النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ (٩) - بَابُ إِثْبَاتٍ حَوْضٍ نَبَِّ،وَهَ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٥) (وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ) وفي حديث ابن عمر ◌ًَّا عند الترمذيّ: ((أطيب ريحاً من المسك))، ومثله في حديث أبي أمامة، عند ابن حبان: ((أطيب رائحةً))، وزاد ابن أبي عاصم، وابن أبي الدنيا في حديث بُريدة: ((وألْيَن من الزُّبْد))، وزاد مسلم من حديث أبي ذرّ، وثوبان: ((وأحلى من العسل))، ومثله لأحمد عن أبيّ بن كعب، وله عن أبي أمامة: ((وأحلى مَذَاقاً من العسل))، وزاد أحمد في حديث ابن عمر، وفي حديث ابن مسعود: ((وأبرد من الثلج)»، وكذا في حديث أبي بَرْزة، وعند البزار من رواية عديّ بن ثابت، عن أنس، ولأبي يعلى من وجه آخر عن أنس، وعند الترمذيّ في حديث ابن عمر: ((وماؤه أشدّ برداً من الثلج))(١). (وَكِيزَانُهُ) وفي بعض النسخ: ((كيزانه)) بلا واو، وهو بكسر الكاف: جمع كُوز، قال في ((التاج)): الكُوزُ بالضَّمِّ من الأَواني مَعروفٌ، يقال: إنه من كازَ الشيءَ إذا جمعَه، جمعه أَكوازٌ، وكِيزانٌ، وكِوَزَةٌ، حكاها سيبويه، مثلُ عُودٍ، وأَعوادٍ، وعِيدانٍ، وعِوَدَةٍ. انتهى (٢). (كَنُجُومِ السَّمَاءِ)، وفي حديث أنس الآتي: ((وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء))، ولأحمد من رواية الحسن، عن أنس: ((أكثر من عدد نجوم السماء))، وفي حديث المستورِد الآتي: ((تُرَى فيه الآنية مثل الكواكب))، ويأتي لمسلم عن ابن عمر: ((فيه أباريق كنجوم السماء)). وقال النوويّ كَُّ: وفي رواية: ((فيه أباريق كنجوم السماء))، وفي رواية: ((والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء، وكواكبها))، وفي رواية: ((وأن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء))، وفي رواية: ((آنيته عدد النجوم))، وفي رواية: ((ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء))، وفي رواية: ((كأن الأباريق فيه النجوم)). قال: والمختار الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره، وأنها أكثر عدداً من نجوم السماء، ولا مانع عقليّ، ولا شرعيّ، يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكّداً، كما قال ◌َله: ((والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء)). (١) ((الفتح)) ١٧٦/١٥، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٥٧٥). (٢) (تاج العروس)) ١/ ٣٧٩٧. ٣٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقال القاضي عياض: هذا إشارة إلى كثرة العدد، وغايته الكثيرة من باب قوله وَ﴾: ((لا يَضَعُ العصا عن عاتقه)»، وهو باب من المبالغة معروف في الشرع، واللغة، ولا يُعَدّ كذباً؛ إذا كان المخبَر عنه في حيز الكثرة والعِظَم، ومبلغ الغاية في بابه، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، قال: ومثله: كلّمته ألفَ مرة، ولقيته مائة كَرّة، فهذا جائز إذا كان كثيراً، وإلا فلا. انتهى كلام القاضي عياض، قال النوويّ: والصواب الأول(١)؛ يعني: كونه على حقيقته، لا أنه من باب المبالغة، والله تعالى أعلم. (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الحوض، وفي رواية للبخاريّ: ((من منها))؛ أي: من الكيزان، (فَلَا يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدً))؛ أي: فلا يَعْطش أبداً، وزاد ابن أبي عاصم في حديث أُبَيّ بن كعب: ((ومن صُرف عنه لم يَرْوَ أبداً»(٢). (قَالَ) ابن أبي مليكة، فهو موصول بالسند المذكور، وليس معلّقاً، جَمَع مسلم بين حديث عبد الله بن عمرو، وحديث أسماء بسند واحد، وقد فرّق البخاريّ بينهما بنفس السند، (وَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ◌ِؤُهَا، تقدّمت ترجمتها في «الطهارة)) ٦٨١/٣٣. (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ، حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ أُنَاسٌ دُونِي)؛ أي: دون أن يصلوا إليّ، قال في ((الفتح)): هو مبيِّن لقوله في حديث ابن مسعود رَُّه: ((ثم لَيُخْتَلَجُنَّ دوني))، وأن المراد طائفة منهم. (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مِنِّي، وَمِنْ أُمَّتِي؟) فيه ردّ لقول من حَمَلهم على غير هذه الأمة، (فَيُقَالُ) القائل له هو الله تعالى، كما بُيّن في رواية أخرى، ويَحْتَمِل أن يكون المَلَك، (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه؛ كألا، (شَعَرْتَ) بفتح العين المهملة؛ أي: علمت، (مَا) موصولة مفعول ((شعر))، (عَمِلُوا بَعْدَكَ) فيه إشارة إلى أنه لم يعرف أشخاصهم بأعيانها، وإن كان قد عرف أنهم من هذه الأمة بالعلامة. (وَاللهِ مَا بَرِحُوا) بكسر الراء؛ أي: ما زالوا (بَعْدََكَ)؛ أي: بعد موتك، أو بعد مفارقتهم إياك، (يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ)))؛ أي: يرتدّون، كما في حديث الآخَرين. (قَالَ) نافع بن عمر، فهو موصول بالسند المذكور، (فَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا، أَوْ أَنْ نُفْتَنَ) بالبناء (١) ((شرح النوويّ)) ٥٥/١٥ - ٥٧. (٢) ((عمدة القاري)) ١٣٩/٢٣. ٣٢٣ (٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبِيِّنَا وَهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٥) للمفعول، وفي بعض النسخ: ((أو نفتن)) بحذف ((أن))، (عَنْ دِينِنَا) أشار ابن أبي مليكة تَخّثهُ بهذا إلى أن الرجوع على العقب كناية عن مخالفة الأمر الذي تكون الفتنة سببه، فاستعاذ منهما جميعاً(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأسماء بنت أبي بكر ◌ّ هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٥٥/٩] (٢٢٩٢ و٢٢٩٣)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٥٧٩ و٦٥٩٣) و((الفتن)) (٧٠٤٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٤٥٢)، و(الطبرانيّ) في («الأوسط)) (١٤٣/٥ و٢٧/٩)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٤٣٢/٦)، و(البيهقيّ) في ((البعث والنشور)) (١٤٠)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٧٢٨)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (١٠٦٧ و١٠٧٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان إثبات حوض النبيّ وَل. ٢ - (ومنها): بيان سعته، وأنه مسافة شهر، وأن زواياه متساوية، وسيأتي بيان الجمع بين مختلف الروايات في ذلك في المسألة التالية. ٣ - (ومنها): بيانه صفته، وأنه أبيض من الفضّة، واللبن، وأحلى من العسل . ٤ - (ومنها): بيان كثرة كيزانه، ككثرة نجوم السماء. ٥ - (ومنها): أن من شرب منه مرّة لا يظمأ بعدها أبداً. ٦ - (ومنها): بيان شفقة النبيّ ◌َ﴿ على أمته، وشدّة عنايته بهم، فإنه ينتظرهم في ذلك اليوم العظيم، حتى يقوم بإزالة ما أصابهم من الكرب والعطش، فيناولهم الكؤوس ليزول ما بهم من البؤس، اللهم اجعلنا ممن يشرب الحوض من يده وَ﴾ آمين. (١) ((الفتح)) ١٧٦/١٥، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٥٧٥). ٣٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل ٧ - (ومنها): بيان شؤم الابتداع والانحراف عن سنّته وَّ، ومنهجه القويم، فإنه يكون سبباً للطرد من ذلك الشراب اللذيذ الكريم، اللهم إنا نعوذ بك من ذلك الموقف الذميم آمين . ٨ - (ومنها): أن في قول ابن أبي مليكة كثّثُهُ: ((اللهم إنا نعوذ بك ... إلخ)) أنه ينبغي لمن قرأ هذا الحديث، أو نحوه أن يتعوّذ بالله مما ذُكر فيه من البلاء والفتن، ويؤيّد هذا أن هذا كان من هديه وَ لهم في قراءة القرآن، فقد أخرج أحمد في ((مسنده)) من حديث حذيفة رظُبه حديثاً طويلاً، وفيه: ((لا يمرّ بآية فيها استبشار إلا دعا الله رم، ورَغِب، ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا الله ريَّ، واستعاذ))، وفي رواية أبي داود: ((لا يمر بآية رحمة إلا وَقَف، وسأل، ولا يمر بآية عذاب، إلا وقف، وتعوّذ))، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الروايات في تحديد سعة حوض النبيّ ◌َل ◌َه: (اعلم): أنه قد اختُلِف في ذلك اختلافاً كثيراً، فوقع في حديث أنس رضيه: ((كما بين أيلة وصنعاء من اليمن))، ووقع في حديث جابر بن سمرة أيضاً: ((كما بين صنعاء وأيلة))، وفي حديث حذيفة مثله، لكن قال: عدن بدل صنعاء، وفي حديث أبي هريرة: ((أبعد من أيلة إلى عدن))، وفي حديث أبي ذرّ: ((ما بين عُمَان إلى أيلة))، وفي حديث أبي بردة عند ابن حبان: ((ما بين ناحيتي حوضي كما بين أيلة وصنعاء، مسيرة شهر))، وهذه الروايات متقاربة؛ لأنها كلها نحو شهر، أو تزيد، أو تنقص. ووقع في روايات أخرى التحديد بما هو دون ذلك، فوقع في حديث عقبة بن عامر، عند أحمد: ((كما بين أيلة إلى الجحفة))، وفي حديث جابر: (كما بين صنعاء إلى المدينة))، وفي حديث ثوبان: ((ما بين عدن وعَمّان البلقاء))، ونحوه لابن حبان، عن أبي أمامة، وعَمّان هذه بفتح المهملة، وتشديد الميم، للأكثر، وحُكِي تخفيفها، وتُنسب إلى البلقاء؛ لِقُرْبها منها، والبلقاء بفتح الموحدة، وسكون اللام، بعدها قاف، وبالمدّ بلدة معروفة من فلسطین . وعند عبد الرزاق في حديث ثوبان: ((ما بين بُصْرَى إلى صنعاء، أو ما ٣٢٥ (٩) - بَابُ إِثْبَاتٍ حَوْضٍ نَبَِّ وَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٥) بين أيلة إلى مكة))، وبصرى بضم الموحدة، وسكون المهملة، بلد معروف بطرف الشام من جهة الحجاز. وفي حديث عبد الله بن عمرو، عند أحمد: ((بُعْد ما بين مكة وأيلة))، وفي لفظ: ((ما بين مكة وعمان))، وفي حديث حُذيفة بن أَسِيد: ((ما بين صنعاء إلى بصرى))، ومثله لابن حبان في حديث عتبة بن عبد، وفي رواية الحسن، عن أنس، عند أحمد: ((كما بين مكة إلى أيلة، أو بين صنعاء ومكة))، وفي حديث أبي سعيد عند ابن أبي شيبة، وابن ماجه: ((ما بين الكعبة إلى بيت المقدس))، وفي حديث عتبة بن عبد عند الطبرانيّ: ((كما بين البيضاء إلى بصرى))، والبيضاء بالقرب من الرَّبَذَة البلد المعروف بين مكة والمدينة، وهذه المسافات متقاربة، وكلّها ترجع إلى نحو نصف شهر، أو تزيد على ذلك قليلاً، أو تنقص، وأقل ما ورد في ذلك ما يأتي في رواية لمسلم في حديث ابن عمر من طريق محمد بن بشر، عن عبيد الله بن عمر، بسنده، وزاد: قال: قال عبيد الله: فسألته، قال: قريتان بالشام، بينهما مسيرة ثلاثة أيام. ونحوه له في رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله بن عمر، لكن قال: ((ثلاث ليال)). وقد جمع العلماء بين هذا الاختلاف، فقال عياض: هذا من اختلاف التقدير؛ لأن ذلك لم يقع في حديث واحد، فيُعَدَّ اضطراباً من الرواة، وإنما جاء في أحاديث مختلفة، عن غير واحد من الصحابة، سمعوه في مواطن مختلفة، وكان النبيّ ◌َّه يضرب في كل منها مَثَلاً لِبُعد أقطار الحوض، وسعته بما يسنح له من العبارة، ويقرّب ذلك للعلم ببُعد ما بين البلاد النائية، بعضِها من بعض، لا على إرادة المسافة المحققة، قال: فبهذا يُجمع بين الألفاظ المختلفة من جهة المعنى. انتهى ملخصاً. قال الحافظ لَّلُهُ: وفيه نظر من جهة أن ضرب المثل والتقدير إنما يكون فيما يتقارب، وإما هذا الاختلاف المتباعد الذي يزيد تارة على ثلاثين يوماً، وينقص