النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
(٦) - بَابُ شَفَقَتِهِ وَّهِ عَلَى أُمَّتِهِ، وَمُبَالَغَتِهِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ - حديث رقم (٥٩٤٠)
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٤٠/٦ و٥٩٤١ ٥٩٤٢] (٢٢٨٤)،
و(البخاري) في ((أحاديث الأنبياء)) (٣٤٢٦) و((الرقاق)) (٦٤٨٣)، و(همّام بن
منبه) في ((صحيفته)) (٢٩/١)، و(الترمذيّ) في ((الأمثال)) (٢٨٧٤)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣١٢/٢ و٥٣٩ - ٥٤٠)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٤٤٩/٢)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٦٤٠٨)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣١٨/٣)،
و(الرامهرمزيّ) في ((الأمثال)) (ص٢٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٩٨)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّ ر من الرأفة، والرحمة، والحرص
على نجاة الأمة، كما قال تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
[التوبة: ١٢٨].
٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن الإنسان إلى النذير أحوج منه إلى
البشير؛ لأن حِبِلّته مائلة إلى الحظ العاجل، دون الحظ الأجل.
٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخَُّهُ: هذا مَثَل لاجتهاد نبينا وَّ في
نجاتنا، وحِرْصه على تخليصنا من الهلكات التي بين أيدينا، ولجهلنا بقدر
ذلك، وغلبة شهواتنا علينا، وظَفَر عدوّنا اللعين بنا؛ حتى صرنا أحقر من
الفراش والجنادب، وأذل من الطين اللَّازب. انتهى(١).
٤ - (ومنها): ما قال النوويّ كَّقُ: مقصود الحديث أنه وَّ شبّه
المخالفين له بالفَراش، وتساقطهم في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا،
مع حرصهم على الوقوع في ذلك، ومَنْعه إياهم، والجامع بينهما اتّباع الهوى،
وضعف التمييز، وحِرْص كل من الطائفتين على هلاك نفسه.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: هذا مَثَل كثير المعاني، والمقصودُ أن
الخلق لا يأتون ما يجرّهم إلى النار على قصد الهلكة، وإنما يأتونه على قصد
المنفعة، واتباع الشهوة، كما أن الفراش يقتحم النار، لا لِيَهلك فيها، بل لِمَا
يُعجبه من الضياء، وقد قيل: إنها لا تُبصر بحال، وهو بعيد، وإنما قيل: إنها
(١) ((المفهم)» ٦/ ٨٧.

٢٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
تكون في ظُلمة، فإذا رأت الضياء اعتقدت أنها كوّة يظهر منها النور، فتقصده
لأجل ذلك، فتحترق، وهي لا تشعر، وقيل: إن ذلك لِضَعف بصرها، فتظنّ
أنها في بيت مظلم، وأن السراج مثلاً كوّة، فترمي بنفسها إليه، وهي من شدّة
طيرانها تجاوزه، فتقع في الظُّلمة، فترجع إلى أن تحترق، وقيل: إنها تتضرر
بشدة النور، فتقصد إطفاءه، فلشدة جهلها، تورّط نفسها فيما لا قدرة لها علیه،
ذكر مغلطاي أنه سمع بعض مشايخ الطبّ يقوله.
وقال الغزاليّ: التمثيل وقع على صورة الإكباب على الشهوات من
الإنسان، بإكباب الفراش على التهافت في النار، ولكن جهل الآدميّ أشدّ من
جهل الفراش؛ لأنها باغترارها بظواهر الضوء إذا احترقت انتهى عذابها في
الحال، والآدمي يبقي في النار مدة طويلة، أو أبداً، والله المستعان(١)، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٤١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَمْرٌو النَّقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم
المكيّ، تقدّم أيضاً قريباً .
٣ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة، تقدّم أيضاً قريباً.
((وأبو الزناد)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد هذه ساقها الحميديّ ◌َُّهُ
في ((مسنده))، فقال:
(١٠٣٨) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّه: ((إنما مَثَلي ومَثَل الناس؛
(١) ((الفتح)) ٤٣/٨ - ٤٤، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٢٦).

٢٨٣
(٦) - بَابُ شَفَقَتِ نَّ عَلَى أُمَّتِهِ، وَمُبَالَغَتِهِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ - حديث رقم (٥٩٤٢)
كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت له جعل الدوابّ، والفراش، يقتحمون
فيها، فأنا آخذ بحُجَزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٤٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلِ اسْتَوْقَدَ نَاراً، فَلَمَّا
أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا، جَعَلَ الْفَرَاشُ، وَهَذِهِ الدَّوَاتُّ الَّتِي فِي النَّارِ (٢) يَقَعْنَ فِيهَا،
وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ، وَيَغْلِبْنَهُ، فَيَتَقَخَّمْنَ فِيهَا، قَالَ: فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ
بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، فَتَغْلِيُونِي، تَقَخَّمُونَ فِيهَا))).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل خمسة أبواب، فلا
حاجة إلى إعادة الكلام فيه.
وقوله: (اسْتَوْقَدَ نَاراً)؛ أي: أوقدها، فالسين والتاء زائدتان، قاله
القرطبيّ(٣)، وقال الطيبيّ: قوله: ((استوقد))؛ بمعنى: أوقد، ولكن الأول أبلغ؛
كعَفّ، واستعفّ(٤).
وقوله: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ) من الإضاءة، وهي فرط الإنارة، واشتقاقه من
الضوء، وهو ما انتشر من الأجسام النيّرة، ويقال: أضاءت النار، وأضاءت
غيرها، يتعدّى، ولا يتعدّى، فإن جُعل متعدّياً يكون ((ما حولها)) مفعولاً به،
وإن جُعل لازماً يجوز أن يكون ((ما حولها)» فاعلاً له على تأويل الأماكن،
ويجوز أن يكون فاعله ضمير النار، و((ما حوله)) ظرفٌ، فيجعل حصول إشراق
النار في جوانبها بمنزلة حصولها نفسها فيها مبالغةً، وحول الشيء جانبه الذي
يمكن أن يحول إليه، أو سُمّي بذلك اعتباراً بالدوران، والإطافة، ويقال للعام:
(١) ((المسند)) ٤٤٩/٢.
(٢) وفي نسخة: ((وهذه الدواب التي تقع في النار)).
(٣) («المفهم)) ٨٦/٦.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٦١٣/٢.

