: حال كونه قاصداً ضربه بتلك العصا. (١) ((عمدة القاري)) ٣٠١/١٥. (٣) ((المصباح المنير)) ٢ /٤١٤. (٢) (شرح النوويّ)) ١٢٧/١٥. ١٣٥ (٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَّرِ - حديث رقم (٦١٢٩) (قَوْبِي حَجَرُ)؛ أي: دع لي ثوبي يا حجر، تقدّم البحث فيه قبله، وقوله: (ثَوْبِي حَجَرُ) كرّره للتأكيد، (حَتَّى وَقَفَ) ذلك الحجر (عَلَى مَلِّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)؛ أي: على جماعة منهم، قال الفيّوميّ ◌َّقُ: الملأُ مهموزٌ: أشراف القوم، سُمُّوا بذلك؛ لِمَلاءتهم بما يُلْتَمَس عندهم من المعروف، وجَوْدة الرأي، أو لأنهم يَمِلُونَ العيون أُبَّهَةً، والصدور هَيْبَةً، والجمع: أَمْلاءٌ، مثل سَبَبٍ وأسباب. انتهى(١). (وَنَزَّلَتْ) تصديقاً لهذا الحديث، والفاعل قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ... ﴾ إلخ، فهو محكيّ؛ لِقَصْد لفظه، وإنما أنّث الفعل بتأويله بالآية. (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَكُونُواْ كَذِينَ مَاذَوْ مُوسَى فَبََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ٦٩ [الأحزاب: ٦٩]). قال الإمام ابن جرير الطبريّ تَّثُ مفسّراً للآية: يقول تعالى ذِكره لأصحاب نبيّ الله وَّ ر: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تؤذوا رسول الله بقول يكرهه منكم، ولا بفعل لا يحبه منكم، ولا تكونوا أمثال الذين آذوا موسى نبي الله وَّ، فَرَموه بعيب كذباً وباطلاً، فبرّأه الله مما قالوا فيه من الكذب، والزور بما أظهر من البرهان على كذبهم، وكان عند الله وجيهاً، يقول: وكان موسى عند الله مُشَفَّعاً فيما يسأل، ذا وجه، ومنزلة عنده بطاعته (٢) إياه. انتهى(٢). قال ابن جرير: ثم اختَلَف أهل التأويل في الأذى الذي أوذي به موسى الذي ذكره الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: رموه بأنه آدر، ثم أخرج حديث الباب بأسانيده، ثم قال: وقال آخرون: بل كان أذاهم إياه ادعاءهم عليه قتل هارون أخيه، ثم ذكر بسنده عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب في قول الله: ﴿لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى﴾ الآية قال: صَعِد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته، وكان أشدّ حبّاً لنا منك، وألْين لنا منك، فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة، فحملته، حتى مروا به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته، حتى عرف بنو إسرائيل أنه قد (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٨٠. (٢) ((تفسير الطبريّ)) ٥٠/٢٢. ١٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل مات، فبرّأه الله من ذلك، فانطلقوا به، فدفنوه، فلم يطّلع على قبره أحد من خلق الله، إلا الرَّخَم، فجعله الله أصم أبكم. قال: وأَولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن بني إسرائيل آذوا نبي الله ببعض ما كان يكره أن يؤذي به، فبرّأه الله مما آذوه به، وجائز أن يكون ذلك كان قيلهم: إنه أبرص، وجائز أن يكون كان ادّعاءهم عليه قَتْل أخيه هارون، وجائزٍ أن يكون كل ذلك؛ لأنه قد ذُكِر كل ذلك أنهم قد آذوه به، ولا قول في ذلك أولى بالحقّ مما قال الله: إنهم آذوا موسى، فبرأه الله مما قالوا. انتهى كلام ابن جرير كَذَتْهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن جرير كَّتُهُ تحقيقٌ نفيس جدّاً، وحاصله: أن كلّ ما تقدّم من الطعن في موسى عليّل صالح لأن يراد في هذا المقام، إلا أن ما في ((الصحيحن)) من قصّة قولهم: إنه آدر أصحّ، وإن كان كلّه محتملاً، والله تعالى أعلم. وقال في ((العمدة)): هذا خطاب لأهل المدينة(٢)، وقوله: ﴿لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَذَوْاْ مُوسَى﴾؛ أي: احذروا أن تكون مؤذين للنبيّ وَّ﴿ كما آذى بنو إسرائيل موسى وَل، فأظهر الله براءته مما قالوه فيه، من أنه آدر، وقيل: كان إيذاؤهم إياه ادِّعاؤهم عليه قَتْل أخيه هارون ◌ََّ، وقوله: ﴿وَكَانَ﴾؛ أي: موسى ﴿يعِندَ اللَّهِ وَحِيهًا﴾؛ أي: ذا جاه، ومنزلة، وقيل: ﴿وَجِيهًا﴾ لم يسأل شيئاً إلا أعطاه، وقُرىء شاذّاً: ((وكان عبد الله)) بالباء الموحدة. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رصُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٢٩/٤٢] (٣٣٩)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (١) ((تفسير ابن جرير)) ٥٠/٢٢ - ٥٣. (٢) هكذا النسخة، والأَولى (للمؤمنين))، فتنبّه. (٣) ((عمدة القاري)) ٣٠١/١٥ - ٣٠٢. ١٣٧ (٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلٍ مُوسَى وَارِ - حديث رقم (٦١٢٩) (٣٤٠٤) و((التفسير)) (٤٧٩٩)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٦٠/٥)، و(أحمد) في («مسنده)) (٥١٤/٢)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (١٧١/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه معجزتين ظاهرتين لموسى وَطّ إحداهما: مشي الحجر بثوبه إلى ملأ بني إسرائيل، والثانية: حصول النَّدَب في الحجر. ٢ - (ومنها): ومنها وجود التمييز في الجماد؛ كالحجر ونحوه، ومثله تسليم الحجر بمكة على النبيّ وَّر، وحنين الجذع إليه، ونظائره، وسبق قريباً بيان هذه المسألة مبسوطة. ٣ - (ومنها): جواز الاغتسال عرياناً في الخلوة، وإن كان سَتْر العورة أفضل، وبهذا قال الشافعيّ، ومالك، وجماهير العلماء، وخالفهم ابن أبي لیلی، وقال: إن للماء ساكناً، واحتجّ في ذلك بحديث ضعيف. ٤ - (ومنها): بيان ما ابتلى الله تعالى به الأنبياء، والصالحين من أذى السفهاء، والجهال، وصَبْرهم علیھم. ٥ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض وغيره: إن الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - منزَّهون عن النقائص في الْخَلْقِ والْخُلُق، سالمون من العاهات، والمعايب، قالوا: ولا التفات إلى ما قاله من لا تحقيق له من أهل التاريخ في إضافة بعض العاهات إلى بعضهم، بل نزّههم الله تعالى من كل عيب، وكل شيء يبغض العيون، أو يُنَفّر القلوب، قاله النوويّ تَخْذَهُ(١). وقال القرطبيّ كَّتُ: في هذا الحديث ما يدلُّ على أن الله تعالى كمَّل أنبياءه خلقاً وخُلُقاً، ونزّههم في أوّل خَلْقهم من المعايب، والنقائص المنفّرة عن الاقتداء بهم المُبعدة عنهم، ولذلك لم يُسمع أنه كان في الأنبياء والرسل مَن خَلَقه الله تعالى أعمى، ولا أعور، ولا أقطع، ولا أبرص، ولا أجزم، ولا غير ذلك من العيوب، والآفات التي تكون نقصاً، ووصماً يوجب لمن اتَّصف بها شيئاً وذمّاً، ومن تصفّح أخبارهم، وعَلِم أحوالهم عَلِم ذلك على القطع، (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٧/١٥. ١٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقد ذكر القاضي عياض نظريته في ((الشفاء)) من هذا جملة وافرة، ولا يُعْتَرض عليها بعمى يعقوب، وبابتلاء أيوب؛ فإنَّ ذلك كان طارئاً عليهم محبَّةً لهم، وليَقْتَدِي بهم مَن ابتُلي ببلاء في حالهم وصبرهم، وفي أن ذلك لم يقطعهم عن عبادة ربهم، ثم إن الله تعالى أظهر كرامتهم، ومعجزاتهم بأن أعاد يعقوب بصيراً عند وصول قميص يوسف له، وأزال عن أيوب جذامه وبلاءه عند اغتساله من العين التي أنبع الله تعالى له عند رَكْضِه الأرض برجله، فكان ذلك زيادة في معجزاتهم، وتمكيناً في كمالهم، ومنزلتهم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٣٠] (٢٣٧٢) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَّا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَلَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ◌ََّ، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَفَقَّأَ عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، قَالَ: فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ، بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ: أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ: فَالآنَ، فَسَأَلَ الهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ: ((فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، تَحْتَ الْكَثِبِ الأَحْمَرِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ طَاوُسٍ) هو: عبد الله بن طاوس بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبٌ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت١٠٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. (١) ((المفهم)) ١٨٩/٦ - ١٩٠. ١٣٩ (٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَلِّ ـ حديث رقم (٦١٣٠) والباقون ذُكروا قبل حديث. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُّهُ، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه أبو هريرة ربه رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َه أنه (قَالَ) كذا هو عند مسلم بهذا السند موقوفاً، وكذا أورده البخاريّ في ((الجنائز)) عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزّاق، موقوفاً، وكذا في ((أحاديث الأنبياء))، ثم قال: وعن معمر، عن همام بن منبّه، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّر نحوه، قاله في ((الفتح))(١). وقال في موضع آخر: أورده موقوفاً من طريق طاوس، عنه، ثم عقّبه برواية همام عنه مرفوعاً، وهذا هو المشهور عن عبد الرزاق، وقد رفع محمد بن يحيى عنه رواية طاووس أيضاً، أخرجه الإسماعيليّ. انتهى(٢). فثبت بهذا أن الحديث صح عن أبي هريرة رضيبه موقوفاً، ومرفوعاً، إلا أن الموقوف في مثل هذا له حُكم المرفوع؛ لأنه لا مجال للرأي فيه. والله تعالى أعلم. (أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ) ببناء الفعل للمفعول، قال الحافظ ابن كثير ◌َّتُهُ: لم يصرَّح باسم ملك الموت في القرآن، ولا في الأحاديث الصحاح. انتهى(٣). وقال السيوطيّ دَّثُ: لم يَرِد تسميتُهُ في حديث مرفوع، وورد عن وهب بن منّه أن اسمه عزرائيل، رواه أبو الشيخ في ((العظمة)). انتهى (٤). (إِلَى مُوسَى عَلَا، فَلَمَّا جَاءَهُ)؛ أي: جاء ملك الموت موسى (صَكَّهُ)؛ أي: ضربه على عينه. وفي رواية همّام، عن أبي هريرة، التالية: ((جاء ملك الموت إلى موسى، فقال له: أجب ربّك، قال: فلطم موسى عين ملك (١) ((الفتح)) ٥٦٨/٣. (٢) ((الفتح)) ١٠٣/٧، كتاب ((أحاديث الأنبياء)). (٣) ((البداية والنهاية)) ٤٢/١. (٤) ((زهر الربى في شرح المجتبى)) ١١٨/٤. ١٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل الموت، ففقأها)). وفي رواية عمّار بن أبي عمّار، عن أبي هريرة، عند أحمد، والطبريّ: ((كان ملك الموت يأتي الناس عياناً، فأتى موسى، فلطمه، ففقا عینه)) . (فَفَقَأَ عَيْنَهُ) بالهمز؛ أي: شقّها، (فَرَجَعَ) ملك الموت (إِلَى رَبِّهِ) رَّ (فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ) زاد في رواية همامٍ: ((وقد فقأ عيني، فردّ الله عليه عينه)). وفي رواية عمّار: ((فقال: يا ربّ، عبدك موسى، فقأ عيني، ولولا كرامته عليك، لشققت عليه))، وسيأتي الجواب عن استشكال من استشكل بأنه كيف جاز لموسى أن يفقأ عين ملك الموت؟ في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. (قَالَ) أبو هريرة راوياً عن النبيّ وَّي﴿، كما أسلفته في أول الحديث، (فَرَدَّ اللّهُ) رَ. (إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ) الله تعالى للملَك (ارْجِعْ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى موسى عَلَّا، (فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ)، وفي رواية: ((فقل له: الحياةَ تريد؟ فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك)) (عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ) ((المتن)): بفتح الميم، وسكون المثناة: هو الظهر. وقيل: مكتنف الصّلْب بين العَصَب واللحم، وفي رواية: ((على جلد ثور)). و((الثور)): بفتح المثلثة، وسكون الواو: الذَّكَر من البقر، والأنثى ثورة، والجمع ثِيرَان، وأثوارٌ، وثِيَرَةٌ، مثالُ عِنَبَة. قاله في ((المصباح)) (١). (فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ، بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ) الجارّ والمجرور بدل من الجار والمجرور الأول. (قَالَ) موسى (أَيْ رَبِّ) ((أَيْ)) بفتح الهمزة، وسكون الياء: حرف نداء، (ثُمَّ مَهْ؟) ((ثمّ)) بضم المثلثة، وتشديد الميم: حرف عطف، و((مه)): هي ((ما)) الاستفهامية، لَمّا وُقف عليها زادوا عليها هاء السكت، كما قال في ((الخلاصة)): و((مَا)) فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ بِاسْم كَقَوْلِكَ ((اقْتِضَاءَ مَا اقْتَضَى)) وَلَيْسَ حَتْماً فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا أي: ثُمّ ماذا يكون، أحياة، أم موت؟. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: (مه)): هي ((ما)) الاستفهامية لَمّا وُقِف عليها زادوا عليها هاء السكت، وهي لغة العرب إذا وقفوا على أسماء الاستفهام، (١) ((المصباح المنير)) ١/ ٨٧.