النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
(٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ◌َلِّ - حديث رقم (٥٩٢٧)
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبُهُ (أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ)؛ بمعنى:
أبصرت، فلذا اقتصر على مفعول واحد، (وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ) بالحاء
المهملة؛ أي: قَرُب وقت صلاة العصر، وزاد قتادة في الرواية التالية: ((وهو
بالزوراء، وهو سوق بالمدينة))، والواو في قوله: ((وحانت)) للحال، والتقدير:
والحال أنه قد حانت صلاة العصر، (فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ) ببناء الفعل
للفاعل، و((الناس)) مرفوع على الفاعليّة، و((الوضوء)) منصوب على المفعوليّة،
وهو بفتح الواو: الماء الذي يُتوضّأ به (فَلَمْ يَجِدُوهُ)؛ أي: الوَضوءَ، (فَأُتِيَ
رَسُولُ اللهِ وََّ) بالبناء للمفعول، (بِوَضُوءٍ) بفتح الواو أيضاً، (فَوَضَعَ) بالبناء
للفاعل، (رَسُولُ اللهِ وَ ◌ّ فِي ذَلِكَ الِإِنَاءِ يَدَهُ) منصوب على المفعوليّة، (وَأَمَرَ)
بالبناء للفاعل؛ أي: أمر النبيّ وَ﴿ (النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَُّوا مِنْهُ)؛ أي: من ذلك
الوضوء الذي أُتي به إليه. (قَالَ) أنس ◌َّهِ (فَرَأَيْتُ الْمَاءَ) الرؤية هنا بصريّة،
كما مرّ آنفاً؛ أي: أبصرت الماء (يَتْبُعُ) بتثليث الموحّدة؛ أي: يخرج، والجملة
في محل نصب على الحال، وقد عُلِم أن الجملة الفعلية إذا وقعت حالاً تأتي
بلا واو، إذا كان فِعْلها مضارعاً، كما قال في ((الخلاصة)):
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ حَوَتْ ضَمِيراً وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ
وإنما لم يُجعل مفعولاً ثانياً لـ((رأيت))؛ لأن ((رأيت)) هنا بمعنى أبصرت،
فلا تقتضي إلا مفعولاً واحداً (١).
(مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ) جمع إصبع، فيه لغات: إصبع بكسر الهمزة،
وضمّها، والباء مفتوحة فيهما، ولك أن تُتْبع الضمة الضمة، والكسرة الكسرة؛
أي: من تحت أصابع النبيّ وَّهِ. (فَتَوَضَّأَ النَّاسُ، حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ)
قال الكرمانيّ: ((حتى)) للتدريج، و((من)) للبيان؛ أي: توضأ الناس حتى توضأ
الذين من عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، ثم نقل عن النوويّ أن ((من))
في ((من عند آخرهم)) بمعنى ((إلى))، وهي لغة، ثم قال: أقول: ورود ((من))
بمعنى: ((إلى)) شاذّ قلّما يقع في فصيح الكلام.
(١) ((عمدة القاري)) ٣٣/٣.