٢٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
حولٌ؛ لأنه يدور، قاله الطيبيّ تَّهُ(١) .
وقوله: (مَا حَوْلَهَا) الضمير للنار، وفي رواية للبخاريّ: ((ما حوله))،
فالضمير للذي استوقد النار.
وقوله: (جَعَلَ الْفَرَاشُ) بفتح الفاء، وتخفيف الراء، قال الفراء: هو
غوغاء الجراد التي تنفرش وتتراكب، وقال غيره: هو الطير الذي يتساقط في
النار، وهذا أشبه بما في الحديث، ذكره القرطبيّ كَّتُهُ(٢).
وقوله: (وَهَذِهِ الدَّوَاتُّ الَّتِي فِي النَّارِ)، وفي بعض النسخ: ((وهذه
الدوابّ التي تقع في النار))، قال القرطبيّ: قوله: ((وهذه الدوابّ)) كقوله
تعالى: ﴿مَاذّآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [المدّثّر: ٣١]، وقول عائشة ◌َّا في حقّ
عبد الله بن عمرو: ((عَجِبتُ لابن عمرو هذا))، وتخصيص ذِكر الدوابّ،
والفراشُ لا يسمّى دابّة عرفاً؛ لبيان جهلها؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتِ
◌ِندَ اللَّهِ اُلُمُ الْبُكْمُ﴾ الآية [الأنفال: ٢٢]، كلّ ذلك تعريضُ لطالب الدنيا
المتهالك فيها، والتأنيث في ((هذه)) باعتبار الخبر؛ لأنه جمعٌ، ويجوز أن يراد
بالفراش الجنس، فيؤنّث، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِى
مِنَ الْبَالِ بُيُوتًا﴾ الآية [النحل: ٦٨]، وفي جَعْل رسول الله وَّ المهلكات نفس
النار في قوله: ((فأنا آخذ بحُجَزكم عن النار)) وضعٌ للمسبَّب موضع السبب،
كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَ خُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى
بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية [النساء: ١٠]. انتهى (٣).
وقوله: (يَقَعْنَ فِيهَا)؛ أي: في النار.
وقوله: (وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ)؛ أي: يمنعهنّ عن الوقوع فيها .
وقوله: (فَيَتَقَخَّمْنَ فِيهَا) التقحّم: الإقدام والوقوع في الأمور الشاقّة من
غير تثبّت (٤).
(١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٦١٣/٢.
(٢) ((المفهم)) ٨٦/٦.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٦١٣/٢.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٦١٣/٢.

٢٨٥
(٦) - بَابُ شَفَقَتِنَ﴿ عَلَى أُمَّتِهِ، وَمُبَالَغَتِهِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ - حديث رقم (٥٩٤٢)
وقوله: (هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ) كرّره للتأكيد، قال الفيّومِيّ ◌َظَُّهُ:
((هَلُمَّ) كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تعال، قال الخليل: أصله
لُمَّ، من الضم، والجمع، ومنه: لَمّ اللهُ شَعَثَهُ، وكأن المنادي أراد: لُمَّ نفسك
إلينا، و((هَا)) للتّنبيه، وحُذفت الألف؛ تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وجُعِلا اسْماً
واحداً، وقيل: أصلها هَلْ أُمَّ؛ أي: قُصِد، فنُقِلت حركة الهمزة إلى اللام،
وسقطت، ثم جُعِلا كلمة واحدةً للدعاء، وأهل الحجاز يُنادون بها بلفظ واحد
للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَلْقَآيِلِينَ لِإِخْوَذِهِمْ
هَلُمَّ إِلَيْنًا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وفي لغة نجد تلحقها الضمائر، وتُطَابَقُ، فيقال:
هَلُمِّي، وهَلُمَّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يجعلونها فعلاً، فيُلحقونها
الضمائر، كما يُلحقونها قُمْ، وقُوما، وقُوموا، وقُمْن، وقال أبو زيد:
استعمالها بلفظ واحد للجميع من لغة عُقيل، وعليه قيسٌ بعدُ، وإلحاق
الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتُستعمل لازمةً، نحو: ﴿هَلُمَّ
إِلَيْنَا﴾؛ أي: أقبل، ومتعديةً، نحو: ﴿هَلَُّ شُهَدَآءَكُمُ﴾؛ أي: أَخْضِروهم.
(١)
انتھی(١).
وقال الطيبيّ ◌َُّ: ومحلّ ((هلمّ)) نصبٌ على الحال من فاعل ((آخذ))؛
أي: آخذ بحُجَزكم قائلاً: هلُمّ. انتهى(٢).
وقوله: (فَتَغْلِبُونِي) قال الطيبيّ تَخُّْهُ: بالنون المشدّدة؛ لأن أصله:
فتغلبونني، فأدغمت إحدى النونين في الآخرى، والفاء فيه سبيّة على التعكيس؛
كالكلام في قوله تعالى: ﴿فَلْنَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية
[القصص: ٨]، وتقديره: أنا آخذ بحُجَزكم لأخلّصكم عن النار، فعكستم،
وجعلتم الغلبة مسيّةً عن الأخذ، وقد ضرب رسول الله وَ﴿ المَثَل بوقوع الفراش
إلى النار لجهله بما يُعْقِبه التقحّم فيها من الاحتراق والهلاك، ولتحقير شأنها .
انتهى (٣)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ٦٣٩/٢ - ٦٤٠.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٦١٤/٢.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٦١٤/٢.

