النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
(١٣) - بَابٌ فِي حُسْنٍ خُلُقِ رَ
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قريباً.
٦ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قريباً.
و ((الزهريّ)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية يونس، ومعمر، كلاهما عن الزهريّ ساقها البخاريّ ◌َخْذُ
في ((صحیحه))، فقال:
(٦) - حدّثنا عبدان، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس، عن
الزهري (ح) وحدّثنا بِشْر بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس،
ومعمر، عن الزهريّ نحوَهُ قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس،
قال: ((كان رسول الله وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين
يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن،
فَلَرسول الله وَّر أجود بالخير من الريح المرسلة)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(١٣) - (بَابٌ فِي حُسْنِ خُلُقِهِ وَلِ)
[تنبيه]: قال الإمام البخاريّ تَخْلُ في ((صحيحه)): ((باب حُسْن الْخُلُق،
والسخاء، وما يُكره من البخل))، فقال في ((الفتح)): جَمَع في هذه الترجمة بين
هذه الأمور الثلاثة؛ لأن السخاء من جملة محاسن الأخلاق، بل هو من
أعظمها، والبخل ضدّه.
فأما حُسْنِ الخُلُق، فقال الراغب: هو عبارة عن كل مرغوب فيه، إما من
جهة العقل، وإما من جهة العِرْض، وإما من جهة الحسِّ، وأكثر ما يقال في
عرف العامة فيما يُدْرَك بالبصر، وأكثر ما جاء في الشرع فيما يُدْرَك بالبصيرة.
انتهى ملخصاً .
(١) (صحيح البخاريّ)) ٦/١.

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وأما الخُلُق فهو بضم الخاء واللام، ويجوز سكونها، قال الراغب:
الْخَلْقِ، والْخُلُق؛ يعني: بالفتح، وبالضم، في الأصل بمعنى واحد؛
كالشَّرْب، والشُّرْب، لكن خُصّ الْخَلْق الذي بالفتح بالهيئات، والصور المدرَكة
بالبصر، وخُصَّ الْخُلُق الذي بالضم بالقُوَى والسَّجَايا المدرَكة بالبصيرة.
انتھی .
وقد كان النبيّ ◌َّه يقول: ((اللهم كما حَسَّنت خَلْقي فحَسِّن خُلُقي))،
أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان، وفي حديث عليّ رَُّّه الطويل في دعاء
الافتتاح عند مسلم: ((واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت)).
وقال القرطبيّ في ((المفهم)): الأخلاق أوصاف الإنسان التي يُعَامِل بها
غيره، وهي محمودة، ومذمومة، فالمحمودة على الإجمال: أن تكون مع غيرك
على نفسك، فتُنْصِف منها، ولا تُنْصِف لها، وعلى التفصيل: العفو، والحلم،
والجود، والصبر، وتحمل الأذى، والرحمة، والشفقة، وقضاء الحوائج،
والتوادُّ، وَلِيْن الجانب، ونحو ذلك، والمذموم منها ضدّ ذلك.
وأما السخاء فهو بمعنى: الْجُود، وهو بَذْل ما يُقتَنَى بغير عِوَض، وعَظْفه
على حسن الخلق من عَطْف الخاصّ على العامّ، وإنما أُفرد للتنويه به.
وأما البخل فهو ضدّه، وليس من صفات الأنبياء، ولا أجلّة الفضلاء،
وقيل: البخل مَنْع ما يُطلب مما يُقتنى، وشَرُّه ما كان طالبه مستحقّاً، ولا سيما
إن كان من غير مال المسؤول.
وأشار بقوله: ((وما يُكره من البخل)) إلى أن بعض ما يجوز إطلاق اسم
البخل عليه قد لا يكون مذموماً. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٥٩٩٤] (٢٣٠٩) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيع، قَالَا: حَدَّثَنَا
حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ الهِ وَ
عَشْرَ سِنِينَ، وَاللهِ مَا قَالَ لِي: أَفَأَّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟، وَهَلَّا
(١) ((الفتح)) ٥٨٤/١٣ - ٥٨٥، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٣٣)، و((عمدة القاري)) ١١٨/٢٢.

٤٢٣
(١٣) - بَابٌ فِي حُسْنِ خُلُقِ وَلِ - حديث رقم (٥٩٩٤)
فَعَلْتَ كَذَا؟، زَادَ أَبُو الرَّبِيعِ: لِشَيْءٍ لَيْسَ مِمَّا يَصْنَعُهُ الْخَادِمُ (١)، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ:
وَاللهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وقد تقدّم الإسناد نفسه قبل باب، و((أبو الربيع)) هو: سليمان بن داود
الزهرانيّ العتكيّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْتُهُ، وهو (٤٦٢) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبُّهَ أنه (قَالَ: خَدَمْتُ) بفتح الدال، يقال: خَدَمَه
يخْدِمه، ويَحْدُمُهُ، من بابَي ضرب، ونصر خِدْمَةً بالكسر، ويُفتح، قاله
المجد ◌َّتُ(٢). (رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَشْرَ سِنِينَ) وكذا هو في رواية للبخاريّ، ومثله
عند أحمد وغيره، عن ثابت، عن أنس، وكذا هو في معظم الروايات، وفي
الرواية الآتية عند مسلم في الباب من رواية سعيد بن أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:
خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ تِسْعَ سِنِينَ، وكذا من رواية إسحاق بن أبي طلحة، عن
أنس ◌َُّه، وأجاب في ((الفتح)) بأنه لا مغايرة بينهما؛ لأن ابتداء خدمته له وَلآل
كان بعد قدومه المدينة، وبعد تزويج أمه أم سليم بأبي طلحة، ففي رواية
عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: ((قَدِم النبيّ وَّر المدينة، وليس له خادم،
فأخذ أبو طلحة بيدي ... )) الحديث(٣)، وفيه: ((إنَّ أنساً غلامٌ كَيِّسٌ،
فليخذمك، قال: فخدَمته في السفر والحضر))، وأشار بالسفر إلى ما وقع من
طريق عمرو بن أبي عمرو، عن أنس ((أن النبيّ وَلير طلب من أبي طلحة لمّا
أراد الخروج إلى خيبر من يخدمه، فأحضر له أنساً)).
واستُشكل هذا مع الحديث الأول؛ لأنَّ بَيْن قدومه وَّ هِ المدينة، وبين
خروجه إلى خيبر ست سنين وأشهراً.
(١) وفي نسخة: ((لشيء مما يصنعه الخادم)) بإسقاط لفظ ((ليس)).
(٣) متفقٌ عليه.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٣٥٤.

