النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
(٣٨) - بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ وَّهِ شَرْعاً، دُونَ مَا ذَكَرَهُ ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٩)
أهل اللغة: ويقال لذلك المتساقط: النَّفْض، بفتح النون، والفاء، بمعنى:
المنفوض؛ كالْخَبْطِ بمعنى المخبوط، وأنفض القومُ: فَنِي زادهم. انتهى (١).
(قَالَ) رافع: (فَذَكَرُوا)؛ أي: القوم الذين تركوا التلقيح، (ذَلِكَ)؛ أي: ما
حصل لهم من نفض نخلهم، وعدم إخراجها ثمراً طيّباً بسبب عدم التلقيح،
(لَهُ) وَلِ متعلّق بـ((ذَكَروا))، (فَقَالَ) بَرِ ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ)؛ أي: والبشر لا يعلم
الغيب إلا بالوحي، وقال القرطبيّ: ((فإنما أنا بشر))؛ أي: واحد منهم في
البشرية، ومساوٍ لهم فيما ليس من الأمور الدينية، وهذه إشارة إلى قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَمِدٌ﴾ الآية [الكهف: ١١٠]، فقد
ساوى البشر في البشرية، وامتاز عنهم بالخصوصية الإلهية التي هي: تبليغ
الأمور الدينية. انتهى (٢).
(إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ، فَخُذُوا بِهِ)؛ أي: لأنه وحي من الله رَتْ،
وقال المناويّ تَّفُ؛ أي: إذا أمرتكم بما ينفعكم في أمر دينكم، فخذوا به؛
أي: افعلوه، فهو حقّ، وصواب دائماً، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي؛ يعني:
من أمور الدنيا، فإنما أنا بشر؛ يعني: أخطىء، وأصيب فيما لا يتعلق بالدِّين؛
لأن الإنسان محل السهو والنسيان، ومراده بالرأي: الرأي في أمور الدنيا على
ما عليه جَمْع، لكن بعض المحقّقين قال: أراد به الظنّ؛ لأن ما صدر عنه وليه
برأيه واجتهاده، وأُقِرّ عليه فهو حجةٌ مطلقاً. انتهى(٣).
(وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي) بياءين بإضافة رأي إلى ياء المتكلّم، ووقع
في بعض النسخ بلفظ: ((من رأيٍ)) بالتنوين، (فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ)))؛ أي: فيعتريني ما
يعتري البشر من السهو، والنسيان، والخطأ .
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((إذا أمرتكم بشيء من رأيي))؛ يعني به: في
مصالح الدنيا، كما دلّ عليه بساط هذه القصة، ونصُّه على ذلك، ولم يتناول
هذا اللفظ ما يحكم فيه باجتهاده إذا تنزّلنا على ذلك؛ لأنَّ ذلك أمر ديني تجب
عصمته فيه، كما إذا بلغه نصّاً؛ إذ كل ذلك تبليغ شرعه، وبيان حكم دينه، وإن
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٧/١٥ - ٠١١٨
(٣) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) ٥٦٧/٢.
(٢) «المفهم)» ٦/ ١٧٠.

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
اختلفت مآخذ الأحكام، كما قد أوضحناه في الأصول. انتهى(١).
وقال صاحب ((التكملة)): قوله: ((إذا أمرتكم بشيء من رأيي)) المراد من
الرأي هنا هو الظنّ في الأمور المباحة، كما دلّ عليه الحديث السابق،
والأحاديث يُفسّر بعضها بعضاً، وقد صرّح عكرمة في آخر الحديث أنه روى
حديث رافع هذا بالمعنى، بخلاف الحديث السابق، فإن الظاهر فيه أنه روي
باللفظ، وقد عبّر عكرمة الظنّ هنا بالرأي، فليس المراد اجتهاده وَّر في الأمور
الشرعيّة؛ لأنه يجب اتّباعه فيه على الأمّة، كما دلّت عليه النصوص المتكاثرة
المتظاهرة.
قال الشيخ وليّ الدهلويّ كَّلُ: واجتهاده وَله بمنزلة الوحي؛ لأن الله
تعالى عصمه من أن يتقرّر رأيه على الخطأ، وليس يجب أن يكون اجتهاده
استنباطاً من المنصوص، كما يُظنّ، بل أكثره أن يكون علّمه الله تعالى مقاصد
الشرع، وقانون التشريع، والتيسير والأحكام، فبيّن المقاصد المتلقّاة بالوحي
بذلك القانون، ومنه حِكَم مرسلة، ومصالح مطلقة لم يوقّتها، ولم يُبيّن
حدودها؛ كبيان الأخلاق الصالحة، وأضدادها، ومستندها غالباً الاجتهاد،
بمعنى: أن الله تعالى علّمه قوانين الاتفاقات، فاستنبط منها حكمةً، وجعل فيها
كلّيّة، ومنه فضائل الأعمال، ومناقب العمال، فبعضها مستند إلى الوحي،
وبعضها إلى الاجتهاد. انتهى(٢).
وقوله: (قَالَ عِكْرِمَةُ) بن عمّار (أَوْ نَحْوَ هَذَا)؛ أي: أو قال ◌َّ نحو هذا
الكلام، فيه أن عكرمة لم يتحقّق من لفظ: ((من رأيي))، فإذاً لا ينافي ما سبق
من لفظ: ((إنما ظننت ظنّاً)).
قال النوويّ: قال العلماء: قوله وَله: ((من رأيي))؛ أي: في أمر الدنيا،
ومعايشها، لا على التشريع، فأما ما قاله ◌َّ باجتهاده، ورآه شرعاً يجب العمل
به، وليس إِبَارُ النخل من هذا النوع، بل من النوع المذكور قبله، مع أن لفظة
الرأي إنما أتى بها عكرمة على المعنى؛ لقوله في آخر الحديث قال عكرمة: أو
نحو هذا، فلم يخبر بلفظ النبيّ وَّر محققاً، قال العلماء: ولم يكن هذا القول
(١) ((المفهم)) ١٦٩/٦ - ١٧٠.
(٢) ((حجة الله البالغة)) ١٢٨/١.