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَّتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٤٣] (٢٢٨٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
سَلِيمٌ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُوَّلُ اللهِ وَّهِ: ((مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ،
كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَاراً، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ، وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُّبُّهُنَّ عَنْهَا،
وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ المعروف بالسمين، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ مَهْدِيٌّ) هوَ: عبد الرحمن، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (سَلِيمُ) - بفتح أوله، وكسر اللام - ابن حَيّان - بحاء مهملة،
وتحتانية - الْهُذَليّ البصريّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٠٧/٢١.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) مولى الْبَخْتريّ بن أبي ذُبَاب الحجازيّ، المكيّ، أو
المدنيّ، يُكنى أبا الوليد، ثقةٌ [٣] (خ م « ت ق) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٠٧/٢١.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله ◌ًّا، تقدّم قبل باب.
شرح الحديث :
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله ◌ِّ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: «مَثَلِي
وَمَثَلُكُمْ)؛ أي: صفتي، وصفتكم (كَمَثَلِ رَجُلِ أَوْقَدَ نَاراً، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ) جمع
جُندُب، بفتح الدال، وضمها، والجيم مضمومة، وقد تُكْسَر، وهو على خِلْقة
الجرادة يُصِرّ في الليل صَرّاً شديداً، وقيل: إنَّ ذَكَر الجراد يُسَمّى أيضاً
الجندب.
وقال النوويّ: أما الجنادب فجَمْع جندب، وفيها ثلاث لغات: جندب
بضم الدال، وفتحها، والجيم مضمومة فيهما، والثالثة حكاها القاضي بكسر
الجيم، وفتح الدال، والجنادب هذا الصرّار الذي يُشبه الجراد، وقال أبو
حاتم: الجندب على خِلْقة الجراد، له أربعة أجنحة؛ كالجرادة، وأصغر منها،
يطير، ويَصُرّ بالليل صرّاً شديداً، وقيل غيره. انتهى (١).
(١) ((شرح النوويّ)) ٥٠/١٥.

٢٨٧
(٦) - بَابُ شَفَقَتِنَّهِ عَلَى أُمَّتِهِ، وَمُبَالَغَتِهِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ - حديث رقم (٥٩٤٣)
(وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا)؛ أي: في تلك النار، (وَهُوَ)؛ أي: الرجل
(يَذُبُّهُنَّ)؛ أي: يمنعهنّ (عَنْهَا)؛ أي: عن الوقوع فيها، (وَأَنَا آخِذٌ) تقدّم أنه
ضُبط بوجهين: بصيغة اسم الفاعل، وبصيغة الماضي، (بِحُجَزِكُمْ) بضمّ،
ففتح: جمع حُجْزة، بضمّم، فسكون، وهي معقد الإزار، والسراويل، خصه؛
لأن أَخْذَ الوسط أقوى في المنع؛ يعني: أنا آخذكم حتى أُبعدكم عن النار نار
جهنم (١). (عَنِ النَّارِ)؛ أي: عن الوقوع فيها، (وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي))) قال
النوويّ تَخُّْ: رُوي بوجهين: أحدهما فتح التاء، والفاء المشدّدة، والثاني ضم
التاء، وإسكان الفاء، وكسر اللام المخففة، وكلاهما صحيح، يقال: أفلت
مني، وتَفَلَّت: إذا نازعك الغلبة، والهرب، ثم غَلَب، وهَرَب. انتهى (٢).
وقال ابن منظور كَّتُهُ: أفلتني الشيءُ، وتفلّت مني، وانفلت، وأفلت
فلانٌ فلاناً: خَلّصه، وأفلت الشيءُ، وتفلّت، وانفلت بمعنى، وأفلته غيره،
قال: التفلت، والإفلات، والانفلات: التخلص من الشيء فَجْأةً من غير
تمكّث، قال: والإفلات يكون بمعنى الانفلات، لازماً، وقد يكون واقعاً،
يقال: أَقْلَتُّهُ من الهلكة؛ أي: خَلَّصته، وأنشد ابن السكيت [من الطويل]:
وَأَفْلَتَنِي مِنْهَا حِمَارِي وَجُبَّتِي
جَزَى اللَّهُ خَيْراً جُبَّتِي وَحِمَارِيَا(٣)
وقال في ((الفتح)): قوله: ((تفلتون)) بفتح أوله، والفاء، واللام الثقيلة،
وأصله: تتفلتون، وبضم أوله، وسكون الفاء، وفتح اللام، ضبطوه بالوجهين،
وكلاهما صحيح، تقول: تَفَلّت مني، وأفلت مني لمن كان بيدك، فعالج الْهَرَب
منك، حتى هرب، وقد تقدم بيان هذا التمثيل، وحاصله: أنه شَبََّ تهافت أصحاب
الشهوات في المعاصي التي تكون سبباً في الوقوع في النار بتهافت الفراش بالوقوع
في النار اتّباعاً لشهواتها، وشَبَّه ذَبّه العصاةَ عن المعاصي بما حَذَّرهم به، وأنذرهم
بذبّ صاحب النار الفراشَ عنها، وقال عياض: شَبَّه تساقط أهل المعاصي في نار
الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا. انتهى(٤)، والله تعالى أعلم.
(١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٥١٨/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٥٠/١٥.
(٤) ((الفتح)) ٣١٩/١١.
(٣) ((لسان العرب)) ٦٦/٢.

