النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
(٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَِّيِّ وَّرِ - حديث رقم (٥٩٣٤)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن المدينيّ: كان إذا شكّ في حرف من الحديث تركه، وربما
وَهِم، وقال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة، ومات بعدها بيسير،
من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً.
٣ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ) أبو هشام البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من
صغار [٩] (ت٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في ((الطهارة)) ١١ / ٥٨٤.
٤ - (وُهَيْبُ) بالتصغير ابن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه تغير قليلاً بأَخَرَة [٧] (ت١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدّم
في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٣.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ يعني: إسناد عمرو بن يحيى السابق، وهو عن
عبّاس بن سهل بن سعد الساعديّ، عن أبي حُميد زُه.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ) فاعل (يذكر)) ضمير وُهيب، ويحتمل أن
يكون الضمير لكلّ من عفّان، والمغيرة، وكان الظاهر أن يقول: ((ولم يذكرا)).
وقوله: (وَزَادَ فِي حَدِيثٍ وُهَيْبٍ) فاعل ((زاد)) ضمير وُهيب، وكان الأولى
أن يقول: ((في حديثه)) بالضمير، ويَخْتَمل الوجه المذكور قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثٍ وُهَيْبٍ) فاعل ((يذكر)) أيضاً ضمير وُهيب،
وكان الأولى أن يقول: ((في حديثه)) بالضمير، كسابقه.
وقوله أيضاً: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثٍ وُهَيْبٍ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَِ).
بيان للاختلاف الواقع بين وهيب بن خالد، وبين سليمان بن بلال، في ألفاظ
الحديث، حيث وقع في حديث وُهيب بلفظ: ((فكتب له رسول الله وَل
ببحرهم))، ووقع في حديث سليمان بلفظ: ((فكتب إليه رسول الله وفض له))، فتنبّه.
وقوله: (كَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِبَحْرِهِم) قال القرطبيّ ◌َخْثُهُ: البحر هنا؛
يراد به البلد، والبحار: القرى، وقد تقدم، وكأن النبيّ وَلي أقطعه بعض تلك
البلاد، كما قد أقطع تميماً الداريّ ◌ُه بلد الخليل وَّ قبل فَتْحه، ويظهر من

٢٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
حال ابن العلماء أنه استشعر، أو علم أن النبيّ وَّ سيظهر، ويغلب على ما
تحت يده هو من البلاد، فسأله أن يُقطعه بعضها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية وُهيب بن خالد عن عمرو بن يحيى هذه ساقها ابن
حبّان ◌َظّتُهُ في ((صحيحه))، فقال:
(٤٥٠٣) - أخبرنا أبو يعلى، حدّثنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا عفّان، قال:
حدّثنا وهيب، عن عمرو بن يحيى المازنيّ، عن العباس بن سهل بن سعد
الساعديّ، عن أبي حُميد الساعديّ، قال: خرجنا مع رسول الله وَّ عام تبوك،
حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها، قال رسول الله وَليه لأصحابه:
(اخْرُصُوا))، فخَرَص القومُ، وخَرَص رسولُ اللهِ وَّهَ عشرةَ أوسق، وقال
رسول الله ◌َ للمرأة: ((أحْصِي ما يخرج منها حتى أرجع إليك، إن شاء الله)،
قال: فخرج رسول الله وَّه حتى قَدِم تبوك، فقال رسول الله وَّهى: ((ستَهُبُّ عليكم
الليلةَ ريح شديدةٌ، فلا يقومنّ فيها رجل، ومن كان له بعير فليوثق عقاله))، قال
أبو حميد: فعقلناها، فلما كان من الليل هَبّت علينا ريح، فقام فيها رجل،
فألقته في جبل طيّء، ثم جاءه ملك أيلة، وأهدى لرسول الله وَلّ بغلةً بيضاءَ،
فكساه رسول الله وَ ه بُرْداً، وكتب له رسول الله وَلَ﴾(١)، ثم أقبل، وأقبلنا معه
حتى جئنا وادي القرى، فقال للمرأة: ((كم جاء حديقتك؟)) قالت: عشرة أوسق،
خَرْص رسول الله وََّ، فقال رسول الله وَلَى: ((إني متعجلٌ، فمن أحب منكم أن
يتعجل معي، فليفعل))، قال: فخرج رسول الله وَ﴿ ﴿، وخرجنا معه، حتى إذا
أوفى على المدينة، فقال: ((هذه طابة))، فلما رأى أُحُداً قال: ((هذا أُحُدٌ، هذا
جبل يحبنا، ونحبه، ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟))، قالوا: بلى، قال: ((خير
دور الأنصار بنو النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث، ثم دار
بني ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) سقط من النسخة قوله: (ببحرهم))، وهو ثابت في ((مصنّف ابن أبي شيبة))، وقد نبّه
عليه مسلم هنا، فليُتنبّه.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٣٥٤/١٠.

٢٤٣
(٤) - بَابُ تَوَكُلِ النَّبِّوَهِ عَلَى اللهِ، وَعِصْمَةِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُ مِنَ النَّاسِ - حديث رقم (٥٩٣٥)
(٤) - (بَابُ تَوَّلِ النَّيِّ ◌َّهِ عَلَى اللهِ،
وَعِصْمَةِ اللهِ تَعَالَى إِيّهُ مِنَ النَّاسِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَّقُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٣٥] (٨٤٣)(١) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ - عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَِّ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللهِهِ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاءِ، فَنَزَلَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ
فِي الْوَادِي، يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّ رَجُلاًّ ◌َتَانِي، وَأَنَا
نَائِمٌ، فَأَخَذَ السَّيْفَ، فَاسْتَبْقَظْتُ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّ وَالسَّيْفُ
صَلْتاً فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعَُ(٢) مِنِّي؟، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ، ثُمَّ قَالَ فِي
الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ، فَهَا هُوَ ذَا
جَالِسٌ))، ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ) الْوَرَكانيّ - بفتحتين - أبو
عمران الْخُرَاسانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٢٨) (م د س) تقدم في
(الإيمان)) ٢٥٥/٣٨.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو
إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨] (ت١٨٥) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٣ - (سِتَانُ بْنُ أَبِي سِنَانِ الدُّؤَلِيُّ) ويقال له: الدِّيليّ أيضاً المدنيّ، ثقةٌ [٣]
(١) هذا الرقم تقدّم، فهو مكرّر.
(٢) وفي نسخة: ((فقال: من يمنعك)).

