النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
(٤٠) - بَابُ فَضَائِلٍ عِيسَى عِلْلا - حديث رقم (٦١١٥)
بالتمكن والتسليط، وحَفِظ الله تعالى مريم وابنها من نخسته تلك التي هي ابتداء
التسليط ببركة إجابة دعوة أمها حين قالت: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ
الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، فاستجاب الله لها لِمَا حضرها في ذلك الوقت من
صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وصحة التوكل، وأمها هي امرأة عمران،
واسمها حثَّه بنت فاقود، وكانت لمّا حملت نذرت، وأوجبت على نفسها أن
تجعل ما تلده مُنَزَّهاً منقطعاً للعبادة، لا يشتغل بشيء مما في الوجود، على
شريعتهم في الرهبانية، وملازمتهم الكنائس، وانقطاعهم فيها إلى الله تعالى
بالكلية، ولذلك لمّا ولدتها أنثى قالت: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَ كَلْأُنْنَى﴾ [آل عمران: ٣٦]؛
أي: فيما نذرته له من الرهبانية. انتهى كلام القرطبيّ تَظَّهُ(١).
(إِلَّ ابْنَ مَرْيَمَ) عيسى (وَأُمَّهُ))) مريم ◌َِّ، وقد جاء في رواية للبخاريّ
بيان المس المذكور، ولفظه: ((كلُّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين
يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب))؛ أي: في
المشيمة التي فيها الولد(٢)، قال القرطبيّ: هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء
التسليط، فحفظ الله مريم وابنها منه ببركة دعوة أمها، حيث قالت: ﴿وَإِّ
أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، ولم يكن لمريم ذرية
غير عيسى الَلاَ(٣).
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ المذكورة آنفاً بلفظ: ((غير عيسى ابن
مريم))، بذكر عيسى خاصّةً، قيل: يَحْتَمِل أن يكون ذاك قبل الإعلام بما زاد،
وفيه بُعْد؛ لأنه حديث واحد، وقد رواه خلاس عن أبي هريرة بلفظ: ((كلُّ بني
آدم قد طَعَن الشيطان فيه حين وُلِد، غير عيسى وأمه، جعل الله دون الطعنة
حجاباً، فأصاب الحجاب، ولم يُصِبْهما))، وقيل غير ذلك.
قال الحافظ: والذي يظهر أن بعض الرواة حَفِظ ما لم يحفظ الآخر،
(١) «المفهم)) ٦/ ١٧٧.
(٢) قال في ((الفتح)) في موضع آخر: المراد بالحجاب: الجلدة التي فيها الجنين، أو
الثوب الملفوف على الطفل. انتهى.
(٣) ((الفتح)) ٥٢/٨، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٤٣١).

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
والزيادة من الحافظ مقبولة، وأما قول بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون من العطف
التفسيريّ، والمقصود الابن؛ كقولك: أعجبني زيد، وكَرَمه، فهو تعسّف
(١)
شديدٌ. انتهى(١).
[تنبيه آخر]: مريم بالسريانية الخادم، وسُميت به والدة عيسى، فامتنع
الصرف للتأنيث والعلمية، ويقال: إن مريم بلسان العرب: مَن تُكثر من زيارة
الرجال من النساء؛ كالزير، وهو من يكثر زيارة النساء، واستَشهَد من زعم هذا
بقول رؤبة:
قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ
حكاه أبو حبان في تفسير ((سورة البقرة))، وفيه نظر، قاله في ((الفتح))(٢).
(ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبه، وفيه بيان أن هذا موقوف على أبي هريرة
فإن في رواية أبي صالح عند البخاريّ إدراجاً. (اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ) مصداق هذا
الحديث من كتاب الله رَك، (﴿وَإِيّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾)؛
أي: عَوّذتها بالله رَّ من شرّ الشيطان، وعَوَّذت ذرّيتها، وهو ولدها
عيسى ظلّلا، فاستجاب الله لها ذلك كما بُيّن في هذا الحديث(٣)، والله تعالى
أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١١٥/٤٠ و٦١١٦ و٦١١٧] (٢٣٦٦)،
و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٢٨٦) و((الأنبياء)) (٣٤٣١) و((التفسير)) (٤٥٤٨)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٨٨/٦)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٤٢)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٣/٢ و٢٧٤ - ٢٧٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦٢٣٥)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٨/٧)، و((مسند الشاميين)) (٢٩/٣ و٤/
(١) ((الفتح)) ٥٢/٨، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٤٣١).
(٢) ((الفتح)) ٨/ ٥٢، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٤٣١).
(٣) ((تفسير ابن كثير)) ١/ ٣٦٠.

