النص المفهرس
صفحات 301-320
(٨) - بَابٌ إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى رَحْمَةَ أُمَّةٍ، قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا - حديث رقم (٥٩٥٠) ٣٠١ هذا الحديث، فقلت: أنا أستحي منك أن أحدثك، وأنت محدّث خراسان، فقال ابن عليّ الرازيّ: يقول لك الأستاذ: حدِّثني، وأنت تقول: لا؟، فقلت له: أنا لا أقول: لا، ولكن أستحي أن أحدّثه، فقرأت عليه، فقال لي بعد القراءة ثلاث مرات: بارك الله فيك، يا أبا عبد الله، قال الشيخ - يعني: زاهراً -: فبلغني أن محمد بن إسحاق رَوَى عنه هذا الحديث، وقال على رأس الملأ: ثنا محمد بن المسيّب الشيخ الصالح، قالوا: مَن محمد بن المسيب؟ ثم قصده الناس بعد ذلك. قلت(١): ورجال هذا الإسناد، والذي قبله ثقات، والله الموفق. وذكر الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسيّ أن هذا الحديث غريب فرد عزيز. وقال الشيخ أبو الحسن ظريف بن محمد عبد العزيز المقري في ((فوائده)): وقيل: إن إبراهيم بن سعيد الجوهريّ تفرد به، حدّث به الإمام أبو الوليد حسان بن محمد القرشيّ، عن الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، عن محمد بن المسيّب الأرغِيانيّ، قال: وليس لأبي إسحاق بن سعيد الجوهريّ في ((صحيح مسلم)) إلا حديثان، أحدهما هذا. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن حديث الباب صحيح متّصل من غير طريق مسلم، وأما طريق مسلم، فالظاهر أنها منقطعة؛ إذ لم يصرّح بسماعه من إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، بل قال: ((وممن روى ذلك عنه - أي: عن أبي أسامة - إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، وظاهر هذا أنه لم يسمعه منه، وإنما أخذه من غير طريق التحديث؛ كالمذاكرة، أو الوجادة، أو نحو ذلك، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) القائل: هو الرشيد العطّار تخلّثُ. (٢) ((غرر الفوائد المجموعة)) ١٧/١ - ١٨. ٣٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل (٩) - (بَابُ إِثْبَاتٍ حَوْضٍ نَبِّنَ بَ، وَصِفَاتِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٥١] (٢٢٨٩) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَباً يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَلِ يَقُولُ: ((أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد الله بن قيس التميميّ الْيَرْبوعيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣. ٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب سُنَّة [٧] (ت١٦٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣. ٣ - (عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بن سُوَيد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ، الكوفيّ، ويقال له: الفَرَسيّ - بفتح الفاء، والراء، ثم مهملة - نسبة إلى فرس له سابقٍ، كان يقال له: القبطيّ - بكسر القاف، وسكون الموحّدة - وربما قيل ذلك أيضاً لعبد الملك، ثقةٌ فصيحٌ، فقيه، تغيّر حفظه، وربّما دَلّس [٤] (ت١٣٦) وله مائة وثلاث سنين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٦/٤٦. ٤ - (جُنْدَبُ) بن عبد الله بن سُفيان البَجَليّ، ثم الْعَلَقيّ - بفتحتين، ثم قاف - أبو عبد الله، وربما نُسِب إلى جده، صحابيّ مات بعد الستين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وهو (٤٥٧) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع. شرح الحديث: عن عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرِ اللَّخْمِيّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَباً) بضمّ الجيم، ٣٠٣ (٩) - بَابُ إِثْبَاتٍ حَوْضٍ نَبِيِّنَ بِّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥١) والدال، وتُفتح، (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: ((أَنَا فَرَطُكُمْ) بفتحتين؛ أي: سابقكم، ومتقدّم عليكم (عَلَى الْحَوْضِ))) - بفتح الحاء المهملة، وسكون الواو، بعدها ضاد معجمة - يُجمع على أحواض، وحياض، وهو مجمع الماء، وأصل حِيَاض: حواض بالواو، لكن قُلبت ياء؛ لانكسار ما قبلها، مثلُ ثوب، وأثواب، وثياب(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جُندُب بن عبد الله ضَيْه (المسألة الثانية): في تخريجه: ، هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٥١/٩ و٥٩٥٢] (٢٢٨٩)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٥٨٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٣/٤)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (٤٤٠/١١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٨٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٦٨٨ و١٦٨٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٤٤٥)، و(أبو يعلى) في (مسنده)) (٩٥/٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في إثبات حوض نبيّنا وَل ◌َه: قال القرطبيّ تَُّ: ومما يجب على كل مكلّف أن يعلمه، ويصدِّق به: أن الله تعالى قد خصَّ نبيّه محمداً وَّه بالكوثر الذي هو الحوض المصرَّح باسمه، وصفته، وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة؛ التي يحصل