٢٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
(ت١٠٥) وله (٨٢) سنةً (خ م ت س) تقدم في ((السلام)) ١٨/ ٥٧٧٦.
والباقون تقدّموا قريباً، و((أبو سلمة)) هو: ابن عبد الرحمن بن عوف.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف بالنسبة للأول، ومن خماسيّاته بالنسبة للثاني،
وله فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه جابر بن عبد الله ظًّا من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيّ) وفي الرواية التالية: ((عن الزهري،
حدّثني سنان بن أبي سنان الدُّؤَليّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ... ))،
و(الدُّؤَليّ)) بضم الدال المهملة، وفتح الهمزة، وهو مدنيّ، اسم أبيه يزيد بن
أمية، ليس له عند مسلم إلا حديثان، هذا الحديث، وحديث أبي هريرة نظرائه
مرفوعاً: ((لا عدوى، ولا صفر ... ))، وقد تقدّم في ((كتاب الطبّ)) برقم
[٥٧٧٦] (٢٢٢٠)، وليس له في البخاريّ أيضاً سوى هذين الحديثين، كما يأتي
عن ((الفتح)).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((الدُّؤَليّ)) - بضم الدال، وفتح الهمزة -، قال
الكرمانيّ: ويروى بكسر الدال، وسكون الياء، آخرِ الحروف، قال العينيّ:
الأول نسبة إلى الدُّئِل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو بكسر الهمزة، ولكنها
فُتحت في النسبة، والثاني نسبة إلى الدُّؤول - بسكون الواو - ابن حنيفة بن
لحيم، وإلى غير ذلك. انتهى (١).
[تنبيه]: قال في ((الفتح)) عند قوله: ((حدّثني سنان، وأبو سلمة)) ما نصّه: أما
سنان فهو ابن أبي سنان الدُّؤَليّ، كما في الرواية الثانية، والدُّؤَليّ بضم المهملة،
وفتح الهمزة، وهو مدني اسم أبيه يزيد بن أمية، وثّقه العجليّ وغيره، وما له في
البخاري سوى هذا الحديث، وآخر من روايته عن أبي هريرة في ((الطب)).
وأما أبو سلمة: فهو ابن عبد الرحمن بن عوف، كذا رواه شعيب عنهما،
ورواه إبراهيم بن سعد كما تقدم في ((الجهاد))، فلم يذكر فيه أبا سلمة، وكذا
(١) ((عمدة القاري)) ١٩٩/١٧.

٢٤٥
(٤) - بَابُ تَوَكُّلِ الشَِّّوَّه عَلَى اللهِ، وَعِصْمَةِ اللهِ تَعَالَى إِيّهُ مِنَ النَّاسِ - حديث رقم (٥٩٣٥)
رواه مسلم عن محمد بن جعفر الْوَرَكَانيّ، عن إبراهيم بن سعد(١)، ورواه
الحارث بن أبي أسامة عن محمد الْوَرَكانيّ هذا، فأثبت فيه أبا سلمة، ورواه
ابن أبي عتيق عن الزهريّ، فلم يذكر أبا سلمة، ورواه معمر عن الزهريّ، كما
سيأتي بعد أحاديث قليلة، فلم يذكر سناناً، فكأنّ الزهريّ كان تارةً يجمعهما،
وتارة يُفرد أحدهما .
وإسماعيل في الرواية الثانية، هو ابن أبي أويس، وأخوه هو
عبد الحميد، وسليمان شيخه هو ابن بلال، ومحمد بن أبي عتيق، نُسِب
إلى جدّه، فإن أبا عتيق، هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق،
ومحمد هذا الراوي هو ابن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، وقد ساق
البخاري الحديث على لفظ ابن أبي عتيق، وليس فيه ذِكر أبي سلمة، وذَكَرَ
من طريق شعيب، وهي عن سنان، وأبي سلمة معاً قطعةً يسيرةً: ((فإن جابراً
أخبر أنه غزا مع رسول الله ﴿ ﴿ قِبَل نجد))، وتقدم في ((الجهاد)) عن أبي
اليمان وحده بتمامه، قال: ورأيتها موافقةً لرواية ابن أبي عَتيق إلا في
آخره، كما سأبيّنه.
وأما رواية إبراهيم بن سعد ففيها اختصار، وقد رواه عن جابر أيضاً
سليمان بن قيس، كما في رواية مسدّد التي بعد هذه بحديث، ورواه يحيى بن
أبي كثير عن أبي سلمة، كما في الرواية المعلّقة بعده، فذكر بعض ما في
حديث الزهريّ، وزاد قصّة صلاة الخوف. انتهى ما في ((الفتح))، وإنما ذكرته،
وإن كان معظمه يتعلّق بروايات البخاريّ؛ لكونه جَمَع اختلاف الروايات في
هذا الحديث في موضع واحد، وفي ذلك فوائد مهمّة، والله تعالى أعلم.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿َا أنه (قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَ ◌ّهِ غَزْوَةً قِبَلَ
نَجْدٍ) - بكسر القاف، وفتح الباء الموحّدة ــ أي: جهته، وقال ابن الأثير:
النجد ما ارتفع من الأرض، وهو اسم خاصّ لِمَا دون الحجاز، مما يلي
العراق، وقال الجوهريّ: نَجْد من بلاد العرب، وهو خلاف الْغَوْر، والْغَوْر هو
تِهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نَجْد، وهو مذكّر،
(١) يعني: الرواية التي نشرحها الآن.