إلى ثلاثة أيام فلا، قال القرطبيّ: ظنّ بعض القاصرين أن الاختلاف في قدر الحوض اضطرابٌ، ولیس کذلك، ثم نقل كلام عياض، وزاد: وليس اختلافاً، بل كلها تفيد أنه كبير متسع متباعد الجوانب، ثم قال: ولعل ذِكره للجهات المختلفة بحسب مَن حضره ممن يَعرف تلك الجهة، فيخاطِب كل قوم بالجهة التي يعرفونها . ٣٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وأجاب النوويّ بأنه ليس في ذِكر المسافة القليلة ما يدفع المسافة الكثيرة، فالأكثر ثابت بالحديث الصحيح، فلا معارضة، وحاصله: أنه يشير إلى أنه أخبر أوّلاً بالمسافة اليسيرة، ثم أُعلم بالمسافة الطويلة، فأخبر بها؛ كأن الله تفضل عليه باتساعه شيئاً بعد شيء، فيكون الاعتماد على ما يدل على أطولها مسافةً، وتقدم قول من جمع الاختلاف بتفاوت الطول والعرض، ورَدُّه بما في حديث عبد الله بن عمرو: ((زواياه سواءٌ)). ووقع أيضاً في حديث النَّوَّاس بن سِمَعان، وجابر، وأبي بَرْزَة، وأبي ذَرّ: ((طوله وعرضه سواءٌ)). وجَمَع غيره بين الاختلافين الأوَّلَين باختلاف السير البطيء، وهو سير الأثقال، والسير السريع، وهو سير الراكب الْمُخِفّ، ويُحْمَل رواية أقلها، وهو الثلاث، على سير البريد، فقد عُهِد منهم من قطع مسافة الشهر في ثلاثة أيام، ولو كان نادراً جِدّاً . قال الحافظ: وفي هذا الجواب عن المسافة الأخيرة نظر، وهو فيما قبله مسلَّم، وهو أَولى ما يُجمع به، وأما مسافة الثلاث، فإن الحافظ ضياء الدين المقدسيّ ذكر في الجزء الذي جَمَعه في الحوض أن في سياق لفظها غَلَطاً، وذلك الاختصار وقع في سياقه من بعض رواته، ثم ساقه من حديث أبي هريرة، وأخرجه من فوائد عبد الكريم بن الهيثم الديرعاقوليّ بسند حسن إلى أبي هريرة مرفوعاً، في ذِكر الحوض، فقال فيه: ((عَرْضه مثل ما بينكم وبين جرباء، وأَذْرُح))، قال الضياء: فظهر بهذا أنه وقع في حديث ابن عمر حَذْف، تقديره: كما بين مقامي وبين جرباء وأذرح، فسقط ((مقامي وبين)). وقال الحافظ صلاح الدين العلائيّ بعد أن حَكَى قول ابن الأثير في ((النهاية)): هما قريتان بالشام، بينهما مسيرة ثلاثة أيام، ثم غَلّطه في ذلك، وقال: ليس كما قال، بل بينهما غلوة سهم، وهما معروفتان بين القدس والكرك، قال: وقد ثبت القَدْر المحذوف عند الدارقطنيّ وغيره، بلفظ: ((ما بين المدينة وجرباء وأذرح)). قال الحافظ: وهذا يوافق رواية أبي سعيد، عند ابن ماجه: ((كما بين الكعبة وبيت المقدس)). ٣٢٧ (٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبِيِّنَوَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٦) وقد وقع ذِكر جرباء وأذرح في حديث آخر عند مسلم، وفيه: ((وافى أهل جرباء وأذرُح بحرسهم إلى رسول الله (وَ لّ))، ذَكَره في غزوة تبوك، وهو يؤيد قول العلائيّ إنهما متقاربتان. وإذا تقرر ذلك رجع جميع المختلف إلى أنه لاختلاف السير البطيء، والسير السريع. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ تَّقُ تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، إلا أن الذي يظهر لي في الجمع ما تقدّم للنوويّ تَّتُهُ، وذلك أنه وَل ◌ِ أخبر أوّلاً بالمسافات القصيرة، ثم أخبر بعد ذلك بالمسافات الطويلة، حيث تفضّل الله عَلَ عليه بالزيادة، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، وبهذا تجتمع الروايات المختلفة في هذا الباب، وتتّفق، والله تعالى وليّ التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٥٦] (٢٢٩٤) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْم، عَنِ ابْنِ خُثَيْم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَّقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِهِ يَقُولُ - وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَي أَصْحَابِهِ -: ((إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ، أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، فَوَاللهِ لَيُقْتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ، فَلأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ مِنِّي، وَمِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سُلَيْم) القرشيّ الطائفيّ، أبو محمد، ويقال: أبو زكريا المكيّ، الحذّاء، الخرّاز،ً قال ابن سعد: طائفيّ سكن مكة، صدوقٌ، سيّء الحفظ [١٠]. (١) ((الفتح)) ١٧٣/١٥ - ١٧٦، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٥٧٩). ٣٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل رَوَى عن عبيد الله بن عمر العُمريّ، وموسى بن عقبة، وداود بن أبي هند، وابن جريج، وإسماعيل بن أمية، وعبد الله بن عثمان بن خثيم، وغيرهم. وروى عنه وكيع، وهو من أقرانه، والشافعيّ، وابن المبارك، ومات قبله، وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، والحميديّ، وقتيبة، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، وغيرهم. قال الميمونيّ عن أحمد بن حنبل: سمعت منه حديثاً واحداً، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: يحيى بن سليم كذا وكذا، والله إن حديثه يعني فيه شيء، وكأنه لم يحمده، وقال في موضع آخر: كان قد أتقن حديث ابن خُثيم، فقلنا له: أعطنا كتابك، فقال: أعطوني رَهْناً، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخٌ صالحٌ، محله الصدق، ولم يكن بالحافظ، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر، وقال الدُّولابيّ: ليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطئ، مات سنة ثلاث، أو أربع وتسعين ومائة، وقال البخاريّ عن أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزة: مات سنة خمس وتسعين، وهو مكيّ، كان يَختلف إلى الطائف، فنُسب إليه، وقال الشافعيّ: فاضلٌ كنا نَعُدّه من الأبدال، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: سُنّيّ رجل صالحٌ، وكتابه لا بأس به، وإذا حدَّث من كتابه فحديثه حسن، وإذا حدَّث حفظاً، فيُعرف، ويُنكَر، وقال النسائيّ في ((الكنى)): ليس بالقويّ، وقال العقيليّ: قال أحمد بن حنبل: أتيته، فكتبت عنه شيئاً، فرأيته يخلط في الأحاديث، فتركته، وفيه شيء، قال أبو جعفر: ولَيَّن أمره، وقال الساجيّ: صدوق يَهِم في الحديث، وأخطأ في أحاديث، رواها عبيد الله بن عمر، لم يَحمده أحمد، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم، وقال الدار قطنيّ: سيئ الحفظ، وقال البخاري في ((تاريخه)) في ترجمة عبد الرحمن بن نافع: ما حدَّث الحميديّ عن یحیی بن سلیم، فهو صحیح. انتھی. أخرج له الستّة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث .. ٣ - (ابْنُ خُثَيْم) هو: عبد الله بن عثمان بن خُثيم القارئ المكيّ، أبو عثمان، حليف بني زُهْرة، صدوقٌ [٥]. ٣٢٩ (٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبِيِّنَ وَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٦) رَوَى عن أبي الطفيل، وصفية بنت شيبة، وقيلة أم بني أنمار، ولها صحبة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي الزبير، وابن أبي مليكة، وغيرهم. ورَوى عنه السفيانان، وابن جريج، ومعمر، ووهيب، ويحيى بن سليم، وغيرهم. قال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ما به بأس، صالح الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال مرّة: ليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، قال عمرو بن عليّ: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقال عبد الله بن الدَّوْرقيّ عن ابن معين: أحاديثه ليست بالقوية، نقله ابن عديّ، وقال: وهو عزيز الحديث، وأحاديثه أحاديث حسان، وقال ابن سعد: توفي في آخر خلافة أبي العباس، أو أول خلافة أبي جعفر، وكان ثقةً، وله أحاديث حسنة، وأخرج النسائيّ في ((الحج)) حديثاً من رواية ابن جريج عنه، عن أبي الزبير، عن جابر، ثم قال: ابن خثيم ليس بالقويّ، إنما أخرجت هذا؛ لئلا يُجعل ابن جريج، عن ابن الزبير، ثم قال: لم يترك يحيى، ولا عبد الرحمن حديث ابن خثيم، إلا أن عليّ ابن المدينيّ قال: ابنُ خثيم منكر الحديث، وكأن عليّاً خُلِقٍ للحديث. انتھی . أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (عَائِشَةُ) بنت أبي بكر الصديق ◌ًا، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقاً، وأفضل أزواج النبيّ وَل﴿ إلا خديجة، ففيهما خلاف شهيرٌ، ماتت سنة سبع وخمسين على الصحيح (ع) تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥. و((عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة)) تقدم في الحديث السابق. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّقُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمكيين، وفيه عائشة أفقه النساء مطلقاً، وأحب الناس إلى النبيّ وَلّ، وأفضل أزواجه، وهي من المكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى. ٣٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل شرح الحديث : (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ) ◌َّا (تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ)، وقوله: (وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَي أَصْحَابِهِ) جملة حاليّة من المفعول؛ أي: بينهم، قال الفيّوميّ تَخْذَتُهُ: يقال: هو نازل بين ظَهْرَانَيْهِمْ - بفتح النون - قال ابن فارس: ولا تُكْسَر، وقال جماعة: الألف والنون زائدتان؛ للتأكيد، وبين ظَهْرَيْهِمْ، وبين أَظْهُرِهِمْ، كلها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأن المعنى: أن ظَهْراً منهم قُدّامه، وظَهْراً وراءه، فكأنه مكنوف من جانبيه، هذا أصله، ثم كَثُر حتى استُعْمِل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف (١) بينهم. انتهى (١). وقال في ((التاج)): هو نازِلٌ بَيْنَ ظَهْرَيْهِم، وظَهْرَانَيْهِم، ولا تُكْسَرُ النّونُ، وكذا بين أَظْهُرِهِمْ؛ أَي: وَسَطُهم، وفي مُعْظَمِهِمْ، قال ابنُ الأَثير: قد تَكررّت هذه اللفظةُ في الحَدِيثِ، والمُرادُ بها أَنّهم أَقَامُوا بينهُم على سَبيلِ الاسْتِظْهارِ، والاسْتِنَادِ إِليهم، وزِيدَت فيه أَلِف ونون مفتوحة تأكيداً، ومعناه أَنّ ظَهْراً منهم قُدّامَه، وظَهْراً وراءَه، فهو مَكْنُوفٌ من جانِبَيْه، ومن جَوَانِبِهِ إِذا قيل: بين أَظْهُرِهِمْ، ثمَّ كَثُرَ، حتَّى استُعمِل في الإِقامةِ بين القوم مُظْلَقاً. انتهى(٢). ((إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ، أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ) بفتح، فكسر، مضارع وَرَد، كوعد، من الورود، وهو الحضور، (عَلَيَّ مِنْكُمْ)؛ أي: من يحضُر ليشرب من حوضي، (فَوَ اللهِ لَيُقْتَطَعَنَّ) بالبناء للمفعول، مبالغة في القطع. (دُونِي)؛ أي: قبل وصولهم إليّ، (رِجَالٌ، فَلأَقُولَنَّ: أَْ رَبِّ مِنِّي) ((أي)) بفتح، فسكون حرف نداء للبعيد، هذا أصلها، ولكن هنا للقريب، وقوله: (وَمِنْ أُمَّتِي) تأكيد لِمَا قبله، (فَيَقُولُ) الرب وَلَ (إِنَّكَ لَا تَذْرِي)؛ أي: لا تعلم (مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ)؛ يعني: أنهم ليسوا منك، ولا من أمتك؛ لأنهم عملوا بعدك أعمالاً تُبعدهم عنك، وتجعلهم في (١) ((المصباح المنير)) ٣٨٧/٢. (٢) (تاج العروس)) ١/ ٣١٣٧. ٣٣١ (٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبِيِّنَا وَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٦) صفّ المطرودين، وقوله: (مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) إشارة إلى أن إحداثهم الأعمال المخالفة لسُنَّتِهِ وَلِّ مستمرّ، حتى ماتوا عليها، وفيه أن المبتدع لو تاب تاب الله عليه، وصار من أمته وَال# أمة الإجابة، ووَرَد حوضه، وشرب منه، اللهم اجعلنا ممن يَرِدُه، ويشرب منه بمنّك ورحمتك، وأنت أرحم الراحمين آمين، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٥٦/٩] (٢٢٩٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/ ١٢١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٣٣/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): هذا الحديث مما انتقده الدار قطنيّ نَظُّهُ في ((التتبّع)»، فقال - بعد إيراده رواية المصنّف هذه بنصّها - ما نصّه: قال أبو الحسن: وقد تابع يحيى بن سُليم هند بن خالد، رواه عن ابن خُثيم مثله، قاله أحمد بن حنبل عن عفّان، قال أبو الحسن أيضاً: وابن خُثيم ضعيف، وخالفه نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن أسماء بنت أبي بكر، وعن ابن عمرو. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: غرض الدار قطنيّ كَّلُهُ بهذا تضعيف رواية ابن خُثيم، حيث خالف، وهو ضعيف نافع بن عمر، وهو ثقة في إسناد هذا الحديث، فجعله عن ابن أبي مليكة، عن عائشة رضي﴿ّا، وجعله نافع عن ابن أبي مُليكة، عن عبد الله بن عمرو، وأسماء بنت أبي بكر ﴿ه، فتكون رواية ابن خثيم بهذا شاذّةً؛ لِمَا ذُكر. والذي يظهر لي أن مسلماً لا يرى هذه المخالفة ضارّة في صحّة الحديث، فالحديث عنده ثابت بالوجهين، ولذا أخرجه بهما، وابن خُثيم، وإن ضعّفه بعضهم، فقد وثّقه الآخرون، كما قدّمنا في ترجمته، فقد قال ابن معين: ثقة حجة، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ما به بأس، صالح الحديث، (١) ((التتبّع)) ٣٧٤ بنسخة رسالة الشيخ ربيع المدخليّ. ٣٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقال النسائيّ في رواية: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، ووثّقه مسلم حيث أخرج هذا الحديث من روايته، وكذا وثّقه ابن حبان، وضعّفه الآخرون. فتصحيح روايةٍ مثلِ هذا ليس ببعيد. والحاصل أن متن الحديث صحيح متّفق عليه، بل متواتر، كما مرّ البحث عنه مستوفَّى، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٥٧] (٢٢٩٥) - (وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمَّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ زَّوْجِ النَّبِّ وَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَذْكُرُّونَ الْحَوْضَ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْماً مِنْ ذَلِكَ، وَالْجَارِيَةُ تَمْشُطُنِي، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((أَيُّهَا النَّاسُ))، فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي، قَالَتْ: إِنَّمَا دَعَا الرِّجَالَ، وَلَمْ يَدْعُ النِّسَاءَ، فَقُلْتُ: إِنِّي مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنِّي لَكُمْ فَرَطْ عَلَى الْحَوْضِ، فَإِيَّايَ، لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ، فَيُذَبَّ عَنِّي، كَمَا يُذَبَّ الْبَعِيرُ الضَّالُ، فَأَقُولُ: فِيمَ هَذَا؟ فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَ، فَأَقُولُ: سُحْقاً)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ) هو: يونس بن عبد الأعلى بن مَيْسَرة الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت٢٦٤) وله ست وتسعون سنة (م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٣/٧٥. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) ذُكر في السند الماضي. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، أبو أيوب، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قديماً قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦. ٤ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ، مولى بني مخزوم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٤/٤. ٣٣٣ (٩) - بَابُ إِثْبَاتٍ حَوْضٍ نَبِيِّنَا وَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٧) ٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ عَبَّاسِ الْهَاشِمِيُّ) هو: القاسم بن العباس بن محمد بن مُعَتِّب بن أبي لَهَب الهاشميَّ، أبو العباس المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٠) أو بعدها (م ٤) تقدم في («الصيام)) ٢٢/ ٢٦٦٧. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَافِعْ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ) المخزوميّ، أبو رافع المدنيّ، ثقةٌ [٣] (م ٤) تقدم في ((الحيضَ)) ١١/ ٧٥٠. ٧ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم المخزومية، أم المؤمنين، تزوجها النبيّ والقر بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنةً، ماتت سنة اثنتين وستين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: قبل ذلك، والأول أصحّ (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٧٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف رَُّهُ، وأنه مسلسلٌ بالمصريين إلى بُكير، والباقون مدنيّون. شرح الحديث: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بن أبي أُميّة المخزوميّ عَّا، وقوله: (زَوْجِ التَّبِّ ◌ََّ) بالجرّ بدلاً، أو عَطْف بيان، (أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ)؛ أي: الصحابة والصحابّات الذين تعيش هي بينهم، (يَذْكُرُونَ الْحَوْضَ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿)؛ تعني: أنه ◌َل حدّث الناس بحديث الحوض بغير حضورها، فكانوا يتحدّثون به كما سمعوه منه وَلّ. (فَلَمَّا كَانَ) وَ (يَوْماً)؛ أي: في يوم (مِنْ ذَلِكَ) الوقت الذي ذكر فيهِّ الحوض، (وَالْجَارِيَةُ تَمْشُطُنِي) جملة حاليّة، و((الجارية)): هي الأمة، قال الفيّوميّ رَّتُهُ: والجَارِيَةُ هي السفينة، سُمِّيت بذلك؛ لِجَرْيها في البحر، ومنه قيل للأَمَة: جَارِيَة على التشبيه؛ لِجَرْيها مُسْتَسْخَرةً في أشغال مواليها، والأصل فيها الشابّة؛ لخفتها، ثم توسعوا حتى سَمُّوا كلّ أمة جاريةً، وإن كانت عجوزاً، لا تقدر على السعي تسميةً بما كانت عليه، والجمع فيهم: الجَوَارِي. انتهى(١). (١) ((المصباح المنير)) ٩٨/١. ٣٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقولها: (تَمْشُطُنِي) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، وكسره، يقال: مَشَطْتُ الشعرَ مَشْطاً، من بابي قتل، وضرب: سَرَّحته، والتثقيل مبالغة، وامْتَشَطَتِ المرأةُ: مَشَطَتْ شعرها، والمُشْطُ الذي يُمتشط به، بضم الميم، وتَميم تَكْسِر، وهو القياس؛ لأنه آلة، والجمع أَمْشَاطٌ، والمُشَاطَةٌ بالضم: ما يَسقط من الشعر عند مَشْطه. انتهى(١). (فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَطِ يَقُولُ)، وفي الرواية التالية: (سمعت النبيّ ◌َُّ يقول على المنبر))، ((أَيُّهَا النَّاسُ))) ناداهم ليحدّثهم بما جاءه من الوحي، (فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: اسْتَأْخِرِي)؛ أي: تأخّري (عَنِّي) واتركي المشط؛ لئلا يمنعني من سماع حديث النبيّ وَّر، وفيه ما كانت عليه أم سلمة يُنا من كمال العقل، ووفور العلم، وشدّة الشغف إلى استماع أحاديث النبيّ وَّر، فإنه وَّ ما قال: ((أيها الناس)) إلا لخير يحثّهم عليه، أو شرّ يحذّرهم منه. (قَالَتْ) الجارية (إِنَّمَا دَعَا الرِّجَالَ)؛ أي بقوله: ((أيها الناس))، (وَلَمْ يَدْعُ النِّسَاءَ) هذا فيه أن الناس إنما يُطلق على الرجال، لكن هذا فَهْم الجارية، ولعلها لكونها عجميّة ما علمت إطلاقه على النساء، ولذا ردّت عليها أم سلمة حيث قالت: (فَقُلْتُ: إِنِّي مِنَ النَّاسِ)؛ أي: يشملني لفظ الناس، قال المجد تَخْتُ: النَّاسُ يكونُ من الإِنْسِ، ومِن الجِنِّ، جَمْعُ إِنْسٍ، أَضْلُه أُنَاسٌ، وهو جَمْعٌ عَزِيزٌ، أُدْخِلَ عليهِ ((أَلْ)). انتهى(٢). وقال الجوهريّ(٣): والناسُ قد يكون من الإنسٍ، ومن الجنّ، وأصله: أناسٌ فخفّف، قال الشاعر [الكامل المرفّل]: إِنَّ المَنايا يَظَّلِعْ نَ على الأُناسِ الآمِنينا وقال الفيّوميّ تَخْتُهُ: النَّاسُ اسمٌ وُضِع للجمعِ؛ كالقوم، والرهط، وواحده إِنْسَانٌ من غير لفظه، مُشْتَقّ من نَاسَ يَنُوسُ: إذا تَدَلَّى، وتحرك، فيُطلق على الجنّ والإنس، قال تعالى: ﴿الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴾﴾ [الناس: ٥]، ثم (٦)﴾ [الناس: ٦]، فَسَّر النّاس بالجنّ والإنس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (١) ((المصباح المنير)) ٥٧٤/٢. (٣) ((الصحاح في اللغة)) ٢٣٨/٢. (٢) ((القاموس المحيط)) ص١٣٢٤. ٣٣٥ (٩) - بَابُ إِثْبَاتٍ حَوْضٍ نَبِيَِّ وَ﴿ِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٧) وسُمِّي الجنُّ نَاساً، كما سُمُّوا رجالاً، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ ◌ِكَالٍ مِّنَ الْجِنّ﴾ [الجن: ٦]، وكانت العرب تقول: رأيت نَاساً من الجنّ، ويصغَّر النَّاسُ على نُوَيْسٍ، لكن غَلَبَ استعماله في الإنس. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: ما تقدّم من النصوص يدلّ على أن الناس يُطلق على الذكر والأنثى، وهو الذي قال به الأصوليّون، كما أشرت إليه في ((التحفة المرضيّة)) في الأصول عند تعداد ألفاظ العموم، حيث قلت: وَالنَّاسُ وَالْقَوْمُ لِكُلِّ عَمَّا وَالْمُسْلِمُونَ وافْعَلُوا قَدْ أَمَّا راجع شرح ((التحفة))(٢) لزيادة الإيضاح. والحاصل: أن ما قالته أم سلمة ﴿ّا من أن الناس يشمل النساء، هو الموافق للّغة، وقول الأصوليين، وأما ما قالته الجارية فلقصور فهمها للغة؛ لكونها أعجميّة، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنِّي لَكُمْ فَرَطْ عَلَى الْحَوْضِ)؛ أي: متقدّم إليه؛ لأهيّىء لكم ما يليق بالوارد، وأحوطكم، وآخذ لكم طريق النجاة، وقوله: (فَإِنَّايَ) مفعولٌ مقدّمٌ لـ((يأتينّ))، وفيه أن مفعول الفعل المؤكّد بالنون لا يتقدّم عليه؛ لمنافاته الاهتمام بتوكيده، وظاهر مذهب ابن مالك جوازه، حيث يستعمله كثيراً؛ كقوله: وَالرَّفْعَ وَالنَّصْبَ اجْعَلَنْ إِعْرَابًا، وقوله: وَبِهِ الْكَافَ صِلًا، وغير ذلك. وقوله: (لَا) ناهية، (يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ، فَيُذَبَّ عَنِّي) بالبناء للمفعول؛ أي: يُطردَ، ويُمنع عن حضور مجلسي، وأصل الذب: الطرد(٣)، فـ((يُذَبَّ)) بالنصب بـ((أن)) مضمرة وجوباً بعد الفاء السببيّة، كما قال في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ (أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (كَمَا يُذَبُّ) بالبناء للمفعول أيضاً، (الْبَعِيرُ) بفتح