النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ وَهُ، وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَ الِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٥)
وقال في ((العمدة)): قوله: ((عائذاً بالله)) على وزن فاعل مصدر؛ لأن
المصدر قد يجيء على هذا الوزن، كما في قولهم: عافاه الله عافيةً، فعلى هذا
انتصابه على المصدرية، تقديره: أعوذ عائذاً بالله؛ أي: أعوذ عياذاً بالله،
ويجوز أن يكون ((عائذاً)) على بابه، ويكون منصوباً على الحال، وذو الحال
محذوف، تقديره: أعوذ حال كوني عائذاً بالله، ورُوي ((عائذٌ بالله)) بالرفع، على
أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أنا عائذ بالله. انتهى(١).
(مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ) - بضم السين المهملة، بعدها واو، ثم همزة -
وللكشميهنيّ(٢) (شَرّ)) بفتح المعجمة وتشديد الراء، وإضافة السوء إلى الفتن
بمعنى ((من))، ويَحْتَمِل أن يكون من إضافة الصفة للموصوف؛ أي: الفتن
السوء، قال المجد تَظْهُ: ساءَهُ سَوْءاً، وسَوَاءً، وسَوَاءَةً، وسَوَايَةً، وسَوَائِيَةً،
ومَسَاءَةً، ومَسَائِيَةً - مَقْلُوباً وأَضْلُهُ: مَسَاوِئَةً - ومَسَايَةً، ومَسَاءً، ومَسَائِيَّةً: فَعَلَ به
ما يَكْرَهُ، فاسْتَاءَ هو، والسُّوءُ بالضم: الاسْمُ منه، قال: ولا خَيْرَ في قَوْلِ
السَّوْءِ بالفتح، والضم، إذا فَتَحْتَ فَمَعْنَاه: في قَوْلٍ قَبيح، وإذا ضَمَمْتَ،
فمعناه: في أَنْ تَقُولَ سُوءاً، وقُرِىء: ﴿عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءٍ﴾ [التوبة: ٩٨]
بالوَجْهَيْن؛ أي: الهَزِيمةِ، والشَّرِ، والرَّدَى، والفَسَادِ، وكذا: ﴿أَمْطِرَتْ مَطَرَ
السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠]، أو المَضْمُومُ: الضَّرَرُ، والمَفْتُوحُ: الفَسَادُ، والنَّارُ، ومنه:
﴿ثُزَ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَ﴾ [الروم: ١٠] في قِرَاءَةٍ. انتهى(٣).
قال القرطبيّ كَّتُهُ: قول عمر ظه: ((رضينا بالله ربّاً ... إلخ)) كلام
يقتضي إفراد الحقّ بما يجب له تعالى من الربوبية، ولرسوله صل * من الرسالة
اليقينية، والتسليم لأمرهما، وحُكمهما بالكلية، والاعتراف لدين الإسلام بأنه
أفضل الأديان، وإنما صدَّر عمر ◌َبه كلامه بنون الجمع؛ لأنه متكلِّم عن
نفسه، وعن كل من حضر هنالك من المسلمين. انتهى(٤).
وقال القرطبيّ كَُّ أيضاً: قوله: ((عائذٌ بالله من الفتن)) كذا صحّت الرواية
(١) ((عمدة القاري)) ٧٨/٧ - ٧٩.
(٢) أي: عند البخاريّ، لا عند مسلم، فتنبّه.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٥٤/١.
(٤) ((المفهم)) ٦/ ١٦٢.

٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
((عائذٌ)) بالرفع؛ أي: أنا عائذ؛ أي: مستجير، والفتن: جمع فتنة، وقد تقدَّم أن
أصلها الاختبار، وأنها تنصرف على أمور متعددة، ويعني بها هنا: المحن،
والمشقات، والعذاب، ولذلك قال: ((من سوء الفتن))؛ أي: من سيئها،
ومكروهها، ولما قال ذلك عمر نظراته، وضَمَّ إلى ذلك قوله: ((إنا نتوب
إلى الله))؛ كما جاء في الرواية الأخرى، سكن غضب رسول الله وَلقول، ثم أخذ
يُحدِّثهم بما أطلعه الله عليه من أمور الآخرة، فقال: ((لم أر كاليوم قطّ في
الخير والشر)) هذا الكلام محمول على الحقيقة، لا التوسع، والمجاز: فإنَّه لا
خير مثل خير الجنَّة، ولا شرَّ مثل شرِّ النار. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): إنما قال عمر ظله ذلك؛ إكراماً لرسول الله وَالقول،
وشفقةً على المسلمين؛ لئلا يؤذوا النبيّ وَّ بالتكثير عليه، وفيه أن غضب
رسول الله وَ﴿ ليس مانعاً عن القضاء؛ لكماله، بخلاف سائر القضاة، وفيه فَهْمُ
عمر نظره، وفضل علمه؛ لأنه خَشِي أن تكون كثرة سؤالهم كالتعنت له، وفيه
أنه لا يُسأل العالم إلا عند الحاجة. انتهى(٢).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((لَمْ أَرَ كَالْيَوْم)؛ أي: مثل هذا اليوم (قَطُّ)؛ أي:
في الزمان الماضي، قال القرطبيّ كَثْثُهُ: («قطّ)): هي الظرفية الزمانية، ورويناها
مفتوحة القاف، مضمومة الطاء مشدّدة، وهي إحدى لغاتها، وتقال بالتخفيف،
وتقال بضمّ القاف على إتباع حركتها لحركة الطاء، وذلك مع التشديد،
والتخفيف، فأمَّا ((قَظْ)) بمعنى: حَسْبُ، فبتخفيف الطاء، وسكونها، وقد تزاد
عليها نون بعدها، فيقال: قَطْني، وقد تحذف النون، فيقال: قطي، وقد تحذف
الياء، فيقال: قَطِ، بكسر الطاء، وقد تبدل من الطاء دال مهملة، فيقال: قد،
ويقال على تلك الأوجه كلها، كله من ((الصحاح)). انتهى(٣).
(فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، إِنِّي صُوِّرَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: مُثّلت (لِيَ الْجَنَّةُ
وَالنَّارُ، فَرَأَيْتُهُمَا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ)))؛ يعني: بينه وبين الحائط الذي أمامه وَله .
وقال القرطبيّ كَّثُهُ: قوله: ((صوّرت لي الجنة والنار فرأيتهما دون هذا
(١) «المفهم)) ٦/ ١٦٢.
(٣) («المفهم)) ٦/ ١٦٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣١١/٢٢.