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وأجيب بأنه طلب من أبي طلحة من يكون أسنّ من أنس، وأقوى على
الخدمة في السفر، فعرَفَ أبو طلحة من أنس القوّة على ذلك، فأحضره، فلهذا
قال أنس في هذه الرواية: خدمته في الحضر والسفر، وإنما تزوجت أم سليم
بأبي طلحة بعد قدوم النبيّ وَ طّ بعدة أشهر؛ لأنها بادرت إلى الإسلام، ووالد
أنس حيّ، فَعَرَف بذلك، فلم يُسلم، وخرج في حاجة له، فقتله عدوّ له، وكان
أبو طلحة قد تأخر إسلامه، فاتَّفَقَ أنه خطبها، فاشترطت عليه أن يُسلم،
فأسلم، أخرجه ابن سعد بسند حسن، فعلى هذا تكون مدة خدمة أنس تسع
سنين وأشهراً، فألغى الكسر مرّةً، وجَبَره أخرى. انتهى ما في ((الفتح)) (١)، وهو
بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(وَاللهِ مَا قَالَ لِي: أُقّاً) هكذا الرواية هنا ((أفّاً)) بالنصب والتنوين، وهي
موافقة لبعض القراءات الشاذّة، كما سيأتي، وهي كلمة ذمّ، وتحقير،
واستقذار، قال النوويّ: ذَكَر القاضي عياضٌ وغيره فيها عشر لغات: ((أَفّ))
بفتح الفاء، وضمها، وكسرها، بلا تنوين، وبالتنوين، فهذه ستّ، و((أُفْ)) بضم
الهمزة، وإسكان الفاء، و((إِفَ)) بكسر الهمزة، وفتح الفاء، و((أفي))، و((أفه))
بضم همزتهما، قالوا: وأصل الأُفّ، والتُّفّ: وسخ الأظفار، وتستعمل هذه
الكلمة في كل ما يُستقذر، وهي اسم فعل تُستعمل في الواحد، والاثنين،
والجمع، والمؤنث، والمذكّر، بلفظ واحد، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَّقُل لَُّمَا أُنّ﴾
[الإسراء: ٢٣]، قال الهرويّ: يقال لكل ما يُضْجَر منه، ويستثقل: أف له،
وقيل: معناه الاحتقار، مأخوذ من الأفف، وهو القليل. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قال الراغب: أصل الأُفّ: كلُّ مستقذَر من وسخ؛
كقلامة الظفر، وما يجري مجراها، ويقال ذلك لكل مُستخَفّ به، ويقال أيضاً
عند تكرّه الشيء، وعند التضجر من الشيء، واستعملوا منها الفعل؛ كأَفَّفْتُ
بفلان، وفي ((أف)) عدة لغات: الحركات الثلاث، بغير تنوين، وبالتنوين، وهذا
كله مع ضم الهمزة، والتشديد، وعلى ذلك اقتصر بعض الشرّاح، وذكر أبو
(١) ((الفتح)) ٥٩٠/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٣٨).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧٠/١٥.

٤٢٥
(١٣) - بَابٌ فِي حُسْنِ خُلُقِ رَِّ - حديث رقم (٥٩٩٤)
الحسن الرّمّانيّ فيها لغات كثيرة، فبلّغها تسعاً وثلاثين، ونقلها ابن عطية، وزاد
واحدة أكملها أربعين، وقد سردها أبو حيان في ((البحر))، واعتَمَدَ على ضبط
القلم، ولخّص ضَبْطها صاحبه الشهاب السمين، قال الحافظ: ولخصته منه، وهي
الستة المقدمة، وبالتخفيف كذلك ستة أخرى، وبالسكون مشدّداً ومخفّفاً، وبزيادة
هاء ساكنة في آخره مشدّداً ومخفّفاً، و((أفى)) بالإمالة، وبين بين، وبلا إمالة،
الثلاثة بلا تنوين، و((أُقْو)) بضم، ثم سكون، و((إِنْي)) بكسر، ثم سكون، فذلك
اثنتان وعشرون، وهذا كله مع ضم الهمزة، ويجوز كسرها، وفتحها، فأما بكسرها
ففي إحدى عشرة: كسر الفاء، وضمها، ومشدّداً، مع التنوين، وعدمه، أربعةٌ،
ومخفّفاً، بالحركات الثلاث، مع التنوين وعدمه ستةٌ، و((أفي)) بالإمالة، والتشديد،
وأما بفتح الهمزة، ففي ستّ: بفتح الفاء، وكسرها، مع التنوين، وعدمه، أربعةٌ،
وبالسكون، وبألف مع التشديد، والتي زادها ابن عطية: ((أُفّاهْ)) بضم أوله وزيادة
ألف، وهاء ساكنة، وقرئ من هذه اللغات ستُّ كلها بضم الهمزة، فأكثر السبعة
بكسر الفاء، مشدداً، بغير تنوين، ونافع وحفص كذلك، لكن بالتنوين، وابن كثير
وابن عامر بالفتح والتشديد، بلا تنوين، وقرأ أبو السّمّاك كذلك، لكن بضم الفاء،
وزيد بن علي بالنصب والتنوين، وعن ابن عباس بسكون الفاء.
قال الحافظ: وبقي من الممكن في ذلك: ((أفي)) كما مضى، لكن بفتح
الفاء وسكون الياء، و((أفيه)) بزيادة هاء، وإذا ضممت هاتين إلى التي زادها ابن
عطية، وأضفتها إلى ما بُدئ به صارت العدة خمساً وعشرين، كلها بضم
الهمزة، فإذا استعملت القياس في اللغة كان الذي بفتح الهمزة كذلك،
وبكسرها كذلك، فتكمل خمساً وسبعين. انتهى (١).
وقوله: (قَطُّ) فيها خمس لغات: ((قَطُ))، و((قُطْ)) بفتح القاف، وضمها، مع
تشديد الطاء المضمومة، و((قَطّ))، بفتح القاف، وكسر الطاء المشدّدة، و((قَطْ))،
بفتح القاف، وإسكان الطاء، و((قَطِ))، بفتح القاف، وكسر الطاء المخفّفة، وهي
لتوكيد نفي الماضي، أفاده النوويّ تَظْذُهُ(٢).
(١) ((الفتح)) ٥٩٠/١٣ - ٥٩١، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٣٨).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧٠/١٥ - ٧١.