٢٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
والحاصل أن غزوة ذات الرقاع كانت بنجد(١).
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((غزونا مع رسول الله ◌َ﴿ غزوة قِبَل نجد)):
النجد: المرتفع من الأرض، والغور: المنخفض منها، هذا أصلها، ثم قد
صارا بحكم العُرف اسمين لجهتين مخصوصتين معروفتين، وصحيحُ الرواية،
ومشهورها: (نجد))، ووقع للعذري: ((أحد)). انتهى(٢).
وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر وظ به الآتية:
((قال: أقبلنا مع رسول الله وَّ حتّى إذا كنّا بذات الرقاع ... )). (فَأَدْرَكَنَا
رَسُولُ اللهِ وَ﴿) بالرفع على الفاعليّة، وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((فأدركنا
رسول الله (وَالر ... إلخ)): هذا اللفظ ذُكِر فيه: ((أدركَنَا)) بفتح الكاف
(رسولُ اللهِ وَّ) بالرفع على الفاعليّة، وعليه فيكونون قد تقدموه للوادي؛
لمصلحة من مصالحهم؛ ككونهم طليعة، أو صيانة للنبيّ وَله مما يُخشى عليه،
أو غير ذلك، ويَحْتَمِل أن يُقَيَّد: ((فأدركْنَا رسولَ اللهِ)) بسكون الكاف، ونَصْب
(رسول)) على المفعوليّة، فيكون فيه ما يدلُّ على شجاعة رسول الله وَله، ويكون
كنحو ما اتفق له لمّا وقع الفزع بالمدينة، فركب فرساً، فسبقهم، فاستبرأ
الخبر، ثم رجع، فلقي أصحابه خروجاً، فقال لهم: ((لَمْ تُراعوا)). انتهى(٣).
(فِي وَادٍ) هو كلّ مُنْفَرِج بين جبال، أو آكام يكون منفذاً للسيل، والجمع
أوديةٌ، واشتقاقه من ودَى الشيءُ: إذا سال، أفاده الفيّوميّ تَظُّ(٤). (كَثِيرٍ
الْعِضَاهِ) - بكسر العين المهملة، وتخفيف الضاد المعجمة -: كلُّ شجر يَعْظُم،
له شوكٌ، وقيل: هو العظيم من السَّمُر مطلقًا، وقد تقدم غير مرة، قاله في
(٥)
((الفتح))(٥) .
وقال الفيّوميّ تَخْتُهُ: العِضَاهُ وزانُ كِتَاب من شجر الشوك؛ كالطَّلح،
والْعَوْسج، واستثنى بعضهم القَتَاد، والسِّدْرَ، فلم يجعله من العِضَاءِ، والهاء
أصلية، وعَضِهَ البعيرُ عَضَهاً، فهو عَضِهٌ، من باب تَعِبَ: رَعَى العِضَاءَ،
(١) ((عمدة القاري)) ١٩٩/١٧.
(٣) ((المفهم)) ٦/ ٦١.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٦١.
(٤) ((المصباح المنير)) ٦٥٤/٢.
(٥) (الفتح)) ٢٣٧/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٣٥).

٢٤٧
(٤) - بَابُ تَوَكُّلِ النَّبِّوَهِ عَلَى الهِ، وَعِصْمَةِ اللهِ تَعَالَى إِيّاهُ مِنَ النَّاسِ - حديث رقم (٥٩٣٥)
واختلفوا في الواحدة، وهي: عِضَهٌ بكسر العين، فقيل: بالهاء، وهي أصلية
أيضاً، ومنهم من يقول: اللام في الواحدة محذوفة، وهي واو، والهاء للتأنيث
عوضاً عنها، فيقال: عِضَةٌ، كما يقال: عِزَةٌ، وشَفَةٌ، قال: والأصل عِضَوَةٌ،
ومنهم من يقول: اللام المحذوفة هاء، وربما ثبتت مع هاء التأنيث، فيقال:
عِضَهَةٌ، وزانُ عِنْبَة. انتهى(١).
(فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ وَلِ تَحْتَ شَجَرَة) وفي رواية البخاريّ: ((فنزل
رسول الله وَ﴿ تحت سَمُرة))؛ أي: شجرة كثيرة الورق، وفي رواية معمر:
((فاستظل بها))، ويُفسِّره ما في رواية يحيى بن أبي كثير الماضية في ((الصلاة)):
((كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبيّ وَله. (فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ
أَغْصَانِهَا) قال المجد تَخْذُهُ: ((الغُصْن بالضمّ: ما تشعّب من ساق الشجر،
دِقاقُها، وغِلاظها، والصغيرة بهاء، جَمْعه: غُصُونٌ، وغِصَنَةٌ، وأغصانٌ)).
انتهى (٢). (قَالَ) جابر (وَتَفَرَّقَ النَّاسُ)؛ أي: الصحابة الذين غزوا معه وَّهِ،
(فِي الْوَادِي) حال كونهم (يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ) ليقيلوا تحت ظلّها، قال
القرطبيّ كَّلُهُ: فيه جواز افتراق العسكر في النزول إذا أَمِنوا على أنفسهم،
وكأنهم قد أجهدهم التعب والحر، فقالوا مستظلين بالشجر.
(قَالَ) جابر (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ رَجُلاً) قال النوويّ: قال العلماء
هذا الرجل اسمه غَوْرث - بغين معجمة، وثاء مثلثة - والغين مضمومة،
ومفتوحة، وحَكَى القاضي الوجهين، ثم قال: الصواب الفتح، قال: وضَبَطه
بعض رواة البخاري بالعين المهملة، والصواب المعجمة، وقال الخطابيّ: هو
غُويرث، أو غورث على التصغير، والشك، وهو غورث بن الحارث، قال
القاضي، وقد جاء في حديث آخر مثل هذا الخبر، وسُمِّي الرجل فيه دعثوراً.
(٣)
انتھی(٣).
وقال في ((الفتح)): وغَوْرَث وزن جَعْفر، وقيل: بضم أوله، وهو بغين
معجمة، وراء، ومثلّثة، مأخوذ من الْغَرْث، وهو الجوع، ووقع عند الخطيب
(١) ((المصباح المنير)) ٤١٥/٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٤٤/١٥ - ٤٥.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص ٩٥٠.

٢٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
بالكاف بدل المثلثة، وحَكَى الخطابيّ فيه غُويرث بالتصغير، وحَكَى عياض أن
بعض المغاربة قال في البخاريّ بالعين المهملة، قال: وصوابه بالمعجمة، ووقع
عند الواقديّ في سبب هذه القصة أن اسم الأعرابي دعثور، وأنه أسلم، لكن
ظاهر كلامه أنهما قصتان في غزوتين، فالله أعلم(١).
(أَتَانِي) وفي رواية البخاريّ: ((فإذا رسول الله ◌َّهَ يَدْعونا، فجئناه، فإذا
عنده أعرابي))، قال في ((الفتح)): هذا السياق يُفَسِّر رواية يحيى: ((فإن فيها :
فجاء رجل من المشركين ... إلخ))، فبيّنت هذه الرواية أن هذا القَدْر لم يحضره
الصحابة، وإنما سمعوه من النبيّ وَّ لول بعد أن دعاهم، واستيقظوا.
وقال في ((العمدة)): كلمة ((إذا)) في الموضعين للمفاجأة، وقوله: ((أعرابي
جالس))، وفي رواية معمر: ((فإذا أعرابي قاعد بين يديه))، واسمه غُورث، كما
سيأتي(٢).
وقوله: (وَأَنَا نَائِمٌ) جملة حالية من المفعول، (فَأَخَذَ) الرجل (السَّيْفَ)؛
أي: سيفه لي المعلّق بالغصن؛ لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة، فهي عين
الأُولى، كما قال السيوطيّ كَثْتُهُ في ((عقود الجمان)):
إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَةْ
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ
تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانٍ
(لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ)) أَبَدَا
شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا
وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ
وَنَقَضَ السُّبْكِيُّ ذِي بِأَمْثِلَهْ
قال محمد: قلت متعقّباً لاستشكال السبكيّ هذا:
قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ يُسْتَعْمَلُ
(فَاسْتَيْقَظْتُ، وَهُوَ)؛ أي: والحال أن ذلك الرجل (قَائِمٌ عَلَىِ رَأْسِي، فَلَمْ
أَشْعُرْ) بضمّ العين، من باب نصر؛ أي: لم أعلم، أو لم أتفطّن (إِلَّ وَالسَّيْفُ)
مبتدأ، وقوله: (صَلْتاً) منصوب على الحال، وهو بفتح الصاد المهملة، وسكون
اللام، بعدها مثنّة؛ أي: مجرّداً من غِمْده، وقوله: (فِي يَدِهِ) خبر المبتدأ .
(١) ((الفتح)) ٢٣٩/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٣٤).
(٢) ((عمدة القاري)) ١٩٩/١٧.