٤٣
(٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ وَّهِ، وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٦)
الحائط))، وفي الرواية الأخرى: ((لقد عُرضت عليّ الجنة والنار آنفاً في عُرْض
هذا الحائط))، وفي البخاري في هذا الحديث: ((لقد رأيت الآن - منذ صليت
لكم الصلاة - الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار)) ظاهر هذه الروايات
- وإن اختلفت ألفاظها -: أنه ** رأى مثال الجنة والنار في الجدار الذي
استقبله، مصوَّرتين فيه، وهذا لا إحالة فيه، كما تتمثل المرئيات في الأجسام
الصقيلة .
يبقى أن يقال: فالحائط ليس بصقيل، ويجاب بأن اشتراط الصقالة في
ذلك ليس بشرط عقليّ، بل عاديّ، وذلك محل خرق العادة، ووقتها، فيجوز
أن يمثّلها الله تعالى فيما ليس بصقيل، هذا على مقتضى ظاهر هذا الحديث،
وأما على مقتضى ظاهر أحاديث الكسوف، فيكون رآهما حقيقة، ومَدَّ يده ليأخذ
قطفاً من الجنة، ورأى النار، وتأخر مخافة أن يصيبه لَفْحها، ورأى فيها فلاناً،
وفلانة، وبمجموع الحديثين تَحَصَّل أن الله تعالى أطلع نبيَّه وَل ◌َ على الجنة
والنار مرتین :
إحداهما: في صلاة الكسوف اطّلاعَ رؤية، كما فصلناه في الكسوف.
وثانيتهما: هذه الاطلاعة، وكانت في صلاة الظهر، كما قد جاء في
الرواية التي سبقت، أنه * خرج حين زاغت الشمس، فصلَّى لهم صلاة
الظهر، فلما سلم قام على المنبر، فذكر الساعة ... الحديث، وذكر نحو ما
تقدَّم. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قريباً، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٠٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي:
ابْنَ الْحَارِثِ - (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا
عَنْ هِشَامٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي،
قَالَا جَمِيَّعاً: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ).
(١) ((المفهم)) ١٦٣/٦ - ١٦٤.

٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
رجال هذا الحديث: عشرة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) هو: يحيى بن حبيب بن عربيّ البصريّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) وقيل: بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بن عثمان الْعَبْدِيّ، أبو بكر البصريّ الملقّب بُنْدار،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٢) وله بضع وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، وقد
يُنسب لجدّه، وقيل: هو إبراهيم، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على
الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
٥ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبَر بوزن جعفر، أبو بكر البصريّ
الدستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) وله ثمان
وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٦ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) هو: عاصم بن النضر بن المنتشر الأحول
التيميّ، أبو عُمَر البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ
[١٠] (م د س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٢٦/ ١٣٥٠.
٧ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلَقَّب بالطفيل، ثقةٌ،
من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.
٨ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزَل في بني تيم،
فنُسِب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت١٤٣) وهو ابن سبع وتسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام) الضمير لخالد بن الحارث، ومحمد بن أبي
عديّ؛ يعني: أنهما رويا هذا الحَديث عن هشام الدستوائيّ.
وقوله: (قَالَا جَمِيعاً) الضمير لهشام الدستوائيّ، وسليمان التيميّ؛ يعني:
أنهما رويا هذا الحديث عن قتادة، عن أنس قائه.
[تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ عن قتادة ساقها البخاريّ ◌َُّ في
(صحیحه))، فقال:

٤٥
(٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ وَّهِ، وَتَرْكُ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٧)
(٦٦٧٨) - حدّثنا معاذ بن فَضَالة، حدّثنا هشام، عن قتادة، عن أنس.
قال: ((سألوا النبيّ وَل حتى أَحْفَوه بالمسألة، فَصَعِد النبيّ ◌َّ ذات يوم المنبر،
فقال: ((لا تسألوني عن شيء، إلا بيَّنت لكم))، فجعلت أنظر يميناً وشمالاً، فإذا
كلُّ رجل رأسه في ثوبه، يبكي، فأنشأ رجل كان إذا لاحى يُدْعَى إلى غير أبيه،
فقال: يا نبي الله، من أبي؟ فقال: ((أبوك حذافة))، ثم أنشأ عمر، فقال: رضينا
بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، نعوذ بالله من سوء الفتن، فقال
النبيّ ◌َّ: ((ما رأيت في الخير والشرّ كاليوم قطّ، إنه صُوِّرت لي الجنة والنار،
حتى رأيتهما دون الحائط))، قال: فكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾)). انتهى(١).
،
ورواية سليمان التيميّ عن قتادة ساقها ابن حبّان ◌َُّ في ((صحيحه))،
فقال :
(٦٤٢٩) - أخبرنا الحسن بن سفيان، حدّثنا عاصم بن النضر، حدّثنا
معتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي، حدّثنا قتادة، عن أنس بن مالك، أن
النبيّ وَّرَ سئل، حتى أحفوه بالمسألة، فقال: ((سلوني، فوالله لا تسألوني عن
شيء إلا بيّنته لكم))، قال: فَأَرَمَّ القومُ، وخَشُوا أن يكون بين يدي أمر عظيم،
قال أنس: فجعلنا نلتفت يميناً وشمالاً، فلا أرى كل رجل إلا قد دَسَّ رأسه في
ثوبه يبكي، وجعل رسول الله وَلو يقول: ((سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء
إلا بيّنته لكم))، فقام رجل من ناحية المسجد، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال:
((أبوك حذافة))، فقام عمر بن الخطاب ظه، فقال: يا نبيّ الله رضينا بالله ربّاً،
وبالإسلام ديناً، وبمحمد بَله رسولاً، نعوذ بالله من شر الفتن، فقال نبيّ الله وَلّ:
((ما رأيت من الخير والشرّ كاليوم قطّ؛ إنها صُوِّرت لي الجنة والنار، فأبصرتهما
دون ذلك الحائط)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٠٧] (٢٣٦٠) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ
الْهَمْدَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى،
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٥٩٧.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٣٣٨/١٤.

٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َِّ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ:
(سَلُونِ عَمَّ شِئْتُمْ)، فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: ((أَبُوَ حُذَافَةُ))، فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ:
مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَبُوَكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةً))، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ مِنَ الْغَضَبِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللهِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي
كُرَيْبٍ: قَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَبُوَكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْئَةَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن
أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م)
تقدمة في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) أبو كريب الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ
حافظٌ [١٠] (ت٢٤٧) وهو ابن سبع وثمانين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بكنيته،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) وهو ابن ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة))
٥١/٦.
٤ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ
يخطىء قليلاً [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، وُلد بالبصرة، قيل:
اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز
الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ
المشهور، أَمَّره عُمر، ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصِفِين، مات سنة
خمسين، وقيل بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى
آخره، وأن فيه الراوي عن جدّه، عن أبيه، فأبو بردة جدّ لبريد، وأبو موسى
والد أبي بردة، وصحابيّه من مشاهير الصحابة

٤٧
(٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ وَِّ، وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَ الِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٧)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ ◌َبه أنه (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َله
عَنْ أَشْيَاءَ) بمنع الصرف، قال الخليل: إنما تُرك صرفه؛ لأن أصله فُعَلاء؛
كالشُّعَراء، جمع على غير الواحد، فنقلوا الهمزة الأولى إلى أول الكلمة،
فقالوا: أشياء، فوزنه أفعاءُ، وقال الأخفش، والفراء: هو أفعِلاء؛ كالأنبياء،
فحُذفت الهمزة التي بين الياء والألف؛ للتخفيف، فوزنه أفعاءُ، وقال الكسائيّ:
هو أفعال؛ كأَفراخ، وإنما تركوا صرفها؛ لكثرة استعمالهم لها، ولأنها شبّهت
بفَعْلاء، قاله في ((العمدة)»(١).
ومن تلك الأشياء التي كرهها وَ لقر سؤال من سأل أين ناقتي؟ وسؤال من
سأل عن البَحيرة والسائبة، وسؤال من سأل عن وقت الساعة، وسؤال من سأل
عن الحجّ، أيجب كلّ عام؟ وسؤال من سأل أن يحوّل الصفا ذهباً، ومنها ما
تقدّم في حديث أنس به: ((سألوا رسول الله وَال حتى أحفوه بالمسألة))، وغير
ذلك(٢).
وقوله: (كَرِهَهَا) جملة في محلّ جرّ؛ لأنها صفة لـ((أشياء))، وإنما كره
السؤال عنها؛ لأنه ربما كان سبباً لتحريم شيء على المسلمين، فتلحقهم به
المشقة، أو ربما كان في الجواب ما يَكره السائل، ويسوؤه، أو ربما
أحفوه وَّة، وألحقوا به المشقة والأذى، فيكون ذلك سبباً لهلاكهم، وهذا في
الأشياء التي لا ضرورة، ولا حاجة إليها، أو لا يتعلق بها تكليف ونحوه، وفي
غير ذلك لا تتصور الكراهة؛ لأن السؤال حينئذ إما واجب، أو مندوب؛ لقوله
تعالى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، [والأنبياء: ٧] (٣).
(فَلَمَّا أُكْثِرَ) بالبناء للمفعول؛ أي: فلما أكثر السؤال (عَلَيْهِ)؛ أي: على
النبيّ وَ ﴿، وقوله: (غَضِبَ) جواب (لَمّا))، وسبب غضبه وَلّ تعنتهم في
السؤال، وتكلفهم فيما لا حاجة لهم فيه، ولهذا قال ◌َله: ((إن أعظم المسلمين
جُرْماً، مَن سأل عن شيء، فحُرِّم من أجل مسألته))، متّفقٌ عليه(٤).
(١) ((عمدة القاري)) ١١٣/٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ١١٣/٢.
(٢) ((الفتح)) ٢٦٩/١٣.
(٤) ((عمدة القاري)) ١١٣/٢.

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
(ثُمَّ قَالَ) ◌ِ (لِلنَّاسِ)؛ أي: الحاضرين في ذلك المجلس، وقوله:
((سَلُونِي) جملة من الفعل والفاعل، والمفعول مقول القول، وقال بعض
العلماء: هذا القول منه 98 محمول على أنه أوحي إليه به؛ إذ لا يَعلم كل ما
يسأل عنه من المغيَّبات إلا بإعلام الله تعالى له، وقال القاضي عياض: ظاهر
الحديث أن قوله وسلم: ((سلوني)) إنما كان غضباً. انتهى(١).
(عَمَّ شِئْتُمْ))) ((ما)) استفهاميّة، ولذا حُذفت ألفها؛ لأن القاعدة أن ألفها
تُحذف إذا جُرّت، وتبقى الفتحة قبلها دليلاً عليها، نحو ((فيم))، و((إلام))،
و((علام))، وعلة الحذف الفرق بين ((ما)) الاستفهامية، و((ما)) الخبريّة، فلهذا
﴾ [النازعات: ٤٣]، ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ
حُذفت في نحو: ﴿فِيَمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَاَ للَّ
الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]، ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصفّ: ٢]، وثبت في:
﴿لَشَكُمْ فِ مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]، و﴿يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾
[البقرة: ٤، النساء: ١٦٢]، و﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [ص: ٧٥]، وكما
لا تُحذف الألف في الخبر لا تثبت في الاستفهام، وأما قراءة عكرمة،
وعيسى: ﴿عَمَّا يَتَساءَلُوْنَ﴾ [النبأ: ١] فنادرة، وأما قول حسان رَّ ◌ُه [من الوافر]:
عَلَامَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَادٍ
فضرورة، ويُرْوَى: ((في دَمَانٍ))، وهو كالرماد وزناً ومعنى، قاله في
((العمدة))(٢).
وإلى قاعدة حذف الهمزة المذكورة أشار ابن مالك تَخّْثهُ في ((الخلاصة))
حيث قال:
أَلِفَهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
و((مَا)) فِ الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ
بِاسْمِ كَقَوْلِكَ ((اقْتِضَاءَ مَ اقْتَضَى))
وَلَيْسَ حَتْماً فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا
(فَقَالَ رَجُلٌ) تقدّم أنه عبد الله بن حُذافةَ السهميّ رَّهِ (مَنْ أَبِي؟) جملة
من مبتدأ وخبر مقول ((قال))، وإنما سأله عن ذلك؛ لأنه كان يُنسب إلى غير أبيه
إذا لاحى أحداً، فنسبه وَّه إلى أبيه، فـ(قَالَ) وَ ((أَبُوَكَ حُذَافَةُ))) بضمّ الحاء
المهملة، والذال المعجمة.
(١) ((عمدة القاري)) ١١٣/٢ - ١١٤.
(٢) ((عمدة القاري)) ١١٤/٢.