٢٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر به هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٤٣/٦] (٢٢٨٥)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٢٤٦/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦١/٣ و٣٩٢)، و(تمام) في ((فوائده))
(٤٦/٢)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٧) - (بَابُ ذِكْرِ كَوْنِهِ بَّهِ خَاتَمَ النَّبِّينَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٤٤] (٢٢٨٦) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((مَثَلِي
وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ، كَمَثَلِ رَجُلِ بَنَى بُنْيَانَاً، فَأَحْسَنَهُ، وَأَجْمَلَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُطِيقُونَ بِهِ،
يَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا بُنْيَاناً أَحْسَنَ مِنْ هَذَا، إِلَّا هَذِهِ اللَِّنَةَ، فَكُنْتُ أَنَا تِلْكَ اللَِّنَةَ)).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل حديث، فلا
حاجة إلى إعادة الكلام عليه.
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ) أنه (قَالَ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ)؛
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
أي: صفتي وصفة الأنبياء الذين قبلي، فقوله: ((مثلي)) مبتدأ، وقوله: ((مثلُ
الأنبياء)) عطف عليه، وقوله: ((كمثل رجل)) خبره. (كَمَثَلِ)؛ أي: صفة (رَجُلِ
بَنَى بُنْيَاناً) وفي رواية البخاريّ: ((بنى داراً))، (فَأَحْسَنَهُ)؛ أي: أحسن بناء ذلكَ
البنيان (وَأَجْمَلَهُ)؛ أي: زيّنه، فيكون مؤكّداً لمعنى ((أحسنه))، أو المعنى: جَمَعه
من غير تفصيل، يقال: أجملت الشيء إجمالاً: جمعتُهُ من غير تفصيل، قاله
الفيّوميّ (١)، وقال المجد: أجمل الشيءَ: جَمَعه عن تفرقة، والحسابَ: ردّه إلى
(١) ((المصباح المنير)) ١١٠/١.

٢٨٩
(٧) - بَابُ ذِكْرٍ كَوْنِ وَ﴿ خَاتَمَ النَّبِّينَ - حديث رقم (٥٩٤٤)
الجملة، والصَّنِيعةَ: حسّنها، وكثّرها. انتهى(١)، فيكون المعنى على هذا: أنه
جَمَعه في بناء واحد، ولم يفرّقه.
قال الطيبيّ تَخْتُ: هذا التشبيه من التشبيه التمثيليّ، شَبّه الأنبياء، وما
بُعثوا به من الهدى والعلم، وإرشادهم الناس إلى مكارم الأخلاق بقَصْر شُيِّد
بنيانه، وأُحسن بناؤه، ولكن تُرك منه ما يُصلحه، وما يسدّ خلله من اللبنة،
فُبُعث نبيّنا ◌َّ لسدّ ذلك الخلل مع مشاركته إياهم في تأسيس القواعد، ورفع
البنيان، هذا على أن يكون الاستثناء منقطعاً، ويجوز أن يكون متّصلاً من حيث
المعنى؛ إذ حاصل الكلام: تُعجبهم المواضع إلا موضع تلك اللبنة. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قيل: المشبّه به واحد، والمشبَّه جماعة، فكيف صحّ
التشبيه؟ .
وجوابه أنه جَعَل الأنبياء كرجل واحد؛ لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا
باعتبار الكل، وكذلك الدار لا تتم إلا باجتماع البنيان.
ويَحْتَمِل أن يكون من التشبيه التمثيليّ، وهو أن يوجد وصف من أوصاف
المشبه، ويشبّه بمثله من أحوال المشبه به، فكأنه شبّه الأنبياء، وما بُعِثوا به،
من إرشاد الناس ببيت أُسست قواعده، ورُفع بنيانه، وبقي منه موضع به يتم
صلاح ذلك البيت، فنبيّنا وَلّ بُعث لتتميم مكارم الأخلاق؛ كأنه هو تلك اللبنة
التي بها إصلاح ما بقي من الدار(٣).
وزعم ابن العربيّ أن اللبنة المشار إليها كانت في أسّ الدار المذكورة،
وأنها لولا وضعها لانقضّت تلك الدار، قال: وبهذا يتم المراد من التشبيه
المذكور. انتهى.
قال الحافظ: وهذا إن كان منقولاً، فهو حسن، وإلا فليس بلازم، نعم
ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها .
وقد وقع في رواية همام الآتية: ((إلا موضع لبنة، من زاوية من زواياها))،
(١) ((القاموس المحيط)) ص٢٣٧.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٦٣٤/١١.
(٣) ((عمدة القاري)) ٩٨/١٦.

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
فيظهر أن المراد أنها مكملةٌ محسّنةٌ، وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها كان
ناقصاً، وليس كذلك، فإن شريعة كل نبيّ بالنسبة إليه كاملة، فالمراد هنا النظر
إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية، مع ما مضى من الشرائع الكاملة.
انتھی(١).
(فَجَعَلَ)؛ أي: شرع، وأخذ (النَّاسُ يُطِيفُونَ بِهِ) من الإطافة؛ أي:
أحاطوا به، يقال: أطاف بالشيء: إذا أحاط به، وفي الرواية التالية: ((يطوفون
به))، من الطواف، وهو الدوران، وقوله: (يَقُولُونَ) جملة حاليّة من الفاعلِ؛
أي: حال كونهم قائلين، (مَا) نافية، (رَأَيْنَا بُنْيَاناً أَحْسَنَ مِنْ هَذَا) البنيان (إِلَّا
هَذِهِ اللَّبِنَةَ)؛ أي: موضعها، و((اللبنة)) بفتح اللام، وكسر الموحّدة: واحدة اللّبِن
بكسر الموحّدة أيضاً، قال الفيّوميّ: اللبِن بكسر الباء: ما يُعْمَل من الطين،
ويُبْنَى به(٢) .
وقال في ((العمدة)): ((اللبنة)) بفتح اللام، وكسر الباء الموحدة، وجاز
إسكانها، مع فتح اللام، وكسرها: هي القطعة من الطين، تُعْجَنُ، وتُيَبَّس،
ويُبنى بها بناءٌ، فإذا أُحرقت تُسَمَّى آجرةً. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ تَظْلُهُ: اللَّبنة: الطوبة التي يُبنى بها، وفيها لغتان:
إحداهما: فتح اللام وكسر الباء، وتجمع: على لبن بإسقاط الهاء من الجمع،
كَنَبِقَة ونَبِقٍ، والثانية: كسر اللام، وسكون الباء، وتُجمع: على لِبَن - بكسر
اللام، وفتح الباء - كسِذْرة وسِدَر. انتهى (٤).
وقال في ((الفتح)): هي القطعة من الطين، تُعْجَن، وتُجْبَل، وتُعَدّ للبناء،
ويقال لها ما لم تُحْرَق: لبنة، فإذا أُحِرقت، فهي آجُرّة. انتهى (٥) .
(فَـ) قال ◌َّهِ: (كُنْتُ أَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةَ))) التي تمّ بوضعها ذلك البنيان.
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: ومقصود هذا المَثَل أن يبيِّن به وَ ل ◌َو أن الله تعالى
(١) ((الفتح)) ٨/ ١٩٢، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٣٥).
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٤٨/٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ٩٨/١٦.
(٤) ((المفهم)) ٨٧/٦ - ٨٨.
(٥) ((الفتح)) ٨/ ١٩٢، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٣٥).