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
قال الجامع عفا الله عنه: هذا كلّه إذا كانت قط بمعنى الدهر، فـ(قط))
التي بمعنى حسبي، وهو الاكتفاء، فمفتوحة ساكنة الطاء، تقول: ما رأيته إلا
مرّة واحدةً فقطٌ، فإن أضفت قلت: فَظْكَ هذا الشيءُ؛ أي: حسبك، وقَظْني،
وقَطِي، وقَظْهُ، وقَظْهَا، وقد نظمت هذا كلّه، فقلت:
لَهَا مِنَ اللُّغَاتِ خَمْسٌ تُقْتَدَی
قَظُ بِمَعْنَى الدَّهْرِ قُلْ قَدْ وَرَدَا
خَفِّفْ، وَشُدَّ الظَّاءِ دُونَ مَيْنٍ
بَالْفَتْحِ فَالضَّمِّ وَضَمَّتَيْنٍ
أَمَّا بِمَعْنَى حَسْبُ سَاكِناً بَدَا
خَامِسُهَا قَطٌّ بِكَسْرٍ شُدِّدَا
قَطِي وَفَظْنِي عَنْهُمُ أَيْضاً نَبُلْ(١)
فَقُلْ فَقَطْ فَإِنْ أَضَفْتَ قَطْكَ قُلْ
(وَلَا قَالَ) بِهِ (لِي لِشَيْءٍ)؛ أي: لأجلِ فِعْل شيء فَعَلته مما لا يعجبه وَّه
(لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟) منكراً عليَّ فِعله، (وَهَلَّا) بفتح الهاء، وتشديد اللام،
وتُخفّف، قال الأبيّ ◌َّقُ: ((هلّا)) إذا دخلت على الماضي كانت للتنديم، وإن
دخلت على المضارع كانت للتحريض، والحضّ على الفعل(٢). (فَعَلْتَ كَذَا؟)؛
أي: للشيء الذي تركه مما يريده وّله، وفي رواية عبد العزيز التالية: ((والله ما
قال لي لشيء صنعته: لم صنعت هذا هكذا؟، ولا لشيء لم أصنعه: لِمَ لَمْ
تصنع هذا هكذا؟))، وفي رواية سعيد بن أبي بُردة بعدها: ((فما أعلمه قال لي
فّ: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب عليّ شيئاً قطّ))، وفي رواية إسحاق بن أبي
طلحة بعدها: ((ما علمته قال لشيء صنعته: لِمَ صنعت كذا وكذا، أو لشيء
تركته: هلّا فعلت كذا وكذا؟)).
قال الأبيّ: وعدم اعتراضه ◌َيّر على أنس إنما هو فيما يرجع إلى الخدمة
والأدب، لا فيما هو تكليف؛ لأن هذا لا يجوز ترك الاعتراض فيه (٣)؛ أي:
لأنه من باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (زَادَ أَبُو الرَّبِيع) هو سليمان بن داود العتكيّ، شيخه الثاني؛ أي:
زاد في روايته لهذا الحديثَ قوله: (لِشَيْءٍ لَيْسَ مِمَّا يَصْنَعُهُ الْخَادِمُ)؛ أي: ولا
قال لي لشيء فَعَلْتُه، ليس ذلك الشيء مما يصنعه الخادم المؤدّب: لِمَ فعلت
(١) راجع: ((الفوائد السكيّة)) ص٥١ - ٥٢.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ١١٦/٦.
(٣) ((شرح الأبيّ)) ١١٦/٦ - ١١٧.

٤٢٧
(١٣) - بَابٌ فِي حُسْنِ خُلُقِهِ وَلِ - حديث رقم (٥٩٩٤)
كذا؟(١)، ووقع في بعض النسخ: ((لشيءٍ مما يصنعه الخادم))، وعلى هذا فيكون
المعنى: أي: ولا قال لي لشيء تركته، وذلك الشيء مما يصنعه الخادم: لِمَ
تركت كذا؟.
وقال القاضي عياض في ((المشارق)): قوله: ((ولا قال لي لشيء: لم
فعلت كذا))، زاد أبو الربيع: ((ليس مما يصنعه الخادم))، كذا في أكثر
الروايات، وعند السجزيّ: ((لشيء))، وهو الصحيح، ولا معنى للأول هنا
يستقلّ. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد علمتَ توجيه هذه النسخة فيما أسلفت، فلا
معنى لتخطئتها، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَلَمْ يَذْكُرْ) أبو الربيع (قَوْلَهُ: وَاللهِ)؛ أي: أسقط من روايةِ القَسَم، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٩٤/١٣ و٥٩٩٥ و٥٩٩٦ و٥٩٩٧] (٢٣٠٩)،
و(البخاريّ) في ((الوصايا)) (٢٧٦٨) و((الأدب)) (٦٠٣٨) و((الديات)) (٦٩١١)،
وفي ((الأدب المفرد)) (٢٧٧)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٧٧٣ و٤٧٧٤)،
و(الترمذيّ) في ((البرّ والصلة)) (٢٠١) و((الشمائل)) (٣٣٨)، و(ابن المبارك) في
((الزهد)) (٦١٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٧٩٤٦)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١٠١/٣ و١٧٤ و٢٥٥ و٢٦٥)، و(الدارميّ) في «سننهِ)) (٣١/١)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (٢٨٩٣ و٢٨٩٤)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٧/ ٣٠٠)، و(عبد بن
حُميد) في ((مسنده)) (٤٠٢/١)، و(الطبرانيّ) في ((المعجم الصغير)) (١١٠٠)،
و(أبو الشيخ) في ((أخلاق النبيّ وَّ)) (ص٣٢)، و(البيهقيّ) في
(١) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ١١٣/٢٢.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٣٦٩/١.