٤٩
(٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ ◌َِّ، وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٧)
[فإن قيل]: كيف قضى رَّه في حال غضبه، حيث قال: ((أبوك فلان))،
وقد نهى أن يقضي القاضي، وهو غضبان؟ .
[أجيب]: بأن يقال أوّلاً: أن هذا ليس من باب الحكم، وعلى تقديره،
فيقال: هذا من خصوصياته وَل؛ لمحلّ العصمة، فاستوى غضبه ورضاه،
ومجرد غضبه من الشيء دالّ على تحريمه، أو كراهته، بخلاف غيره وَلِّ، أفاده
في ((الفتح))(١) .
(فَقَامَ) زاد في رواية البخاريّ: ((إليه))، أيّ: إلى النبيّ وٍَّ، (آخَرُ)؛ أي:
رجل آخر، وهو سعد بن سالم مولى شيبة بن ربيعة، سمّاه ابن عبد البرّ في
(التمهيد)) في ترجمة سهيل بن أبي صالح منه، وأغفله في ((الاستيعاب))(٢)، ولم
يظفر به أحد من الشارحين، ولا من صَنّف في المبهَمات، ولا في أسماء
الصحابة، وهو صحابيّ بلا مرية؛ لقوله: ((فقال: من أبي يا رسول الله؟))، قاله
في ((الفتح))(٣).
وقال في ((الفتح)) أيضاً في ((كتاب الاعتصام)): وزاد في رواية الزهريّ:
((فقام إليه رجل، فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: النار))، قال الحافظ:
ولم أقف على اسم هذا الرجل في شيء من الطرق، كأنهم أبهموه عمداً للستر
عليه، وللطبرانيّ من حديث أبي فِراس الأسلمي نحوه، وزاد: ((وسأله رجل:
في الجنة أنا؟ قال: في الجنة))، قال: ولم أقف على اسم هذا الآخر، ونقل
ابن عبد البرّ عن رواية مسلم أن النبيّ وَّم قال في خطبته: ((لا يسألني أحد عن
شيء إلا أخبرته، ولو سألني عن أبيه))(٤)، فقام عبد الله بن حُذافة، وذكر فيه
عتاب أمه له، وجوابه، وذكر فيه: ((فقام رجل، فسأل عن الحجّ))، فذكره،
وفيه: ((فقام سعد مولى شيبة، فقال: من أنا يا رسول الله؟ قال: أنت سعد بن
سالم مولى شيبة))، وفيه: ((فقام رجل من بني أسد، فقال: أين أنا؟ قال: في
(١) ((الفتح)) ٣٢٩/١.
(٢) قال بعض من كتب في هامش ((الفتح)): بل الحافظ نفسه أغفله في ((الإصابة)).
(٣) ((الفتح)) ٣٢٩/١.
(٤) قوله: ((ولو سألني عن أبيه)) هذا ليس في رواية مسلم، فليُتنبّه.

٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
النار))، فذكر قصة عمر، قال: ((فنزلت: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ
أَشْيَآءَ﴾ الآية [المائدة: ١٠١]، ونَهَى النبيّ ◌َّر عن قيل وقال، وكثرة السؤال))،
وبهذه الزيادة يتضح أن هذه القصة سبب نزول ﴿لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤَّكُمْ﴾ فإن الْمَسَاءة في حقّ هذا جاءت صريحةً، بخلافها في حقّ عبد الله بن
حُذافة، فإنها بطريق التجوّز؛ أي: لو قُدِّر أنه في نفس الأمر لم يكن لأبيه،
فبين أباه الحقيقيّ، لافتضحت أمه، كما صَرّحت بذلك أمه حين عاتبته على
هذا السؤال، كما تقدم(١).
(فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَبُوَكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ))، فَلَمَّا رَأَى
عُمَرُ) بن الخطّاب ◌َظُهُ (مَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ وََّ) ((ما)) موصولة بالجارّ
والمجرور، وهي في محل نصب على أنها مفعول ((رأى))، وهو من الرؤية،
بمعنى الإبصار، ولهذا اقتصر على مفعول واحد، وقوله: (مِنَ الْغَضَبِ) بيان
الـ((ما))، (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللّهِ) وَت؛ أي: مما يوجب غضبك،
وفي حديث أنس ◌ُه عند البخاريّ أن عمر ظُه برك على ركبتيه، فقال:
((رضينا بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً))، والجمع بينهما ظاهر بأنه قال
جميع ذلك، فنَقَل كلّ من الصحابيين ما حَفِظَ، ودلَّ على اتحاد المجلس
اشتراكهما في نقل قصة عبد الله بن حُذافة، قاله في ((الفتح))(٢).
وقوله: (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ)؛ يعني: شيخه الثاني (قَالَ: مَنْ أَبِي يَا
رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (أَبُوَكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ)) الظاهر أن الاختلاف بين الشيخين
في قوله: ((قال: من أبي؟))، فإن ابن برّاد رواه بلفظ: ((فقال)) بالفاء، وأبو
كريب بلفظ: ((قال)) بلا فاء، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ رَُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((الفتح)) ١٦١/١٧ - ١٦٢، كتاب ((الاعتصام)) رقم (٧٢٩١).
(٢) ((الفتح)) ٣٢٩/١.