٢٩١
(٧) - بَابُ ذِكْرِ كَوْنِهِ وَهِ خَاتَمَ النَِّّينَ - حديث رقم (٥٩٤٥)
ختم به النبيين والمرسلين، وتَمَّم به ما سبق في عِلْمه إظهاره من مكارم
الأخلاق، وشرائع الرسل، فيه كَمُل النظام، وهو ختم الأنبياء، والرسل
الكرام، صلى الله عليه وعليهم أفضل صلاة، وسلَّم أبلغ سلام. انتهى(١)، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٤٤/٧ و٥٩٤٥ و٥٩٤٦ و٥٩٤٧] (٢٢٨٦)،
و(البخاريّ) في ((المناقب)) (٣٥٣٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٣٦/٦)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٤/٣٢ و٢٥٦ و٣١٦٩ و٩/٣)، و(الطبرانيّ) في
((الأوسط)) (٣١٨/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز ضرب الأمثال؛ للتقريب للأفهام.
٢ - (ومنها): بيان فضل النبيّ وَّل على سائر النبيين.
٣ - (ومنها): أن الله ◌ُعَلَ ختم بالنبيّ ◌َّ المرسلين - عليهم الصلاة
والسلام - وأكمل به شرائع الدين، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَّمَ
النَّيْنٌ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وأخرج البخاريّ في ((التاريخ)) من حديث العرباض بن
سارية رَبُّه رفعه: ((إني عبد الله، وخاتم النبيين، وإن آدم لَمُنْجَدِل في طينته))،
الحديث، وأخرجه أيضاً أحمد، وصححه ابن حبان، والحاكم، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٤٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِّ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِهِ: «مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِ، كَمَثَلٍ
(١) ((المفهم)) ٨٨/٦.

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
رَجُلِ ابْتَنَى بُيُوتاً، فَأَحْسَنَهَا، وَأَجْمَلَهَا، وَأَكْمَلَهَا، إِلَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ
زَوَايَاهَا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ، وَيُعْجِبُهُمُ الْبُنْيَانُ، فَيَقُولُونَ: أَلَّا وَضَعْتَ هَا هُنَا
لَبِئَةً، فَتِمَّ بُنْيَانُكَ))، فَقَالَ مُحَمَّدٌ وَّهِ: ((فَكُنْتُ أَنَا اللَِّنَةَ)).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل خمسة أبواب، فلا
حاجة إلى إعادة الكلام فيه.
وقوله: (مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا) قال المجد تَخْلُهُ: الزاوية من البيت:
رُكنه، والجمع زوايا. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ تَخْذُ: زويته أَزويه: جمعتُهُ، وزويتُ المال عن صاحبه زَيّاً
أيضاً، وزاوية البيت اسم فاعل من ذلك؛ لأنها جَمَعت قُظْراً منه. انتهى(٢).
وقوله: (فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ) من الطواف، وهو الدوران؛ أي: يدورون
حول ذلك البنيان؛ ليروا محسنه، ويشاهدوا مفاخره، وقوله: (أَلَّا وَضَعْتَ) بفتح
التاء خطاباً للرجل، و((ألا)) بفتح الهمزة، وتشديد اللام، ويجوز تخفيفها: أداة
تحضيض مختصّة بالجمل الفعليّة الخبريّة(٣). (هَا هُنَا لَبِنَةً) منصوب على
المفعوليّة ((لوضعتَ))، (فَيَتِمَّ بُنْيَانُكَ))) بنصب ((يتمّ)) بـ((أن)) مضمرة بعد الفاء
السبيّة في جواب ((ألّا))، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ (أَنْ)) وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
أي: ألّا يوجد وَضْعَ لَبِنة منك، وتمام بنيانك.
(فَقَالَ مُحَمَّدٌ وَِّ: ((فَكُنْتُ أَنَا اللَّبِنَةَ))) التي نقص البنيان بسبب عدم
وضعها في الزاوية.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٤٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا:
(١) ((القاموس المحيط)) ص٥٨٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٦٠/١.
(٣) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ١٥٤/١.

٢٩٣
(٧) - بَابُ ذِكْرِ كَوْنِ وَ﴿ِ خَاتَمَ النَّبِينَ - حديث رقم (٥٩٤٦)
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِح
السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِيّ،
كَمَثَلِ رَجُلِ بَنَى بُنْيَاناً، فَأَحْسَنَهُ، وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ،
فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَِّنَةُ))، قَالَ:
((فَأَنَا اللََِّةُ، وَأَنَا خَاتَمُ الَِّينَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ - بفتح الميم، والقاف، ثم موحّدة
مكسورة - البغداديّ العابد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) وله سبع وسبعون سنةً (عخ م د
عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر بن إياس السَّعْديّ المروزيّ، أبو
الحسن، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) وقد قارب
المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق
القارىء، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((لإيمان)) ١١٠/٢.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى
ابن عمر، ثقةٌ [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٠.
٥ - (أَبُو صَالِحِ السَّمَّانُ) ذكوان المدنيّ، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكراً في الباب وقبله.
وقوله: (هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ) ((هلّا)) بفتح الهاء، وتشديد اللام أداة
تحضيض؛ كألّا، والفعل مبنيّ للمفعول، ونائب فاعله اسم الإشارة، و((اللبنة))
نعت، أو عَطْف بيان، أو بدل لـ((هذه))، كما قال بعضهم:
مُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بِـ((أَل)) يُعْرَبُ نَعْتاً أَوْ بَيَاناً أَوْ بَدَلْ
وقوله: (وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ) بكسر التاء، وفتحها، قال ابن الأعرابيّ:
الخاتِمُ، والخاتَمُ من أسماء النبيّ ◌َّ، قال ثعلب: فالخاتم الذي خُتم به
الأنبياء، والخاتم أحسن الأنبياء خَلْقاً، وخُلُقاً. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة.

٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٤٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ النَّبِّينَ))، فَذَكَرَ نَحْوَةُ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، عَمِيَ وهو صغير، ثقةٌ،
أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥)
وله اثنتان وثمانون سنةً، وقد رُمِي بالإرجاء (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٢ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريباً.
٣ - (أبو سَعِيدٍ) الْخُدريّ، سَعْد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ
الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، استُصغِر بأحد، ثم شهد ما بعدها، وروى
الكثير، مات بالمدينة سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع
وسبعين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥.
والباقون ذُكروا في الباب وقبل باب.
[تنبيه]: رواية أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٤٨] (٢٢٨٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَقَّانُ، حَدَّثَنَا
سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: (مَثَلِي
وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ، كَمَثَلِ رَجُلِ بَنَى دَاراً، فَأَتَمَّهَا، وَأَكْمَّلَهَا، إِلَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ
النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، وَيَقُولُونَ: لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ))، قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((فَأَنَا مَوْضِعُ اللََِّةِ، جِئْتُ، فَخَتَمْتُ الأَنْبِيَاءَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين، و((عفّان)) هو: ابن مسلم، و((سَلِيم))
بفتح السين، وكسر اللام.

٢٩٥
(٧) - بَابُ ذِكْرٍ كَوْنِ ﴿ خَاتَمَ النَِّّينَ - حديث رقم (٥٩٤٩)
وقوله: (لَوْلًا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ) بالرفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي:
لولا موضعُ اللبنة يوهم النقص لكان بناء الدار كاملاً، كما في قولك: لولا زيد
لكان كذا؛ أي: لولا زيد موجود لكان كذا، ويجوز أن تكون ((لولا)) تخصيصيةً
لا امتناعيةً، وفِعله محذوف؛ أي: لولا أُكملَ موضعُ اللبنة، ويجوز نصب
((موضعَ))؛ أي: لولا تركتَ أيها الرجل موضعها، ونحو ذلك، ووقع في رواية
همام عند أحمد: ((ألا وضعت ههنا لبنةً، فيتمَّ بنيانك))، قاله في ((العمدة))،
و((الفتح))(١)، وتمام شرح الحديث يُعلم مما قبله.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ظه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٤٨/٧ و٥٩٤٩] (٢٢٨٧)، و(البخاريّ) في
((المناقب)) (٣٥٣٤)، و(الترمذيّ) في ((الأمثال)) (٢٨٦٢)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٦١/٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٢٤/٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٥/٩)، و((شُعَب الإيمان)) (١٧٨/٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٤٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
سَلِيمٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ بَدَلَ ((أَتَمَّهَا)): ((أَحْسَنَهَا))).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي.
[تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ عن سَلِيم بن حيّان هذه لم أجد من
ساقها، فليُنْظر، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((عمدة القاري)) ٩٨/١٦، و((الفتح)) ١٩٢/٨.

٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
(٨) - (بَابٌ إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى رَحْمَةَ أُمَّةٍ، قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٥٠] (٢٢٨٨) - (قَالَ مُسْلِمٌ: وَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَمِمَّنْ رَوَى ذَلِكَ
عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي
بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ وَّى إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ،
قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطاً، وَسَلَفاً بَيْنَ يَدَيْهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا،
وَنَبِيُّهَا حَيٍّ، فَأَهْلَكَهَا، وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ، وَعَصَوْا أَمْرَهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ) أبو إسحاق الطبريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ،
حافظٌ تُكُلّم فيه بلا حجة [١٠] مات في حدود (٢٥٠) (م ٤) تقدم في
((الإيمان)) ١٧٢/١٦.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي، و((أبو أسامة)) هو: حمّاد بن أُسامة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ ◌َُّهَ (عَنِ النَّبِيِّ وَِّ) أنه (قَالَ:
((إِنَّ اللهَ وَى إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ) من إضافة المصدر إلى مفعوله، وقوله: (مِنْ عِبَادِهِ)
بيان لـ((أمّة))، (قَبَضَ) بالبناء للفاعل، (نَبِيَّهَا قَبْلَهَا)؛ أي: أماته قبل أمته، (فَجَعَلَهُ)؛
أي: ذلك النبيّ، (لَهَا)؛ أي: لأمته، (فَرَطاً) بفتحتين، وهو في الأصل: المتقدّم
في طلب الماء، قال الفيّوميّ تَخْذَتُهُ: الفَرَطُ - بفتحتين -: المتقدم في طلب الماء،
يُهَيِّئ الدِّلاء، والأَرشاء، يقال: فَرَطَ القومَ فُرُوطاً، من باب قَعَد: إذا تقدم لذلك،
يستوي فيه الواحد، والجمع، يقال: رجلٌ فَرَطُ، وقومٌ فرطٌ، ومنه يقال للطفل
الميت: اللهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطاً؛ أي: أَجْراً متقدماً، ويقال أيضاً: رجل فَارِظٌ، وقومٌ
فُرّاطٌ، مثل كَافر وكُفَّار، وافْتَرَطَ فلانٌ فَرَطاً: إذا مات له أولاد صغار. انتهى(١).
(١) ((المصباح المنير)) ٢ /٤٦٩.