٤٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
((شُعَب الإيمان)) (١٥٢/٢ و٢٥٨/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٦٦٥)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حسن خُلُق النبيّ وَليل الكريم، فقد أحسن الله تُعال
خُلُقه، كما حسّن خَلْقَه، قال الله وَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٦)﴾ [القلم: ٤]،
وكان من دعائه وَّ: ((اللهم كما حَسّنت خَلْقي، فأَحسِن خُلُقي)).
٢ - (ومنها): بيان كمال خلقه وَُّ، وحُسْن عِشرته، وحلمه، وصفحه،
وتواضعه.
٣ - (ومنها): جواز السفر باليتيم، إذا كان ذلك من الصلاح.
٤ - (ومنها): جواز الثناء على المرء بحضرته، إذا أَمن عليه الفتنة، فقد
قال أبو طلحة: ((إن أنساً غلام كيّس)).
٥ - (ومنها): جواز استخدام الحرّ الصغير الذي لا يجوز أمره.
٦ - (ومنها): أن خدمة الإمام والعالم واجبة على المسلمين، وأن ذلك
شرف لمن خَدَمهم؛ لِمَا يُرْجَى من بركة ذلك.
٧ - (ومنها): جواز استخدام اليتيم بلا أجرة، إذا له فيه مصلحة.
٨ - (ومنها): بيان عظيم منقبة أنس بن مالك
حيث تشرّف بخدمته وعَ لّل
لضرعنه
عشر سنين، فإن من تشرّف بخدمة سعيد، فهو سعيد، كما قال:
وَإِذَا سَخَّرَ الإِلَهُ أُنَاساً لِسَعِيدٍ فَإِنَّهُمْ سُعَدَاءُ
وقد نال أنس ظله بتلك الخدمة دعوة النبيّ ◌َّ المباركة، ففي
((الصحيحين)) عن أنس ظنه أن أم سليم قالت: يا رسول الله أنس خادمك،
ادع الله له، قال: ((اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته)).
وفي رواية عند مسلم في حديث طويل، وفيه: ((ثم دعا لنا أهل البيت
بكل خير من خير الدنيا والآخرة، فقالت أمي: يا رسول الله خُويدمك ادع الله
له، قال: فدعا لي بكل خير، وكان في آخر ما دعا لي به أن قال: اللهم أكثر
ماله، وولده، وبارك له فيه)).
وفي رواية: جاءت بي أمي أم أنس إلى رسول الله وَل، وقد أزَّرتني
بنصف خمارها، ورَدّتني بنصفه، فقالت: يا رسول الله هذا أُنَيْس ابني أتيتك به

٤٢٩
(١٣) - بَابٌ فِي حُسْنِ خُلُقِهِ وَلِّ - حديث رقم (٥٩٩٥)
يخدمك، فادع الله له، فقال: اللهم أكثر ماله، وولده، قال أنس: فوالله إن
مالي لكثير، وإن ولدي، وولد ولدي، ليتعادُّون على نحو المائة اليوم.
وفي رواية قال: مَرّ رسول الله وَلّ، فسمعت أمي أم سليم صوته،
فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله أنيس، فدعا لي رسول الله وَّه ثلاث دعوات،
قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة.
وفي رواية قال أنس: فإني لمن أكثر الأنصار مالاً، وحدثتني أمينة ابنتي
أنه دُفن من صُلبي إلى مَقْدَم الحَجَّاج البصرة تسعة وعشرون ومئة.
وأخرج الطيالسيّ عن أبي خَلْدة، قلت لأبي العالية: سمع أنس من
النبيّ وَّهِ؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له، وكان له بستان يَحْمِل في السنة
الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منه ريح المسك(١).
٩ - (ومنها): أنه يستفاد منه ترك العتاب على ما فات؛ لأن هناك مندوحة
عنه باستئناف الأمر به، إذا احتيج إليه، وفائدةُ تنزيه اللسان عن الزجر والذم،
واستئلاف خاطر الخادم بترك معاتبته، وكل ذلك في الأمور التي تتعلق بحظّ
الإنسان، وأما الأمور اللازمة شرعاً، فلا يُتسامح فيها؛ لأنها من باب الأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر، قاله في ((الفتح)) (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّلَ الكتاب قال:
[٥٩٩٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ،
حَدَّثَنَا ثَابِتْ الْبَُانِيُّ، عَنْ أَنَسٍ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) الْحَبَطِيّ الأُبُليّ أبو محمد، صدوقٌ، يَهِمُ، ورُمي
بالقدر، قال أبو حاتم: اضطر الناس إليه أخيراً، من صغار [٩] (ت٥ أو ٢٣٦)
وله بضع وتسعون سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٢ - (سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ) بن ربيعة الأزديّ النَّمَريّ، أبو رَوْح البصريّ،
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ٣/ ٤٠٠.
(٢) ((الفتح)) ٥٩٠/١٣ - ٥٩١، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٣٨).