الموحّدة، وقد تُكسر، قاله المجد(٤)، وقال الفيّوميّ: البَعِيرُ مثلُ الإنسان، يقع على الذكر والأنثى، (١) ((المصباح المنير)) ٣٠/٢). (٢) راجع: ((المنحة الرضيّة شرح التحفة المرضية)) ٢٤٣/٣ - ٢٤٥. (٣) ((مشارق الأنوار)) ٢٦٨/١. (٤) راجع: ((القاموس)) ص١١٦. ٣٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل يقال: حَلَبْتُ بَعِيرِي، والجَمَلُ بمنزلة الرَّجُلِ يَختصّ بالذَّكَرِ، والنَّاقَةُ بمنزلة المرأة تختصّ بالأنثى. انتهى(١). وقوله: (الضَّالَّ)؛ أي: الضائع، وهو نعت لـ((البعير))، وفيه دلالة على أنه يقال لغير الإنسان: ضالّ بلا هاء، والذي في كتب اللغة أن الضّالّ للإنسان، والضالّة للبهائم، قال في ((التاج)): والضَّالَّةُ مِنَ الإِبِلِ: التي تَبْقَى بِمَضْيَعَةٍ، بَلا رَبِّ يُعْرَفُ، وقالَ ابنُ الأَثِيرِ: الضَّالَّةُ هي الضَّائِعَةُ مِنْ كُلِّ ما يُقْتَنَى مِنَ الحَيَوان وغَيرِهِ، وهي في الأَصْلِ فاعِلَةٌ، ثمَّ انُّسِعَ فيها، فصارَتْ مِنَ الصِّفاتِ الغَالِبَةِ، وقال الجَوْهَرِيُّ: الضَّالَّةُ: ما ضَلَّ مِنَ البَهِيمَةِ، لِلذَّكَرِ، والأُنْثَى، زادَ غيرُه: والاثْنَيْنِ، والجَمِيعُ، ويُجْمَعُ عَلى ضَوَالّ. انتهى(٢). وقال الفيّوميّ تَخْتُهُ: ضَلَّ الرجل الطريق، وضَلَّ عنه يَضِلُّ، من باب ضرب ضَلَالاً، وضَلَالةً: زَلّ عنه، فلم يهتدِ إليه، فهو ضَالٌّ، هذه لغة نجد، وهي الفصحى، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿قُلّ إِن ضَلَّلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُ عَلَى نَفْسِىٌ﴾ [سبأ: ٥٠]، وفي لغة لأهل العالية من باب تَعِبَ، والأصل في الضَّلالِ: الغَيْبة، ومنه قيل للحيوان الضائع: ضَالَّةٌ بالهاء للذكر والأنثى، والجمع: الضَّوَالُّ، مثل دابةٌ ودوابٌ، ويقال لغير الحيوان: ضائعٌ، ولُقَطة، وضَلَّ البعير: غاب، وخفي موضعه، وأَضْلَلْتُهُ بالألف: فقدته، قال الأزهريّ: وأَضْلَلْتَ الشيءَ بالألف: إذا ضاع منك، فلم تَعْرِف موضعَهُ؛ كالدّابّة، والناقة، وما أشبههما، فإن أخطأت موضعَ الشيء الثابت؛ كالدار، قلتَ: ضَلَلْتُهُ - بفتح اللام - وضَلِلْتُهُ - بكسرها - ولا تقل: أَضْلَلْتُهُ بالألف، وقال ابن الأعرابيّ: أَضَلَّنِي كذا بالألف: إذا عجزت عنه، فلم تَقْدِر عليه، وقال في ((البارع)): ضَلَّنِي فلان، وكذا في غير الإنسان يَضِلَّنِي: إذا ذهب عنك، وعجزت عنه، وإذا طلبت حيواناً، فأخطأتَ مكانه، ولم تهتد إليه، فهو بمنزلة الثوابت، فتقول: ضَلَلْتُهُ، وقال الفارابيّ: أَضْلَلْتُهُ بالألف: أضعته، فقول الغزاليّ: أَضَلَّ رَحْله حَمْله على الفقدان أظهر من الإضاعة، وقوله: لا يجوز بيع الآبق، والضَّالِّ إن كان المراد الإنسانَ فاللفظ صحيح، وإن كان المراد غيره فينبغي أن يقال: (١) ((المصباح المنير)) ٥٣/١. (٢) ((تاج العروس)) ٧٢٥٣/١. ٣٣٧ (٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبَِّ وَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٧) والضَّالَّةِ بالهاء، فإن الضَّالَّ هو الإنسان، والضَّالَّةُ الحيوان الضائع، وضَلَّ الناسي: غاب حفظه، وأرض مَضِلَّةٌ بفتح الميم، والضادُ يُفتَح، ويُكْسَر؛ أي: يُضَلُّ فيها الطريقُ. انتهى كلام الفيّومِيّ ◌َُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: المفهوم من كلام أهل اللغة أنه لا يقال للبعير: ضالّ، وإنما يقال: ضالّة بالهاء، لكن الحديث يدلّ على خلافه، فتأمل بالإمعان. قال ◌َله: (فَأَقُولُ: فِيمَ هَذَا؟)؛ أي: في أيّ شيء هذا الذبّ، والمنع من ورود الحوض، والشرب منه؟، فقوله: ((فِيم؟)) هي ((في)) الجارّة)»، وهي سببيّة، و((ما)) الاستفهاميّة حُذفت ألفها؛ تخفيفاً؛ كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَلَمَلُونَ [النبأ: ١]، وقوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]، قال في ((الخلاصة)): أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ و(مَا)) فِ الاسْتِفْهَامِ إِنْ ◌ُرَّتْ حُذِفْ بِاسْم كَقَوْلِكَ «اقْتِضَاءَ مَ اقْتَضَى» وَلَيْسَ حَتْمَا فِي سِوَى مَا انْخَفَضًا (فَيُقَالُ) القائل هو اللهِ وََّ، أو المَلَك، (إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا)؛ أي: ما ابتدعوا، سواء كان بالارتداد، أو بنوع أيّ فسق مخالف لسُنَّتِهِ وَِّ، (بَعْدَكَ)؛ أي: بعد موتك، أو بعد مفارقتهم مجلسك، قال ◌َله: (فَأَقُولُ: سُحْقاً))؛ أي: بُعداً وهلاكاً لهؤلاء المُحْدِثين المبتدِعين، ونَصْبه على المصدريّة، والجملة دعائيّة، يدعو عليهم بالطرد، والعذاب، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﴿ّ هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٥٧/٩ و٥٩٥٨] (٢٢٩٥)، و(النسائيّ) في (الكبرى)) (١١٤٦٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٩٧/٦)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٠٠/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٩٧/٢٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((المصباح المنير)) ٣٦٣/٢ - ٣٦٤. ٣٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٥٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - وَهُوَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو - حَدَّثَنَّا أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ◌َِّ يَقُولُ - عَلَى الْمِنْبَرِ، وَّهِيَ تَمْتَشِطُ -: ((أَيُّهَا النَّاسُ))، فَقَالَتْ لِمَاشِطَتِهَا: كُفِّي رَأْسِي، بِنَحْوِ حَدِيثِ بُكَيْرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ) زيد بن يزيد الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [١١] (م) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) هو: محمد بن أحمد بن نافع العَبْديّ البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، منَّ صغار [١٠] مات بعد الأربعين ومائتين (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكِسّيّ - بمهملة - أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان، وغير واحد، ثقةٌ، حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. ٤ - (أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) القيسيّ الْعَقَديّ - بفتح المهملة، والقاف - ثقةٌ [٩] (ت٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤. ٥ - (أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ مولاهم، أبو محمد الْقُبَائيّ - بضم القاف ـ المدنيّ، صدوقٌ [٧]. رَوَى عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، وبريدة بن سفيان الأسلميّ، ومحمد بن کعب، وغیرهم. وروى عنه ابن المبارك، وأبو عامر العَقَديّ، وعيسى بن يونس، وزيد بن الحباب، وحماد بن خالد الخياط، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن معين مرّةً: ثقة، يروي خمسة أحاديث، وقال أبو حاتم: شيخٌ صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، مات بالمدينة سنة (١٥٦)، وذكره العقيلي في ((الضعفاء))، ٣٣٩ (٩) - بَابُ إِثْبَاتٍ حَوْضٍ نَبِيِّنَ وَهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٨) فقال: لم يرو عنه ابن مهديّ، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به، ولا الرواية عنه بحال. قال الحافظ: وقرأت بخط الحافظ أبي عبد الله الذهبي بعد هذه الحكاية: ابنُ حبان ربما قَصَّبَ الثقةَ حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه، ثم بيَّن مستَنده، فساق حديثه عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة: ((إن طالت بك مدة، فسترى قوماً، يَغْدُون في سخط الله، ويَرُوحون في لعنته، يَحمِلون سياطاً، مثل أذناب البقر))، ثم قال: وهذا بهذا اللفظ باطل، وقد رواه سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة بلفظ: ((اثنان من أمتي لم أرهما: رجال بأيديهم سياط، مثلُ أذناب البقر، ونساء كاسياتٌ عارياتٌ))، قال الذهبيّ: بل حديث أفلح حديث صحیح غریب، وهذا شاهد لمعناه. انتهى. قال الحافظ: والحديث في ((صحيح مسلم)) من الوجهين، فمستند ابن حبان في تضعيفه مردود، وقد غَفَل مع ذلك، فذكره في الطبقة الرابعة من ((الثقات))، وذَهِل ابن الجوزيّ، فأورد الحديث من الوجهين في ((الموضوعات))، وهو من أقبح ما وقع له فيها، فإنه قَلّد فيه ابن حبان من غير تأمّل. انتهى(١). تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا حديثان، هذا برقم (٢٢٩٥)، وحديث (٢٨٥٧): ((يوشك إن طالت بك مدّة أن ترى قوماً في أيديهم مثل أذناب البقر ... )) الحديث، وأعاده بعده. والباقیان ذُكرا قبله. وقولها: (كُفِّ رَأْسِي) هكذا نُسخ مسلم، ووقع في مُسْنَدَي أحمد، وإسحاق بن راهويه بلفظ: ((لُفّي رأسي) باللام بدل الكاف، والظاهر أن (رأسي)) في رواية مسلم منصوب بنزع الخافض؛ أي: كفّي عن رأسي؛ أي: عن مشطه؛ لأن كفّ يتعدّى بـ((عن))، يقال: كفّ عن الشيء كفّاً، من باب قتل: تركه، وكففته كفّاً، مَنَعْته، فكفّ هو، يتعدّى، ولا يتعدّى، قاله الفيّوميّ تَذْتُهُ(٢). (١) ((تهذيب التهذيب)) ١٨٦/١ - ١٨٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٣٦/٢. ٣٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقال المجد نَظْلَهُ: وكففته عنه: دفعته، وصرفته، ككففته، فكفّ هو، لازم متعدّ. انتهى(١). وقال النوويّ تَُّهُ: قولها: ((كُفّي رأسي)) هو بالكاف؛ أي: اجمعيه، وضُمِّي شعره بعضه إلى بعض. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: تفسير الكفّ بمعنى الجمع والضمّ ليس مشهوراً، فما قدّمته هو الأظهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثٍ بُكَيْرٍ ... إلخ)؛ يعني: أن أفلح بن سعيد حدّث عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة فيها بنحو ما حدّث به القاسم بن عبّاس في السند الماضي عنه. [تنبيه]: رواية أفلح بن سعيد عن عبد الله بن رافع هذه ساقها الإمام أحمد تَخْلُ في ((مسنده))، فقال: (٢٦٥٨٨) - حدثنا أبو عامر، ثنا أفلح بن سعيد، قال: ثنا عبد الله بن رافع، قال: كانت أم سلمة تُحَدِّث أنها سمعت النبيّ وَلّ يقول على المنبر، وهي تمتشط: ((أيها الناس))، فقالت لماشطتها: لُفِّي رأسي، قالت: فقالت: فَدَيْتُك، إنما يقول: ((أيها الناس))، قلت: ويحك أَوَ لسنا من الناس؟ فَلَفَّت رأسها، وقامت في حجرتها، فسمعته يقول: ((أيها الناس، بينما أنا على الحوض، جيء بكم زُمَراً، فتفرّقت بكم الظُّرُق، فناديتكم، ألا هَلُمّوا إلى الطريق، فناداني منادٍ من بعدي، فقال: إنهم قد بَدّلوا بعدك، فقلت: ألا سُحْقاً، ألا سُحْقاً)). انتهى. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٥٩] (٢٢٩٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ تَّ خَرَجَ يَوْماً، فَصَلَّى عَلَّى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاَهُ عَلَى الْمَيْتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: ((إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي قَدْ (١) ((القاموس المحيط)) ص١١٣٩. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٨/١٥.