بمجموعها العلم القطعيّ، واليقين التواتريّ؛ إذ قد روى ذلك عن النبيّ وَّ من الصحابة نيّفٌ على الثلاثين، وفي ((الصحيحين)) منهم نيّف على العشرين، وباقيهم في غيرهما، مما صح نقله، واشتهرت روايته، ثم قد رواها عن الصحابة من التابعين أمثالُهم، ثم لم تزل تلك الأحاديث مع توالي الأعصار، وكثرة الرواة لها في جميع الأقطار، تتوافر همم الناقلين لها على روايتها وتخليدها في الأمهات، وتدوينها، إلى أن انتهى ذلك إلينا، وقامت به حجة الله علينا، فلزمنا الإيمان بذلك، والتصديق به، كما أجمع عليه السلف، وأهل السُّنَّة من الخَلَف. (١) ((المصباح المنير)) ١٥٦/١. ٣٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقد أنكرته طائفة من المبتدعة، وأحالوه عن ظاهره، وغَلَوا في تأويله من غير إحالة عقلية، ولا عادية، تلزم من إقراره على ظاهره، ولا منازعة سمعيّة، ولا نقلية تدعو إلى تأويله، فتأويله تحريف صَدَر عن عقل سخيف، خرق به إجماع السلف، وفارق به مذهب أئمة الخلف. انتهى (١). وقال في (الفتح)) - بعد نقل كلام القرطبيّ المذكور - ما حاصله: قلت: أنكره الخوارج، وبعض المعتزلة، وممن كان ينكره: عبيد الله بن زياد أحد أمراء العراق لمعاوية، وولده، فعند أبي داود من طريق عبد السلام بن أبي حازم قال: شهدت أبا بَرْزة الأسلميّ دخل على عبيد الله بن زياد، فحدّثني فلان، وكان في السماط، فذكر قصةً فيها أن ابن زياد ذكر الحوض، فقال: هل سمعت رسول الله وَ له يذكر فيه شيئاً؟ فقال أبو برزة: نعم، لا مرةً، ولا مرتين، ولا ثلاثاً، ولا أربعاً، ولا خمساً، فمن كَذَّب به فلا سقاه الله منه. وأخرج البيهقي في ((البعث)) من طريق أبي حمزة، عن أبي برزة نحوه، ومن طريق يزيد بن حَيّان التيميّ، شَهِدت زيد بن أرقم، وبعث إليه ابن زياد، فقال: ما أحاديث تبلغني أنك تزعم أن لرسول الله وَر حوضاً في الجنة؟ قال: حدّثنا بذلك رسول الله وَّجله، وعند أحمد من طريق عبد الله بن بريدة، عن أبي سَبْرة - بفتح المهملة، وسكون الموحّدة - الْهُذَليّ قال: قال عبيد الله بن زياد: ما أصدِّق بالحوض، وذلك بعد أن حدثه أبو برزة، والبراء، وعائذ بن عمرو، فقال له أبو سبرة: بعثني أبوك في مال إلى معاوية، فلقيني عبد الله بن عمرو، فحدّثني، وكتبته بيدي من فيه، أنه سمع رسول الله وَ ل يقول: ((موعدكم حوضي ... )) الحديث، فقال ابن زياد حينئذ: أشهد أن الحوض حقّ. وعند أبي يعلى من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس: دخلت على ابن زياد، وهم يذكرون الحوض، فقال: هذا أنس، فقلت: لقد كانت عجائز بالمدينة كثيراً ما يسألن ربهنّ أن يسقيهنّ من حوض نبيّهنّ، وسنده صحیح. قال الحافظ: وروينا في ((فوائد العيسويّ)) وهو في البعث للبيهقيّ من (١) ((المفهم)) ٦/ ٩٠. ٣٠٥ (٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبَِّ وَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥١) طريقه، بسند صحيح، عن حميد، عن أنس نحوه، وفيه: ما حسبت أن أعيش حتى أرى مثلكم يُنكر الحوض. وأخرج البيهقيّ أيضاً من طريق يزيد الرَّقَاشيّ، عن أنس، في صفة الحوض: ((وسيأتيه قوم ذابلةٌ شفاههم، لا يَطْعَمون منه قطرة، مَن كَذّب به اليوم لم يُصِب الشرب منه يومئذ))، ويزيد ضعيف، لكن يقويه ما مضى، ويشبه أن يكون الكلام الأخير من قول أنس. قال عياض: أخرج مسلم أحاديث الحوض عن ابن عمر، وأبي سعيد، وسهل بن سعد، وجندب، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وأم سلمة، وعقبة بن عامر، وابن مسعود، وحذيفة، وحارثة بن وهب، والمستورِد، وأبي ذرّ، وثوبان، وأنس، وجابر بن سمرة، قال: ورواه غير مسلم عن أبي بكر الصديق، وزيد بن أرقم، وأبي أمامة، وأسماء بنت أبي بكر، وخولة بنت قيس، وعبد الله بن زيد، وسُويد بن جَبَلة، وعبد الله الصُّنَابحيّ، والبراء بن عازب. وقال النوويّ - بعد حكاية كلامه، مستدركاً عليه -: رواه البخاريّ ومسلم، من رواية أبي هريرة، ورواه غيرهما من رواية عمر، وعائذ بن عمرو، وآخرين، وجمع ذلك كله البيهقيّ في ((البعث)) بأسانيده، وطرُقه المتكاثرة. قال الحافظ: أخرجه البخاريّ في ((الرقاق)) عن الصحابة الذين نَسَب عياض لمسلم تخريجه عنهم، إلا أم سلمة، وثوبان، وجابر بن سمرة، وأبا ذرّ، وأخرجه أيضاً عن عبد الله بن زيد، وأسماء بنت أبي بكر، وأخرجه مسلم عنهما أيضاً، وأغفلهما عياض، وأخرجاه أيضاً عن أسيد بن حُضير، وأغفل عياض أيضاً نسبة الأحاديث، وحديث أبي بكر عند أحمد، وأبي عوانة، وغيرهما، وحديث زيد بن أرقم عند البيهقيّ وغيره، وحديث خولة بنت قيس عند الطبرانيّ، وحديث أبي أمامة عند ابن حبان وغيره، وأما حديث سُويد بن جَبَلة، فأخرجه أبو زرعة الدمشقيّ في ((مسند الشاميين))، وكذا ذكره ابن منده في ((الصحابة))، وجزم ابن أبي حاتم بأن حديثه مرسل، وأما حديث عبد الله الصُّنَابحيّ، فغَلِط عياض في اسمه، وإنما هو الصنابح بن الأعسر، وحديثه عند أحمد، وابن ماجه، بسند صحيح، ولفظه: ((إني فرطكم على الحوض، وإني ٣٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل مكاثر بكم ... )) الحديث، قال الحافظ: فإن كان كما ظننت(١) وكان ضَبَط اسم الصحابيّ، وأنه عبد الله، فتزيد العدّة واحداً، لكن ما عرفتُ مَن خَرّجه من حديث عبد الله الصنابحيّ، وهو صحابي