٥١
(٣٨) - بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ وَلِ شَرْعاً، دُونَ مَا ذَكَرَهُ ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٨)
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٠٧/٣٧] (٢٣٦٠)، و(البخاريّ) في ((العلم))
(٩٢) و((الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة)) (٧٢٩١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٣/
٢٨٨)، و(البزّار) في ((مسنده)) (١٤٦/٨)، و(البيهقيّ) في ((المدخل إلى السنن
الكبرى)) (٢٢٠/١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾.
(٣٨) - (بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ بَّهِ شَرْعاً، دُونَ مَا ذَكَرَهُ
مِنْ مَعَائِشِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ الرَّأْيِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٠٨] (٢٣٦١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ
- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ - قَالَا: حَدَّثْنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ، عَنْ
مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِقَوْم عَلَى رُؤُوسِ
النَّخْلِ، فَقَالَ: ((مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟))، فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُوَّنَ الذَّكَرَ فِي
الأُنْثَى، فَيَلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئاً))، قَالَ: فَأُخْبِرُوا
بِذَلِكَ، فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِنَّهِ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ((إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ
فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنّاً، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْكُمْ عَنِ اللهِ
شَيْئاً، فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللّهِ رَت))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ) هو: قتيبة بن سعيد بن جَمِيل بن طَرِيف، أبو
رجاء الْبَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) عن
تسعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٢ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حُسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[١٠] (ت٢٤٧) وله أكثر من ثمانين سنةً (خت م دس) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) وَضّاح اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ
ثبتٌ [٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
٤ - (سِمَاكُ) - سماك بكسر أوله، وتخفيف الميم - ابن حرب بن أوس بن
خالد الذَّهْلِيّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، وقد تغير بأَخَرَةٍ، فكان
ربّما تَلَقْن [٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٦٤ /٣٦٥.
٥ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد
المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ جليلٌ [٢]، ويقال: إنه ولد في عهد النبيّ وَّ، مات
سنة ثلاث ومائة، على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٣/٤.
٦ - (أَبُوهُ) طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن
تيم بن مُرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، الصحابيّ المشهور، استُشْهِد يوم الجمل
سنة ست وثلاثين، وهو ابن ثلاث وستين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٩/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ، وأن فيه رواية الراوي عن أبيه، وتابعيّ
عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة ظه، فهو أحد السابقين إلى
الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد الستة أهل الشورى
.
شرح الحديث:
(عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ) طلحة بن عبيد الله ◌َظُه أنه (قَالَ: مَرَرْتُ
مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ بِقَوْم)؛ أي: من الأنصار، وقوله: (عَلَى رُؤُوسِ النَّخْلِ)
متعلّق بصفة لـ((قوم)، و((النخل)): شجَرُ التَّمرِ؛ كالنَّخيلِ، كأميرٍ، قاله
المرتضى (١)، وقال الفيّوميّ كَُّهُ: النَّخْلُ: اسم جمع، الواحدة: نَخْلَةُ، وكل
جمع بينه وبين واحده الهاء، قال ابن السِّكِّيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثره،
فيقولون: هي التمر، وهي البُرّ، وهي النحل، وهي البقر، وأهل نجد، وتميم
يذكِّرون، فيقولون: نَخْلٌ كريم، وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿فَخْلٍ مُنْفَعِرٍ﴾،
و﴿فَعْلٍ خَارِيَةٍ﴾، وأما النَّخِيلُ بالياء: فمؤنّثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف في
(٢)
ذلك. انتھی(٢).
(فَقَالَ) بَّهِ ((مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟))، فَقَالُوا)؛ أي: القوم الحاضرون لديه
(١) (تاج العروس)) ٧٥٤١/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٩٦/٢ - ٥٩٧.

٥٣
(٣٨) - بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ وَلِهِ شَرْعاً، دُونَ مَا ذَكَرَهُ ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٨)
حينما سأل، (يُلَّفِّحُونَهُ) بتشديد القاف من التلقيح، أو بالتخفيف، من الإلقاح،
وقد فسّره بقوله: (يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الأَنْثَى)؛ معناه: شقّ طَلْع النخلة الأنثى؛
لِيُذَرَّ فيه شيء من طلع النخلة الذَّكَر، قاله في ((الفتح)).
وقال النوويّ كَُّ: قوله: ((يُلقّحونه))؛ بمعنى: يَأْبِرُون في الرواية
الأخرى، ومعناه: إدخال شيء من طلع الذكر في طلع الأنثى، فَتَعْلَقُ (١) بإذن الله
تعالی. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: ((يلقِّحونه)) مضارع ألقحَ الفحلُ الناقةَ، والريحُ
السحابَ، ورياحٌ لواقحُ، ولا يقال: مَلاقح، وهو من النوادر، وقد قيل:
الأصل فيه: مُلْقِحة، ولكنها لا تُلْقِح إلا وهي في نفسها لاقح، ويقال: لَقِحَت
الناقة - بالكسر - لَقَحاً ولَقَاحاً بالفتح، فهي لاقح، واللَّقَاحُ أيضاً - بالفتح - ما
تُلْقَحُ به النخل. انتهى(٣) .
وقال في ((التاج: الإِلِقَاحُ، والتَّلقيح: أَن يَدَعَ الكَافُورَ، وهو وِعاءُ طَلْع
النَّخْلِ ليَلتَينِ، أَو ثلاثاً بعد انْفلاقه، ثمّ يَأْخِذَ شِمْرَاخاً من الفُخَّال، قال
الأَزهريّ: وأَجودُه ما عَتُقَ، وكانَ من عَامِ أَوّل، فيدُسُّونَ ذلك الشِّمْرَاخَ في
جَوْفِ الطَّلْعَة، وذلك بقَدرٍ، قال: ولا يفعلَ ذلك إِلَّا رَجلٌ عالمٌ بِما يَفعَل منه؛
لأَنّه إِنٍ كان جاهِلاً، فَأَكْثَرَ منه أَحرَقَ الكَافُورَ، فأَفسدَه، وإِنْ أَقلَّ منه صارَ
الكافُورُ كثيرَ الصِّيصاءِ؛ يعني بالصِّيصاءِ: ما لا نَوَى له، وإِن لم يَفعل ذلك
بالنَّخلة لم يُنتَفع بطَلْعِها ذلك العامَ. انتهى(٤).
(فَيَلْقَحُ)؛ أي: تحمل تلك الأنثى، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَا) نافية،
(أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئً))؛ أي: ما أظنّ أنه ينفع شيئاً، إنما قاله وَ لّ على سبيل
الظنّ؛ لأنه لم يمارس الفلاحة والزراعة، قال النوويّ كَّتُهُ: قالوا: ورأيه وله
في أمور المعاش، وظنّه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نَقْص في ذلك،
وسببه تعلّق همّهم بالآخرة ومعارفها. انتهى.
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((ما أظنّ ذلك يغني شيئاً))؛ يعني به: الإبار،
(١) من باب تَعِب؛ أي: تحمل.
(٣) ((المفهم)) ١٦٧/٦ - ١٦٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١٧/١٥.
(٤) ((تاج العروس)) ١٧٣٤/١.