٢٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
قال العينيّ: ((حتى)) ههنا حرف ابتداء؛ يعني: حرف يُبتدأ بعده جملة؛
أي: تُستأنَف، فتكون اسمية، أو فعلية، والفعلية يكون فعلها ماضياً،
ومضارعاً، ومثال الاسمية قول جرير [من الطويل]:
بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ
فَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا
ومثال الفعلية التي فِعْلها ماض: ﴿حَتَّى عَفَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥]، و(حتى
توضؤوا))، ومثال الفعلية التي فعلها مضارع: ﴿حَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤]
في قراءة نافع. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((حتى توضؤوا من عند آخرهم)) قال الكرمانيّ:
((حتى)) للتدريج، و((من)) للبيان؛ أي: توضأ الناس حتى توضأ الذين عند
آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، قال: و((عند)) بمعنى: ((في))؛ لأن ((عند)) وإن
كانت للظرفية الخاصة، لكن المبالغة تقتضي أن تكون لمطلق الظرفية، فكأنه
قال: الذين هم في آخرهم، وقال التيميّ: المعنى: توضأ القوم حتى وصلت
النوبة إلى الآخر، وقال النوويّ: ((من)) هنا بمعنى: ((إلى))، وهي لغةٌ، وتعقبه
الكرمانيّ بأنها شاذّة، قال: ثم إن ((إلى)) لا يجوز أن تدخل على ((عند))، ويلزم
عليه، وعلى ما قال التيميّ أن لا يدخل الأخير، لكن ما قاله الكرمانيّ من أن
((إلى)) لا تدخل على ((عند)) لا يلزم مثله في ((من)) إذا وقعت بمعنى: ((إلى))،
وعلى توجيه النوويّ يمكن أن يقال: ((عند))، زائدة. انتهى (٢)، والله تعالى
أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٢٧/٣ و٥٩٢٨ و٥٩٢٩] (٢٢٧٩)،
و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٦٩ و٢٠٠) و((المناقب)) (٣٥٧٢ و٣٥٧٣
(١) ((عمدة القاري)) ٣٣/٣.
(٢) ((الفتح)) ٤٦٧/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (١٦٩).

٢٠٣
(٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ الشَِّيِّ وَّرِ - حديث رقم (٥٩٢٧)
و٣٥٧٤)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٦٣١)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١/
٦٠) و((الكبرى)) (٨١/١)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٣٢/١)، و(عبد الرزّاق) في
(مصنّفه)) (٢٧٦/١١)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٤٧/٣)، و(ابن سعد) في
((الطبقات)) (١٧٨/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٧٩٥ و٣١٧٢ و٣١٩٣)،
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٢٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥٣٩
و٦٥٤٧)، و(الفريابيّ) في ((الدلائل)) (٢٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٣/١)
و((الاعتقاد)) (ص٢٧٣ - ٢٧٤)، و(أبو نعيم)) في ((دلائل النبوّة)) (٣١٧)،
و(اللالكائيّ) في ((أصول الاعتقاد)) (١٤٨٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣٧١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن المواساة مشروعة عند الضرورة لمن كان في مائه
فضلٌ عن وضوئه.
٢ - (ومنها): بيان أن اغتراف المتوضئ من الماء القليل لا يصيّر الماء
مستعملاً .
٣ - (ومنها): أنه استَدَلّ به الشافعيّ على أن الأمر بغسل اليد قبل إدخالها
الإناء أمْر ندب، لا حتم.
٤ - (ومنها): أن فيه إباحةَ الوضوء للجماعة من إناء، يغترفون منه في
حين واحد، ولم يراعوا هل أصاب أحدهم مقدار مُدّ، فما زاد من الماء، كما
قال من ذهب إلى أن الوضوء لا يجوز بأقل من مُدّ، ولا الغسل بأقل من
صاع، قاله ابن عبد البرّ كََّفُهُ(١).
٥ - (ومنها): أن فيه الْعَلَمَ العظيمَ من أعلام نبوته ريَّ، وهو نبع الماء من
بين أصابعه، وكم له من مثل ذلك وعليه، والذي أعطيه وَلقر من هذه الآية
المعجزة أوضح في آيات الأنبياء وبراهينهم، مما أعطي موسى عليّا؛ إذ ضرب
بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وذلك أن من الحجارة ما يشاهد
انفجار الماء منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَرُّ﴾
(١) ((الاستذكار)) ٢٠٤/١.

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
[البقرة: ٧٤]، ولم يُشاهَد قط أحد من بني آدم يخرج من بين أصابعه الماء غير
نبينا ◌َل .
وقد عَرَض له هذا مراراً، مرةً بالمدينة، ومرةً بالحديبية، قبل بيعته
المعروفة ببيعة الرضوان، فتوضأ من الماء الذي نبع من بين أصابعه وَالر جميع
من حضر في ذلك اليوم، وهم ألف وأربعمائة، وقد قيل: ألف وخمسمائة (١).