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
قال أبو داود: سلام لقبٌ، واسمه سليمان، ثقةٌ، رُمي بالقدر [٧].
رَوَى عن ثابت البنانيّ، والحسن البصريّ، وقتادة، وغيرهم.
وروى عنه ابنه القاسم، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وابن مهديّ،
وشیبان بن فرّوخ وغيرهم.
قال موسى بن إسماعيل: كان من أعبد أهل زمانه، وقال عبد الله بن
أحمد عن أبيه: من الثقات، وقال أيضاً: سئل أبي عن سلام بن مسكين،
وسلام بن أبي مطيع، فقال: جميعاً ثقة، إلا أن ابن مسكين أكثر حديثاً، وكان
ابن أبي مطيع صاحب سُنَّة، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقةٌ،
صالحٌ، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: سلام أحب إليك في الحسن،
أو المبارك؟ فقال: سلام، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال أبو داود:
كان يذهب إلى القَدَر، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن أبي حاتم عن
صالح بن أحمد، عن ابن المدينيّ، عن ابن مهديّ: قال الثوريّ: لم أر ها هنا
شيخاً مثله، قال عليّ ابن المدينيّ: وقلت ليحيى بن سعيد: أيما أحب إليك،
سلام، أو أبو الأشهب؟ فقال: ما أقربهما، ونقل ابن خلفون عن ابن نمير،
وأحمد بن صالح توثيقه.
وقال ابن سعد: تُؤُفّي قبل حماد بن سلمة، وقال البخاري عن محمد بن
محبوب: مات آخر سنة سبع وستين ومائة، وقال غيره: مات سنة أربع وستين
ومائة.
أخرج ه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَذَتُهُ، وهو (٤٦٣) من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه آخر]: رواية سلّام بن مسكين عن ثابت هذه ساقها ابن حبّان في
((صحيحه) عن شيخ الحسن بن سفيان، عن شيبان بسند المصنّف، فقال:
(٢٨٩٤) - أخبرنا الحسن بن سفيان، حدّثنا شيبان بن فَرُّوخ، أخبرنا
سلّام بن مسكين، حدّثنا ثابت، عن أنس، قال: ((خَدَمت رسول اللهِلَّهِ عشرَ

٤٣١
(١٣) - بَابٌ فِي حُسْنِ خُلُقِهِ وَّهِ - حديث رقم (٥٩٩٦)
سنين، فما قال لي: أف قطّ، ولا قال لي: أَلَا صنعت كذا وكذا؟ ولِمَ تصنع
كذا وكذا؟)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٥٩٩٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنْ
إِسْمَاعِيلَ - وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ - قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلٌ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ،
عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ الْمَدِينَةَ أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي
إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَنَساً غُلَامٌ كَيِّسٌ، فَلْيَخْدُمْكَ، قَالَ:
فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَاللهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا
هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا؟).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ
المروزيّ، نزيل بغداد، أُبو عبد الله، أحد الأئمة، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ حجةٌ وهو رأس
الطبقة [١٠] (ت ٢٤١) وله سبع وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان) ٨٠/ ٤٢٧.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ) بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ
المعروف بابن عُلَيّة، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) وهو ابن ثلاث وثمانين (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٣/٢.
٤ - (عَبْدُ العَزِيزِ) بن صُهيب البنانيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
و ((أنس)) رُبه ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَّتُهُ، وهو (٤٦٤) من رباعيّات الكتاب، وأنه
مسلسلٌ بالبصريين، غير شیخیه، فبغدادیّان.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) رَبَّ أنه (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ) بكسر الدال، (رَسُولُ اللهِ وَهِ الْمَدِينَةَ
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١٥٣/٧.

٤٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ) هو زوج أم سُليم والدة أنس، واسمه زيد بن سهل الأنصاريّ
المتوفّى سنة (٣٤هـ) وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في ((الحيض)) ٧٢٠/٧.
(بِيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّ) لا تعارض بين هذا وبين ما جاء في
الرواية الأخرى من أن أم سُليم هي التي أتت به النبيّ وَطّ؛ لإمكان الجمع
بأنهما جميعاً أتيا به، بعد تشاورهما، واتّفاقهما على ذلك، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَنَساً غُلَامٌ كَيِّسٌ) بفتح الكاف، وتشديد الياء
المكسورة، وآخره سين مهملة، وهو ضدّ الأحمق، وقال ابن الأثير: الكيّس:
العاقل، وقد كاس يكيس كَيْساً، والكَيْس: العقل، قاله في ((العمدة)(١).
وقال في ((الهدي)): قوله: ((غلام كيّس)) بالتثقيل، والتخفيف؛ أي: فَطِنٌ،
والكَيْسُ هنا ضدّ العَجْز، فيكون بالتخفيف فقط. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ تَخْتُهُ: الْكَيْسُ وزانُ فَلْس: الظَّرْفُ، والْفِطْنة، وقال ابن
الأعرابيّ: العَقْل، ويقال: إنه مُخَفَّف من كَيّسٍ، مثلُ هَيْنٍ وهَيِّنٍ، والأول
أصح؛ لأنه مصدر من كَاسَ كَيْساً، من باب باع، وأما المثقل فاسم فاعل،
والجمع: أَكْيَاسٌ، مثل جَيِّدٍ وأجياد. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أفاد ما سبق أن ((كيساً)) هنا يجوز فيه
الوجهان: التشديد، والتخفيف، والله تعالى أعلم.
(فَلْيَخْذُمْكَ) تقدّم أنه من بابي ضرب، ونصر. (قَالَ) أنس (فَخَدَمْتُهُ فِي
السَّفَرِ)؛ أي: كما في غزوة تبوك، (وَالْحَضَرِ)؛ أي: مدّة وجوده في المدينة،
(وَاللهِ مَا قَالَ لِي) منكِراً عليّ، (لِشَيْءٍ)؛ أي: لأجل شيء (صَنَعْتُهُ) مما لا يُحب
أن يُصنع هكذا، (لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ)؛ أي: تركت
صُنعه، (لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا؟)؛ أي: على الصفة التي يريد أن يصنع له
عليها، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث،
ولله الحمد والمنّة.
(١) ((عمدة القاري)) ٦٦/١٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٤٥/٢.
(٢) ((هدي الساري)) ١/ ١٨١.