٦٣
(٣٨) - بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ وَهِ شَرْعاً، دُونَ مَا ذَكَرَهُ ... إلخ - حديث رقم (٦١١٠)
خبراً، وإنما كان ظنّاً، كما بيَّنه في هذه الروايات، قالوا: ورأيه وَّ في أمور
المعايش، وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه
تعلّق هممه وَّه بالآخرة، ومعارفها، والله أعلم. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ الْمَعْقِرِيُّ) بيّن به اختلاف شيوخه؛ يعني: أن أحمد بن جعفر
شيخه الثالث قال في روايته: (فَنَفَضَتْ) بالفاء، والضاد المعجمة بالجزم، (وَلَمْ
يَشُك) كما شكّ الآخران، فقالا: ((فنفضت، أو فنقصت))، قال القرطبيّ كَّلُ:
قوله: ((فنفضت، أو فنقصت)): ظاهره أنه شك من بعض الرواة في أيّ اللفظين
قال، ويَحْتَمِل أن تكون ((أو)) بمعنى: الواو؛ أي: نفضت ثمرها، ونقصت في
حَمْلها، وقد دلَّ على هذا قوله في الرواية الأخرى: ((فخرج شيصاً))، وهو الْبَلَح
الذي لا ينعقد نواه، ولا يكون فيه حلاوة إذا أبسر، ويسقط أكثره، فيصير
حَشَفاً. انتھی(٢)
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ويَحْتَمِل أن تكون ((أو)) بمعنى: الواو،
هذا غير صحيح، يبطله قوله: ((ولم يشك))، والحاصل: أن ((أو)) للشكّ بلا
شكّ، لا بمعنى الواو، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث رافع بن خديج
هذا من أفراد
رضىعنه
المصنّف تَذَلُهُ، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٠٩/٣٨] (٢٣٦٢)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٢٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٨٠/٤)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١١٠] (٢٣٦٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كِلَاهُمَا
عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ مَرَّ
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٦/١٥.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ١٧٠.

٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
بِقَوْم يُلَفِّحُونَ، فَقَالَ: (لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ))، قَالَ: فَخَرَجَ شِيصاً، فَمَرَّ بِهِمْ،
فَقَالَّ: (مَا لِنَخْلِكُمْ؟))، قَالُوا: قُلْتَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: ((أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ
نزل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٢ - (أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ) الشاميّ، نزيل بغداد، يكنى أبا عبد الرحمن،
ويُلَقَّب شاذان، ثقةٌ [٩] مات في أول سنة ثمان ومائتين (ع) تقدم في ((المساجد
ومواضع الصلاة)) ١٥٥٢/٥٦.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في
ثابت، وتغير حفظه بأَخَرَة، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في (المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دَلَّس [٥]
(ت٥ أو ١٤٦) وله سبع وثمانون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص ٣٥٠.
٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام بن خويلد الأسديّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، مشهورٌ [٣] (ت٩٤) على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة
عثمان (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
٦ - (عَائِشَةُ) بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين فيّا، أفقه النساء مطلقاً،
وأفضل أزواج النبيّ وَل و إلا خديجة، ففيهما خلاف شهير، ماتت سنة سبع
وخمسين، على الصحيح (ع) تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣١٥.
٧ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ - بضم الموحدة، ونونين - أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(٢٢٠) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سداسيّات المصنّف تَخْذُ بالنسبة للأول، ومن خماسيّاته بالنسبة
للثاني، وفي الأول رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته، وفيه
عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة يا من المكثرين السبعة.

٦٥
(٣٨) - بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ وَّهِ شَرْعاً، دُونَ مَا ذَكَرَهُ ... إلخ - حديث رقم (٦١١٠)
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) ◌َ﴿ُّا، وقوله: (وَعَنْ
ثَابِتٍ)؛ أي: ابن أسلم الْبُنانيّ، عطف على قوله: ((عن هشام بن عروة))،
فحمّاد بن سلمة له إسنادان: هشام عن أبيه، عن عائشة، وثابت، عن أنس،
والثاني أعلى من الأول. (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك ◌َضُ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ مَرَّ بِقَوْم) من
الأنصار (يُلَفِّحُونَ)؛ أي: يأبّرون النخل، (فَقَالَ) وَهِ ((لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحََ) فيه
ثلاث لغات، صَلَحَ صُلُوحاً، من باب قَعَد، وصلاحاً، وصَلُحَ بالضمّ ككَرُم،
وصلَحَ يصلح بالفتح فيهما: خلاف فسد، والمعنى هنا: أنه يثمر ثمراً طيّباً دون
تلقيح. (قَالَ) أنس رَُّه (فَخَرَجَ) الثمر (شِيصاً) بكسر الشين المعجمة، وإسكان
الياء المثناة تحتُ، وبصاد مهملة، وهو البسر الرديء الذي إذا يَبِس صار
حَشَفاً، وقيل: أردأ البسر، وقيل: تمر رديْ، وهو متقارب، قاله
النوويّ تَظّتُهُ(١) .
(فَمَرَّ) بَّرَ (بِهِمْ)؛ أي: بهؤلاء القوم الذين تركوا التلقيح عملاً بإشارته وَليه
بذلك، (فَقَالَ) وَِّ ((مَا) استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء ثبت (لِنَخْلِكُمْ؟)) حيث خرج
ثمره شيصاً، ولم يخرج ثمراً طيّباً، (قَالُوا: قُلْتَ: كَذَا وَكَذَا) إشارة إلى قوله وَيه
السابق: (لو لم تفعلوا لصلح))، (قَالَ) وَرِ (أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرٍ دُنْيَاكُمْ)))؛ أي:
بالأمور التي وَكَلَها الشرع إلى التجربة، ولم يأت فيها بأمر، أو نهي جازم(٢).
وقال المناويّ تَخْتُهُ ما حاصله: يعني: أنتم أعلم بأمر دنياكم مني، وأنا
أعلم بأمر أخراكم منكم، فإن الأنبياء والرسل إنما بُعثوا لإنقاذ الخلائق من
الشقاوة الأخروية، وفوزهم بالسعادة الأبدية، وفيه أنشدوا [من البسيط]:
بِالأَمْرِ وَالنَّهْي وَالإِعْلَامِ وَالْخَبَرِ
إنَّ الرَّسُولَ لِسَانُ الْحَقِّ لِلْبَشَرِ
ذَاكَ الَذَّكَاءُ لِمَّا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ
هُمْ أَذْكِيَاءُ وَلَكِنْ لَا يُصَرِّفُهُمْ
قَدْ كَانَ فِیهِ عَلَى مَا جَاءَ مِنْ ضَرَرِ
أَلَا تَرَاهُمْ لِتَأْبِيرِ النَّخِيلِ وَمَا
حُكْماً بِحِلٌّ وَتَحْرِيمٍ عَلَى الْبَشَرِ
هُمْ سَالِمُونَ مِنَ الأَفْكَارِ إِنْ شَرَعُوا
قال بعضهم: فبيّن بهذا أن الأنبياء، وإن كانوا أحذقّ الناس في أمر
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٨/١٥.
(٢) ((تكملة فتح الملهم)) ٥٩٦/٤.