٨٣
(٤٠) - بَابُ فَضَائِلِ عِيسَى عِلُلا - حديث رقم (٦١١٥)
١٦٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٧٦/١٠)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٦٨٨٤
و٦٨٨٥ و٦٨٨٨ و٦٨٩٢ و٦٨٩٧ و٦٨٩٩)، و(البغويّ) في ((تفسيره)) (١/
٢٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة عيسى وأمه ◌َالشَّؤها حيث عصمهما الله تعالى من نخسة
الشيطان، فقد ذهب ليطعن عليهما، فصُرف بطعن الحجاب، دون أن يمسّهما .
٢ - (ومنها): بيان أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم ◌َلَّاها حين قالت:
﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقد أخبر الله
تعالى بذلك، فقال: ﴿فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَانًا حَبًّا وَكَفَّلَهَا زَّكِيَّا كُلَّمَا
دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكَِيَّا الْمِحَْابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْمُ أَنَّى لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدٍ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن كَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (®﴾ [آل عمران: ٣٧]، فبسبب ذلك لم
يتسلّط الشيطان عليها، فلم ينخس، وإنما مسّ الحجاب فقط.
[تنبيه]: قيل: يُشكل على ظاهر الحديث أن إعاذة أم مريم كانت بعد
الوضع، فلا يحل حملها على الإعاذة من المسّ الذي يكون حين الولادة.
والجواب: أن المسّ ليس إلا بعد الانفصال، وهو الوضع، ومعه الإعاذة،
غايته أنه عَبَّر عنه بالمضارع؛ لقصد الاستمرار، بخلاف الوضع، والتسمية(١).
[فائدة]: اسم أم مريم: حَنّة - بمهملة، ونون - بنت فاقود، واسم أختها
والدة يحيى: إيشاع، قال ابن إسحاق في ((المبتدأ)): كانت حنة عند عمران،
وأختها عند زكريا، وكانت حنة أُمسك عنها الولد، ثم حَمَلت بمريم، فمات
عمران وهي حامل، وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن القاسم،
سمعت مالك بن أنس يقول: بلغني أن عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا كان
حملهما جميعاً، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى ما في بطني يسجد
لِمَا في بطنك، قال مالك: أراه لفضل عيسى على يحيى، وقال الثعلبيّ: وُلد
يحيى قبل عيسى بستة أشهر، ذكره في ((الفتح))(٢).
(١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) ٤٧٥/٥.
(٢) ((الفتح)) ٥٠/٨ - ٥١، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٤٣٠).

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
٣ - (ومنها): بيان عموم تسلّط الشيطان على بني آدم برّهم وفاجرهم، إلا
أن الله تعالى يحفظ عباده، كما وعد نُعَلَ بذلك، حيث قال: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ
[الحجر: ٤٢]، وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِى
٤٢
لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنٍ أَتَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ
[الإسراء: ٦٥].
٦٥
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا
وقد أخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود نظراته قال: قال رسول الله وَله:
((ما منكم من أحد، إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجنّ))، قالوا: وإياك يا
رسول الله؟ قال: ((وإياي، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا
بخیر)) .
وأخرج عن عائشة ﴿يّا أن رسول الله وَ له خرج من عندها ليلاً، قالت:
فَغِرْت عليه، فجاء، فرأى ما أصنع، فقال: ((ما لك يا عائشة؟ أَغِرْتِ؟)) فقلت: وما
لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله وَ له: ((أقد جاءك شيطانك؟)) قالت: يا
رسول الله، أوَ معي شيطان؟ قال: ((نعم))، قلت: ومع كل إنسان؟ قال: ((نعم))،
قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: ((نعم، ولكن ربي أعانني عليه، حتى أسلم)).
وبالجملة فالأنبياء وعباد الله الصالحون محفظون من كيده، وإن تعرّض
لهم فلا سبيل له إلى إغوائهم بفضل الله ◌ُعَلَ، وإن أصابتهم غفلة، فأراد
إغواءهم استيقظوا، واستدركوا، قال الله وَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ
﴾ [الأعراف: ٢٠١]، اللهم
طَهِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ
احفظنا من شرّ الشيطان، وشركه، وأن نقترف على أنفسنا سوءاً، أو نجرّه إلى
مسلم، برحمتك يا أرحم الراحمين آمين.
(المسألة الرابعة): قال في ((الفتح)): قد طعن صاحب ((الكشاف)) في
معنى هذا الحديث، وتوقف في صحته، فقال: إن صح هذا الحديث فمعناه:
أن كل مولود يَطمع الشيطان في إغوائه، إلا مريم وابنها، فإنهما كانا
معصومين، وكذلك من كان في صفتهما؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ
[ص: ٨٣]، قال: واستهلال الصبي صارخاً من مس الشيطان
١٨٣
اُلْمُخْلَصِينَ
تخييل لِطَمعه فيه، كأنه يمسه، ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممن أُغويه،
وأما صفة النخس كما يتوهمه أهل الحشو فلا، ولو ملك إبليس على الناس
نخسهم، لامتلأت الدنيا صراخاً. انتهى.

٨٥
(٤٠) - بَابُ فَضَائِلِ عِيسَى عَل ـ حديث رقم (٦١١٥)
قال الحافظ: وكلامه متعقّب من وجوه، والذي يقتضيه لفظ الحديث لا
إشكال في معناه، ولا مخالفة لِمَا ثبت من عصمة الأنبياء، بل ظاهر الخبر أن
إبليس مُمَكَّن من مس كل مولود عند ولادته، لكن مَن كان مِن عباد الله
المخلصين لم يضرّه ذلك المسّ أصلاً، واستُثني من المخلصين مريم وابنها،
فإنه ذهب يمس على عادته، فحيل بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص، ولا
يلزم منه تسلطه على غيرهما من المخلصين، وأما قوله: لو ملك إبليس ...
إلخ، فلا يلزم من كونه جعل له ذلك عند ابتداء الوضع، أن يستمر ذلك في
حقّ كل أحد، وقد أورد الفخر الرازيّ هذا الإشكال، وبالغ في تقريره، على
عادته، وأجمل الجواب، فما زاد على تقريره أن الحديث خبر واحد وَرَدَ على
خلاف الدليل؛ لأن الشيطان إنما يُغوي من يعرف الخير والشر، والمولود
بخلاف ذلك، وأنه لو مُكِّن من هذا القدر لفعل أكثر من ذلك، من إهلاك،
وإفساد، وأنه لا اختصاص لمريم وعيسى بذلك، دون غيرهما، إلى آخر كلام
«الكشاف)).
ثم أجاب بأن هذه الوجوه محتملة، ومع الاحتمال لا يجوز دفع الخبر.
انتھی.
قال الحافظ: وقد فتح الله تعالى بالجواب كما تقدم، والجواب عن
إشكال الإغواء يُعْرَف مما تقدم أيضاً، وحاصله: أن ذلك جُعل علامة في
الابتداء على من يتمكن من إغوائه، والله أعلم. انتهى(١).
[فائدة]: ذكر عبد الرزاق في ((تفسيره))، قال: نا المنذر بن النعمان
الأفطس، أنه سمع وهب بن مُنَبِّه يقول: لمّا وُلد عيسى ◌ِلَّا أتت الشياطين
إبليس، فقالوا: أصبحت الأصنام قد نَكّست رؤوسها، فقال: هذا حادث
حَدَث، مكانَكُم، وطار حتى جاء خافقي الأرض، فلم يجد شيئاً، ثم جاء
البحار، فلم يقدر على شيء، ثم طار أيضاً، فوجد عيسى قد وُلد عند مذود
حمار، فإذا الملائكة قد حَفَّت حوله، فرجع إليهم، فقال: إن نبياً قد وُلد
البارحة، وما حملت أنثى قطّ، ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها، إلا هذه،
(١) ((الفتح)) ٧١٨/٩ - ٧١٩، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٤٨).