آخر، غير عبد الرحمن بن عُسيلة الصُّنابحيّ التابعيّ المشهور. وقول النوويّ: إن البيهقيّ استَوْعَب طرقه، يوهم أنه أخرج زيادة على الأسماء التي ذكرها، حيث قال: وآخرين، وليس كذلك، فإنه لم يُخرج حديث أبي بكر الصديق، ولا سُويد، ولا الصُّنابحيّ، ولا خولة، ولا البراء، وإنما ذكره عن عمر، وعن عائذ بن عمرو، وعن أبي برزة، ولم أر عنده زيادة إلا من مرسل يزيد بن رُومان في نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ﴿٦)﴾، وقد جاء فيه عمن لم يذكروه جميعاً من حديث ابن عباس، ومن حديث كعب بن عُجْرة عند الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه الحاكم، ومن حديث جابر بن عبد الله، عند أحمد، والبزار، بسند صحيح، وعن بريدة، عند أبي يعلى، ومن حديث أخي زيد بن أرقم، ويقال: إن اسمه ثابت، عند أحمد، ومن حديث أبي الدرداء عند ابن أبي عاصم في ((السُّنَّة))، وعند البيهقيّ في ((الدلائل))، ومن حديث أُبَيّ بن كعب، وأسامة بن زيد، وحذيفة بن أَسِيد، وحمزة بن عبد المطلب، ولقيط بن عامر، وزيد بن ثابت، والحسن بن عليّ، وحديثه عند أبي يعلى أيضاً، وأبي بكرة، وخولة بنت حكيم، كلها عند ابن أبي عاصم، ومن حديث الْعِرْباض بن سارية، عند ابن حبان في ((صحيحه))، وعن أبي مسعود البدريّ، وسلمان الفارسيّ، وسمرة بن جندب، وعقبة بن عبد، وزيد بن أوفى، وكلها في الطبرانيّ، ومن حديث خباب بن الأرتّ، عند الحاكم، ومن حديث النَّاس بن سِمْعان، عند ابن أبي الدنيا، ومن حديث ميمونة أم المؤمنين في ((الأوسط)) للطبرانيّ، ولفظه: ((يَرِدُ عليّ الحوضَ أطولكن يداً ... )) الحديث، ومن حديث سعد بن أبي وقاص، عند أحمد بن منيع في ((مسنده))، وذكره ابن منده في ((مستخرجه)) عن عبد الرحمن بن عوف، وذكره ابن كثير في ((نهايته)) عن عثمان بن مظعون، وذكره ابن القيم في ((الحاوي))، عن معاذ بن (١) لعله ((كما ظن))؛ أي: عياض، ولُيُحرّر. ٣٠٧ (٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبِيِّنَا وَهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥١) جبل، ولقيط بن صَبِرة، وأظنه عن لقيط بن عامر الذي تقدم ذكره. قال الحافظ: فجميع من ذكرهم عياض خمسة وعشرون نفساً، وزاد عليه النووي ثلاثةً، وزدت عليهم أجمعين قَدْر ما ذكروه سواءً، فزادت العدّة على الخمسين، ولكثير من هؤلاء الصحابة في ذلك زيادة على الحديث الواحد؛ كأبي هريرة، وأنس، وابن عباس، وأبي سعيد، وعبد الله بن عمرو، وأحاديثهم بعضها في مطلق ذِكر الحوض، وفي صفته بعضها، وفيمن يَرِد عليه بعضها، وفيمن يُدْفَع عنه بعضها، وكذلك في الأحاديث التي أوردها البخاريّ في ((باب في الحوض)) من ((الرقاق))، وجملة طرقها تسعة عشر طريقاً، قال: وبلغني أن بعض المتأخرين أوصلها إلى رواية ثمانين صحابيّاً. انتهى كلام الحافظ تَظّهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): هل الحوض خاصّ بنبيّنا وَّ، أم لا؟: قال في ((الفتح)): قد اشتَهَر اختصاص نبيّنا وَ﴿ بالحوض، لكن أخرج الترمذيّ من حديث سمرة رفعه: ((إن لكل نبيّ حوضاً))، وأشار إلى أنه اختُلف في وصله وإرساله، وأن المرسل أصحّ، قال الحافظ: والمرسل أخرجه ابن أبي الدنيا، بسند صحيح، عن الحسن، قال: قال رسول الله وَليون: ((إن لكل نبيّ حوضاً، وهو قائم على حوضه، بيده عصاً يدعو من عرف من أمته، ألا إنهم يتباهون أيُّهم أكثر تبعاً، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعاً)). وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر عن سمرة موصولاً مرفوعاً مثله، وفي سنده لِینٌ. وأخرج ابن أبي الدنيا أيضاً من حديث أبي سعيد، رفعه: ((وكل نبي يدعو أمته، ولكل نبي حوض، فمنهم من يأتيه الفئام، ومنهم من يأتيه العُصْبة، ومنهم من يأتيه الواحد، ومنهم من يأتيه الاثنان، ومنهم من لا يأتيه أحد، وإني لأكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة))، وفي إسناده لينٌ، وإن ثبت فالمختصّ بنبيّنا وَلتر: الكوثر الذي يُصَبّ من مائه في حوضه، فإنه لم يُنقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به في ((سورة الكوثر)). انتهى. (١) (الفتح)) ١٦٨/١٥ - ١٧١، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٥٧٥). ٣٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر أن مجموع هذه الروايات تدلّ على ثبوت الحوض للأنبياء، فالأولى حمل خصوصيّة نبيّنا وَّ بالحوض الذي يصبّ عليه الكوثر، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): في اختلاف الروايات هل الحوض قبل الصراط، أم بعده؟ : قال في ((الفتح)): إيراد البخاريّ كَذَتُهُ لأحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة، وبعد نصب الصراط، إشارة منه إلى أن الورود على الحوض يكون بعد نصب الصراط، والمرور عليه، وقد أخرج أحمد، والترمذيّ من حديث النضر بن أنس، عن أنس، قال: سألت رسول الله وَ﴿ أن يشفع لي، فقال: ((أنا فاعلٌ))، فقلت: أين أطلبك؟ قال: ((اطلبني أوّلَ ما تطلبني على الصراط))، قلت: فإن لم ألقك، قال: ((أنا عند الميزان))، قلت: فإن لم ألقك، قال: ((أنا عند الحوض)). وقد استُشكِل كون الحوض بعد الصراط بما سيأتي في بعض أحاديث هذا الباب أن جماعة يُدفعون عن الحوض بعد أن يكادوا يَرِدون، ويُذْهَب بهم إلى النار، ووجه الإشكال أن الذي يمرّ على الصراط إلى أن يَصِل إلى الحوض يكون قد نجا من النار، فكيف يُرَدّ إليها؟. ويمكن أن يُحْمَل على أنهم يَقْرُبون من الحوض، بحيث يرونه، ويرون النار، فيُدفعون إلى النار قبل أن يخلُصُوا من بقية الصراط. وقال أبو عبد الله القرطبيّ في ((التذكرة)): ذهب صاحب ((القوت)) وغيره إلى أن الحوض يكون بعد الصراط، وذهب آخرون إلى العكس، والصحيح أن للنبيّ وَّ حوضين: أحدهما: في الموقف قبل الصراط، والآخر داخل الجنة، وكل منهما يسمى كوثراً. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الكوثر نهر داخل الجنة، وماؤه يصبّ في الحوض، ويُطلق على الحوض كوثر؛ لكونه يُمَدّ منه، فغاية ما يؤخذ من كلام القرطبيّ أن الحوض يكون قبل الصراط، فإن الناس يَرِدون الموقف عِطاشاً، فَيَرد المؤمنون الحوض، وتتساقط الكفار في النار، بعد أن يقولوا: ربنا عَطِشنا، فتُرفع لهم جهنم؛ كأنها سَرَابٌ، فيقال: ((ألا تَرِدون؟))، فيظنونها ماء، فيتساقطون فيها . ٣٠٩ (٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبِيِّنَا بَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥١) وقد أخرج مسلم من حديث أبي ذرّ: ((أن الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة))، وله شاهد من حديث ثوبان، وهو حجة على القرطبيّ، لا له؛ لأنه قد تقدم أن الصراط جسر جهنم، وأنه بين الموقف والجنة، وأن المؤمنين يمرون عليه لدخول الجنة، فلو كان الحوض دونه لحالت النار بينه وبين الماء الذي يَصُبّ من الكوثر في الحوض، وظاهر الحديث أن الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها . وفي حديث ابن مسعود عند أحمد: (ويُفتح نهر الكوثر إلى الحوض))، وقد قال القاضي عياض: ظاهر قوله ◌َّر في حديث الحوض: ((مَن شَرِب منه لم يظمأ بعدها أبداً)) يدلّ على أن الشرب منه يقع بعد الحساب، والنجاة من النار؛ لأن ظاهر حال من لا يظمأ أن لا يعذَّب بالنار، ولكن يحتمل أن من قُدِّر عليه التعذيب منهم أن لا يعذَّب فيها بالظمأ، بل بغيره. وتعقّبه الحافظ، فقال: ويدفع هذا الاحتمال أنه وقع في حديث أُبَيّ بن كعب عند ابن أبي عاصم في ذِكر الحوض: ((ومن لم يشرب منه لم يَرْوَ أبداً))، وعند عبد الله بن أحمد في زيادات ((المسند)) في الحديث الطويل، عن لقيط بن عامر: أنه وَفَدَ على رسول الله وَ لِ هو ونَهِيك بن عاصم، قال: فقَدِمنا المدينة عند انسلاخ رجب، فلقينا رسول الله وَ﴿ حين انصرف من صلاة الغداة ... الحديث بطوله، في صفة الجنة، والبعث، وفيه: ((تُعْرَضون عليه بادية له صفاحكم، لا تخفى عليه منكم خافية، فيأخذ غرفة من ماء، فينضح بها قِبَلَكم، فلعَمْرُ إلهك ما يخطئ وجه أحدكم قطرة، فأما المسلم فتَدَعُ وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر فتَخْطِمه مثل الخطام الأسود، ثم ينصرف نبيّكم، وينصرف على إثره الصالحون، فيسلكون جِسْراً من النار، يطأ أحدكم الجمرة، فيقول: حَسْ، فيقول ربك: أو إِنّه(١)، ألا فيطلعون على حوض الرسول على أظمأ - والله - ناهلةٍ رأيتها أبداً، ما يبسط أحد منكم يده إلا وقع على قدح ... )) الحديث، وأخرجه ابن أبي عاصم في ((السُّنَّة))، والطبرانيّ، والحاكم، وهو صريح في أن الحوض قبل الصراط. انتهى. (١) وفي ((النهاية)) لابن الأثير ص٥١: ((وإنه))، بحذف الهمزة من أوله، قال: أي: وإنه كذلك، أو: إنه على ما تقول، وقيل: ((إنّ)) بمعنى: نعم، والهاء للوقف. انتهى. ٣١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي مال إليه الحافظ من كون الحوض قبل الصراط هو الظاهر؛ لظواهر ما تقدّم من الدليل، فتأمّل بالإمعان، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال: [٥٩٥٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، جَمِيعاً عَنْ مِسْعَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جُنْدَبٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (ابْنُ بِشْرٍ) محمد العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧. ٢ - (مِسْعَرُ) بن كِدَام ـ بكسر أوله، وتخفيف ثانيه - ابن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. والباقون تقدّموا قريباً. وقوله: (جَمِيعاً عَنْ مِسْعَرٍ)؛ يعني: أن كلّاً من وكيع، وابن بشر رويا هذا الحديث عن مسعر. وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ... إلخ) ضمير التثنية لمعاذ بن معاذ، ومحمد بن جعفر . وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ... إلخ) ضمير التثنية لمسعر وشعبة . [تنبيه]: رواية مسعر عن عبد الملك بن عمير ساقها ابن أبي شيبة تخّتُهُ في ((مصنّفه))، فقال: (٣١٦٦٣) - حدّثنا وكيع، عن مسعر، عن عبد الملك بن عُمير، عن جندب، قال: سمعت النبيّ وَّ يقول: ((أنا فَرَطكم على الحوض)). انتهى(١). (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٠٦/٦. ٣١١ (٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبَِّ وَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٣) ورواية شعبة عن عبد الملك بن عُمير ساقها البخاريّ تَكَّتُ في ((صحيحه))، فقال: (٦٢١٧) حدثنا عبدان، أخبرني أبي، عن شعبة، عن عبد الملك، قال: سمعت جندياً قال: سمعت النبيّ وَّله يقول: ((أنا فرطكم على الحوض)). انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٥٣] (٢٢٩٠ و٢٢٩١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - عَنْ أَبِي حَازِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلاً يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: ((أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِّ، مَنْ وَرَدَ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَداً، وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ، أَعْرِفُهُمْ، وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ))، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ سَهْلاً يَقُولُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ، فَيَقُولُ: (إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقاً سُحْقاً لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ - بتشديد التحتانية - المدنيّ، نزيل الإسكندرية، حليف بني زهرة، ثقةٌ [٣] (ت١٨١) (خ م « ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥. ٣ - (أَبُو حَازِم) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان،ً ثقةٌ، عابدٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في (الإيمان) ٣١٣/٥٠. ٤ - (سَهْلُ) بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العباس الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿به، مات سنة ثمان وثمانين، وقيل: بعدها، وقد جاز المائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٣/٥٠. (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٤٠٨/٥. ٣١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وهو (٤٥٨) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلاً)؛ أي: ابن سعد ◌ِّ (يَقُولُ: سَّمِعْتُ النَّبِيَّ نَِّ يَقُولُ: ((أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ) الفرط - بفتح الفاء، والراء، وبالطاء المهملة -؛ أي: أنا أتقدّمكم، والفرط: مَن يتقدم الواردين، فيهيىء لهم الأرسان، والدلاء، ويملأ الحياض، ويستقي لهم، وهو على وزن فَعَلٍ بمعنى فاعل، مثلُ تَبَعِ بمعنى تابع. قاله في ((اللسان)(١). وقال ابن عبد البرّ كَّتُهُ: قوله: ((وأنا فرطكم على الحوض)) الفرط، والمتفارط: هو الماشي المتقدم أمام القوم إلى الماء، هذا قول أبي عبيد وغيره، وقال ابن وهب: أنا فرطكم يقول: أنا أمامكم، وأنتم ورائي تتبعوني. (٢) انتھی(٢). وقال النوويّ تَخْتُهُ: قوله وَله: ((أنا فرطكم على الحوض)) قال أهل اللغة: الفرط - بفتح الفاء، والراء - والفارط: هو الذي يتقدم الواردين ليصلح لهم الحياض، والدلاء، ونحوها، من أمور الاستقاء، فمعنى فرطكم على الحوض: سابقکم إلیه؛ کالمهيِّء له. انتهى(٣). (مَنْ وَرَدَ شَرِبَ) من ذلك الحوض (وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَداً) وفي رواية موسى بن عقبة: ((مَن وَرَده، فشَرِب لم يظمأ بعدها أبداً)) وهذا يفسر المراد بقوله: ((من ورد شرب))؛ أي: من ورد مكان الحوض، فمُكِّن من شربه، فشرب لا يظمأ، أو مَن مُكِّن من المرور به شرب، وفي حديث أبي أمامة: ((ولم يُسَوَّد وجهه أبداً))، وزاد ابن أبي عاصم في حديث أبيّ بن كعب: ((مَن صُرِف عنه لم يَرْوَ أبداً))، ووقع في حديث النَّاس بن سمعان، عند ابن أبي الدنيا: ((أوّل مَن يَرِد عليه مَن يسقي كل عطشان)). (١) ((لسان العرب)) ٣٦٦/٧. (٣) ((شرح النوويّ)) ٥٣/١٥. (٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٣٠١/٢. ٣١٣ (٩) - بَابُ إِثْبَاتٍ حَوْضٍ نَبِيِّنَا وَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٣) وقال النوويّ تَخْثُ: قوله: ((ومن شرب لم يظمأ أبداً))؛ أي: شرب منه، والظمأ مهموز، مقصور كما ورد به القرآن العزيز، وهو العَطَش، يقال: ظَمِئ يَظْمَأ ظَمَأْ، فهو ظمآن، وهم ظِماء، بالمدّ؛ كعَطِشَ يَعْطَش عَطَشاً، فهو عَظْشان، وهم عِطَاش، قال القاضي: ظاهر هذا الحديث أن الشرب منه يكون بعد الحساب، والنجاة من النار، فهذا هو الذي لا يظمأ بعده، قال: وقيل: لا يشرب منه الا من قُدِّر له السلامة من النار، قال: ويَحْتَمِل أن من شرب منه من هذه الأمة، وقُدِّر عليه دخول النار لا يُعَذَّب فيها بالظمأ، بل يكون عذابه بغير ذلك؛ لأن ظاهر هذا الحديث أن جميع الأمة يشرب منه إلا من ارتدّ، وصار كافراً، قال: وقد قيل: إن جميع الأمم من المؤمنین یأخذون کتبهم بأيمانهم، ثم يعذِّب الله تعالى من شاء من عصاتهم، وقيل: إنما يأخذه بيمينه الناجون خاصّةً. قال القاضي: وهذا مثله قوله وَّهِ: ((من وَرَدَ شَرِب)) هذا صريح في أن الواردين كلهم يشربون، وإنما يُمنع منه الذين يُذادون، ويُمنعون الورود؛ لارتدادهم، وقد سبق في ((كتاب الوضوء)) بيان هذا الذَّوْد، والْمَذُودين. انتھی(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((لم يظمأ)) قيل: هو كناية عن أنه يدخل الجنة؛ لأنه صفة من يدخلها، وفي حديث أبي سعيد: ((إنك لا تدري ما بَدّلوا))، وقع في رواية الكشميهنيّ: ((ما أحدثوا))، وحاصل ما حُمِل عليه حال المذكورين أنهم إن كانوا ممن ارتدّ عن الإسلام، فلا إشكال في تبرِّي النبيّ ◌َّ منهم، وإبعادهم، وإن كانوا ممن