٦ - (ومنها): بيان عدم وجوب طلب الماء للتطهر قبل دخول الوقت؛
لأن النبيّ وَّه لم ينكر عليهم التأخير، فدلّ على الجواز، وذكر ابن بطال أن
إجماع الأمة على أنه إن توضأ قبل الوقت فحسن، ولا يجوز التيمم عند أهل
الحجاز قبل دخول الوقت، وأجازه العراقيون.
٧ - (ومنها): بيان أن الصلاة لا تجب إلا بدخول الوقت.
٨ - (ومنها): أنه يستحب التماس الماء لمن كان على غير طهارة، وعند
دخول الوقت يجب.
٩ - (ومنها): أن فيه ردّاً على من ينكر المعجزة من الملاحدة.
١٠ - (ومنها): أنه استَنْبَطَ المهلّب منه أن الأملاك ترتفع عند الضرورة؛
لأنه لَمّا أُتي رسول الله وَّه بالماء لم يكن أحد أحقّ به من غيره، بل كانوا فيه
سواءً، ونوقش فيه، وإنما تجب المواساة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل
عن وضوئه، قاله في ((العمدة))(٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): حديث أنس بن مالك رَظُّه في نبع الماء من بين
أصابعه أورده مسلم من ثلاثة طرق: من رواية ثابت، وإسحاق بن عبد الله،
وقتادة كلهم عنه، وأورده البخاريّ في ((المناقب)) من أربعة طرق: من رواية
قتادة، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، والحسن البصريّ، وحميد الطويل،
وعنده في ((الطهارة)) من رواية ثابت، كلهم عن أنس، وعند بعضهم ما ليس عند
بعض .
قال الحافظ تَخُّ: وظهر لي من مجموع الروايات أنهما قصّتان في
موطنين؛ للتغاير في عدد من حضر، وهي مغايَرَة واضحة يَبْعد الجمع فيها،
(١) ((الاستذكار)) ٢٠٤/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٤/٣.

٢٠٥
(٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ◌َِ﴾ - حديث رقم (٥٩٢٧)
وكذلك تعيين المكان الذي وقع ذلك فيه؛ لأن ظاهر رواية الحسن أن ذلك كان
في سفر، بخلاف رواية قتادة، فإنها ظاهرة في أنها كانت بالمدينة، وسيأتي في
غير حديث أنس أنها كانت في مواطن أُخَر.
قال القاضي عياض تَخْلَتُهُ: هذه القصة رواها الثقات من العدد الكثير، عن
الجمّ الغَفِير، عن الكافّة، متصلةً بالصحابة ﴿ه، وكان ذلك في مواطن اجتماع
الكثير منهم في المحافل، ومجمع العساكر، ولم يَرِد عن أحد منهم إنكارٌ على
راوي ذلك، فهذا النوع ملحق بالقطعيّ من معجزاته وَله.
وقال القرطبيّ ◌َّثهُ: قضية نبع الماء من بين أصابعه وَّ تكررت منه في
عدّة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم
القطعيّ المستفاد من التواتر المعنويّ.
قال الحافظ: أخذ كلام عياض، وتصرف فيه، قال: ولم يُسمع بمثل هذه
المعجزة عن غير نبينا ، وحديث نبع الماء جاء من رواية أنس عند
الشيخين، وأحمد، وغيرهم، من خمسة طرق، وعن جابر بن عبد الله من أربعة
طرق، وعن ابن مسعود عند البخاريّ، والترمذيّ، وعن ابن عباس عند أحمد،
والطبرانيّ، من طريقين، وعن ابن أبي ليلى والد عبد الرحمن، عند الطبرانيّ،
فعدد هؤلاء الصحابة ليس كما يُفهم من إطلاقهما .