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
فايأَسُوا من أن تُعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قِبَل
الخفة، والعَجَلة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الحكاية من الإسرائيليّات التي لا تصدّق،
ولا تكذّب، بل تُحكى للاعتبار؛ لإباحة الشارع لنا حكايتها، حيث قال ◌َله :
(بَلِّغُوا عني ولو آية، وحَدِّثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج، ومن كذب عليّ
متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار))، رواه البخاريّ(٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١١٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِّمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا
شُعَيْبٌ، جَمِيعاً عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَا: ((يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ
صَارِخاً مِنْ مَسَّةِ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ))، وَفِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ: ((مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا قريباً، و(أَبُو الْيَمَانِ)) هو: الحكم بن نافع، و((شُعَيْبٌ)) هو:
ابن أبي حمزة.
والباقون ذُکروا قبل حدیثین.
وقوله: (مِنْ مَسَّةِ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ) هو بمعنى قوله في الرواية السابقة ◌َظُّهُ:
((من نخسة الشيطان))؛ أي: طَعْنته.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١١٧] (.) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ
الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا يُونُسَ سُلَيْماً مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، إِلَّا مَرْيَمَ
وَابْنَهَا))).
(١) ((تفسير الصنعاني)) ١١٩/١.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ١٢٧٥/٣.

٨٧
(٤٠) - بَابُ فَضَائِلِ عِيسَى عَلَلا - حديث رقم (٦١١٨)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قديماً قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
٣ - (أَبُو يُونُسَ سُلَيْمٌ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) هو: سُليم بن جُبير الدَّوْسيّ
المصريّ، ثقةٌ [٣] (ت١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٠/٣٤.
والباقيان ذُكرا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١١٨] (٢٣٦٧) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ
سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ
يَقَعُ نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) أبي شيبة الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ
يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيراً، من صغار [٩]
(ت٥ أو ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وَضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور
بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ، تغير حفظه بأخرة،
رَوَى له البخاريّ مقروناً وتعليقاً [٦] (ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان يجلب الزيت
إلى الكوفة [٣] (ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
و((أبو هريرة څته)) ذُكر قبله.

٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو
هريرة ره تقدّم الكلام فيه قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((صِيَاحُ الْمَوْلُود)
بكسر الصاد المهملة، وتخفيف الياء: مصدر صاح بالشيء يصيح به صِيَاحاً،
وصَيْحَةَ: إذا صَرَخ، وهو مبتدأ، خبره: ((نزغة))، وقوله: (حِينَ يَقَعُ) ظرف
متعلّق بـ((صِياح))؛ أي: حين يسقط من بطن أمه، وقوله: (نَزْغَةٌ) قال
القرطبيّ كَّلهُ: الرواية المعروفة: ((نَزْغة)) - بالنون، والزاي الساكنة، والغين
المعجمة - من النزغ: وهو الوسوسة، والإغراء بالفساد، وقيل في قوله تعالى:
﴿مِنْ بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَنِ﴾ الآية [يوسف: ١٠٠]: معناه: أفسد،
كأنه يريد هنا: مِن فَعْلة فعلها الشيطان، رام بها ضرر المولود، ووقع لبعض
الرواة: ((فَزْعة)) - بالفاء، والعين المهملة -: من الفزع. انتهى (١).
وقوله: (مِنَ الشَّيْطَانِ))) صفة لـ((نزغة))، وقال النوويّ كَُّهُ: معنى قوله:
((نزغة)): نَخْسة، وطعنة، ومنه قولهم: نَزَغَه بكلمة سَوْء؛ أي: رماه بها.
انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١١٨/٤٠] (٢٣٦٧)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٦١٨٣)، و(الطبرانيّ) في ((الصغير)) (٢٩)، و((الأوسط)) (١٨٩٣)،
والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ١٧٨/٦ - ١٧٩، و((شرح الأبّيّ)) ١٥٧/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٠/١٥ - ١٢١.
٠