٢٩٧
(٨) - بَابٌ إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى رَحْمَةَ أُمَّةٍ، قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا - حديث رقم (٥٩٥٠)
والمراد هنا: المتقدّم على أمته، ولذا، فهو بمعنى قوله: (وَسَلَفاً)
- بفتحتين - أي: متقدّماً، قيل: هو من عَطْف المرادف، أو أعمّ، وفائدة التقدّم
الأنس، والاطمئنان، وقلّة كُربة الغُربة، ونحو ذلك إذا بلغت بلداً مَخُوفاً ليس
لك بها أنيس(١). (بَيْنَ يَدَيْهَا)؛ أي: أمام أمته، قال في ((الكشاف)) في تفسير
قوله تعالى: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ.) الآية [الحجرات: ١]: حقيقةُ قولهم:
جلست بين يدي فلان: أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريباً
منه، فسُمّيت الجهتان يدين؛ لكونهما على سَمْت اليدين، مع القرب منها،
توسّعاً، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره، وداناه، قال ابن الكمال: وقد
جرت هذه العبارة هنا على سَنَن ضرب من المجاز، وهو الذي يسميه أهل
اللسان تمثيلاً. انتهى(٢).
(وَإِذَا أَرَادَ) اللّهِ وَ (هَلَكَةَ) بفتحات؛ أي: هلاك (أُمَّةٍ عَذَّبَهَا) بعذاب
الدنيا (وَنَبِيُّهَا حَيٍّ) جملة حاليّة، (فَأَهْلَكَهَا، وَهُوَ يَنْظُرُ) جملة حالية أيضاً، (فَأَقَرَّ
عَيْنَهُ)؛ أي: سرّه (بِهَلَكَتِهَا)، قال المناويّ ◌َخْذُهُ: قوله: ((فأقرّ عينه)) الفاء
للتفريع؛ أي: فَرّحه الله، وبَلّغه الله أمنيته.
وذلك لأن المستبشر الضاحك يخرج من عينيه ماء بارد، فيَقَرّ بهلكتها في
حياته حين كذبوه في دعواه النبوة والرسالة، وعصوا أمره بعدم اتّباع ما جاء به
عن الله رَ، وإنما كان موت النبيّ قبل أمته رحمةً؛ لأنه يكون مصيبةً عظيمةً
لهم، ثم يتمسكون بشرعه بعده، فتضاعف أجورهم، وأما هلكة الأمة قبل نبيها
فإنما يكون بدعائه عليهم، ومخالفتهم أمره، كما فُعل بقوم نوح لعلّها، فالمراد
من الأمّة الأُولى أُمة الإجابة، وبالثانية أمة الدعوة، وفيه بشرى عظيمة لهذه
الأمة حيث كان قَبْضه وَّهِ رحمةً لهم، كما كان بَعْثه كذلك. انتهى(٣).
وقوله: (حِينَ كَذَّبُوهُ، وَعَصَوْا أَمْرَهُ)) ((حين)): ظرف لمقدّر؛ أي: فَعَل بهم
ذلك وقت تكذيبهم إياه، وعصيانهم أمره.
قال القرطبيّ تَظّثُ: إنما كان موت النبيّ وَ ﴿ قبل أمته رحمةً لأمته؛ لأنَّ
(١) ((فيض القدير)) ٢٠٦/٢.
(٣) ((فيض القدير)) ٢٠٦/٢ - ٢٠٧.
(٢) ((فيض القدير)) ٢٠٦/٢.

٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
الموجب لبقائهم بعده إيمانهم به، واتباعهم لشريعته، ثم إنهم يصابون بموته،
فَتَعْظُم أجورهم بذلك؛ إذ لا مصيبة أعظم من فَقْد الأنبياء، فلا أجر أعظم من
أجر من أصيب بذلك، ثم يحصل لهم أجر التمسك بشريعته بعده، فتتضاعف
الأجور، فتعظم الرحمة، ولهذا قال رَلة: ((حياتي لكم رحمة، ومماتي لكم
رحمة))(١)، وأما إذا أهلكها قبله فذلك لا يكون إلا لأنهم لم يؤمنوا به،
وخالفوه، وعصوا أمره، فإذا استمروا على ذلك من عصيانهم، وتمرُّدهم
أبغضهم نبيّهم، فربما دعا عليهم فأجاب الله دعوته فأهلكهم، فأقرَّ عينه فيهم،
كما فعل بقوم نوح وغيره من الأنبياء. انتهى(٢).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ رَظُبه هذا من أفراد
المصنّف تَخْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٥٩٥٠] (٢٢٨٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦٦٤٧ و٧٢١٥)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣١٥/٤)، و(البزّار) في ((مسنده))
(١٥٤/٨)، و(البيهقيّ) في ((الدلائل)) (٧٦/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في الكلام على هذا الحديث:
قال المازريّ، والقاضي عياض: هذا الحديث من الأحاديث المنقطعة في
مسلم، فإنه لم يُسَمّ الذي حدّثه عن أبي أسامة، قال النوويّ: وليس هذا حقيقة
انقطاع، وإنما هو رواية مجهول، وقد وقع في حاشية بعض النسخ المعتمدة:
(١) وأخرجه البزّار من حديث عبد الله بن مسعود ظه، عن النبيّ وَّله، ولفظه: قال:
((إن لله ملائكة سياحين، يبلغون عن أمتي السلام))، قال: وقال رسول الله وَله:
((حياتي خير لكم، تحدثون ونحدث لكم، ووفاتي خير لكم، تُعْرَض عليّ
أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شرّ استغفرت الله
لكم))، قال الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)) ٢٤/٩: رواه البزار، ورجاله رجال
الصحيح. انتهى.
(٢) ((المفهم)) ٨٨/٦ - ٨٩.