٢٤٩
(٤) - بَابُ تَوَكُّلِ الشَِّّنَّهِ عَلَى اللهِ، وَعِصْمَةِ اللهِ تَعَالَى إِيّاهُ مِنَ النَّاسِ - حديث رقم (٥٩٣٥)
وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: قوله: ((صَلْتٌ في يده)) رُوي برفع ((صلت))، ونَصْبه،
فمن رَفَعه جعله خبر المبتدأ الذي هو ((السيف))، و((في يده)) متعلّق به، ومن
نَصَبه جعل الخبر في الجارّ والمجرور، ونصب ((صَلْتاً)) على الحال؛ أي:
مُصلتاً، وهو المجرَّد من غمده، والمشهور بفتح الصاد من: ((صَلَتَ))(١)، وذكر
القتبيّ: أنها تُكسر في لغة. انتهى.
قال: هذا يدلّ: على أن النبيّ ◌َ﴿ كان في هذا الوقت لا يحرُسه أحدٌ من
الناس، بخلاف ما كان عليه في أول أمره، فإنَّه كان يُحرَس حتى أنزل الله
تعالى عليه: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، فقال لمن كان يحرسه:
((اذهبوا فإنَّ الله تعالى قد عصمني من الناس)) (٢)، فمن ذلك الوقت لم يحرسه
أحدٌ منهم، ثقةً منه بوعد الله، وتوكلاً علیه.
(١) قال في ((تاج العروس)) ١/ ١١٢٢: الصَّلْتُ: السَّيْفُ الصَّقِيلُ المُنْجَرِدُ الماضي في
الضَّرِيبة. وبعضٌ يقولُ: لا يُقالُ: الصَّلْتُ لِما كان فيه طُولُ؛ كالمُنْصَلِتِ والإِصْلِيتِ
بالكسر. ويقال: أَصْلَتُّ السَّيفَ: إِذا جَرَّدْتُهُ، ورُبَّما اشْتَقُّوا نَعْتَ أَفْعَل من إِفْعِيل مثل
إِبْلِيسَ؛ لأَنَّ الله أَبْلَسَهُ. وسَيْفٌ إِصْلِيتٌ: صَقِيلٌ. ويجوز أَنْ يكون في معنى: مُصْلَتٍ
وفي حديث غَوْرَثٍ: ((فاخْترَطَ السَّيْفَ وهُوَ في يَدِهِ صَلْتاً))؛ أَي: مُجَرَّداً. وعن ابن
سِيدَهْ: أَصْلَتَ السَّيفَ: جَرَّده من غِمْده فهو مُصْلَتْ، وضرَبَهُ بالسَّيْفِ صَلْتاً وصُلْتاً؛
أي: ضرَبَه به وهو مُصْلَتْ. الصَّلْتُ: السِّكِّينُ المُصْلَتَة وقيل: هي الكبِيرَةُ والجمع
أَضْلَاتٌ. وعن أَبِي عَمْرٍو: سِكِينٌ صَلْتٌ وَسَيْفٌ صَلْتُ ومِخْيَطْ صَلْتُ: إِذا لم يكن له
غِلافٌ. وقيل: انجَرَد من غِمْدِهِ. وروى عن العُكْلِيّ: جاؤُوا بِصَلْتٍ مثلٍ كَتِفِ النّاقة؛
أَي: بشَفْرَةٍ عظيمة. ويُضَمُّ وبه صدّر في كتاب الأَسماءِ والأَفعال. الصَّلْتُ: الرَّجُلُ
الماضي في الحَوائِجِ الخفيف اللِّبَاس؛ كالأَصْلَتِيّ والمِصْلاتِ والمِصْلَتِ بالكسر
فيهما، والمُنْصَلِتِ المُسْرَعُ من كُلّ شيْءٍ. وفي الصِّحاح: رَجُلٌ مِصْلَةٌ بكسر الميم: إِذا
كان ماضياً في الأُمور، وكذلك أَصْلَتِيٌّ ومُنْصَلِتٌ وصَلْتٌ ومِصْلاتٌ. وفي الأَساس:
رجلٌ أَصْلَتِيٍّ: سريعٌ مُتَشِمِّرٌ، وهو من مَصالِيتِ الرِّجال، قال عامرُ بنُ الظُّفيْل:
أَنّا المَصَالِيتُ يَوْمَ الوَغَى إِذا ما المَغاوِيرُ لم تَقْدَمِ
انتھی.
(٢) رواه الترمذيّ، وقال: غريب.