٨٩
(٤٠) - بَابُ فَضَائِلِ عِيسَى عِلا - حديث رقم (٦١١٩)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١١٩] (٢٣٦٨) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْبَمَ رَجُلاً يَسْرِقُ،
فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ
بِاللهِ، وَكَذَّبْتُ نَفْسِي))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وقد تقدّم هذا الإسناد نفسه في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ) الأبناويّ الصنعانيّ أنه (قَالَ: هَذَا)؛ أي: ما يأتي في
هذه الصحيفة، فإن هذا الحديث مأخوذ من ((صحيفة همّام)) المشهورة، كما يدلّ
عليه سياق المصنّف. (مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَذَكَرَ) أبو
هريرة ربه (أَحَادِيثَ) كثيرة، وقد تقدّم أنها (١٣٨) حديثاً، وقوله: (مِنْهَا) جارّ
ومجرور خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّة)؛ لأنه مبتدأ مؤخّر محكيّ؛
لِقَصْد لفظه، ((رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) لَ﴿ (رَجُلاً) قال المناويّ نَّثُ: لم يُسمّ
الرجلُ، ولا المسروق منه، ولا المسروق(١). (يَسْرِقُ) بكسر الراء، من باب
ضرب، (فَقَالَ لَّهُ عِيسَى) عَلَّهُ (سَرَقْتَ؟) بتقدير همزة الاستفهام، وفي رواية
البخاريّ: ((فقال له: أسرقت؟))، قال القرطبيّ كَخَُّ: ظاهر قول عيسى ◌ِلَّلُ
لهذا الرجل: سرقتَ أنه خبر عمّا فَعَل الرجل من السرقة، وكأنه حقّق السرقة
عليه؛ لأنه رآه قد أخذ مالاً لغيره من حرز في خُفية، ويَحْتَمِل أن يكون
مستفهماً له عن حقيقة ذلك، فحُذفت همزة الاستفهام، وحَذْفها قليل.
.(٢).
.
انتھی
(قَالَ) الرجل منكراً لسرقته: (كَلَّا) بفتح الكاف، وتشديد اللام: كلمة ردع
(١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٥/٤.
(٢) ((المفهم)) ١٧٩/٦.

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وزجر؛ أي: انزِجر، وارتدعٍ من أن تقول لي: ((سرقت))، وفي رواية النسائيّ:
((قال: لا))، (وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ)، وفي رواية البخاريّ: ((كلّا، والذي لا إله
إلا الله))، ومراده توكيد إنكاره بالحلف بالله تعالى.
(فَقَالَ عِيسَى) عَلَّهُ عند ذلك (آمَنْتُ بِاللهِ)؛ أي: بأمره أن الحالف يُصدّق
إذا أمكن ذلك، أو بأنه عظيم لا ينبغي حرمان من توسّل باسمه إلى أمره.
(وَكَذَّبْتُ نَفْسِي)))، وفي رواية البخاريّ: ((وكذّبت عيني)، وفي رواية النسائيّ:
((وكذّبت بصري))؛ أي: حكمت، وأظهرت خطأه.
وقال النوويّ تَخْتُهُ: قال القاضي: ظاهر الكلام: صدّقت من حلف بالله
تعالى، وكذّبت ما ظهر لي من ظاهر سرقته، فلعله أخذ ما له فيه حقّ، أو بإذن
صاحبه، أو لم يقصد الغصب، والاستيلاء، أو ظَهَر له من مدّ يده أنه أخذ
شيئاً، فلما حلف له أسقط ظنّه، ورجع عنه. انتهى (١).
وقال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام تَخَُّهُ: هذا مشكلٌ من جهة أن العين
لا تكذّب، وإنما يُكذّب القلب بظنّه، والذي يطابق: صدقتَ أيها الرجل، فإنه
لم يمض لله في الواقعة خبرٌ، ولا ذِكر، فكيف يُصَدّق؟. قال:
[والجواب]: أن إضافة الكذب إلى العين إضافة الفعل إلى سببه؛ لأنها
سبب لاعتقاد القلب، وأما قوله: ((صدق الله))، فإشارة إلى إخبار الله ريك بأنه
حَكَم في الظاهر بما ظهر، وفي الباطن بما يظنه، وأن الظاهر إذا تبيّن خلافه
تُرك. انتهى. ذَكَره السيوطيّ في شرح النسائيّ(٢) .
وفي رواية البخاريّ: ((وكذّبتُ عَيْنَيَّ)): قال في ((الفتح)): قوله: ((وكذبت
عينيّ)) - بالتشديد على التثنية، ولبعضهم بالإفراد، وفي رواية المستملي:
((كَذَبَتْ)) بالتخفيف، وفتح الموحدة، و((عيني)) بالإفراد في محل رفع، ووقع في
رواية مسلم: ((وكذّبتُ نفسي)). قال ابن التين: قال عيسى ظلَّل ذلك على
المبالغة في تصديق الحالف، وأما قوله: ((وكذبت عيني))، فلم يُرِدْ حقيقة
التكذيب، وإنما أراد: كذبت عيني في غير هذا، قاله ابن الجوزيّ، وفيه بُعْدٌ.
(١) ((شرح النووي)) ١٢١/١٥.
(٢) ((زهر الربى في شرح المجتبى)) ٢٥٠/٨.

٩١
(٤٠) - بَابُ فَضَائِلِ عِيسَى عِلا - حديث رقم (٦١١٩)
وقيل: إنه أراد بالتصديق والتكذيب ظاهر الحكم، لا باطن الأمر، وإلا
فالمشاهدة أعلى اليقين، فكيف يُكَذّب عينه، ويصدّق قول المدعي؟
ويَحْتَمِل أن يكون رآه مَدّ يده إلى الشيء، فظن أنه تناوله، فلما حلف له،
رجع عن ظنه.
وقال القرطبي: ظاهر قول عيسى للرجل: سرقت، أنه خبر جازم عما
فعل الرجل من السرقة؛ لكونه رآه أخذ ما لا من حرز في خفية، وقول الرجل:
كَلّا؛ أي: لا، نفي لذلك، ثم أكده باليمين، وقول عيسى: ((آمنت بالله،
وكذبت عيني))؛ أي: صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لي من كون
الأخذ المذكور سرقة، فإنه يَحْتَمِل أن يكون الرجل أخذ ما له فيه حق، أو ما
أَذِن له صاحبه في أخذه، أو أخَذه ليقلبه وينظر فيه، ولم يقصد الغصب
والاستيلاء، قال: ويَحْتَمِل أن يكون عيسى كان غير جازم بذلك، وإنما أراد
استفهامه بقوله: ((سرقت))، وتكون أداة الاستفهام محذوفة، وهو سائغ كثير.
انتھی(١).
قال الحافظ: واحتمال الاستفهام بعيد مع جزمه وَل ﴿ بأن عيسى رأى
رجلاً يسرق، واحتمال كونه يَحِلّ له الأخذ بعيد أيضاً بهذا الجزم بعينه،
والأول مأخوذ من كلام القاضي عياض، وقد تعقبه ابن القيِّم في كتابه ((إغاثة
اللَّهفان))، فقال: هذا تأويل مُتَكَلّف، والحقّ أن الله كان في قلبه أجلّ من أن
يحلف به أحد كاذباً، فدار الأمر بين تهمة الحالف، وتهمة بصره، فردّ التهمة
إلى بصره، كما ظن آدم علَّ صِدْق إبليس لمّا حلف له، أنه له ناصح.
قال الحافظ: وليس بدون تأويل القاضي في التكلف، والتشبيه غير
مطابق. والله أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن القيّم: أظهر مما
قاله القاضي وغيره، ودعوى الحافظ التسوية فيها نظر لا يخفى، وكذا كون
التشبيه غير مطابق، فتأمل. والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ١٧٩/٦ - ١٨٠.

٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا [٦١١٩/٤٠] (٢٣٦٨)، و(البخاريّ) في («أحاديث
الأنبياء)) (٣٤٤٤)، و(همّام بن منبه) في ((صحيفته)) (٣٨/١)، و(النسائيّ) في
((المجتبى)) (٢٢٩/٨) و((الكبرى)) (٤٨٨/٣)، و(ابن ماجه) في ((الكفّارات))
(٢١٠٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٤/٢ و٣٨٣)، و(ابن راهويه) في ((مسنده))
(٤٢٥/١)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٣١٨/٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٠/ ١٥٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه استُدِلّ به على درء الحدّ بالشبهة.
٢ - (ومنها): أنه استَدلّ به من قال بمنع القضاء بالعلم، قال في
((الفتح)): والراجح عند المالكية، والحنابلة مَنْعه مطلقاً، وعند الشافعية جوازه،
إلا في الحدود، وهذه الصورة من ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: والراجح عندي القول بعدم جواز قضاء
القاضي بعلمه، وأن ذلك خاصّ بالنبيّ وَّر؛ لأن فيه تهمةً له، ولأن فيه تسليطاً
للطّلَمة على حقوق الناس بدعوى أنهم يحكمون بعلمهم، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن النسائيّ كََّثُ احتجّ بهذا الحديث على بيان كيفية
الاستحلاف، وهو أن يقول الحاكم للمستحلف: قل: ((لا، والله الذي لا إله
إلا هو))، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
صَلى اللّهـ
(٤١) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ
وإبراهيم بالسريانية معناه: أبٌّ راحم، هو ابن آزر، واسمه تارح ـ بمثناة،
وراء مفتوحة، وآخره حاء مهملة - ابن ناحور - بنون، ومهملة مضمومة - ابن
شاروخ - بمعجمة، وراء مضمومة، وآخره خاء معجمة - ابن راغوء - بغين

٩٣
(٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَلِ - حديث رقم (٦١٢٠)
معجمة - ابن فالخ - بفاء، ولام مفتوحة، بعدها معجمة - ابن عبير، ويقال:
عابر - وهو بمهملة، وموحدة - ابن شالخ - بمعجمتين - ابن أرفخشذ بن سام بن
نوح، لا يختلف جمهور أهل النسب، ولا أهل الكتاب في ذلك، إلا في النطق
ببعض هذه الأسماء، نَعَم ساق ابن حبان في أول ((تاريخه)) خلاف ذلك، وهو
شاذٌ.
والخليل: فَعِيل بمعنى فاعل، وهو من الْخُلّة بالضم، وهي الصداقة،
والمحبة التي تخللت القلب، فصارت خلاله، وقيل: الخلة أصلها الاستصفاء،
وسُمِّي بذلك؛ لأنه يوالي، ويعادي في الله تعالى، وقيل: هو مشتقّ من الْخَلَّة،
بفتح المعجمة، وهي الحاجة، سُمِّي بذلك؛ لانقطاعه إلى ربه، وقَصْره حاجته
عليه، أفاده في ((الفتح)) (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٢٠] (٢٣٦٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
وَابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ (ح) وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: جَاءَ
رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِنَِّ، فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((ذَاكَ
إِبْرَاهِيمُ عِلَلا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) - بضم الميم، وسكون السين المهملة، وكسر الهاء -
القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب بعد أن أضرّ [٨] (ت١٨٩)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٢ - (ابْنُ فُضَيْلِ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان - بفتح الغين المعجمة،
وسكون الزاي ـ الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ،
رُمي بالتشيع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، أبو الحسن، نزيل بغداد، ثم
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٤٣/٧ - ٦٤٤، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٣٥٣).