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
الوحي، والدعاء إلى الله تعالى، فهم أسرج الناس قلوباً من جهة أحوال الدنيا،
فجميع ما يشرعونه، إنما يكون بالوحي، وليس للأفكار عليهم سلطان.
انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة، وأنس ضًا هذا من أفراد
المصنّف نَخْذَلُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١١٠/٣٨] (٢٣٦٣)، و(ابن ماجه) في
((الأحكام)) (٢٤٩٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٢/٣ و١٢٣/٦)، والله تعالى
أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٣٩) - (بَابُ فَضْلِ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَ، وَتَمَنِّيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١١١] (٢٣٦٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُّوَ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ، لَيَأْتِيَنَّ
عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ، وَلَا يَرَانِي، ثُمَّ لأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَمَالِهِ مَعَهُمْ))،
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْمَعْنَى فِيهِ عِنْدِي: لأَنْ يَرَانِي مَعَهُمْ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ،
وَهُوَ عِنْدِي مُقَدَّمٌ، وَمُؤَخَّرٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) الْقُشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد،
ثقةٌ حافظٌ، عابدٌ [١١] (ت٢٤٥َّ) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
(١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) ٥٠/٣ - ٥١.

٦٧
(٣٩) - بَابُ فَضْلِ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَهِ، وَتَمَنِّهِ - حديث رقم (٦١١١)
٢ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصّنعانيّ، أبو عُتبة، أخو وهب، ثقةٌ [٤]
(ت١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الدَّوْسيّ الصحابيّ الجليل، حافظ الصحابة، اختلف في
اسمه، واسم أبيه، قيل: عبد الرحمن بن صخر، وقيل: ابن غنم، وقيل:
عبد الله بن عائذ، وقيل: ابن عامر، وقيل: ابن عمرو، وقيل غير ذلك،
واختُلِف في أيها أرجح، فذهب كثيرون إلى الأول، وذهب جمع من النسابين
إلى عمرو بن عامر، مات سنة سبع، وقيل: سنة ثمان، وقيل: تسع وخمسين،
وهو ابن ثمان وسبعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقيان تقدّما قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف رَّلُهُ، وفيه أبو هريرة ظه أحفظ من روى
الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) الأبناويّ الصنعانيّ أنه (قَالَ: هَذَا) إشارة إلى
الأحاديث المجموعة في صحيفة واحدة، وهي الصحيفة المشهورة بـ((صحيفة
همّام بن منبّه))، وعدد أحاديثها (١٣٨) حديثاً كلها بهذا السند: عبد الرزاق،
عن معمر، عن همّام بن منبه، عن أبي هريرة ◌َظُبهِ. (مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ)
(عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَذَكَرَ) همّام (أَحَادِيثَ)، وقد أسلفت الآن عددها. (مِنْهَا)؛
أي: من جملة تلك الأحاديث، والجار والمجرور خبر مقدّم، وقوله: (وَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ) مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لِقَصْد لفظه، ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ) ◌َّـ
(فِي يَدِهِ) فيه إثبات اليد لله رَ على ما يليق بجلاله، (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ
يَوْمٌ)؛ أي: زمن، ووقت، والعرب قد تُطلق اليوم، وتريد به الوقت والحين،
كما قال تعالى: ﴿كَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَ يَلْبَنُواْ﴾ الآية [الأحقاف: ٣٥]؛ أي:
حين يرون، قاله القرطبيّ كَّتُهُ(١).
(١) ((المفهم)) ٦/ ١٧٧.

٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وقوله: (وَلَا يَرَانِي) جملة حاليّة؛ أي: والحال أنه لا يستطيع أن يراني،
وذلك بسبب موته وَّر، (ثُمَّ لأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَمَالِهِ مَعَهُمْ)))؛ أي:
مع أهله وماله.
قال الجامع عفا الله عنه: لفظ ((صحيفة همام)): ((والذي نفسي بيده ليأتين
على أحدكم يومٌ لا يراني، ثم لأن يراني أحبّ إليه من مثل أهله، وماله
معهم))، والظاهر أنه سقط من رواية مسلم لفظة: ((مثل))، وعلى هذا فمعنى
قوله: ((معهم))؛ أي: مع أهله وماله؛ يعني: أنه يكون له أهل ومال مع أهله
وماله الذين معه، فيفضّل رؤيته و ﴿ على هذا كلّه، فلا تقديم ولا تأخير، والله
تعالى أعلم.
(قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه النيسابوريّ تلميذ
الإمام مسلم بن الحجّاج، راوية ((صحيحه))، المتوفّى في رجب سنة (٣٠٨هـ)
تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ٧٣/٦.
(الْمَعْنَى) المراد (فِيهِ)؛ أي: في هذا الكلام (عِنْدِي: لأَنْ يَرَانِي مَعَهُمْ
أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَهُوَ عِنْدِي مُقَدَّمٌ، وَمُؤَخَّرٌ)؛ يعني: أن قوله: ((معهم))
كان حقّه التقديم على ((أحبّ إليه ... إلخ))، هذا هو ما اقتضاه ظاهر كلام أبي
إسحاق .
وقال النوويّ: هذا الذي قاله أبو إسحاق هو الذي قاله القاضي عياض،
واقتصر عليه، قال: تقديره؛ لأن يراني معهم أحبّ إليه من أهله وماله، ثم لا
يراني، وكذا جاء في ((مسند سعيد بن منصور)): ((ليأتينّ على أحدكم يومٌ؛ لأن
يراني أحبّ إليه من أن يكون له مثل أهله وماله، ثم لا يراني))؛ أي: رؤيته
إياي أفضل عنده، وأحظى من أهله وماله، هذا كلام القاضي.
والظاهر أن قوله في تقديم: لأن يراني، وتأخير: من أهله لا يراني، كما
قال، وأما لفظة ((معهم)) فعلى ظاهرها، وفي موضعها، وتقدير الكلام: يأتي
على أحدكم يومٌ؛ لأن يراني فيه لحظةً، ثم لا يراني بعدها، أحبّ إليه من أهله
وماله جميعاً .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أن التقديم والتأخير
في قوله: ((لأن يراني))، وقوله: ((ثم لا يراني)) غير واضح من كلام أبي

٦٩
(٣٩) - بَابُ فَضْلِ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَّهِ، وَتَمَنِّهِ - حديث رقم (٦١١١)
إسحاق، بل ظاهر من كلامه أن التأخير في قوله: ((معهم))، فتنبّه.
وقد عرفت فيما أسلفته أنه لا داعي لدعوى التقديم والتأخير أصلاً، بل
إنما يحتاج لتقدير لفظة: ((مثل))، كما هو نصّ ((الصحيفة))؛ أي: من مثل أهله
وماله، فيصحّ على هذا معنى قوله: ((معهم))؛ أي: يكون له مع أهله وماله
مثلهم، فصحّ المعنى بلا تقديم، ولا تأخير، والله تعالى أعلم.
قال النوويّ: ومقصود الحديث حثّهم على ملازمة مجلسه الكريم،
ومشاهدته حضراً وسفراً؛ للتأدب بآدابه، وتعلّم الشرائع، وحفظها؛ ليبلّغوها،
وإعلامهم أنهم سيندمون على ما فَرّطوا فيه من الزيادة من مشاهدته، وملازمته،
ومنه قول عمر ظه: ((ألهاني عنه الصّفق بالأسواق))، والله أعلم. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: (والذي نفس محمد بيده! ليأتين ... إلخ)) كذا
صحيح الرواية، ومعنى هذا الحديث: إخباره وَ ل﴿ بأنه إذا فُقِد تغيَّرت الحال
على أصحابه من عدم مشاهدته، وفُقد عظيم فوائدها، ولِما طرأ عليهم من
الاختلاف والمحن، والفتن، وعلى الجملة: فساعةً موته و ﴿ اختَلَفت الآراء،
ونجمت الأهواء، وكاد النظام ينحلّ لولا أن الله تبارك وتعالى تداركه بثاني
اثنين، وأهل العَقْد والحلّ، وقد عبّر الصحابة عند مبدأ ذلك التغيُّر لنا بقولهم:
((ما سوّينا التراب على رسول الله وَ ﴿ل حتى أنكرنا قلوبنا))، فكلما حصل واحدٌ
منهم في كربة من تلك الكرب، ودَّ أنه رأى رسول الله وَله بكل ما معه، من
أهل، ومال، ونَشَب(٢)، وذلك لتذكره ما فات من بركات مشاهدته، ولِمَا
حَصَل بعده من فساد الأمر، وتغيُّر حالته، والله أعلم. انتهى (٣).
وفي رواية البخاريّ: ((ليأتينّ على أحدكم زمان؛ لأن يراني أحبّ إليه من
أن يكون له مثل أهله، وماله)).
قال في ((الفتح)): قال عياض: وقد وقع للجميع: ((ليأتين على أحدكم))،
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٨/١٥ - ١١٩.
(٢) ((النَّشَبُ)) - بفتحتين - قيل: العقار، وقيل: المال والعقار، قاله في ((المصباح)) ٢/
٦٠٥.
(٣) («المفهم)) ٦/ ١٧٥.

٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
لكن وقع لأبي زيد المروزيّ في عرضة بغداد: ((أحدهم)) بالهاء، والصواب
بالکاف، كذا أخرجه مسلم. انتهى.
وقال ما حاصله: والحديث يدخل في علامات النبوة؛ لإخباره وَيُ فيه
عما يقع، فوقع كما قال، فإن كل أحد من الصحابة ﴿ه بعد موته وَالر كان يودّ
لو كان رآه، وفَقَد مثل أهله وماله، وإنما قلت ذلك: لأن كل أحد ممن بعدهم
إلى زماننا هذا يتمنى مثل ذلك، فكيف بهم؟ مع عظيم منزلته عندهم، ومحبتهم
فيه. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١١١/٣٩] (٢٣٦٤)، وسيأتي له في ((كتاب
الجنّة)) (٢٨٣٢) بلفظ: ((من أشدّ أمتي لي حبّاً ناس، يكونون بعدي، يودّ
أحدهم لو رآني بأهله، وماله))، و(البخاريّ) في ((المناقب)) (٣٥٨٩)، و(همام بن
منبّه) في ((صحيفته)) (٣٥/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٤٩/٢ و٥٠٤)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٦٧٦٥)، و(البيهقيّ) في ((الدلائل)) (٥٣٦/٦)، و(البغويّ)
في ((شرح السُّنَّة)) (٣٨٤٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة) في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل رؤية النبيّ وَلهر، ومشاهدة ذاته الشريفة؛ إذ في
ذلك خير كثير، من لذّة النظر في وجهه الشريف، واغتنام نزول الرحمة في
مجلسه، والاقتباس من هديه، وتعلّم الكتاب والسُّنَّة، وتلقّي حديثه غضّاً طريّاً
دون أن يكون هناك واسطة، أو أكثر، وغير ذلك من أصناف الخيرات.
٢ - (ومنها): بيان فضل تمنّي رؤيته وَّ بعد موته، وأن ذلك دليل على
صدق محبته، وشدّتها، كما قال في النصّ الماضي: ((من أشدّ أمتي لي حبّاً
ناسٌ، يكونون بعدي، يودّ أحدهم لو رآني بأهله، وماله)).
(١) ((الفتح)) ٢٦٧/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨٩).