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
إنما قال النبيّ وَّر هذا؛ لأنه لم يكن عنده علم باستمرار هذه العادة، فإنَّه لم
يكن ممن عانى الزراعة، ولا الفلاحة، ولا باشر شيئاً من ذلك، فخفيت عليه
تلك الحالة، وتمسَّكَ بالقاعدة الكلية المعلومة التي هي: أنه ليس في الوجود،
ولا في الإمكان فاعل، ولا خالق، ولا مؤثِّر إلا الله تعالى، فإذا نُسِب شيء
إلى غيره نسبة التأثير فتلك النسبة مجازية، عرفيَّة، لا حقيقيّة، فصدق قوله: ((ما
أظنّ ذلك يغني شيئاً))؛ لأن الذي يغني في الأشياء عن الأشياء بالحقيقة هو الله
تعالى، غير أن الله تعالى قد أجرى عادته بأن سَتَر تأثير قدرته في بعض الأشياء
بأسباب معتادة، فجعلها مقارنة لها، ومغطاة بها؛ لِيُؤْمِن من سبقت له السعادة
بالغيب، وليضلّ من سبقت له الشقاوة بالجهل، والرَّيب: ﴿لَّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ
عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحِْى مَنْ حَنَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]. انتهى(١).
(قَالَ) طلحة بن عبيد الله (فَأُخْبِرُوا)؛ أي: أصحاب النخل (بِذَلِكَ)؛ أي:
بما قاله النبيّ وَِّ: ((ما أظنّ يغني ذلك شيئاً))، (فَتَرَكُوهُ)؛ أي: تركوا التلقيح
عملاً بظنّه وَّةِ، (فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهُ بِذَلِكَ)؛ أي: بما حصل لهم من كون
النخل أخرج شيصاً، ولم يُثمر ثمراً طيّباً. (فَقَالَ) وَّرِ ((إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ)؛
أي: التلقيح، (فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنّاً)؛ أي: إنما أشرت عليهم بتركه
لأجل ظنّ مني أنه لا ينفع، (فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ)، وفي الأخرى: ((إنما أنا
بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم، فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي،
فإنما أنا بشر))، قال القرطبيّ كَخَّتُهُ: هذا كله منه وَ * اعتذار لمن ضَعُف عقله
مخافةَ أن يُزِلَّه الشيطان، فيُكَذِّب النبيّ وَّ، فيكفر، وإلا فما جرى شيء يحتاج
فيه إلى عذر، غايةٌ ما جرى مصلحة دنيوية، خاصَّة بقوم مخصوصين، لم يعرفها
من لم يباشرها، ولا كان من أهلها المباشرين لعملها، وأوضحُ ما في هذه
الألفاظ المعتذَر بها في هذه القصة قوله: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم))، وكأنه قال:
وأنا أعلم بأمر دينكم. انتهى(٢).
(وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئاً)؛ أي: عن الأحكام الشرعيّة، أو عن
الأمور الغيبية التي تأتيني من عند الله تعالى وحياً، (فَخُذُوا بِهِ) فإنه حقّ
(١) ((المفهم)) ١٦٨/٦.
(٢) ((المفهم)) ١٦٨/٦ - ١٦٩.

٥٥
(٣٨) - بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ وَّهِ شَرْعاً، دُونَ مَا ذَكَرَهُ ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٨)
وصدق، لا يتخلّف، وهذا أمرٌ جزمٌ بوجوب الأخذ عنه وَّ في كل أحواله:
من الغضب، والرضا، والمرض، والصحة(١).
(فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ وَتٌ)))؛ أي: لا يقع منه ◌َّه فيما يبلّغه عن الله
كذب، ولا غلط؛ لا سهواً، ولا عمداً، وقد قلنا: إنّ صِدْقه في ذلك هو
مدلول المعجزة، وأما الكذب العمد المحض فلم يقع قط منه في خبر من
الأخبار، ولا جُرِّب عليه شيء من ذلك، منذ أنشأه الله تعالى، وإلى أن
توفاه الله تعالى، وقد كان في صغره معروفاً بالصدق والأمانة، ومجانبة أهل
الكذب، والخيانة، حتى إنه كان يسمى بالصادق الأمين، يشهد له بذلك كل من
عرفه، وإن كان من أعدائه، وقد خالفه(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث طلحة بن عبيد الله
المصنّف نَذْتُهُ .
هذا من أفراد
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٠٨/٣٨] (٢٣٦١)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١٦٦/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٢/٢)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (١/
٧٠)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٦٤/١)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٤/
٣٧٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َله من عدم العناية بالأمور الدنيويّة،
حيث لم يكن له علم بتلقيح النخل، فظنّ أنه لا ينفع، فتبيّن بخلاف ذلك، فأمر
الناس أن يعملوا به؛ لخبرتهم به، وتجربتهم بكونه سبباً عادياً، أجرى الله تعالى
به سُنَّته، كما أجرى ذلك في الحيوانات حيث تتناسل به، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان عصمة الله تعالى نبيّه ◌َ﴿ عن الخطأ فيما يبلّغه
(١) ((المفهم)) ٦/ ١٦٩.
(٢) ((المفهم)» ١٦٩/٦.