٤٣٣
(١٣) - بَابٌ فِي حُسْنِ خُلُقِ نَِّ - حديث رقم (٥٩٩٧)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٥٩٩٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، حَدَّثَنِي سَعِيدٌ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي بُرْدَةَ - عَنْ أَنَسٍ،
قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ تِسْعَ سِنِينَ، فَمَا أَعْلَمُهُ قَالَ لِي قَطَّ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَّا
وَكَذَا؟ وَلَا عَابَ عَلَّ شَيْئاً قَطُّ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز
الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، وكان يدلِّس، وسماعه من أبي
إسحاق بأَخَرَة [٦] (ت٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ،
وروايته عن ابن عمر مرسلة [٥] (ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٣٣٣/١٦.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن
عبد الله بن نُمير.
وقوله: (تِسْعَ سِنِينَ) تقدّم أنه لا تعارُض بينه وبين ما تقدّم من قوله:
((عشر سنين))؛ لإمكان الجمع بأنه كان تسعاً وكسراً، فمرّةً ألغى الكسر، ومرّةً
لم يُلغه، قال النوويّ تَخْتُهُ: وأما قوله: ((تسع سنين))، وفي أكثر الروايات:
((عشر سنين))، فمعناه أنها تسع سنين وأشهُر، فإن النبيّ ◌َّ أقام بالمدينة عشر
سنين تحديداً، لا تزيد، ولا تنقص، وخَدَمه أنس في أثناء السنة الأولى، ففي
رواية التسع لم يَحْسُب الكسر، بل اعتبر السنين الكوامل، وفي رواية العشر
حسبها سنةً كاملةً، وكلاهما صحيح، وفي هذا الحديث بيان كمال خُلُقه وَّةِ،
وحُسن عِشرته، وحلمه، وصَفْحه. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفَى، ولله الحمد
والمنّة.
(١) ((شرح النوويّ)) ٧١/١٥.

٤٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٥٩٩٨] (٢٣١٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ زَيْدُ بْنُ یَزِيدَ، أَخْبَرَنَا
عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ - قَالَ: قَالَ إِسْحَاقُ: قَالَ أَنَسرٌ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقاً، فَأَرْسَلَنِي يَوْماً لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا
أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللهِ نَّهَ، فَخَرَجْتُ، حَتَّى أَمُرَّ عَلَى
صِبْيَاٍ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ وََّ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي،
قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَضْحَلُكُ، فَقَالَ: ((يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ (١) حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟»،
قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ أَنَسٌ: وَاللهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ،
مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: هَلَّا فَعَلْتَ
كَذَا وَكَذَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ) الثّقَفيّ البصريّ، ثقة [١١] (م) من
أفراد المصنّف تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧.
[تنبيه]: قوله: ((الرَّقَاشيّ)) بفتح الراء، وتخفيف القاف، بعدها شين
معجمة: نسبة إلى امرأة اسمها رَقَاش بنت قيس، قاله في ((اللباب))(٢).
٢ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ، ثقة [٩]
(ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٥.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العِجْليّ، اليماميّ، أصله من البصرة، صدوقٌ
يَغْلَط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥]
مات قبيل الستين ومائة (خت م ٤) تقدم في (الإيمان)) ١٥٥/١٢.
٤ - (إِسْحَاقُ) بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريّ المدنيّ أبو يحيى، ثقةٌ
حجةٌ [٤] (ت١٣٢) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٣٠/ ٦٦٧.
و((أنس)) هُبه ذُكر قبله.
(١) وفي نسخة: ((ذهبتَ؟)) بحذف همزة الاستفهام.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٣/٢.

٤٣٥
(١٣) - بَابٌ فِي حُسْنِ خُلُقِ وَلِ - حديث رقم (٥٩٩٨)
شرح الحديث:
عن عكرمة بن عمّار أنه (قَالَ: قَالَ إِسْحَاقُ) بن عبد الله بن أبي طلحة،
(قَالَ أَنَسِّ) ◌َبه (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقاً) قال ابن
الأثير تَتُهُ: الخُلُق - بضم اللام، وسُكونها -: الدِّين، والطَّبْع، والسَّجِيَّة،
وحقيقتُه أنه لِصُورة الإنسانِ الباطنة، وهي نفْسُه، وأوْصافُها، ومَعانِيها المُخْتَصَّة
بها، بمنزلة الخَلْقِ لِصُورته الظاهرة، وأوْصافِها، ومَعانيها، ولهما أوصاف
حَسَنة، وقَبيحة، والثَّواب، والعِقاب يَتَعَلَّقان بأوصاف الصُّورة الباطنة أكثر مما
يَتَعَلَّقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكرّرت الأحاديث في مَدْح حُسْن
الخُلُق في غير موضع. انتهى(١).
(فَأَرْسَلَنِي بَوْماً لِحَاجَةٍ)؛ أي: لقضائها، (فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَذْهَبُ) قال في
(فتح الودود)): ظاهره أن أنساً قال له وَله، وعليه حَمَله شُرّاح الحديث، ويَرِدُ
عليه أنه كيف خالف أمر النبيّ وَلّ ظاهراً؟ وكيف حلف بالله كاذباً؟ وكيف
حمله النبيّ وَّر على الذهاب بعد الحلف؟ وأجاب في بعض الشروح عن بعض
هذه الإيرادات بجواب يصلح جواباً عن الكلّ، فقال: إن هذا القول صدر عن
أنس في صِغَره، وهو غير مكلَّف. انتهى (٢).
(وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللهِ نَّهِ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى
صِبْيَانٍ)؛ أي: فخرجت أذهب إلى أن مررت على صبيان، وجاء بصيغة
المضارع استحضاراً لتلك الحالة، وقال الطيبيّ كَُّهُ: قوله: ((حتى أمرّ)) حكاية
الحال الماضية، كما تقول: شربت الإبل حتى تجرّ بطنها، ويجوز أن تكون
((حتّى)) ناصبةً بمعنى ((كي)). انتهى(٣)، وقوله: (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) جملة منصوبة على
الحال؛ أي: والحال أنهم يلعبون (فِي السُّوقِ، فَإِذَا) هي الفجائيّة؛ أي:
ففاجأني (رَسُولُ اللهِ وَّ﴾ حال كونه (قَدْ قَبَضَ)؛ أي: أخذ (بِقَفَايَ) بفتح ياء
المتكلم، والقفا مؤخر العنق، (مِنْ وَرَائِي، قَالَ) أنس (فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ) وَِّ (وَهُوَ
يَضْحَك) جملة حاليّة، (فَقَالَ) وَ ((يَا أُنَيْسُ) صغّره للملاطفة، (أَذَهَبْتَ) ووقع
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٤٤/٢.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٧٠٠/١٢.
(٢) ((عون المعبود)) ٨٩/١٣.