٢٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وفيه: جواز نوم المسافر إذا أَمِن على نفسه، وأما مع الخوف،
فالواجب: التحرز والحذر. انتهى(١).
(فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ؟) وفي بعض النسخ: ((فقال: من يمنعك؟)) (مِنِّي)؛
أي: تعرّضي لك بالقتل، أو الضرب.
وقال القرطبيّ: قوله: ((من يمنعك مني؟)): استفهام مُشْرب بالنفي، كأنه
قال: لا مانع لك مني! فلم يبال النبيّ وَّمَ بقوله، ولا عرَّج عليه، ثقةً منه
بوعد الله، وتوكلاً عليه، وعلماً منه: بأنه ليس في الوجود فِعْل إلا لله تعالى،
فإنَّه أعلم الناس بالله تعالى، وأشدُّهم له خشية، فأجابه بقوله: ((الله))، ثانية،
وثالثة، فلمّا سمع الرَّجُل ذلك، وشاهد تلك القوة التي فارق بها عادة الناس
في مثل تلك الحال؛ تحقق صدقه، وعَلِم: أنه لا يصل إليه بضرر. وهذا من
أعظم الخوارق للعادة، فإنَّه عدوٌّ، متمكِّن، بيده سيفٌ شاهرٌ، وموتٌ حاضرٌ،
ولا حال تغيّرت، ولا روعة حصلت، هذا محال في العادات، فوقوعه من أبلغ
الكرامات، ومع اقتران التحدِّي به يكون من أوضح المعجزات. انتهى(٢).
وفي رواية يحيى بن أبي كثير الماضية: ((فأخذ سيف نبيّ الله وَّل،
فاخترطه، فقال لرسول الله وَله: أتخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟
قال: الله يمنعني منك)).
(قَالَ) وَ (قُلْتُ: اللهُ) فاعل لفعل مقدّر دلّ عليه السؤال؛ أي:
يمنعني الله رَتْ، (ثُمَّ قَالَ) الرجل (فِي) المرّة (الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ)
صَ لىالله
وسلم
(قُلْتُ: اللهُ) قال في ((الفتح)): وفي رواية يحيى: ((فقال: تخافني؟، قال: لا،
قال: فمن يمنعك مني؟))، وكرر ذلك في رواية أبي اليمان في ((الجهاد)) ثلاث
مرات، وهو استفهام إنكاريّ؛ أي: لا يمنعك مني أحد؛ لأن الأعرابي كان
قائماً، والسيف في يده، والنبيّ نَّ جالس، لا سيف معه، ويؤخذ من مراجعة
الأعرابيّ له في الكلام أن الله ◌ُعَلَ منع نبيّه وَ لَ منه، وإلا فما أحوجه إلى
مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه بقتله، وفي قول النبيّ وَلِلّ في
جوابه: ((الله))؛ أي: يمنعني منك إشارة إلى ذلك، ولذلك أعادها الأعرابيّ،
(١) ((المفهم) ٦/ ٦١.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٦١.

٢٥١
(٤) - بَابُ تَوَّلِ النَّبِّوَ عَلَى اللهِ، وَعِصْمَةِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُ مِنَ النَّاسِ - حديث رقم (٥٩٣٥)
فلم يزده على ذلك الجواب، وفي ذلك غاية التهكم به، وعدم المبالاة به
أصلاً. انتهى.
(قَالَ) وَّرِ (فَشَامَ السَّيْفَ)؛ أي: أغمده، وهو من باب ضرب، ويقال
أيضاً: شام السيف: إذا استلّه من غمده، فهو من الأضداد(١).
(فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ))) كلمة ((ها)) للتنبيه، و((هو)) ضمير الشأن، وكلمة ((ذا))
للإشارة إلى الحاضر، مبتدأ، و((جالس)) خبره، والجملة خبر لقوله: ((هو))، فلا
تحتاج إلى رابط، كما عُرِف في موضعه، قاله في ((العمدة))(٢).
وقال في ((المشارق)): قوله: ((فشام السيف، فها هو ذا جالس))، كذا عند
شيوخنا، ورواه بعضهم: ((جالساً))، وكلاهما صحيح، إن جَعَلتَ ((ذا)) خبر
المبتدأ كان ((جالساً)) نَصْباً على الحال، وإن جَعَلت ((ذا)) من صلتها جَعَلت
((جالس)) رفعاً خبر المبتدأ، وكذلك في هذا الحديث: ((والسيف صلتٌ في يده))
كذا لأكثرهم على الخبر، وعند القابسيّ: ((صلتاً)). انتهى(٣).
وقال النوويّ: أما قوله: ((صَلْتاً)) فبفتح الصاد، وضمها؛ أي: مسلولاً،
وأما شَامَه، فبالشين المعجمة، ومعناه: أغمده، ورَدّه في غمده، يقال: شام
السيف: إذا سَلّه، وإذا أغمده، فهو من الأضداد، والمراد هنا: أغمده. انتهى (٤).
وقال القرطبيّ: قوله: ((فها هو ذا جالس))؛ هكذا وجدته بخط شيخنا أبي
الصَّبر أيوب في نسخته، ووجدته في نسخة أخرى: ((فشام السيف، ها هو ذا
هو جالس)) بإسقاط الفاء، وزيادة ((هو))، والأول أحسن؛ لأنَّ الفاء رابطة،
و((هو)) لا يحتاج إليها، فهي زائدة.
ومعنى هذا الكلام: أن النبيّ وَّ نَّه على ذلك الرجل، وأخبر عنه،
وأشار إليه، فكأنه قال: تنبَّهوا لهذا الرجل؛ إذ مُنِعٍ مِمَّا همَّ به، واستسلم لِمَا
يُفعَلُ فيه، ثم تلافاه النبيّ ◌َّهَ بعفوه وحلمه، وعاد عليه بعوائده الكريمة
وصفحه، فلم يَعْرِض له على ما كان منه. انتهى(٥) .
(١) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٧٢٢.
(٣) ((مشارق الأنوار)) ٣٦٣/٢.
(٥) ((المفهم)) ٦/ ٦١.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٩٩/١٧.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٤٥/١٥.

٢٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة المتقدّمة في ((الصلاة)):
فتهدّده أصحاب رسول الله وَّ، وظاهرها يُشعر بأنهم حضروا القصّة، وأنه إنما
رجع عما كان عزم عليه بالتهديد، وليس كذلك، يردّه قوله في هذه الرواية بعد
قوله: ((قلت: الله، فشام السيف))، وكأن الأعرابيّ لمّا شاهد ذلك الثبات
العظيم منه وَّ، وعَرَف أنه حيل بينه وبينه تحقق صِدْقه، وعَلِم أنه لا يصل
إليه، فألقى السلاح، وأمكن من نفسه.
ووقع في رواية ابن إسحاق بعد قوله: ((قال: الله)): ((فدفع جبريل في
صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه النبيّ وَّ، وقال: من يمنعك أنت مني؟
قال: لا أحد، قال: قُمْ، فاذهب لشأنك، فلما وَلَّى قال: أنت خير مني)).
وأما قوله في هذه الرواية: (فها هو جالسٌ، ثم لم يعاقبه)) فيُجمع مع
رواية ابن إسحاق بأن قوله: ((فاذهب)) كان بعد أن أخبر الصحابة بقصته، فمَنّ
عليه؛ لشدّة رغبة النبيّ وَّر في استتلاف الكفار؛ ليدخلوا في الإسلام.
(ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ) بكسر الراء، من باب ضرب، (لَهُ رَسُولُ اللهِ وَ﴾)؛ أي:
لم يتعرّض له بالمعاقبة، بل عفا عنه، ولم يؤاخذه بما صنع، وفي رواية
البخاريّ: ((فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه رسول الله وَلات)).
وقد ذكر الواقديّ في نحو هذه القصة أنه أسلم، وأنه رجع إلى قومه،
فاهتدى به خلق كثير، ووقع في رواية ابن إسحاق: ((ثم أسلم بعدُ))(١)، والله
تعالى أعلم.
قال في ((الفتح)): وفي الحديث فرط شجاعة النبيّ وَّل، وقوة يقينه،
وصبره على الأذى، وحِلْمه عن الجهال، وفيه جواز تفرق العسكر في النزول،
ونومهم، وهذا محله إذا لم يكن هناك ما يخافون منه. انتهى (٢) .
وقال النوويّ كَّثُ: في الحديث بيان توكل النبيّ وَّ على الله،
وعصمة الله تعالى له من الناس، كما قال الله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ
النَّاسُِ﴾، وفيه جواز الاستظلال بأشجار البوادي، وتعليق السلاح وغيره فيها،
(١) ((الفتح)) ٢٣٧:٩ - ٢٣٨، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٣٦).
(٢) ((الفتح)) ٩: ٢٣٧ - ٢٣٨، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٣٦).

٢٥٣
(٤) - بَابُ تَوَكُّلِ النَّبِّلَّهِ عَلَى اللهِ، وَعِصْمَةِ اللهِ تَعَالَى إِيّاهُ مِنَ النَّاسِ - حديث رقم (٥٩٣٦)
وجوازُ الْمَنّ على الكافر الحربيّ، وإطلاقه، وفيه الحثّ على مراقبة الله تعالى،
والعفو، والحلم، ومقابلة السيئة بالحسنة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله ظّ هذا متّفقٌ عليه، وقد
تقدّم تخريجه في ((كتاب صلاة المسافرين وقصرها)) في ((باب صلاة الخوف)) برقم
[١٩٤٩/٥٧] (٨٤٣) وكذا فوائده، فراجعه تستفد، وبالله تعالى وليّ التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٣٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
إِسْحَاقَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي
سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ مِنْ
أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَِّ أَخْبَرَهُمَا، أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ وَِّ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ النَّبِيُّ ◌َه
قَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ يَوْماً، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَمَعْمَرٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصغاني - بفتح الصاد
المهملة، ثم الغين المعجمة - نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٧٠) (م ٤) تقدم
في ((الإيمان)) ١١٦/٤.
٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْراني - بفتح الموحّدة - الحمصيّ
مشهورٌ بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولةً [١٠]
(ت٢٢٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣.
٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الأمويّ مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر
الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧]
(ت١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ ◌َخْلُهُ
في ((صحيحه))، فقال:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥/ ٤٤.

٢٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
(٢٧٥٣) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: حدّثني
سنان بن أبي سنان الدُّؤَليّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن
عبد الله فيما أخبر، أنه غزا مع رسول الله وَله قِبَل نجد، فلما قَفَل رسول الله وَه
قَفَل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العِضَاه، فنزل رسول الله وَّه، وتفرّق
الناس، يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله ﴿ ﴿ تحت سَمُرة، وعلّق بها سيفه،
ونِمْنا نَوْمة، فإذا رسول الله وَّلم يدعونا، وإذا عنده أعرابيّ، فقال: ((إن هذا
اخترط عليّ سيفي، وأنا نائم، فاستيقظت، وهو في يده صَلْتاً، فقال: من
يمنعك مني؟ فقلت: الله)) ثلاثاً، ولم يعاقبه، وجلس. انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٣٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثْنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ
يَزِيدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ؛ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ:
(ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللهَِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ) العطار البصريّ، أبو يزيد، ثقةٌ، له أفراد [٧] مات
في حدود (١٦٠) (خ م « ت س) تقدم في ((الطهارة)) ٥٤٠/١.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) اليماميّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة هذه ساقها المصنّف رَخَذْهُ
في ((كتاب الصلاة))، فقال:
(٨٤٣) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عفّان، حدّثنا أبان بن يزيد،
حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، قال: أقبلنا مع
رسول الله ﴿ ﴿ حتى إذا كنا بذات الرِّقَاع، قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة
تركناها لرسول الله وَل، قال: فجاء رجل من المشركين، وسيف رسول الله وَ ل﴾
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٠٦٥/٣.

(٥) - بَابُ بَيَانِ مَثَلِ مَا بُعِثَ بِهِ النَِّيُّ لَهُ مِنَ الْهُدَى، وَالْعِلْمِ - حديث رقم (٥٩٣٨)
٢٥٥
مُعَلَّق بشجرة، فأخذ سيف نبي الله وَّة، فاخترطه، فقال لرسول الله وَله :
((أتخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك))، قال:
فتهدّده أصحاب رسول الله وَّر، فأغمد السيف، وعلَّقه، قال: فنودي بالصلاة،
فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال:
فكانت لرسول الله ﴿ أربع ركعات، وللقوم ركعتان. انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥) - (بَابُ بَيَانِ مَثَلِ مَا بُعِثَ بِهِ النَّبِيُّ وَّهِ مِنَ الْهُدَى، وَالْعِلْم)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٣٨] (٢٢٨٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عَامِرِ الأَشْعَرِيُّ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ - وَاللَّفْظُ لأَبِي عَامِرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ
أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ رَكَ مِنَ
الْهُدَى، وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضاً، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيَِّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ،
فَأَنْبَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَتَفَعَ اللهُ بِهَا
النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا، وَسَقَوْا، وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا (٢) أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ
قِيعَانٌ، لَا تُمْسِكُ مَاءَ، وَلَا تُنْبِتُ كَلاً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُّهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ اللهُ
بِمَا بَعَثَنِي اللّهُ بِهِ(٣)، فَعَلِمَ، وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً، وَلَمْ يَقْبَلْ
هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم قبل خمسة أبواب، فلا حاجة
إلى إعادة شرحه، و((أبو عامر الأشعريّ)) هو: عبد الله بن برّاد الكوفي، و((أبو
أسامة)) هو: حمّاد بن أسامة، و((بُريد)) هو ابن عبد الله بن أبي بردة، وكنيته أبو
(١) ((صحيح مسلم)) ٥٧٦/١.
(٣) وفي بعض النسخ: ((ونفعه بما بعثني الله به)).
(٢) وفي نسخة: ((وأصاب منها)).