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
عن الله رَحَ، قال القرطبيّ تَخَّهُ(١): هذا معلوم من حال النبيّ ◌َلّ قطعاً بدليل
المعجزة، وذلك أن النبيّ ◌َ﴿ لَمّا قال للناس: أنا رسول الله إليكم، أبلغكم ما
أرسلني به إليكم من الأحكام، والأخبار عن الدار الآخرة، وغيرها، وأنا
صادق في كل ما أخبركم به عنه، ويشهد لي على ذلك ما أيَّدني به من
المعجزات، ثم وقعت المعجزات مقرونة بتحدِّيه، علمنا على القطع والبتات
استحالة الخطأ والغلط عليه فيما يبلغه عن الله ري؛ إما لأن المعجزة تنزلت
منزلة قول الله تعالى لنا: صَدَق، أو لأنها تدل على أن الله تعالى أراد تصديقه
فيما قاله عنه، دلالة على قرائن الأحوال، وعلى الوجهين فيحصل العلم
الضروري بصدقه، بحيث لا يجوز عليه شيء من الخطأ في كل ما يبلغه عن الله
تعالى بقوله: ((ولكن إذا حدّثتكم عن الله شيئاً، فخذوا به، فإني لن أكذب
على الله رَّت))، وأما أمور الدنيا التي لا تعلق لها بالدِّين، فهو فيها واحد من
البشر، كما قال: ((إنما أنا بشر))، وكما قال: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم))؛ أي:
وأنا أعلم بدينكم، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): ما قاله صاحب ((التكملة)): إن قوله وَليل: ((ولكن إذا
حدّثتكم عن الله شيئاً ... إلخ)) تمسّك بعض العلمانيين والإباحيين على أن
أحكام السنّة النبويّة في المعاملات ليست من الدِّين، ولا يجب اتّباعها - والعياذ
بالله - وهذا جهل وإلحاد صريحٌ، فإن ما قاله وَّر في تأبير النخل لم يكن حكماً
منه، ولا قضاءً، ولا فتوى، وإنما كان ظنّاً في الأمور المباحة التي تتعلّق
بالتجربة والمشاهدة، بدا له من غير رويّة، فأبداه، ولذلك لم ينه المؤبّرين عن
التأبير، ولا أمر أحداً بأن يمنعهم من ذلك، ولو كان يقصد نهيهم عنه شرعاً
الخاطبهم بالنهي، أو أرسل إليهم بما يدلّ على النهي، فلما لم يفعل من ذلك
شيئاً تبيّن أنه وَ لّه اعتبر التأبير أمراً مباحاً، فائدته مشكوكةٌ في ظنّه، بل قد صرّح
الراوي في حديث الباب أن النبيّ وَّ لَمّا عَلِم بانتهائهم عن هذه العمليّة أفصح
عن مراده بقوله: ((إن كان ينفعهم ذلك، فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنّاً، فلا
تؤاخذوني بالظنّ)).
(١) راجع: ((المفهم)) ٦/ ١٦٧.

٥٧
(٣٨) - بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ وَلِهِ شَرْعاً، دُونَ مَا ذَكَرَهُ ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٨)
وكيف تقاس على مثل هذا الظنّ الأحكام الصريحة الجازمة التي صدرت
منه وَّ كفتوى، أو قضاء؟ فإنها ليست من ظنونه التي ظنها في الأمور المباحة،
وإنما هي أحكام بُعث رسول الله وَّ لتبليغها، وأمرت الأمة باتباعها، قال
تعالى: ﴿وَمَآ ءَائَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ﴾، الآية [الحشر: ٧].
قال الشيخ وليّ الله الدهلويّ ◌َلُّه في كتابه ((حجة الله البالغة)): اعلم أن
ما رُوي عن النبيّ وَّرَ، ودُوّن في كتب الحديث على قسمين:
أحدهما: ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعالى: ﴿وَمَاَ ءَالَكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنْكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ﴾ الآية [الحشر: ٧]، منه علوم المعاد،
وعجائب الملكوت، وهذا كلّه مستند إلى الوحي، ومنها شرائع، وضَبْط
للعبادات والارتفاقات بوجوه الضبط المذكورة فيما سبق، وهذه بعضها مستندة
إلى الوحي، وبعضها مستندة الاجتهاد، واجتهاده وي9 بمنزلة الوحي؛ لأن الله
تعالى عصمه من أن يتقرّر رأيه على الخطأ .
وثانيهما: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله وَله: ((إنما أنا بشر،
إذا أمرتكم بشيء فخذوا به، وأمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر))، وقوله وَله
في قصّة تأبير النخل: ((فإني إنما ظننت ظّاً، فلا تؤاخذوني بالظنّ، ولكن إذا
حدّثتكم عن الله شيئاً، فخذوا به، فإني لن أكذب على الله))، فمنه الطبّ، ومنه
باب قوله وَل: ((عليكم بالأدهم الأقرح))، ومستنده التجربة، ومنه ما فعله
النبيّ وَّ على سبيل العادة دون العبادة، وبحسب الاتّفاق دون القصد، ومنه ما
ذكره كما كان يذكّر قومه؛ كحديث أم زرع، وحديث خرافة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ومنه ما فعله النبيّ ◌َّر على سبيل
العادة ... إلخ)) فيه نظر لا يخفى، فإن الحقّ أن ما فعله بَله على سبيل العادة،
أو لم يقصده، فكله من سُنَّته التي أمرنا الله تعالى باتّباعها، وقد أشبعت البحث
في هذا في ((التحفة المرضيّة))(٢)، في الأصول، فلتراجع ما هناك، وبالله تعالى
التوفيق.
(١) ((حجة الله البالغة)) ١٢٨/١، و((تكملة فتح الملهم)) ٤ /٥٩٤ - ٥٩٥.
(٢) راجع: ((التحفة المرضيّة)) ص٤٦ - ٤٨.

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وخلاصة القول عندي في هذه المسألة أن ما صدر من النبيّ وَلّ مما
يتعلّق بتبليغ الرسالة عن الله تعالى، فهو وحي محض لا شائبة فيه، وأنه اَلخّ
كان له اجتهاد فيما لم يُنزل عليه، وهذا الاجتهاد ملحق بما قبله؛ لأن
اجتهاده، وإن لم يكن وحياً إلا أنه لا يقرّ على الخطأ إن حصل، بل يأتيه
الإرشاد من الله تَعَلَ إلى هو الحقّ، فهو ملحق بالوحي.
وأما ما يصدر عنه على سبيل الظنّ والتخمين، كما هو الواقع في
أحاديث الباب، فإنه بشر كسائر البشر يصيب ويخطىء، وهذا خلاصة ما لديّ
في هذا المقام، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٠٩] (٢٣٦٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الرُّومِيّ الْيَمَامِيُّ، وَعَبَّاسُ بْنُ
عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ الْمَعْقِرِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ - حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ، حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ،
قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ اللهِ نَّهِ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ، يَقُولُ(١): يُلَفِّحُوَّنَ
النَّخْلَ، فَقَالَ: ((مَا تَصْنَعُونَ؟))، قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: ((لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ
خَيْراً)، فَتَرَكُوهُ، فَنَفَضَتْ، أَوْ فَنَقَصَتْ، قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا
بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ، فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي(٢)
فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ))، قَالَ عِكْرِمَةُ: أَوْ نَحْوَ هَذَا، قَالَ الْمَعْقِرِيُّ: فَنَفَضَتْ، وَلَمْ يَشَُّكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الرُّومِيّ الْيَمَامِيُّ) هو: عبد الله بن محمد اليماميّ، نزيل
بغداد، المعروف بابن الرُّوميّ، ويقال: اسم أبيه عُمَر، صدوق [١٠] (ت٢٣٦)
(م) من أفراد المصنّف تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٦/٦٣.
٢ - (عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ) هو: عباس بن عبد العظيم بن
(١) وقع في معظم النسخ: ((يقولون))، وهو تصحيف.
(٢) وفي نسخة: ((من رأيٍ)).