وأما تكثير الماء بأن يلمسه بيده، أو يتفل فيه، أو يأمر بوضع شيء فيه،
كسهم من كنانته، فجاء في حديث عمران بن حصين، في ((الصحيحين))، وعن
البراء بن عازب، عند البخاريّ، وأحمد، من طريقين، وعن أبي قتادة عند
مسلم، وعن أنس عند البيهقيّ في ((الدلائل))، وعن زياد بن الحارث الصُّدَائيّ
عنده، وعن حَبّان بن بُحّ - بضم الموحدة، وتشديد المهملة - الصُّدائيّ أيضاً،
فإذا ضُمَّ هذا إلى هذا بلغ الكثرة المذكورة، أو قاربها .
وأما من رواها من أهل القرن الثاني فهم أكثر عدداً، وإن كان شطر طرقه
أفراداً .
وفي الجملة يستفاد منها الردّ على ابن بطال، حيث قال: هذا الحديث
شهده جماعة كثيرة من الصحابة، إلا أنه لم يُرْوَ إلا من طريق أنس، وذلك
لطول عمره، وتطلّب الناس العلو في السند. انتهى، وهو ينادي عليه بقلّة

٢٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
الاطلاع والاستحضار لأحاديث الكتاب الذي شرحه، وبالله التوفيق.
قال القرطبي: ولم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا وَّل حيث نبع
الماء من بين عظمه، وعصبه، ولحمه، ودمه.
وقد نقل ابن عبد البرّ عن المزنيّ أنه قال: نَّبْع الماء من بين أصابعه وَاه
أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر، حيث ضربه موسى بالعصا،
فتفجرت منه المياه؛ لأن خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروج الماء
من بين اللحم والدم. انتهى، وظاهر كلامه أن الماء نبع من نفس اللحم الكائن
في الأصابع، ويؤيده قوله في حديث جابر الآتي: ((فرأيت الماء يخرج من بين
أصابعه))، وأوضح منه ما وقع في حديث ابن عباس عند الطبرانيّ: ((فجاؤوا
بشَنّ، فوضع رسول الله وَّر يده عليه، ثم فرّق أصابعه، فنبع الماء من أصابع
رسول الله وَّ مثل عصا موسى، فإن الماء تفجّر من نفس العصا، فتمسّكه به
يقتضي أن الماء تفجر من بين أصابعه.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أن الماء كان ينبع من بين أصابعه بالنسبة إلى
رؤية الرائي، وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه يفور ويكثر، وكفّه ◌َّر في
الماء فرآه الرائي نابعاً من بين أصابعه، والأول أبلغ في المعجزة، وليس في
الأخبار ما يردّه، وهو أولى. انتهى كلام الحافظ ◌َُّهُ، وهو بحث نفيس جدّاً،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٢٨] (.) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - يَعْنِي: ابْنَ
هِشَام - حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ وَه
وَأَصْخَّابَهُ بِالزَّوْرَاءِ - قَالَ: وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ، وَالْمَسْجِدِ، فِيمَا ثَمَّهْ -
دَعَا بِقَدَحِ، فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فِيهِ، فَجَعَلَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ (١)، فَتَوَضَّأَ
جَمِيعُ أَصْحَابِهِ، قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانُوا يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ: كَانُوا زُهَاءَ
الثَّلَاثِمِائَةِ)(٢).
(١) وفي نسخة: ((ينبع بين أصابعه)).
(٢) وفي نسخة: ((زهاء ثلاثمائة)).

٢٠٧
(٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ وَّهِ - حديث رقم (٥٩٢٨)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد، البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر بوزن جعفر، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قريباً.
و((أنسُ بن مالك)) رظُهُ ذُكر قبله.
شرح الحديث :
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيّ، أنه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ)
(أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ وَِّ وَأَصْحَابَهُ بِالزَّوْرَاءِ) - بتقديم الزاي على الراء، وبالمدّ ـ: مكان
معروف بالمدينة عند السوق، وزعم الداوديّ أنه كان مرتفعاً كالمنارة، وكأنه
أخذه من أمْر عثمان بالتأذين على الزوراء، وليس ذلك بلازم، بل الواقع أن
المكان الذي أمر عثمان بالتأذين فيه كان بالزوراء، لا أنه الزوراء نفسها .