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م
ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٤ - (الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُل) - بفاءين مضمومتين، ولامين الأُولى ساكنة -
مولى عمرو بن حُريث الكوفيّ، ثقة (١)، له أوهام [٥] (م د ت س) تقدم في
((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
والباقيان تقدّما قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذين الإسنادين:
أنهما من رباعيّات المصنّف لَّلُهُ، كلاحقيهما، وهما (٤٩٤
أحد المكثرين السبعة.
و٤٩٥)، وفيه أنس بن مالك .
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَقَالَ: يَا خَيْرَ
الْبَرِيَّةِ) بتشديد الياء، ويجوز تسكينها، وهمز بعدها، ومعناها: الخليفة(٢)،
وقال في ((النهاية)): البريّة: الخَلْق، تقول: براه الله يبروه بَرْواً؛ أي: خلقه،
ويُجمع على البرايا، والبريّات، من الْبَرَي، وهو التراب، هذا إذا لم يهمز،
ومن ذهب إلى أن أصله الهمز أخَذه مِنْ برأ الله الخلق يبرؤهم؛ أي: خَلَقهم،
ثم تُرك فيها الهمز؛ تخفيفاً، ولم تُستعمل مهموزةً. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ كَّلُ: البرية: الخلق، وتُهْمَز، ولا تُهْمَز، وقد قُرىء بهما،
واختلف في اشتقاقها، فقيل: هي مأخوذة من الْبَرَى، وهو: التراب، فعلى هذا
لا يُهمز، وقيل: هي مأخوذة من برأ الله تعالى الخلق - بالهمز -؛ أي: خَلَقهم،
وعلى هذا فيُهمز، وقد يكون من هذا، وتُسَهَّل همزتها، كما سهّلوا همزة خابية،
وهي من خبأت مهموزاً، والبرية في الوجهين: فعيلة بمعنى: مفعولة. انتهى (٤).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((ذَاكَ)؛ أي: الذي ناديته بـ((يا خير البريّة))،
(إِبْرَاهِيمُ) الخليل (علَّ)))؛ أي: لست أنا، قال العلماء: إنما قال وَلّ هذا
(١) هذا أَولى مما في ((التقريب)): صدوقٌ؛ لأنه وثقه الأئمة الكبار. انظر: (تت)).
(٣) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٢٣/١.
(٢) ((تحفة الأحوذيّ)) ٩/ ٢٠٠.
(٤) ((المفهم)) ١٨٠/٦.

٩٥
(٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَله- حديث رقم (٦١٢٠)
تواضعاً، واحتراماً لإبراهيم عليّا لِخُلّته، وأُبُوّته، وإلا فنبيّنا وَّ أفضل، كما
قال وَ لثر: ((أنا سيد ولد آدم))، ولم يقصد به الافتخار، ولا التطاول على من
تقدمه، بل قاله بياناً لِمَا أُمِر ببيانه، وتبليغه، ولهذا قال رَّهِ: (ولا فَخْرَ))؛ لينفيَ
ما قد يتطرق إلى بعض الأفهام السخيفة.
وقيل: يَحْتَمِل أنه وال﴿ قال: إبراهيم خير البرية، قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم.
[فإن قيل]: التأويل المذكور ضعيفٌ؛ لأن هذا خبرٌ، فلا يدخله خُلْفٌ،
ولا نسخٌ.
[فالجواب]: أنه لا يمتنع أنه أراد أفضل البرية الموجودين في عصره،
وأطلق العبارة الموهمة للعموم؛ لأنه أبلغ في التواضع.
وقد جزم صاحب ((التحرير)) بمعنى هذا، فقال: المراد أفضل بريّة عصره.
وأجاب القاضي عياض عن التأويل الثاني بأنه، وإن كان خبراً، فهو مما
يدخله النسخ من الأخبار؛ لأن الفضائل يمنحها الله تعالى لمن يشاء، فأخبر
بفضيلة إبراهيم ظلّل إلى أن عَلِم تفضيل نفسه، فأخبر به، ويتضمن هذا جواز
التفاضل بين الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -.
ويجاب عن حديث النهي عنه بالأجوبة السابقة في أول كتاب الفضائل،
ذَكَرِه النوويّ تَظَّهُ(١).
وقال القرطبيّ تَخْثُ: قد عارض هذا الحديث قوله وَلجر: ((أنا سيِّد ولد
آدم))، وما عُلم من غير ما موضع من الكتاب والسُّنَّة، وأقوال السلف، والأمَّة
أنه وَّ أفضل ولد آدم، وقد انْفُصِل عن هذا بوجهين:
[أحدهما]: أن ذلك من النبيّ وَّر على جهة التواضع، وتَرْك التطاول على
الأنبياء، كما قال: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وأنا أكرم ولد آدم
على ربي يوم القيامة، ولا فخر))(٢)، وخصوصاً على إبراهيم؛ الذي هو أعظم
آبائه، وأشرفهم.
(١) (شرح النوويّ)) ١٢١/١٥ - ١٢٢.
(٢) رواه الترمذيّ (٣٦٢٠) وإسناده ضعيف؛ أي: بهذا السياق، وأما حديث: («أنا سيد
ولد آدم)» فأخرجه مسلم، فتنبّه.

٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
[وثانيهما]: أنه وسلّ قال ذلك قبل أن يعلم بمنزلته عند الله تعالى، ثم إنه
أُعلم بأنه أكرم، وأفضل، فأخبر به كما أُمر، ألا ترى أنه كان في أول أمره
يسأل أن يبلغ درجة إبراهيم من الصلاة عليه، والرحمة، والبركة، والخلة، ثم
بعد ذلك أخبرنا بأن الله تعالى قد أوصله إلى ذلك لمّا قال: ((إن الله تعالى قد
اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً))، ثم بعد ذلك زاده الله من فضله،
فشرَّفه، وكرَّمه، وفضّله على جميع خَلْقه.
وقد أُورد على كل واحد من هذين الوجهين استبعاد، قالوا: رُدَّ على
الأول؛ أن قيل: كيف يصح من الصادق المعصوم أن يُخبر عن الشيء بخلاف
ما هو عليه؛ لأجل التواضع والأدب؟ والوارد على الثاني: أن ذلك خبر عن
أمر وجودي، والأخبار الوجودية لا يدخلها النسخ.
والجواب عنهما: أن يقال: إن ذلك ليس إخباراً عن الشيء بخلاف ما
هو عليه، فإنه تَوَاضَعَ بمنع إطلاق ذلك اللفظ عليه، وتأذَّب مع أبيه بإضافة ذلك
اللفظ إليه، ولم يتعرض للمعنى، فكأنه قال: لا تُطلقوا هذا اللفظ عليّ،
وأطلقوه على أبي إبراهيم أدباً معه، واحتراماً له، ولو صرَّح بهذا لكان صحيحاً
غير مستبعَد، لا عقلاً، ولا نقلاً، وهذا كما قال: ((لا تفضّلوني على موسى))؛
أي: لا تقولوا: محمد أفضل من موسى؛ مخافةً أن يُخيَّل نقص في المفضول،
كما قدَّمناه، ويأتي.
فقد أظهر هذا البحث: أن ذلك راجع إلى منع إطلاق لفظ وإباحته،
فذلك خبر عن الحكم الشرعيّ، لا عن المعنى الوجوديّ، وإذا ثبت ذلك جاز
رَفْعه، ووَضْعه، وصحَّ الحكم به، ونَسْخه من غير تعرُّض للمعنى، والله أعلم.
سلَّمنا أنه خبر عن أمر وجوديّ، لكن لا نسلّم أن كل أمر وجوديّ لا
يتبدل، بل منها ما يتبدل، ولا يلزم من تبدله تناقض، ولا محال، ولا نَسْخ؛
كالإخبار عن الأمور الوضعية.
وبيان ذلك: أن معنى كون الإنسان مكرَّماً مفضلاً؛ إنما ذلك بحسب ما
يُكرَّم به، ويُفضل على غيره، ففي وقت يُكرَّم بما يُساوي فيه غيره، وفي وقت
يزاد على ذلك الغير، وفي وقت يُكرَّم بشيء لم يُكرَّم به أحد، فيقال في المنزلة
الأولى: مُكرَّم، مُقرَّب، وفي الثانية: مُفضَّل بقيد، وفي الثالثة: مُفضَّل مطلقاً،

٩٧
(٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَ ل ـ حديث رقم (٦١٢٠)
ولا يلزم من ذلك تناقض، ولا نَسْخ، ولا مُحال، وهذا واضح، وحسنٌ جدّاً،
فاغتبِط به، وشدَّ عليه يداً. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ظُه هذا من أفراد المصنّف تَّلُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٢٠/٤١ و٦١٢١ و٦١٢٢] (٢٣٦٩)، و(أبو
داود) في ((السُّنَّة)) (٤٦٧٢)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٣٤٩)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (٦/ ٥٢٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٢٩/٦)، و(أحمد) في
(مسنده)) (١٧٨/٣ و١٨٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٩/٧ و٤٠)، و(تمّام)
في («فوائده)» (٥٥/١ و٢٦٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائد:
١ - (منها): بيان فضيلة إبراهيم الخليل لعلّه حيث كان خير البريّة.
٢ - (ومنها): بيان تواضع النبيّ وَّه حيث نَسَب الخيريّة لأبيه إبراهيم
مع أنه سيد ولد آدم كلّهم.
٣ - (ومنها): أن هذا الحديث حجة لمن قال بتفضيل خواصّ البشر؛
كالأنبياء على الملائكة وغيرهم؛ لأنه ◌َلجه أقرّ الرجل على قوله: ((يا خير
البريّة))، والبريّة معناها: الخَلْق، فيشمل الجميع، وهذه المسألة قد استوفيت
بحثها في ((شرح النسائيّ))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٤ - (ومنها): ما قاله البيهقيّ كَّتُهُ في ((شُعَبه)): قول الله رَتْ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ
فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٣] يدلّ على تفضيل بعضهم على بعض،
وقول النبيّ وَله: ((لا تُفضِّلوا بين أنبياء الله))، وقوله: ((لا تُخَيِّروا بين أنبياء الله))،
إنما هو في محاولة أهل الكتاب على معنى الإزراء ببعضهم، فإنه ربما أدَّى
ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم، والإقلال الواجب من حقوقهم، أما إذا كانت
(١) ((المفهم)) ١٨١/٦ - ١٨٢.