لم يرتدّ، لكن أَحْدَث معصيةً كبيرةً من أعمال البدن، أو بدعة من اعتقاد القلب، فقد أجاب بعضهم بأنه يَحْتَمِل أن يكون أعرض عنهم، ولم يشفع لهم اتِّبَاعاً لأمر الله فيهم، حتى يعاقبهم على جنايتهم، ولا مانع من دخولهم في عموم شفاعته لأهل الكبائر من أمته، فيُخْرَجون عند إخراج الموحّدين من النار، والله أعلم. انتهى(٢). (وَلَيَرِدَنَّ) بنون التوكيد المشدّدة، مضارع ورد، يقال: ورد علينا زيد: (١) ((شرح النوويّ)) ٥٤/١٥. (٢) ((الفتح)) ٤٣٥/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٥٠). ٣١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل ورُوداً: حضر، قال الفيّوميّ ◌َخْتُهُ: وَرَدَ البعيرُ وغيرُهُ الماءَ يَرِدُهُ وُرُوداً: بلغه، ووافاه، من غير دخول، وقد يَحْصُل دخولٌ فيه، والاسم: الوِرْدُ بالكسر، وأَوْرَدْتُهُ الماءَ، فَالوِرْدُ خلاف الصَّدَرِ، والإِيْرَادُ خلاف الإِصْدَارِ، والمَوْرِدُ مثلُ مسجد: موضع الورود، ووَرَدَ زيدُ الماءَ، فهو وَارِدٌ، وجماعة وَارِدَةٌ، ووُرَّادٌ، ووِرْدٌ تسميةً بالمصدر، ووَرَدَ زيدٌ علينا وُرُوداً: حَضَرَ، ومنه وَرَدَ الكتاب على الاستعارة. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا معنى حَضَرَ، والله تعالى أعلم. (عَلَيَّ أَقْوَامٌ، أَعْرِفُهُمْ، وَيَعْرِفُونِي) يَحْتَمل أن يكون بنون مشدّدة، وأصله يعرفونني بنونين، إحداهما نون الرفع، والثانية نون الوقاية، فأدغمت إحداهما في الأخرى، ويَحْتَمل أن يكون بنون واحدة مخفّفة، حُذفت إحداهما للتخفيف، والصحيح أنها نون الرفع؛ لأنه عُهد حذفها لغير ذلك(٢)، ويجوز أيضاً أن يقرأ بنونين إن ثبت رواية، وبالأوجه الثلاثة قرىء قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُوِّّ أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] فقرأ نافع بنون مخفّفة، وقرأ ابن عامر بنونين، وقرأ الباقون بالإدغام، قاله ابن مالك في ((شرح الكافية))(٣). (ثُمَّ يُحَالُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يُحجز، ويُمْنَعِ الاتّصال (بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ))) حيث يؤمر بهم إلى النار. (قَالَ أَبُو حَازِم) سلمة بن دينار، وهو موصول بالسند السابق، وليس تعليقاً، (فَسَمِعَ النُّعَّمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ) - بتحتانية، وشين معجمة - الزُّرَقيّ الأنصاريّ، أبو سلمة المدنيّ، ثقةٌ [٤] تقدّمت ترجمته في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٤. وقوله: (وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ) جملة في محلّ نصب على الحال من ((النعمان))، والرابط الواو والضمير، كما قال في ((الخلاصة)): وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا (هَذَا الْحَدِيثَ) منصوب على المفعوليّة، (فَقَالَ) النعمان (هَكَذَا) بتقدير (١) ((المصباح المنير)) ٦٥٤/٢ - ٦٥٥. (٢) راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ١/ ٨٠. (٣) ((شرح الكافية الشافية)) ٢٠٨/١. ٣١٥ (٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبَِّ وََّ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٣) همزة الاستفهام؛ أي: أهكذا (سَمِعْتَ سَهْلاً يَقُولُ؟ قَالَ) أبو حازم (فَقُلْتُ: نَعَمْ) سمعته يقول هكذا، (قَالَ) النعمان (وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك ها، (لَسَمِعْتُهُ) اللام هي التي يُتلقّى بها جواب القسم؛ لأن المعنى أشهد بالله، (يَزِيدُ)؛ أي: يحدّث بهذا، فيزيد بعده (فَيَقُولُ) ◌ِّه ((إِنَّهُمْ)؛ أي: الناس الذين حيل بينه وبينهم، (مِنِّي)؛ أي: من أصحابي، فكيف تردّونهم عن الحوض؟ وفي الرواية الآتية: ((فأقول: يا ربّ أصحابي، أصحابي)) (فَيُقَالُ)؛ أي: يقول الله رَ له، أو الملك (إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ) زاد في الرواية الآتية: ((ما زالوا يرجعون على أعقابهم))، وفي لفظ: ((إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك))، (فَأَقُولُ: سُحْقاً سُحْقاً)؛ أي: بُعداً لهم بُعداً، نُصب على المصدر، وكُرّر للتوكيد، (لِمَنْ بَدَّلَ)؛ أي: غيّر سُنَّتي (بَعْدِي)))؛ أي: بعد موتي، أو بعد مفارقته إياي، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: هذا (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد، وأبي سعيد الخدريّ متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٥٣/٩ و٥٩٥٤] (٢٢٩٠ و٢٢٩١)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٥٨٣ و٦٥٨٤) و((الفتن)) (٧٠٥٠ و٧٠٥١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٣/٥ و٣٣٩)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣/ ١٩٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٤٣/٦ و١٥٦ و١٧١ و٢٠٠)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٢١٢/٢ و٢١٩)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٣٤٥/٢ و٣٥٩)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٣٢١/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ثبوت حوض النبيّ وَلـ ٢ - (ومنها): بيان شرف هذه الأمة حيث كان نبيّها فرطاً لها على الحوض