٧١
(٤٠) - بَابُ فَضَائِلِ عِيسَى علا - حديث رقم (٦١١٢)
٣ - (ومنها): بيان أن ما يعطاه الإنسان من الأهل والمال وغير ذلك من
أصناف نعيم الدنيا دون رؤية النبيّ ◌َ ﴿ منزلةً؛ لأن هذه الأشياء نِعَمٌ فانية زائلة،
وأما رؤيته ◌َل﴿ ففيها الفوز الدائم، والنعيم المقيم؛ لأنها موصلة إلى جنات
النعيم، نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يرزقنا حبه وَله حبّاً
صادقاً يجمعنا معه في الفردوس الأعلى، إنه بعباده رؤوف رحيم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٠) - (بَابُ فَضَائِلِ عِيسَى عِلَّا)
قال الجامع عفا الله عنه: إنما قدّم المصنّف تَُّ أحاديث فضائل
عيسى ظلّا على أحاديث إبراهيم ظلَّلا، مع أنه متأخّر عنه؛ عملاً بقوله وَالآتى:
((أنا أولى الناس بابن مريم))، فأولويّته وَّه به تقتضي أن يقدَّم على غيره حتى في
الذِّكر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَفُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١١٢] (٢٣٦٥) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، الأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ،
وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه
عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [٣] (ت٩٤ أو ١٠٤) وكان مولده سنة
بضع وعشرين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبله بباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تََّثُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصریین،
والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة
على بعض الأقوال، وفيه أبو هريرة رضيُه سبق القول فيه في السند الماضي.

٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَخْبَرَهُ)؛ أي: ابنَ شهاب، (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ◌َُّبُهُ (قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَِّ يَقُولُ: ((أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ)؛ أي: بعيسى ابن
مريم بالشّه؛ أي: أخصّ الناس به، وأقربهم إليه؛ لأنه بَشَّر بأنه يأتي من بعدي
رسول اسمه أحمد، وقيل: لأنه لا نبيّ بينهما، فكأنهما كانا في زمن واحد(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((أنا أولى الناس بابن مريم)) في رواية
عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة: (بعيسى ابن مريم في الدنيا
والآخرة))؛ أي: أَخَصّ الناس به، وأقربهم إليه؛ لأنه بَشَّر بأنه يأتي من بعده،
قال الكرمانيّ (٢): التوفيق بين هذا الحديث، وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ
بِإِنَّهِيمَ لَلَّذِينَ أَنَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ﴾ الآية [آل عمران: ٦٨] أن الحديث وارد في
كونه وَسلّ متبوعاً، والآية واردة في كونه تابعاً.
وتعقّبه الحافظ، فقال: كذا قال، ومساق الحديث كمساق الآية، فلا
دليل على هذه التفرقة، والحقّ أنه لا منافاة لِيُحتاج إلى الجمع، فكما أنه أولى
الناس بإبراهيم، كذلك هو أولى الناس بعيسى، ذاك من جهة قُوّة الاقتداء به،
وهذا من جهة قوّة قرب العهد به. انتهى (٣).
(الأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ) بفتح العين المهملة، وتشديد اللام، وفي آخره تاء
مثناة من فوقُ، وهم الإخوة لأب، من أمهات شَتّى، كما أن الإخوة من الأمّ
فقط، أولاد أخياف، والإخوة من الأبوين أولاد أعيان، ومعناه أن أصولهم
واحدة، وفروعهم مختلفة؛ يعني: أنهم متفقون فيما يتعلق بالاعتقاديات المسماة
بأصول الديانات؛ كالتوحيد، وسائر مسائل علم الكلام، مختلفون فيما يتعلق
بالعمليات، وهي الفقهيات، ويقال: سُميت أولادُ الرجل من نسوة شتّى: إخوة
عَلّات؛ لأنهم أولاد ضرائر، والعلات: الضرائر، وقيل: لأن التي تزوجها على
(١) ((عمدة القاري)) ٣٦/١٦.
(٢) ((شرح صحيح البخاريّ)) للكرمانيّ ١٤/ ٨٤.
(٣) ((الفتح)) ٨٣/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٤٣).