٢٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
بُردة، وهو الصغير، وجدّه هو الكبير، والأكبر هو أبو بُردة، أخو أبي موسى
الأشعريّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْذُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم؛
الاتّحاد كيفيّة الأخذ والأداء، له ولهم، فهو أخذ منهم سماعاً مع جماعة، ولذا
قال: ((حدّثنا))، وهم أخذوا عن أبي أسامة كذلك سماعاً، ولذا قالوا:
((حدّثنا))، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه أبو كريب أحد التسعة
الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية الراوي، عن جدّه عن أبيه،
٤.
وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة
شرح الحديث:
(عَنْ بُرَيْدٍ) بصيغة التصغير، ابن عبد الله بن أبي بُردة (عَنْ) جدّه (أَبِي
بُرْدَةَ) قيل: اسمه الحارث، وقيل: عامر، وقيل: اسمه كنيته، (عَنْ أَبِي مُوسَى)
عبد الله بن قيس بن سُليم الأشعريّ الصحابيّ الشهير المتوفّى سنة (٥٠هـ) نَظّ له،
الله
وقيل: بعدها. (عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿) أنه (قَالَ: ((إِنَّ مَثَلَ) - بفتح الميم، والثاء المثلثة -
المراد به ههنا الصفة العجبية، لا القول السائر(١). (مَا بَعَثَنِي اللّهُ رَكْ بِهِ مِنَ
الْهُدَى) قال الجوهريّ: الهدى: الرَّشَاد، والدلالة، يُذَكَّر، ويؤنَّث، يقال:
هداه الله للدين هُدًى، وهَدَيْته الطريقَ، والبيتَ هِدايةً؛ أي: عرّفته، هذه لغة
أهل الحجاز، وغيرهم يقول: هديته إلى الطريق، وإلى الدار، حكاها
الأخفش، وهَدَى، واهتدى بمعنَى، وفي الاصطلاح: الهدى هو الدلالة
الموصلة إلى البغية (٢).
(وَالْعِلْم) هو صفة توجب تمييزاً لا يَحْتَمِل متعلَّقه النقيض، والمراد به
ههنا: الأدلة الشرعية (٣) .
(١) ((عمدة القاري)) ٢/ ٧٧.
(٣) ((عمدة القاري)) ٧٧/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢/ ٧٧.

٢٥٧
(٥) - بَابُ بَيَانِ مَثَلِ مَا بُعِثَ بِهِ النَّبِيُّ ◌َه مِنَ الْهُدَى، وَالْعِلْمِ - حديث رقم (٥٩٣٨)
وقال الطيبيّ نَّثُهُ: قوله: ((من الهدى والعلم))؛ أي: الطريقة والعمل،
روي: ((من ازداد علماً، ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بُعداً)). انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): فيه عَظْف المدلول على الدليل؛ لأن الهدى هو
الدلالة، والعلم هو المدلول، وَجِهة الجمع بينهما هو النظر إلى أن الهدى
بالنسبة إلى الغير؛ أي: التكميل، والعلم بالنسبة إلى الشخص؛ أي: الكمال،
ويقال: الهدى الطريقة، والعلم هو العمل. انتهى(٢).
(كَمَثَلِ غَيْثٍ) الغَيْثُ: المطر، وغَاثَ اللهُ البلادَ غَيْئاً، من باب ضرب:
أنزل بها الغَيْثَ، فالأرض مَغِيئَةٌ، ومَغْيُونَةٌ، ويُبْنَى للمفعول، فيقال: غِيئَتِ
الأرضُ تُغَاثُ، قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت ذا الرُّمّة يقول: قاتل الله
أَمَةَ بني فلان، ما أفصحها! قلت لها: كيف كان المطر عندكم؟ فقالت:
غِثْنَا مَا شِئْنَا، وغَاثَ الغيثُ الأرضَ غَيْئاً، من باب ضرب أيضاً: نزل بها،
وسُمِّي النبات غَيْئاً؛ تسميةً باسم السبب، فيقال: رَعَينا الغَيْثَ، قاله
الفيّوميّ تَخَذْهُ(٣).
وقال الطيبيّ نَّتُهُ: واختير الغيث على سائر أسماء المطر؛ لِيُؤْذن
باضطرار الخلق إليه حينئذ، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا
فَنَطُواْ﴾ الآية [الشورى: ٢٨]، وقد كان الناس قبل المبعث قد امتُحِنوا بموت
القلوب، ونُضُوب العلم، حتى أصابهم الله برحمة من عنده، فأفاض عليهم
سِجال الوحي السماويّ، فأشبهت حالهم حال من توالت عليهم السنون،
وأخلفتهم المحامل، حتى تداركهم الله بلطفه، وأَرْخت عليهم السماء، غير أنه
كان حظّ كلّ فريق من تلك الرحمة على ما ذكره من الأمثلة والنظائر، وإنما
ضرب المثل بالغيث للمشابهة التي بينه وبين العلم، فإن الغيث يحيي البلد
الميت، والعلم يحيي القلب الميت. انتهى (٤).
(أَصَابَ أَرْضاً، فَكَانَتْ مِنْهَا)؛ أي: من تلك الأرض التي أصابها الغيث
(١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٦١٦/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٧٩/٢.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٦١٦/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٥٨/٢.

٢٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
(طَائِفَةٌ)؛ أي: قطعة (طَيِّبَةٌ)؛ أي: منبتة، قال النوويّ تَّتُهُ: فهكذا هو في
جميع نسخ مسلم: ((طائفة طيبة))، ووقع في البخاريّ: ((فكان منها نَقِيَّةٌ، قَبِلَت
الماء)» بنون مفتوحة، ثم قاف مكسورة، ثم ياء مثناة من تحتُ مُشَدَّدة، وهو
بمعنى (طيبة))، هذا هو المشهور في روايات البخاريّ، ورواه الخطابيّ وغيره:
(ثغبة)) بالثاء المثلثة، والغين المعجمة، والباء الموحدة، قال الخطابيّ: هو
مستنقع الماء في الجبال، والصخور، وهو الثغب أيضاً، وجَمْعه ثغبان، قال
القاضي، وصاحب ((المطالع)): هذه الرواية غَلَظٌ من الناقلين، وتصحيفٌ،
وإحالة للمعنى؛ لأنه إنما جُعلت هذه الطائفة الأُولى مَثَلاً لِمَا يُنبت، والثغبة لا
تنبت. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((نقية)) كذا عند البخاريّ في جميع الروايات
التي رأيناها بالنون، من النقاء، وهي صفة لمحذوف، لكن وقع عند الخطابيّ،
والحميديّ، وفي حاشية أصل أبي ذَرّ: (ثَغِبة)) بمثلثة مفتوحة، وغين معجمة
مكسورة، بعدها موحّدة خفيفة، مفتوحة، قال الخطابيّ: هي مُسْتَنْقَع الماء في
الجبال، والصخور، قال القاضي عياض: هذا غَلَطٌ في الرواية، وإحالة
للمعنى؛ لأن هذا وَصْف الطائفة الأُولى التي تُنبت، وما ذَكَره يصلح وصفاً
للثانية التي تُمسك الماء، قال: وما ضبطناه في البخاريّ من جميع الطرق إلا
(نَقِيَّةٌ)) بفتح النون، وكسر القاف، وتشديد الياء التحتانية، وهو مثل قوله في
مسلم: ((طائفة طيبة))، قال الحافظ: وهو في جميع ما وقفت عليه من
المسانيد، والمستخرجات، كما عند مسلم، وفي كتاب الزركشيّ: ورُوي
((بقعة))، قلت(٢): هو بمعنى طائفة، لكن ليس ذلك في شيء من روايات
(الصحيحين))، ثم قرأت في ((شرح ابن رجب)) أن في رواية بالموحدة، بدل
النون، قال: والمراد بها القطعة الطيبة، كما يقال: فلان بقية الناس، ومنه:
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ اٌلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بِفِيَّةٍ﴾ [هود: ١١٦]. انتهى(٣) .
(قَبِلَتِ الْمَاءَ) بكسر الباء الموحّدة، يقال: قَبِلتُ العقدَ أقبَله، من باب
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥/ ٤٧.
(٢) القائل: هو الحافظ ابن حجر.
(٣) ((الفتح)) ٣٠٨/١ - ٣٠٩، كتاب ((العلم)) رقم (٧٩).