ووقع في رواية همام، عن قتادة، عن أنس: ((شَهِدت النبيّ ◌َّ مع
أصحابه عند الزوراء، أو عند بيوت المدينة))، أخرجه أبو نعيم.
وعند أبي نعيم من رواية شريك بن أبي نَمِر، عن أنس، أنه هو الذي
أحضر الماء، وأنه أحضره إلى النبيّ وَّ من بيت أم سلمة، وأنه ردّه بعد
فراغهم إلى أم سلمة، وفيه قَدْر ما كان فيه أوّلاً .
ووقع عنده في رواية عبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس: أن النبيّ وَلِلّه
خرج إلى قباء، فأَتِي من بعض بيوتهم بقدح صغير.
ووقع في حديث جابر التصريح بأن ذلك كان في سفر، ففي رواية نُبيح
الْعَنَزيّ عند أحمد، عن جابر: قال: سافرنا مع رسول الله وَّ، فحضرت
الصلاة، فقال رسول الله وَجه: ((أما في القوم من طَهُور؟)) فجاء رجل بفضلة في
إداوة، فصبه في قَدَح، فتوضأ رسول الله وَّر، ثم إن القوم أُتُوْا ببقية الطهور،
فقالوا: تمسّحوا، تمسّحوا، فسمعهم رسول اللّهِ وَالر، فقال: ((على رِسْلكم))،
فضرب بيده في القدح، في جوف الماء، ثم قال: ((أسبغوا الظُّهُور))، قال

٢٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
جابر: فوالذي أذهب بصري، لقد رأيت الماء يخرج من بين أصابع
رسول الله ﴿ حتى توضؤوا أجمعون، قال: حسبته قال: «كنا مائتين
وزيادة)) .
وجاء عن جابر رظوله قصة أخرى أخرجها مسلم من وجه آخر عنه في
أواخر الكتاب في حديثه الطويل وفيه: أن الماء الذي أحضروه له كان قطرة في
إناء من جلد، لو أفرغها لشربها يابس الإناء، وأنه لم يجد في الركب قطرة ماء
غيرها، قال: فأخذه النبيّ ◌َ﴿ فتكلم، وغَمَز بيده، ثم قال: ((ناد بجفنة
الركب))، فجيء بها، فقال بيده في الجفنة، فبسطها، ثم فرّق أصابعه، ووضع
تلك القطرة في قعر الجفنة، فقال: خذ يا جابر، فصُبّ عليّ، وقل: باسم الله،
ففعلت، قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة، ودارت
حتى امتلأت، فَأَتَى الناسُ، فاستقوا، حتى رَؤُوا، فرفع يده من الجفنة، وهي
ملأى))، وهذه القصة أبلغ من جميع ما تقدم؛ لاشتمالها على قلة الماء، وعلى
كثرة من استقى منه، قاله في ((الفتح))(١) .
(قَالَ: وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ، وَالْمَسْجِدِ، فِيمَا ثَمَّهْ) قال النوويّ:
هكذا هو في جميع النسخ (ثَمّه)) قال أهل اللغة: (ثَمّ)) بفتح الثاء، و(ثَمّه)) بفتح
الهاء، بمعنى هناك، وهنا، فـ((ثمّ)) للبعيد، و((ثَمّه)) للقريب. انتهى.
والمعنى: أن الزوراء مكان بالمدينة عند سوقها، وهو قريب من المسجد
النبويّ، فقوله: ((فيما ثَمّ))؛ أي: في المكان القريب منه، والله تعالى أعلم.
(دَعَا)؛ أي: طلب النبيّ وَّ (بِقَدَح) بفتحتين: إناء معروف، جَمْعه
أقداح، مثلُ سبب وأسباب. (فِيهِ مَاءٌ، فَوَّضَعَ) بَِّ (كَفَّهُ فِيهِ)؛ أي: في ذلك
القدَح، (فَجَعَلَ)؛ أي: أخذ، وبدأ الماء (يَتْبُعُ) بتثليث الموحّدة، كما مرّ قريباً.
(مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ)، وفي بعض النُّسخ: ((بين أصابعه))، (فَتَوَضَّأَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ،
قَالَ) قتَدة (قُلْتُ: كَمْ كَانُوا يَا أَبَا حَمْزَةَ؟) كنية أنس ◌َظُه (قَالَ: كَانُوا زُهَاءَ
الثَّلَاثِمِائَةِ)، وفي نسخة: ((زُهاء ثلاثمائة))، وهو بضم الزاي، وبالمدّ؛ أي: قدر
ثلاثمائة، مأخوذة من زَهَوت الشيء: إذا حصرته. ووقع عند الإسماعيليّ من
(١) ((الفتح)) ٥٨٦/٦.

٢٠٩
(٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَِّّ وَّهِ - حديث رقم (٥٩٢٩)
طريق خالد بن الحارث، عن سعيد قال: ((ثلاثمائة)) بالجزم بدون قوله:
(زُهاء))، قاله في ((الفتح)).
وقال النوويّ: أما ((زُهاء)) فبضم الزاي وبالمدّ؛ أي: قدر ثلاثمائة، ويقال
أيضاً: (لُهَاء)) باللام؛ أي: بدل الزاي، وقال في هذه الرواية: (ثلاثمائة))، وفي
الرواية التي قبلها: ((ما بين الستين إلى الثمانين))، قال العلماء: هما قضيتان،
جرتا في وقتين، ورواهما جميعاً أنس رائه.
وأما قوله: ((الثلاثمائة)) فهكذا هو في جميع النسخ: ((الثلاثمائة))، وهو
صحيح، وسبق شرحه في (كتاب الإيمان)) في حديث حذيفة رضيالله: ((اكتبوا لي
كم يلفِظ الإسلام؟)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه في الحديث الماضي، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٢٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ، فَأَتِيَ بِإِنَاءِ مَاءٍ، لَا
يَغْمُرُ أَصَابِعَهُ، أَوْ قَدْرَ مَا يُوَارِي أَصَابِعَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ هِشَامٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عَرُوبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختَلَطَ، وكان من أثبت الناس في
قتادة [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (لَا يَغْمُرُ أَصَابِعَهُ)؛ أي: لا يسترها، يقال: غَمَرتُهُ أَغْمُرُهُ، مثلُ:
سَتَرته أستُرُهُ وزناً ومعنَى(٢).
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٩/١٥ - ٤٠.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٥٣/٢.

٢١٠
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وقوله: (أَوْ قَدْرَ مَا يُوَارِي أَصَابِعَهُ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، هل قال:
((يَغْمُر))، أو قال: ((يواري))، والشك يَحْتَمِل أن يكون من قتادة، ويَحْتَمل أن
یکون من غيره.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ هِشَام) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير سعيد بن أبي
عروبة، و((هشام)) هو الدستوائيّ المذكور فيَّ السند الماضي، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ساقها أحمد تَظُّ في
((مسنده))، فقال:
(١٢٧٦٥) - حدثنا محمد بن جعفر، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن
مالك: أن نبيّ اللهَ وَّ﴿ كان بالزَّوراء، فأُتي بإناء فيه ماء، لا يَغْمُر أصابعه، فأمر
أصحابه أن يتوضؤوا، فوضع كفه في الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه،
وأطراف أصابعه، حتى توضأ القوم، قال: فقلت لأنس: كم كنتم؟ قال: كُنّا
ثلاث مائة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٣٠] (٢٢٨٠) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ،
حَدَّثَنَا مَعْقِلُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ أُمَّ مَالِكِ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِّ ◌َلُ فِي
عُكَّةٍ لَهَا سَمْناً، فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا، فَيَسْأَلُونَ الأُدْمَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، فَتَعْمِدُ إِلَى
الَّذِي كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَّبِّ وَّهِ، فَتَجِدُ فِيهِ سَمْنَاً، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيْتِهَا (١)،
حَتَّى عَصَرَتْهُ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَقَالَ: ((عَصَرْتِيهَا؟))، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ((لَوْ
تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِماً))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار
[١١] مات سنة بضع وأربعين ومائتين (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٠.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين الحرانيّ، أبو عليّ،
نُسِب إلى جدّه، صدوق [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
(١) وفي نسخة: ((أُدم بنيها)).