٧٣
(٤٠) - بَابُ فَضَائِلِ عِيسَى عَ﴿ - حديث رقم (٦١١٢)
الأُولى كانت قبلها، ثم عَلَّ من هذه، والْعَلَل: الشرب الثاني، يقال: عَلَلٌ بعد
نَهَلٍ، قاله في ((العمدة)»(١).
وقال في ((المشارق)): أصله البنون ليسوا لأم واحدة، والعَلَّة بالفتح:
الضَّرَّة، يريد أنهم في أزمان متباينة، بعضهم عن بعض، وقد فَسَّر ذلك بقوله:
((أمهاتهم شتى، ودينهم واحد))، وقد قال: ((أنا أولى الناس بعيسى، ليس بيني
وبينه نبيّ))، فأشار أن قرب زمنه كأنه جَمَعه وإياه حتى صار كالبطن الواحد؛ إذ
لم يكن بينه وبينه نبيّ، وافتراق أزمان الآخَرين كالبطون الشتى، والدين واحد؛
كالأب الواحد. انتهى (٢).
وقال ابن منظور تَخْدَهُ(٣): معناه: أنهم لأمهات مختلفة، ودينهم واحد،
كذا في ((التهذيب))، وفي ((النهاية)) لابن الأثير: أراد أن إيمانهم واحد،
وشرائعهم مختلفة، ومنه حديث عليّ رُه: يتوارث بنو الأعيان من الإخوة،
دون بني العلات؛ أي: يتوارث الإخوة للأم والأب، وهم الأعيان، دون
الإخوة للأب، إذا اجتمعوا معهم، قال ابن بَرّيّ: يقال لبني الضرائر: بنو
علات، ويقال لبني الأم الواحدة: بنو أم، ويصير هذا اللفظ يُستعمل للجماعة
المتفقين، وأبناء علات يُستعمل في الجماعة المختلفين، قال عبد المسيح [من
البسيط]:
أَنْ قَدْ أَقَلَّ فَمَجْفُؤٌّ وَمَحْفُورُ
وَالنَّاسُ أَبْنَاءُ عَلَّاتٍ فَمَنْ عَلِمُوا
فَذَاكَ بِالْغَيْبِ مَحْفُوظٌ وَمَنْصُورُ:
وَهُمْ بَنُو أُمِّ مَنْ أَمْسَى لَهُ نَشَبٌ
وقال آخر [من البسيط]:
أَفِي الْوَلَائِمْ أَوْلَاداً لِوَاحِدَةٍ وَفِي الْمَآتِمِ أَوْلَاداً لِعَلَّاتِ
وقال الفّوميّ كَُّ(٤): وهم بَنُو عَلّاتٍ: إذا كان أبوهم واحداً، وأمهاتهم
شتى، الواحدة عَلَّةٌ، مثلُ جّات وجنّة، قيل: مأخوذ من العَلَلِ، وهو الشرب
بعد الشرب؛ لأن الأب لمّا تزوج مرة بعد أخرى، صار كأنه شَرِبَ مرة بعد
أخرى، قال الشاعر [من البسيط]:
(١) ((عمدة القاري)) ٣٦/١٦.
(٣) ((لسان العرب)) ١١/ ٤٧٠.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٨٣/٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٢٦/٢.

٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
أَفِي الوَلائِم أَوْلادَاً لِوَاحِدَةٍ وَ فِي الْعِبَادَةِ(١) أَوْلاداً لِعَلَّاتِ
وأولاد الأعيان أولاد الأبوين، وأولاد الأخياف عكس العلات، وقد
جمعت ذلك، فقلت [من الكامل]:
فَهُمُ الَّذِينَ يَضُمُّهُمْ أَبَوَانِ
وَمَتَى أَرَدْتَ تَمَيُّزَ الأَعْيَانِ
وَبِعَكْسِهِ العَلَّاتُ يَفْتَرِقَانِ
أَخْیَافُ أُمِّ لَيْسَ یَجْمَعُهُمْ أَبٌّ
وقال في ((الفتح)): قوله: ((والأنبياء أولاد علات)) في رواية عبد الرحمن
المذكورة: ((والأنبياء إخوة لعلات))، والعلات، بفتح المهملة: الضرائر، وأصله
أن من تزوج امرأة، ثم تزوج أخرى كأنه عَلَّ منها، والْعَلَلُ الشرب بعد
الشرب، وأولاد العلات: الإخوة من الأب، وأمهاتهم شتى، وقد بيّه في رواية
عبد الرحمن فقال: ((وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد))، وهو من باب التفسير؛
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوْعًا ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُعًا (٣) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ
مَنُوعًا
[المعارج: ١٩ - ٢١].
ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع
الشرائع، وقيل: المراد أن أزمنتهم مختلفة(٢).
(وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٍّ))) هذا أورده كالشاهد لقوله: ((إنه أقرب الناس
إليه))، ووقع في رواية عبد الرحمن بن آدم: ((وأنا أَولى الناس بعيسى؛ لأنه لم
يكن بيني وبينه نبيّ))، واستدل به على أنه لم يُبعث بعد عيسى أحد إلا نبينا وَّةِ،
وفيه نظرٌ؛ لأنه ورد أن الرسل الثلاثة الذين أُرسلوا إلى أصحاب القرية
المذكورة قصتهم في سورة (يس) كانوا من أتباع عيسى، وأن جرجيس،
وخالد بن سنان كانا نبيين، وكانا بعد عيسى.
والجواب: أن هذا الحديث يضعّف ما ورد من ذلك، فإنه صحيح بلا
تردد، وفي غيره مقال، أو المراد أنه لم يُبعث بعد عيسى نبي بشريعة مستقلة،
وإنما بُعث بعده من بُعث بتقرير شريعة عيسى.
قال الحافظ: وقصة خالد بن سنان أخرجها الحاكم في ((المستدرك)) من
(١) تقدّم عن ((اللسان)) بلفظ: ((وفي المآتم)).
(٢) ((الفتح)) ٨٣/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٤٣).

٧٥
(٤٠) - بَابُ فَضَائِلِ عِيسَى عُلا - حديث رقم (٦١١٣)
حديث ابن عباس، ولها طُرُقٌ جمعتها في ترجمته في كتابي في الصحابة.
(١)
انتھی(١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفق عليه .
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١١٢/٤٠ و٦١١٣ و٦١١٤] (٢٣٦٥)، و(البخاريّ)
في «الأنبياء)) (٣٤٤٣)، و(أبو داود) في ((سننه)) (٢١٨/٤)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣١٩/٢ و٤٣٧ و٤٨٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٩٤ و٦٤٠٦)، و(همّام بن
منبّه) في ((صحيفته)) (١٣٤)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (١٧٥/٤ و٢٨٩)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٦١٩)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْذُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١١٣] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عُمَرُ بْنُ
سَعْدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى، الأَنْبِيَاءُ أَبْنَاءُ عَلَّاتٍ (٢)،
وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيسَى نَبِيٌّ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبيد الْحَفَريّ - بفتح المهملة، والفاء -:
نسبة إلى موضع بالكوفة، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت٢٠٣) (م ٤) تقدم في ((النكاح))
٠٣٤٩٨/١٥
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، وكان ربما دلس، من رؤوس الطبقة [٧] (ت١٦١)
وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
(١) ((الفتح)) ٨٣/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٤٣)، و((عمدة القاري)) ٣٦/١٦.
(٢) وفي نسخة: ((أولاد علّات)).

٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ،
ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠)، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٥ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن
الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (الأَنْبِيَاءُ أَبْنَاءُ عَلَّاتٍ)، وفي بعض النسخ: ((أولاد علّات)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسألتاه في الحديث الماضي،
ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١١٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ الهِ نَّهِ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي
الأُولَى وَالآخِرَةِ))، قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ،
وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٍّ)).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه تقدّم في الباب الماضي.
وقوله: (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ)؛ أي: أخصّ، وأقرب،
وأقعد؛ كقوله وَلّى: ((فَلِأَّولى عصبة))؛ أي: لأقرب، وأحقّ.
وقوله: (فِي الأُولَى)؛ أي: في الدنيا؛ لأنه لا نبيّ بينهما.
وقوله: (وَالآخِرَةِ)؛ أي: لأنه ليس بينهما أحد أيضاً، ولذا جاء في
حديث الشفاعة قول عيسى عليّ: ((ولكن ائتوا محمداً وَطير ... )) الحديث؛ لأنه
ليس بينهما نبيّ.
وقوله: (قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) قال القرطبيّ تَخُّْهُ: هذا سؤال عن
وجه الأولوية، فقال في الجواب: ((الأنبياء إخوة من عَلَّات، أُمَّهاتهم شتى،
ودينهم واحد، وليس بيني وبينه نبيّ))، وفي لفظ آخر: ((أولاد عَلَّات)). وفي
((الصحاح)): بنو العلَّات: هم أولاد الرجل من نسوة شتى، سميت بذلك لأن
الذي يتزوجها على أولى كانت قبلها، ثم علَّ من هذه، والعَلَلُ: الشرب

٧٧
(٤٠) - بَابُ فَضَائِلِ عِيسَى عَل ـ حديث رقم (٦١١٥)
الثاني. يقال: عَلَلٌ بعد نَهَلِ، وعَلّه يعله: إذا سقاه السَّقية الثانية، وقال غيره:
سُمُّوا بذلك لأنهم أولاد ضَرائر، والعلَّات الضرائر. وشتّى: مختلفون، ومنه
قوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَقَّىَ﴾ [الحشر: ١٤].
وقال القاضي أبو الفضل عياض: معناه: أن الأنبياء مختلفون في
أزمانهم، وبعضهم بعيد الوقت من بعض، فهم أولاد علَّات؛ إذ لم يجمعهم
زمان واحد، كما لم يجمع أولاد العلَّات بطن واحد، وعيسىلعلها لما كان
قريب الزمان منه ◌ّية، ولم يكن بينهما نبي، كانا كأنهما في زمان واحد، فكانا
بخلاف غيرهما .
قال القرطبيّ: هذا أشبه ما قيل في هذا الحديث، ويستفاد منه: إبطال
قول من قال: إنه كان بعد عيسى ظلَّلا أنبياء ورسل، فقد قال بعض الناس: إن
الحواريين كانوا أنبياء، وأنهم أرسلوا إلى الناس بعد عيسى، وهو قول أكثر
النصارى. انتهى(١).
وقوله: (وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ)؛ أي: هم متفقون في توحيدهم، وأصول أديانهم،
وطاعتهم لله تعالى، واتباعهم لشرائعه، والقيام بالحق، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ
لَكُم مِّنَ اُلْذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣]، ولم يُرِد فروع الشرائع؛
فإنَّهم مختلفون فيها كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةُ وَمِنْهَاجَأَ﴾ الآية
[المائدة: ٤٨].
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١١٥] (٢٣٦٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى،
عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((مَا
مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ، إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ، إِلَّ ابْنَ
مَرْبَمَ، وَأُمَّهُ))، ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ
الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]).
(١) ((المفهم)) ١٧٥/٦ - ١٧٦.

٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَعِيدٌ) بن المسيِّبِ بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن
عمران بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات
الفقهاء الكبار، اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا
أعلم في التابعين أوسع علماً منه، من كبار [٣] مات بعد التسعين، وقد ناهز
الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
والباقون تقدّموا قريباً، و((عبد الأعلى)) هو: ابن عبد الأعلى الساميّ
البصريّ، و((معمر)) هو: ابن راشد.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف نَّتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن
المسيِّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة رضيبه أحفظ من روى الحديث في
دهره .
شرح الحديث:
(عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ)، وفي رواية للبخاريّ: ((عن الزهريّ قال:
حدّثني سعيد بن الْمُسَيِّب))، قال في ((الفتح)): كذا قال أكثر أصحاب الزهريّ،
وقال السديّ: عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أخرجه الطبريّ(١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ)، وفي رواية
البخاريّ: ((ما من بني آدم مولود إلا يسمّه الشيطان حين يولد)).
قال الطيبيّ كَّلُ: ((ما)) بمعنى: ((ليس)) بطل عمله بتقديم الخبر على
المبتدأ، و((إلا)) لغوٌ؛ لأن الاستثناء مفرّغ، والمستثنى حال من الضمير المستتر
في الظرف، والوجه أن يقال: ((مولود)) فاعلُ الظرف؛ لاعتماده على حرف
النفي، والمستثنى منه أعمّ عامّ الوصف؛ يعني: ما وُجد من بني آدم مولودٌ
متّصفٌ بشيء من الأوصاف إلا بهذا الوصف، كأنه وَ لم يردّ من زعم أن بعض
بني آدم مثل الأنبياء، والأولياء المخلصين لا يمسّه الشيطان، فهو من باب قَصْر
(١) ((الفتح)) ٥٢/٨، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٤٣١).