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
في بعض النسخ بلفظ: ((ذهبتَ؟)) بحذف همزة الاستفهام. (حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟)))؛
أي: إلى المكان الذي أمرتك بالذهاب إليه. (قَالَ) أنس (قُلْتُ: نَعَمْ أَنَا أَذْهَبُ)
الآن (يَا رَسُولَ اللهِ) قال الطيبيّ كَّتُ: قول أنس رَُّه: ((نعم)) في جواب
النبيّ وَّ: ((أذهبت حيث أمرتك؟)) مع أنه لم يذهب منبىء عن عزمه على ذهابه
إلى المأمور به، فإنه قد جزم بذهابه إليه، فكأنه قد ذهب، ولهذا قال: أنا
ذاهب، ويُحمَلُ قوله لرسول الله وَله: ((والله لا أذهب))، وأمثاله على أنه كان
صبيّاً غير مكلّف. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَّهُ: هذا القول صدر عن أنس في حال صغره، وعدم
كمال تمييزه؛ إذ لا يصدر مثله ممن كمل تمييزه، وذلك أنه حلف بالله على
الامتناع من فعل ما أمره به رسول الله بَّه مشافهةً، وهو عازمٌ على فعله، فجَمَع
بين مخالفة رسول الله صل* وبين الإخبار بامتناعه، والحلف بالله على نفي ذلك
مع العزم على أنه كان يفعله، وفيه ما فيه، ومع ذلك فلم يلتفت النبيّ وَّ لشيء
من ذلك، ولا عرَّج عليه، ولا أَدّبه، بل داعبه، وأخذ بقفاه، وهو يضحك رفقاً
به، واستلطافاً له، ثم قال: ((يا أنيس! أذهبت حيث أمرتك؟))، فقال له: أنا
أذهب، وهذا كله مقتضى خُلُقه الكريم، وحِلْمه العظيم وَطِّ. انتهى(٢).
(قَالَ أَنَسِرٌ) رَّه (وَاللهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ:
لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: هَلََّّ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا) (هلَّا)) بتشديد
اللام، ومعناها إذا دخلت على الماضي التوبيخ، أو اللوم على ترك الفعل.
والمعنى: لم يقل رسول الله وَليل الشيء صنعته: لِمَ صنعته؟، ولا لشيء لم
أصنعه، وكنت مأموراً به: لِمَ لا صنعته؟، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ظله هذا بهذا السياق من أفراد
المصنّف نَّتُهُ .
(١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٧٠١/١٢.
(٢) ((المفهم)) ١٠٣/٦ - ١٠٤.

٤٣٧
(١٣) - بَابٌ فِي حُسْنِ خُلُقِهِ وَّر - حديث رقم (٥٩٩٩)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٩٨/١٣ و٥٩٩٩] (٢٣١٠)، و(أبو داود) في
((الأدب)) (٤٧٧٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٥٩٩٩] (.) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَأَبُو الرَّبِيع، قَالَا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقاً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو عُبيدة
التَُّّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] (ت١٨٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
٢ - (أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعِيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ
[٥] (ت١٢٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ تَُّ في ((التقييد)) بعد أن ساق سند
المصنّف هذا ما نصّه: هكذا إسناد هذا الحديث عند أبي أحمد وغيره، وفي
نسخة أبي العلاء: حدّثنا شيبان، وأبو الربيع، قالا: نا عبد الواحد، عن أبي
التيّاح، جَعَل مكان عبد الوارث عبد الواحد، والصواب: عبد الوارث، وهو
ابن سعيد التّثُوريّ، صاحب أبي التّاح. انتهى(١).
[تنبيه آخر]: هذا الحديث مختصر من حديث أنس ظُه قد تقدّم
للمصنّف مطوّلاً في ((كتاب الآداب)) قال:
[٥٦١٠/٦] (٢١٥٠) - (حدّثنا أبو الربيع سليمان بن داود العَتَكيّ، حدّثنا
عبد الوارث، حدّثنا أبو النّاح، حدّثنا أنس بن مالك (ح) وحدّثنا شيبان بن
فَرُّوخ - واللفظ له - حدّثنا عبد الوارث، عن أبي التيّاح، عن أنس بن مالك،
(١) ((تقييد المهمل)) ٩١١/٣.

٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
قال: ((كان رسول الله وَله أحسن الناس خُلُقاً، وكان لي أخٌ، يقال له: أبو
عُمير - قال: أحسبه قال ــ: كان فَطِيماً، قال: فكان إذا جاء رسول الله وَّه،
فرآه، قال: أبا عُمير ما فعل النُّغَير؟ قال: فكان يَلْعَبُ به)). انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله في ذلك
الموضع، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٤) - (بَابٌ فِي سَخَائِهِ وََّ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٠٠٠] (٢٣١١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: مَا سُئِلَ
رَسُولُ اللهِ شَيْئاً قَطُّ، فَقَالَ: لَا)(١).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر قبل حديثين.
٢ - (عَمْرٌو النَّقِدُ) ابن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريباً.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (ابْنُ الْمُنْكَدِرٍ) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير
(١) قال الجامع عفا الله عنه وعن والديه: هذا الحديث نهاية الألف السادس، وقد انتهيت منه
- بحمد الله تعالى وتوفيقه - بعد صلاة العشاء يوم السبت ١٤٣٢/٨/٢٩ هـ الموافق ٣٠
يولية ٢٠١١م، وكانت المدّة التي بين نهاية الألف الخامس الماضي، ونهاية الألف
السادس هذا سنة كاملة إلا أربعة أيام، وهذا من عظيم فضل الله تعالى عليّ، وحسن
توفيقه، الحمد لله ربّ العالمين، الحمد لله حمداً كثيراً طيّاً مباركاً فيه، مباركاً عليه، كما
يحبّ ربنا ويرضى، سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك،
وأسألك اللهمّ أن توفّقني لإتمام الكتاب على الوجه المطلوب، وفي وقت قريب، إنك
سميع قريب مجيب، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك.