٢٩٩
(٨) - بَابٌ إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى رَحْمَةَ أُمَّةٍ، قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا - حديث رقم (٥٩٥٠)
قال الْجُلُوديّ: حدّثنا محمد بن المسيّب الأرغِيانيّ(١)، قال: حدّثنا إبراهيم بن
سعيد الجوهريّ بهذا الحديث، عن أبي أسامة، بإسناده. انتهى.
وقال الذهبيّ ◌َظْتُهُ في ترجمة محمد بن المسيّب الأرغِيانيّ من ((سِيَره)) بعد
إخراجه هذا الحديث من طريق الأرغياني المذكور ما نصّه: وبالإسناد قال ابن
المسيب: كَتَب عني هذا الحديث ابنُ خزيمة، ويقال: إن إبراهيم الجوهريّ
تفرد به. انتهى(٢).
وقال الحافظ رشيد الدين العطار خّلُ في رسالته المشهورة بـ«غرر
الفوائد)) - بعد إيراده نصّ رواية مسلم هذا - ما نصّه: وهذا الحديث أخرجه
الحافظ أبو عوانة في كتابه الموسوم بـ((المسند الصحيح المخرج على كتاب
مسلم بن الحجاج))، كما أخرجه البزار في ((مسنده))، كلاهما من طريق
إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، وعندما ذكر أبو عليّ الغسانيّ حديث الباب في
((تقييد المهمل)) قال: فقد وصل لنا هذا الحديثَ أبو القاسم حاتم بن محمد،
قال: حدثنا أبو سعيد السِّجْزِي بمكة، قال: حدثنا أبو أحمد الْجُلُوديّ، قال:
حدّثنا أبو عبد الله، محمد بن المسيّب الأرغِياني، قال: حدّثنا إبراهيم بن سعيد
الجوهريّ، حدثنا أبو أسامة بهذا الحديث.
قلت(٣): ولا يُسَلَّم لهم تسميته بالمقطوع، فهو مسند أبهم أحد رواته،
على أنه تبيّن اتصال سنده في غير ((صحيح مسلم)) من طرق متعددة صحيحة.
انتهى كلام العطّار ◌َّتُهُ، وقد تقدّم في مقدّمة هذا الشرح(٤)، وإنما أعدته هنا؛
لطول العهد به، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق.
وقال الرشيد نَذَتُهُ أيضاً: وهذا الحديث متّصلٌ محفوظٌ من رواية جماعة
من الثقات، عن إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، عن أبي أسامة، منهم أبو بكر
(١) بفتح الهمزة، وكسر الغين المعجمة: بلدة بنواحي نيسابور، قاله في ((اللباب)) ٤٣/١.
(٢) ((سير أعلام النبلاء)) ٤٢٦/١٤.
(٣) القائل: هو الرشيد العطّار تقذفُ.
(٤) راجع: ((قرّة عين المحتاج في شرح مقدّمة صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج)) ١/ ٩٧
- ٩٨.

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
البزّار الحافظ، ومحمد بن المسيّب الأرغِيانيّ، والحسن بن أحمد بن إبراهيم بن
فيل البالسيّ، وغيرهم، ورواه عن الأرغيانيّ هذا جماعة، منهم محمد بن
إسحاق بن خُزيمة النيسابوريّ الملقّب بإمام الأئمّة، وهو من أقرانه، وإبراهيم بن
محمد بن يحيى - أظنه المزكي - وأبو أحمد محمد بن عيسى الجلوديّ، راوي
((صحيح مسلم))، وغيرهم، ومن صحيح طُرُق هذا الحديث عندنا ما أخبرنا
الشيخ الزاهد، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفارسيّ، أنبا أحمد بن محمد
الحافظ، أنبا محمد بن أحمد بن إبراهيم الشاهد (ح) وأخبرنا عالياً أبو طاهر
بركات بن إبراهيم القرشيّ، وأبو القاسم عبد الرحمن بن مكيّ السعدي في
كتابيهما، قالا: أنبا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم المعدل، أنبا أبو
القاسم عليّ بن محمد بن عليّ الفارسيّ بمصر، ثنا أبو الحسن محمد بن
عبد الله بن زكريا بن حيويه النيسابوريّ، ثنا أبو بكر أحمد بن عمرو بن
عبد الخالق البزار الأزديّ البصريّ سنة تسعين ومائتين إملاءً، ثنا إبراهيم بن
سعيد - يعني: الجوهريّ - ثنا أبو أسامة، عن بُريد، عن أبي بردة، عن أبي
موسى، قال: قال رسول الله وَ له: ((إذا أراد الله رحمةَ أمةٍ قبض نبيها قبلها،
وجعله لها فَرَطاً وسَلَفاً، وإذا أراد الله تبارك وتعالى هَلَكة أمة عذّبها، ونبيّها
حي، فأهلكها، وهو ينظر)).
قال الحافظ أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن رسول الله وَاخوه
إلا أبو موسى، بهذا الإسناد.
أخبرناه أتم من هذا الشيخ أبو المفضل نعمة بن عبد العزيز بن هبة الله
المعدل، بقراءتي عليه بمصر، أنبا الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسن بن هبة الله
الشافعيّ بدمشق، أنا أبو المظفر ابن القشيريّ، وتميم بن أبي سعيد، قالا: أنا
أبو عمرو البحيريّ، أنا أبو عليّ زاهر بن أحمد بن محمد بن المسيّب، ثنا
إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، ثنا أبو أسامة، ثنا بريد بن عبد الله، ثنا أبو بردة،
عن أبي موسى، عن النبيّ وَ ﴿ قال: ((إن الله إذا أراد رحمة أمةٍ من عباده قَبَض
نبيّها، فجعله لها فرطاً، وسلفاً بين يديها، وإذا أراد هَلَكة أمة عذّبها، ونبّيها
حيّ، فأقرّ عينه بهلكتها، حين كذبوه، وعصوا أمره)).
قال محمد بن المسيِّب: قال لي محمد بن إسحاق بن خزيمة: اقرأ عليّ