٧٩
(٤٠) - بَابُ فَضَائِلِ عِيسَى نعلا - حديث رقم (٦١١٥)
القلب، وفي التصريح بالصُّراخ إشارة إلى أن المسّ عبارة عن إصابة ما يؤذيه،
ويؤلمه، لا كما زعمت المعتزلة أن مسّ الشيطان تخييلٌ، واستهلاله صارخاً من
مسّه تصوير لِطَمَعه فيه، كأنه يمسّه، ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممن
أُغویه.
وأما قول ابن الروميّ:
يَكُونُ بُكَاءُ الطَّفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ
لَمَّا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا
بِمَا هُوَ لَاقٍ مِنْ أَذَاهَا يُهَدَّدُ
إِذَا أَبْصَرَ الدُّنْيَا اسْتَهَلَّ كَأَنَّهُ
لِأَوْسَعُ مِمَّا كَانَ فِيهِ وَأَرْغَدُ
وَإِلَّ فَمَا يُبْكِيهِ مِنْهَا وَإِنَّهُ
فمن باب حسن التعليل، فلا يستقيم تنزيل الحديث عليه، على أنه لا
(١)
ينافيه. انتهى
قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن الروميّ هذا لا يخفى كونه خلاف
الحديث، وما حَمَله عليه إلا جهله بالحديث، على أنه يمكن حَمْل ما قاله على
لسان الحال، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((ما من مولود))، وكذا: ((كلُّ مولود)) ظاهرٌ
قويّ في العموم والإحاطة، ولَمّا استَثنَى منه مريم وابنها التحق بالنصوص،
فأفاد هذا أن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء، والأولياء، إلا مريم
وابنها، وإن لم يكن كذا بطلت الخصوصية بهما، ولا يُفهم من هذا أن نخس
الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس، وإغواؤه؛ فإنَّ ذلك فاسد، فكم قد تعرض
الشيطان للأنبياء، والأولياء بأنواع الإفساد، والإغواء، ومع ذلك يعصمهم الله
تعالى مما يرومه الشيطان، كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانْ﴾ الآية
[الإسراء: ٦٥]، هذا، مع أن كل واحد من بني آدم قد وُكِّل به قرينُه من
الشياطين، كما قال رسول الله وَّر، وعلى هذا فمريم وابنها - وإن عُصما من
نخسه - فلم يُعصما من ملازمته لهما، ومقارنته، وقد خصَّ الله تعالى نبينا وَله
بخاصيّة كَمَّل عليه بها إنعامه بأن أعانه على شيطانه، حتى صحَّ إسلامه، فلا
يكون عنده شرٌّ، ولا يأمره إلا بخير، وهذه خاصَّة لم يؤتها أحدٌ غيره، لا
(١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٢/ ٥٢٢.

٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
عيسى، ولا أمه، وفي غير كتاب مسلم: ((فذهب الشيطان ليطعن في خاصرته،
فطَعَن في الحجاب))(١)؛ أي: في الحجاب الذي حُجِب به عيسى وَّ، فإمَّا
حجاب مهده، وإما حجاب بيته. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(٢).
(إِلَّا نَخَسَهُ) بنون وخاء معجمة، ثم سين مهملة؛ أي: طعنه (الشَّيْطَانُ)
يقال: نخَستُ الدابّة نخساً، من باب نصر: طعنته بعود أو نحوه، فهاج،
والفاعل: نخّاس مبالغةٌ، ومنه قيل لدلّال الدوابّ ونحوها: نخّاس(٣).
(فَيَسْتَهِلُّ)؛ أي: يصيح، ويرفع صوته، وقوله: (صَارِخاً) حال مؤكّد، كما في
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، قال في ((الخلاصة)):
فِي نَحْوِ («لَا تَعْثُ فِي الأَرْضِ مُفْسِدًا»
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا
وقال المناويّ تَخُّْهُ: ((فيستهل))؛ أي: يرفع المولود صوته صارخاً؛ أي:
باكياً، والصُّرَاخ: الصوت، والمراد هنا البكاء؛ أي: فسبب صُراخه أوّلَ ما
يولد من ألم مسّ الشيطان بإصبعه حالتئذ، وهذا مطّرد في كل مولود، غير مريم
بنت عمران الصديقة بنص القرآن، وابنها رُوح الله عيسى، فإنه ذهب ليطعن،
فطعن في الحجاب الذي هو الْمَشِيمة، وهذا الطعن ابتداء التسلط، فحُفظ منه
مريم، وابنها ببركة قول أمها: ﴿أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾
(٤)
[آل عمران: ٣٦]. انتهى"
وقوله: (مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ) تعليل لاستهلاله صارخاً؛ أي: إنما يستهلّ
صارخاً من أجل تألّمه بسبب طعنة الشيطان له، قال القرطبيّ تَظُّهُ: يعني به:
أول وقت الولادة حين يستهل أوَّل استهلال، بدليل قوله في الرواية الأخرى:
(يوم يولد))؛ أي: حين يولد، والعرب قد تُطلق اليوم، وتريد به الوقت والحين،
كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَ يَلْبَثُوا﴾ الآية [الأحقاف: ٣٥]؛ أي:
حين يرون، كما تقدَّم في الحديث قبل هذا: ((ليأتين على أحدكم يوم لا
يراني))؛ أي: زمن ووقت، وهو كثير، وكأنّ النَّخس من الشيطان إشعارٌ منه
(١) رواه البخاريّ (٣٢٨٦)، وأحمد في ((مسنده)) ٥٢٣/٢.
(٢) ((المفهم)) ١٧٨/٦.
(٤) ((فيض القدير)) ٤٧٥/٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٩٦/٢.