٤٣٩
(١٤) - بَابٌ فِي سَخَائِهِ نَّهِ - حديث رقم (٦٠٠٠)
- بالتصغير - التيمي المدني، ثقة فاضل من الثالثة، مات سنة ثلاثين أو بعدها،
تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ
تقدّم قريباً .
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخَّتُهُ، وهو (٤٦٦) من رباعيّات الكتاب، وفيه
جابر بن عبد الله أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ) وفي رواية الإسماعيليّ من طريق أبي الوليد الطيالسيّ،
ومن طريق عبد الله بن المبارك، كلاهما عن سفيان، سمعت محمد بن المنكدر
أنهِ (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿ّ (قَالَ: مَا) نافية، (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ شَيْئاً
قَطُّ، فَقَالَ: لَا) وفي رواية البخاريّ: ((ما سُئل النبيّ وَّر عن شيء قط، فقال:
لا))، قال الكرمانيّ: معناه: ما طُلِب منه شيء من أمر الدنيا، فمَنَعه، قال
الفرزدق في زين العابدين [من البسيط]:
مَا قَالَ لَا قَظُ إِلَّ فِي تَشَهُّدِهِ
لَوْلَا التَّشَهُّدُ كَانَتْ لاؤُهُ نَعَم(١)
وقال فيه أيضاً :
حُلْوُ الشَّمَائِلِ يَحْلُو عِنْدَهُ نَعَمُ
حَمَّالُ أَثْقَالِ أَقْوَامِ إِذَا فُدِحُوا
لَوْلَا التَّشَهُّدُ لَمْ يَنْطِقْ بِذَاكَ فَمُ(٢)
مَا قَالَ لَا قَظُ إِلَّ فِي تَشَهُّدِهِ
قال الحافظ: وليس المراد أنه يعطي ما يُطلب منه جزماً، بل المراد أنه
لا ينطق بالردّ، بل إن كان عنده أعطاه، إن كان الإعطاء سائغاً، وإلا سكت،
وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية، أخرجه ابن سعد، ولفظه:
((إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإذا لم يُرِدْ أن يفعل سكت))، وهو قريب
من حديث أبي هريرة ظبه: ((ما عاب طعاماً قطّ، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه))،
متفقٌ عليه.
(١) ((عمدة القاري)) ١١٩/٢٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)» ٣٧٠٢/١٢.

٤٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وقال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام: معناه: لم يقل: ((لا)) منعاً
للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذاراً، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْتَ
لَآ أَجِدُ مَآ أَخِلُكُمْ عَيْهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٢]، ولا يخفى الفرق بين قول: لا
أجد ما أحملكم، وبين لا أحملكم.
قال الحافظ: وهو نظير ما تقدم في حديث أبي موسى الأشعريّ لَمّا سأل
الأشعريون الْحُمْلان، فقال النبيّ وَله: (ما عندي ما أحملكم))، لكن يُشكل
على ما تقدم أن في حديث الأشعريّ المذكور أنه وَّ ر حلف لا يحملهم، فقال:
((والله لا أحملكم))، فيمكن أن يُخَصّ من عموم حديث جابر بما إذا سئل ما
ليس عنده، والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذلك، أو حيث كان المقام لا يقتضي
الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة، أو من حال السائل؛ كأن يكون لم
يعرف العادة، فلو اقتصر في جوابه على السكوت مع حاجة السائل لتمادى على
السؤال مثلاً، ويكون القَسَمُ على ذلك تأكيداً لِقَطع طمع السائل، والسر في
الجمع بين قوله: ﴿لَّ أَجِدُ مَآ أَخْلُكُمْ﴾، وقوله: ((والله لا أحملكم)) أن
الأول لبيان أن الذي سأله لم يكن موجوداً عنده، والثاني أنه لا يتكلف الإجابة
إلى ما سئل بالقرض مثلاً، أو بالاستيهاب؛ إذ لا اضطرار حينئذ إلى ذلك.
وفَهِمَ بعضهم مِن لازم عدم قول: ((لا)) إثبات نَعَم، ورتَّب عليه أنه يلزم
منه تحريم البخل؛ لأن من القواعد أنه * إذا واظب على شيء كان ذلك
علامة وجوبه، والترجمة (١) تقتضي أن البخل مكروه.
وأجيب بأنه إذا تم هذا البحث حُملت الكراهة على التحريم، لكنه لا
يتمّ؛ لأن الذي يحرم من البخل ما يمنع الواجب.
سَلَّمنا أنه يدلّ على الوجوب، لكن على من هو في مقام النبوة؛ إذ مقابله
نقصٌ، مُنَزَّه عنه الأنبياء، فيختص الوجوب بالنبيّ وَّ، والترجمة تتضمن أن من
البخل ما يكره، ومقابله أن منه ما يحرم، كما أن فيه ما يباح، بل ويستحبّ،
بل ويجب، فلذلك اقتصر المصنف - يعني: البخاريّ - على قوله: ((يكره).
انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
(١) يعني: ترجمة البخاريّ في ((صحيحه)) بقوله: ((باب حسن الخلق، والسخاء، وما
يُكره من البخل)). انتهى.
(٢) ((الفتح)) ٤٥٨/١٠.