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
المخايرة من مسلم يريد الوقوف على الأفضل منهم، فليس هذا بنهي عنه، والله
أعلم.
وقوله وَلقر: ((لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى))، فإنما
أراد - والله أعلم - مَن سواه من الناس، دون نفسه، أو ذَهَب في ذلك مذهب
التواضع لربه، والهضم لنفسه، وكذلك في قوله - حين قيل: يا خير البرية -:
((ذاك إبراهيم عليّ))، وكان لا يحب المبالغة في الثناء عليه في وجهه؛ تواضعاً
لربه وم، وكان يقول: ((لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما
أنا عبد، فقولوا: عبد الله، ورسوله)).
قال: وأما اتخاذ الله إبراهيم خليلاً فإنه إنما اتخذه خليلاً على من كان
في عصره، من أعداء الله رَ، لا على غيره من النبيين، وهو أنه هداه إلى
معرفته، ووفّقه لتوحيده، حين كان الكفر طَبَّق الأرض، ولم يكن في الدنيا
نسمة تعرف الله، وتعرف به غيره، فاتخذه خليلاً، بأن جعله أهلاً لهدايته أوّلاً ،
ثم بأن أمره، ونهاه، فظهرت منه الطاعة ثانياً، ثم بأن ابتلاه، فوجد منه الصبر
ثالثاً، فكان يومئذ خليله، وأهل الأرض كلهم أعداؤه؛ لأنه كان المطيع،
والناس غيره عصاة.
وقد اتخذ محمدٌ وَّهِ حبيباً بدلالة الكتاب، وهو قوله ريّ: ﴿قُلّ إِن كُنْتُمْ
تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]، فإذا كان اتّباعه يفيد للمتبع
محبة الله رَ، فالمتبع بها يكون أولى، ودرجة المحبة فوق درجة الْخُلّة، وقد
تكلم أهل العلم في الفرق بين الحبيب والخليل بكلام كثير، وهو في كتب أهل
التذکیر مذکور.
ثم أخرج البيهقيّ بسنده عن جعفر بن محمد في قوله مت: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ
إِبْرَهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] قال: أظهر اسم الخلة لإبراهيم فعلا؛ لأن الملك
ظاهر في المعنى، وأبقى اسم المحبة لمحمد ◌ّ لتمام حاله؛ إذ لا يحب
الحبيب إظهار حال حبيبه، بل يحب إخفاءه، وسَتْره؛ لئلا يَطّلع عليه أحد
سواه، ولا يدخل أحد بينهما، فقال لنبيّه وصفيّه محمد بَّه لمّا أظهر له حال
المحبة: ﴿قُلّ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]؛ أي:

٩٩
(٤١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَلِ ــ حديث رقم (٦١٢١)
ليس الطريق إلى محبة الله إلا اتباع حبيبه، ولا يتوصل إلى الحبيب بشيء أحسن
من متابعة حبيبه ذلك رضاه.
قال: قال أبو عبد الرحمن السلمي: الحبيب يوجب اتباعه اسم المحبة
لذلك، لم يوقع عليه هذا الاسم، فإن حاله أجلّ من أن يعبّر عنه بالمحبة؛ لأن
متّبعيه استحقوا هذا الاسم بمتابعته، ألا ترى الله ريك يقول: ﴿قُلٌ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ
اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]، والخليل لا يوجب اتباعه، لذلك
أطلق له اسم الخلة، قال: والحبيب يقسم به؛ لقوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢]،
والخليل يقسم لقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْتَمَكُ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، والحبيب يُبدأ
[الشرح: ١]، والخليل
بالعطاء من غير سؤال، لقوله: ﴿أَلَمَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
يَسأل؛ لقوله: ﴿رَبِّ أَجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِن ذُرِّيَّنِ﴾ الآية [إبراهيم: ٤٠]،
والحبيب مجاب إلى مراده؛ لقوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَنُوَلِيَنَّكَ
قِبْلَةٌ تَرْضَهَا﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]، والخليل ربما لا يجاب، ألا تراه قال:
﴿وَمِنْ ذُرِّيَِّّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، والحبيب شافع على
ربه، ألا تراه حين يقول له: ((ارفع رأسك، وَسَلْ تُعطه، واشفع تشفع))،
والخليل مشفوع فيه، ألا تراه في القيامة، إذا التجأ إليه الخلق، كيف يقول:
لست لها، والحبيب أزيل عنه الرَّوْعة من المشهد الأعلى بالكرم من المعراج
لما يجيء من مقام الشفاعة، فلم يرعه شيء لِمَا تقدم من مشاهدة، فيفرغ
للشفاعة لأهل الجمع عامة، فيقول: ((أنا لها))، ثم لأمته خاصة، فقال: ((أمتي،
أمتي))، والخليل لم يزل عنه لذلك فرجع من وقت تنفّس جهنم وزفيرها إلى
قوله: ((نفسي، نفسي)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٢١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ
مُخْتَارَ بْنَ فُلْفُلِ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسأَ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا
رَسُولَ اللهِ، بِمِثْلِهِ).
(١) ((شُعَب الإيمان)) للبيهقيّ ١٨٣/٢ - ١٨٥ بزيادة شيء يسير.

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ
الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن
الأوديّ - بسكون الواو - أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت١٩٢) وله
بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ يعني: أن حديث عبد الله بن إدريس عن مختار مثل
حدیث عليّ بن مُسهر عنه.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَثُهُ، كسابقيه، وهو (٤٩٦) من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن إدريس عن مختار بن فُلْفُل هذه ساقها أبو
داود تَخْتُهُ في ((سننه))، فقال:
(٤٦٧٢) - حدّثنا زِيَاد بن أيوب، ثنا عبد الله بن إدريس، عن مختار بن
فُلْفُل، يذكر عن أنس، قال: قال رجل لرسول الله وَله: يا خير البريّة، فقال
رسول الله وَر: ((ذاك إبراهيم)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٢٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنِ الْمُخْتَارِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عبيد الْعَنَزيّ - بفتح النون، والزاي - أبو
موسى البصريّ، المعروف بالزَّمِن، مشهور بكنيته، وباسمه، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٥٢)، وكان هو ويُنْدار فَرَسَيْ رِهَان، وماتا في سنة واحدة (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٢/٢.
(١) ((سنن أبي داود)) ٢١٨/٤.