٢٥٩
(٥) - بَابُ بَيَانٍ مَثَلِ مَا بُعِثَ بِهِ النَّبِيُّ ◌َهِ مِنَ الْهُدَى، وَالْعِلْم - حديث رقم (٥٩٣٨)
تَعِبَ قَبُولاً بالفتح، والضمُّ لغةٌ حكاها ابن الأعرابيّ، وقَبِلتُ القولَ: صدّقته،
وقَبِلتُ الهديّةَ: أخذتها، قاله الفيّوميّ تَذَفُهُ(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((قَبِلت)) بفتح القاف، وكسر الموحّدة، من
القَبول، كذا في معظم الروايات، ووقع عند الأصيليّ: ((قَيَّلَت)) بالتحتانية
المشددة، وهو تصحيف. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَخَّثهُ: قوله: ((قبلت)) لم يختلف رواة مسلم في هذا الحرف
أنه بالباء الموحّدة، من القبول؛ أي: شربت الماء، فانتفعت به، وقيَّده بعض
رواه البخاريّ: ((قيَّلت)) - باثنتين من تحتها -. وقال الأصيليّ: إنه تصحيف،
وقال غيره: ليس كذلك، ومعناه: جَمَعَت، تقول العرب: تقيَّل الماءُ في
الموضع المنخفض: إذا اجتمع فيه.
قال القرطبيّ: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه قد ذكر بعد هذا الطائفة الممسكة
الماء، الجامعة له، فعلى ما قاله تكون الطائفتان واحدة، ويفسد معنى الخبر،
والتشبيه، وقيل: يكون معنى قيّلت: شربت، قال: والقَيْل: شُرب نصف
النهار، وقيّلت الإبلُ: إذا شربت قائلة.
قال: وهذا أيضاً ليس بشيء؛ لأنَّ مقصود الحديث لا يخصّ شرب
القائلة من غيرها، والأظهر ما قاله الأصيليّ. انتهى(٣).
(فَأَنْبَتَتِ الْكَلَ بفتح الكاف، مهموزاً بلا مدّ، وقوله: (وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ)
((الْعُشب)) بضمّ، فسكون، من عَطْف الخاصّ على العامّ؛ لأن الكلأ يُطلق على
النبت الرطب واليابس معاً، والعشب للرطب فقط، قاله في ((الفتح)) (٤).
وقال في ((العمدة)»: الكلأ بفتح الكاف، واللام، وفي آخره همزة، بلا
مَدّ، قال الصغانيّ: الكلأ: العشب، وقد كَلِئت الأرضُ، فهي كليئة، ثم قال
في باب العشب: العشب: الكلأ الرطب، ولا يقال له: حشيش حتى يَهِيج،
(١) ((المصباح المنير)) ٤٨٨/٢).
(٢) ((الفتح)) ٣٠٨/١ - ٣٠٩، كتاب ((العلم)) رقم (٧٩).
(٣) ((المفهم)) ٦/ ٨٢.
(٤) ((الفتح)) ٣٠٨/١ - ٣٠٩، كتاب ((العلم)) رقم (٧٩).

٢٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وأعشبت الأرضُ: إذا أنبتت العشب، وقال في باب الحشيش: الحشيس الكلأ
اليابس، ولا يقال له: رطب حشيش.
قال العينيّ تَخُّْ: عُلِم من كلامه أن الكلأ يُطلق على الرطب من النبات،
واليابس منه، وكذا صَرّح به ابن فارس، والجوهريّ، والقاضي عياض: الكلأ
يُطلق على الرطب واليابس من النبات، وفُهِم من قول الصغاني أيضاً أن
الحشيش لا يُطلق على الرطب، كذا صرّح به الجوهريّ، وهو منقول عن
الأصمعيّ، ذكره البطليوسي في ((أدب الكتاب))، ونقل عن أبي حاتم إطلاقه
عليه، وقال الكرمانيّ: الكلأ بالهمزة هو النبات يابساً ورطباً، وأما العشب
والخلا - مقصوراً - فمختصان بالرَّطْب، والحشيش مختص باليابس. انتهى.
وقال الجوهري: الخلا - مقصوراً - الحشيش اليابس، الواحدة خلاة،
مثلُ حصى وحصاة، قال العينيّ: والصواب مع الكرمانيّ، فالجوهريّ سهى
فيه؛ لأن الخلاء: الرَّطْب، فإذا يبس فهو حشيش. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: تعقّب العينيّ ◌َُّهُ هذا وجيه؛ قال الفيّوميّ: قال
في ((الكفاية)): الخلا: الرطب، وهو ما كان غَضّاً من الكلأ، وأما الحشيش
فهو اليابس. انتهى(٢).
وقال النوويّ كَّتُهُ: وأما العشب، والكلأ، والحشيش: فكلها أسماء
للنبات، لكن الحشيش مختصّ باليابس، والعشب والخلا ـ مقصوراً - مختصان
بالرَّظْب، والكلأ بالهمز: يقع على اليابس والرَّطْب، وقال الخطابيّ، وابن
فارس: الكلأ يقع على اليابس، وهذا شاذٌ ضعيف. انتهى(٣).
(وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ) بالجيم، والدال المهملة: هي الأرض التي لا تُنبت
كلا، وقال الخطابيّ: هي الأرض التي تُمسك الماء، فلا يُسرع فيه النُّضُوب،
قال ابن بطال، وصاحب ((المطالع))، وآخرون: هو جمع جَدْب على غير
قياس، كما قالوا في حُسْن: جمعه محاسن، والقياس أن محاسن جَمْع
محسن، وكذا قالوا: مَشابِه جمع شَبَه، وقياسه أن يكون جمع مشبه، قال
(١) ((عمدة القاري)) ٢/ ٧٧.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٤٦/١٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٨١.