تشرب بيده الشريفة، فما أعظم الكرامة، وأجلّها . ٣ - (ومنها): بيان ما عليه النبيّ وَله من شدّة العناية بأمته، حيث يقول ٣١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل لهم، وهو على الحوض: ((ألا هلُمّ))، فيا سعادتهم، وفوزهم العظيم، اللهم اجعلنا منهم برحمتك يا أرحم الراحمين آمين. ٤ - (ومنها): بيان خطر الابتداع في الدين، وتبديل السُّنَّة بالبدعة؛ إذ هو السبب في منع الورود عليه وَّ ر حوضه، فيا خسارة المبتدعين، اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو نُفتن عن ديننا آمين، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْهُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٥٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّةِ، وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِّي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَعْقُوبَ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانية - السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله ثلاث وثمانون سنةً (م دس ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) وله اثنتان وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (أُسَامَةُ) بن زيد الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (ت١٥٣) وهو ابن بضع وسبعين (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٥/٤٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ ... إلخ) قال العلماء: هذا العطف على سهل، فالقائل: ((وعن النعمان)) هو أبو حازم، فرواه عن سهل، ثم رواه عن النعمان، عن أبي سعيد، قاله النوويّ تَخْذُهُ(١). [تنبيه]: رواية أسامة بن زيد الليثيّ عن أبي حازم هذه ساقها الرويانيّ تَخْتُهُ، في ((مسنده))، فقال: (١) ((شرح النوويّ)) ٥٤/١٥. ٣١٧ (٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ فَبِيِّنَوَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٥) (١٠٥٣) - نا أحمد (١)، نا عمّي ابن وهب، حدّثني أسامة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله بَ لو قال: ((أنا فرطكم على الحوض، فمن ورده شرِب، ومن شَرِب لم يظمأ، فأبصروا لا يَرِدُ عليّ أقوام، أعرفهم، ويعرفوني، فيحال بيني وبينهم))، قال أبو حازم: فأخبرني النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد، عن رسول الله وَل﴿ أنه قال: ((فأقول: إنهم مني، فقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحْقاً سُحْقاً لمن بَدّل بعدي)). (٢) انتھی(٢) . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٥٥] (٢٢٩٢ و٢٢٩٣) - (وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ(٣) كَنُجُومِ السَّمَاءِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَداً))، قَالَ: وَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (إِنِّي عَلَى الْخَوْضِ، حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِهُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ أَنَاسٌ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مِنِّي، وَمِنْ أُمَّتِي؟ فَيُقَالُ: أَمَا شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، وَاللّهِ مَا بَرِحُوا بَعْدَكَ يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ))، قَالَ: فَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا، أَوْ أَنْ نُفْتَنَ(٤) عَنْ دِينِنَا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ عَمْرِو الضَّبِّيُّ) هو: داود بن عمرو بن زُهير بن عمرو بن جَمِيل، أبو سليمان البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٢٨) وهو من كبار شيوخ مسلم (م س) تقدّم في ((المقدّمة)) ٢٢/٤. (١) هو: أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب المصريّ [١١] ت٢٦٤. (٢) ((مسند الرويانيّ)) ٢١٢/٢. (٤) وفي نسخة: ((أو نفتن)). (٣) وفي نسخة: ((کیزانه)). ٣١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل ٢ - (نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ) هو: نافع بن عُمر بن عبد الله بن جَمِيل الْجُمَحيّ المكيّ، ثقةٌ، ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٦٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/ ٢٢. ٣ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة - بالتصغير - ابن عبد الله بن جُدْعان، يقال: اسم أبي مليكة: زهير التيميّ المكيّ، أدرك ثلاثين من الصحابة ﴿ه، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٢/٤. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعيد - بالتصغير - ابن سَعْد بن سَهْم السهميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين المكثرين من الصحابة ه، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرَّة على الأصح بالطائف، على الراجح، (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف رَغْتُهُ، وفيه عبد الله بن عمرو صحابيّ ابن صحابيّ ظًّا، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العبادلة الأربعة. شرح الحديث : (عَن) عبد الله بن عُبيد الله (بْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ) قيل: اسمه زهير أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﴿َّ، وفي رواية عن نافع بن عمر بسنده، عن عبد الله بن عمرو، وقد خالف نافع بن عمر في صحابيه عبدُ الله بن عثمان بن خُثيم، فقال: عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، أخرجه أحمد، والطبرانيّ، قال الحافظ: ونافع بن عمر أحفظ من ابن خُثيم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا من الحافظ تَّتُ عجيب، كيف عزا هذه الرواية لأحمد، والطبرانيّ، وهي في ((صحيح مسلم))، وهي الرواية التالية لهذه الرواية؟ وكيف رجّح عليها هذه، وقد صحّحهما مسلم؟ فالحقّ تصحيح كلّ منهما، كما رأي مسلم، فتأمّل بالإمعان، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ) مبتدأ وخبره؛ أي: مسيرة حوضي شهر، (وَزَوَايَاهُ) جمع زاوية، وهي الركن، (سَوَاءٌ)؛ أي: متساوية؛ ٣١٩ (٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبِيِّنَا وَِّ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٥٥) يعني: أنه مربّع لا يزيد طوله على عرضه، قاله الطيبيّ(١)، وقال النوويّ: قال العلماء: معناه طوله كعرضه، كما قال في حديث أبي ذرّ رَظُّه المذكور في الكتاب: ((عرضه مثل طوله)). انتهى (٢)، وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((وزواياه سواء))؛ أي: أركانه معتدلة؛ يعني: أن ما بين الأركان متساوٍ، فهو معتدل التربيع، وقد اختلفت الألفاظ الدَّالة على مقدار الحوض، كما هو مبيَّن في الروايات المذكورة في مسلم، وقد ظن بعض القاصرين: أن ذلك اضطراب، وليس كذلك؛ وإنما تحدَّث النبي ◌َّ بحديث الحوض مرات عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة إشعاراً بأن ذلك تقدير، لا تحقيق، وكلها تفيد: أنه كبير متسع، متباعد الجوانب والزوايا، ولعل سبب ذِكره للجهات المختلفة في تقدير الحوض: أن ذلك إنما كان بحَسَب من حضره ممن يعرف تلك الجهات، فيخاطِب كل قوم بالجهة التي يعرفونها، والله تعالى أعلم. انتهى(٣). (وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ) بفتح الواو، وكسر الراء؛ أي: الفضّة، وفي رواية: ((أبيض من اللبن)). قال النوويّ كَظُّ: قوله: ((ماؤه أبيض من الورق)) هكذا هو في جميع النسخ: الوَرِق، بكسر الراء، وهو الفضة، والنحويون يقولون: إن فعل التعجب الذي يقال فيه: هو أفعل من كذا إنما يكون فيما كان ماضيه على ثلاثة أحرف، فإن زاد لم يُتعجب من فاعله، وإنما يُتعجب من مصدره، فلا يقال: ما أبيض زيداً، ولا زيد أبيض من عمرو، وإنما يقال: ما أشدّ بياضه، وهو أشدّ بياضاً من كذا، وقد جاء في الشِّعر أشياء من هذا الذي أنكروه، فعَدُّوه شاذّاً، لا يقاس عليه، وهذا الحديث يدلّ على صحته، وهي لغة، وإن كانت قليلة الاستعمال، ومنها قول عمر رَظُه: ((ومن ضَيّعها فهو لِمَا سواها أضيع)). (٤) . انتھی وقال القرطبيّ تَظْتُ: قوله: ((أبيض من الوَرِق)) جاء ((أبيض)) هنا في هذا (١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٥١٥/١١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٥/١٥. (٤) ((شرح النوويّ)) ٥٥/١٥. (٣) ((المفهم)) ٩١/٦ - ٩٢. ٣٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل الحديث على الأصل المرفوض؛ كما قد جاء في قول طرفة بن العبد [من البسيط]: إِذَا الرِّجَالُ شَتَوْا وَاشْتَدّ أَكْلُهُمُ فأنت أبْيَضُهم سِرْبالَ طَبَّاخِ وكما قد جاء قوله وَل﴾: ((توافُون سبعين أمَّة أنتم أخْيَرهم))، رواه الدارميّ؛ أي: خَيْرهم، وكما قد جاء عنه وَّهِ: (لينتهينّ أقوامٌ عن وَدْعهم الجمعات))، رواه مسلم، وكل ذلك جاء مَنْبَهَةً على الأصل المرفوض، والمستعمل الفصيح كما جاء في الرواية الأخرى: ((أشدّ بياضاً من الثلج))، ولا معنى لقول من قال من مُتعسِّفة النحاة: لا يجوز التلفظ بهذه الأصول المرفوضة؛ مع صحّة هذه الروايات، وشهرة تلك الكلمات. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((ماؤه أبيض من اللبن)) قال المازريّ: مقتضى كلام النحاة أن يقال: أشدّ بياضاً، ولا يقال: أبيض من كذا، ومنهم من أجازه في الشعر، ومنهم من أجازه بقلّة، ويشهد له هذا الحديث وغيره. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من تصرف الرواة، فقد وقع في رواية أبي ذرّ عند مسلم بلفظ: ((أَشَدّ بياضاً من اللبن))، وكذا لابن مسعود عند أحمد، وكذا لأبي أمامة عند ابن أبي عاصم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((من تصرّف الرواة)) فيه نظر لا يخفى، بل الأَولى أن يُجعل لغة، وإن كانت قليلة، فتأملّ بالإمعان، ثم رأيت العينيّ نَّثُ تعقّب الحافظ في هذا، ونصّه: قلت: القول بأن هذا جاء من النبيّ وَّ أَولى من نسبة الرواة إلى الغلط، على زعم النحاة، واستشهاده لذلك برواية مسلم لا يفيده؛ لأنه لا مانع أن يكون النبيّ وََّ استَعْمَل أفعل التفضيل من اللون، فيكون حجة على النحاة. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد العينيّ كَّتُهُ في هذا التعقّب، وأفاد، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ٦/ ٩٢. (٢) ((الفتح)) ١٧٦/١٥، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٥٧٥). (٣) ((عمدة القاري)) ١٣٩/٢٣.