٥٩
(٣٨) - بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ وَهِ شَرْعاً، دُونَ مَا ذَكَرَهُ ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٩)
إسماعيل العنبريّ، أبو الفضل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١١] (ت٢٤٠)
(خت م ٤) تقدم في ((الإيمان) ٢٤١/٣٤.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ الْمَعْقِرِيُّ) أبو الحسن، نزيل مكة، ثقة (١) [١١]
(ت٢٥٥) (م) من أفراد المصنّف، تقدم في ((الصلاة)) ٨٨٦/١١.
[تنبيه]: قوله: ((الْمَعْقِرِيُ)) - بفتح الميم، وكسر القاف -: نسبة إلى ناحية
من اليمن، قاله في ((اللباب))(٢).
٤ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن موسى الْجُرَشيّ - بالجيم المضمومة، والشين
المعجمة - أبو محمد اليماميّ، مولى بني أمية، ثقةٌ، له أفراد [٩] (خ م د ت
ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤.
٥ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجْليّ، أبو عمار اليماميّ، أصله من البصرة،
صدوقٌ، يَغْلَط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطرابٌ، ولم يكن له
كتاب [٥] مات قبيل الستين ومائة (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢.
٦ - (أَبُو النَّجَاشِيِّ) - بنون، وجيم خفيفة، وبعد الألف معجمة - واسمه:
عطاء بن صُهيب الأنصاريّ، ثقة [٤] (خ م س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة)) ١٤١٧/٣٤.
٧ - (رَافِعُ بْنُ خَدِيجِ) بن رافع بن عديّ الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ
الصحابيّ الشهير، أول مشاهده أُحُدٌ، ثم الخندق، مات سنة ثلاث، أو أربع
وسبعين، وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨٩.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُ، وأن له فيه ثلاثة من الشيوخ قرن
بينهم؛ لاتحاد كيفيّة التحمل والأداء منه ومنهم، وأنه مسلسل بالتحديث من أوله
إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
(١) هذا أَولى مما في ((التقريب)): مقبول؛ لأنه شيخ مسلم، وروى عنه جماعة، ولم
يتكلّم فيه أحد بجرح، فهو ثقة، كما صرّح به الذهبيّ في ((ميزان الاعتدال))، فتنبّه،
والله تعالى أعلم.
(٢) ((اللباب فى تهذيب الأنساب)) ٢٣٤/٣.

٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
شرح الحديث:
عن رَافِعِ بْنِ خَدِيجِ رَُه أنه (قَالَ: قَدِمَ) بكسر الدال، (نَبِيُّ اللهِ وَّ
الْمَدِينَةَ)؛ أي: مهاجراً مَن مكة، وقوله: (وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ) جملة حاليّة،
وضمير ((هم)) لأهل المدينة؛ أي: والحال أنهم يأبرون النخل - بكسر الباء،
وضمّها - يقال منه: أَبَرَ يَأْبِرُ، ويَأْبُرُ، كَبَذَرَ يَبْذِر، ويَبْذُر، ويقال: أَبَّر يُؤَبِّر
بالتشديد تأبيراً، قاله النوويّ تَظْذُهُ(١).
وقال الفيّوميّ تَخْتُ: أَبَرْتُ النَّخْلَ أَبْراً، من بَابَي ضرب، وقتل: لقَّحْتُه،
وأَبَّرْتُهُ تَأْبِيراً مبالغة وتكثير، والأَبُور وِزَانُ رسول: ما يُؤَبَّر به، والإِبَارُ وزانُ
كِتاب: النَّخْلَةُ التي يُؤَبَّر بطَلْعِها، وقيل: الإِبَارُ أيضاً مصدر؛ كالقيام، والصيام،
وتأبَّر النخل قَبِلَ أن يُؤَبَّر، قال أبو حاتم السِّجستانيّ في ((كتاب النخلة)): إذا
اُنْشَقَّ الكافور، قيل: شَقَّق النخلُ، وهو حين يُؤَبَّرُ بالذَّكَرِ، فَيُؤْنَى بشمَاريخه،
فَتُنْفَضُ، فيطِيُر غُبارها، وهو طَحِين شماريخِ الفُخَّال إلى شماريخ الأنثى، وذلك
هو التلقيح. انتھی(٢).
وقد فسّر ((يأبرون)) بقوله: (يَقُولُ) هكذا في النسخة الهنديّة، وهو
الصحيح، والضمير لرافع، كما هو الظاهر، ويَحْتَمِل أن يكون لغيره، ووقع في
معظم النسخ بلفظ: ((يقولون))، والظاهر أنه غلط، فتنبّه.
والمعنى: أن رافعاً يقول مفسّراً لقوله: ((يأبرون النخل)): (يُلَفِّحُونَ النَّخْلَ)
من التلقيح، أو الإلقاح، (فَقَالَ) وَّرَ لهؤلاء الناس ((مَا تَصْنَعُونَ؟))، قَالُوا: كُنَّا
نَصْنَعُهُ)؛ أي: كنّا نصنع هذا قبل أن تأتينا، فهو من العادات المستمرّة لدينا.
(قَالَ) وَّرِ (لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْراً))؛ أي: ليكون اعتمادكم على فضل الله
تعالى، لا على صنيعكم هذا، فإنه ◌َُّ أجرى سُنَّته في سائر النباتات بإثمارها
دون التلقيح، فلعلّ هذا أيضاً مثلها، (فَتَرَكُوهُ) اعتماداً على توجيهه وَِّ (فَنَفَضَتْ،
أَوْ فَنَقَصَتْ) قال النوويّ تَخْتُهُ: هو بفتح الحروف كلها، والأول بالفاء، والضاد
المعجمة، والثاني بالقاف، والصاد المهملة، وأما قوله في آخر الحديث: ((قال
الْمَعْقِريّ: فنفضت)) فبالفاء، والضاد المعجمة، ومعناه: أسقطت ثمرها، قال
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٧/١٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/١.