٢١١
(٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ وَّهِ - حديث رقم (٥٩٣٠)
٣ - (مَعْقِلُ) بن عبيد الله الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ - بالموحّدة -
مولاهم، صدوقٌ، يخطىء [٨] (ت١٦٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
والباقيان تقدّما قريباً .
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذُ، وهو (٤٥٦) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله
(أَنَّ أُمَّ مَالِكِ) الأنصاريّة، ذكر في ((الإصابة)) ما نصّه: أم مالك الأنصارية: أورد
ابن أبي عاصم في ((الوُحدان))، وابن أبي خيثمة من طريق عطاء بن السائب، عن
يحيى بن جعدة، عن رجل حدّثه أن أم مالك الأنصارية قالت: جاءت بعكة سمن
إلى رسول الله وَ﴿، فأمر بلالاً، فعصرها، ثم دفعها إليها، فإذا هي مملوءة،
فجاءت، فقالت: أنزل فيّ شيء؟ قال: ((وما ذلك؟)) قالت: رددت عليّ هديتي،
فدعا بلالاً، فسأله، فقال: والذي بعثك بالحقّ لقد عصرتها حتى استحييت،
فقال: ((هنيئاً لك، هذه بركة يا أم مالك، هذه بركة عَجَّل الله لك ثوابها))، ثم
عَلّمها أن تقول في دبر كل صلاة: سبحان الله عشراً، والحمد لله عشراً، والله
أكبر عشراً. لفظ ابن أبي عاصم، واقتصر ابن أبي خيثمة على آخره.
ثم ذكر حديث مسلم هذا، ثم قال: قال في الذيل على الاستيعاب:
لا أدري أهي التي ذكرها أبو عمر، أو غيرها؟.
قال الحافظ: وكلام ابن منده ظاهر في أنها واحدة، فإنه قال: روى عنها
جابر، وعبد الرحمن بن سابط، وعياض بن عبد الله بن أبي سَرْح، ثم أخرج
من طريق عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أم مالك الأنصارية،
قالت: أتيت رسول الله وَّهِ، ولَحْيَايَ يَرْعَدان من الحمّى، فقال: ((ما لك يا أم
مالك؟)) قالت: أم مِلْدَم، فعل الله بها، وفعل، فقال: ((لا تسبّها، فإن الله يَحُظُ
بها عن العبد الذنوب، كما يتحاتّ ورق الشجر)). انتهى(١).
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٩٨/٨.

٢١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
(كَانَتْ تُهْدِي) بضمّ أوله، من الإهداء رباعيًاً، يقال: أهديت للرجل کذا
بالألف: بعثت به إليه إكراماً، فهو هديّة بالتثقيل، لا غير، قاله الفيّوميّ(١).
(لِلنَّبِّ وَّهِ فِي عُكَّةٍ) قال في ((التاج)): العُكَّةُ بالضَّمِّ: آنِيَةُ السَّمْنِ؛ كالشَّكْوَةِ
للََّنِ، أَصْغَرُ من القِربَةِ، وقال ابنُ الأَثِيرِ: وهي وِعاءٌ من جُلُودٍ، مُستَدِير،
للسَّمنِ، والعَسَلِ، يختصّ بهما، وهو بالسَّمْنِ أَخَصّ (٢)، قال أَبو المُثَلَّم يَصِفُ
امرأتَه [من المتقارب]:
لَها ظَبِيَةٌ ولها عُكَّةٌ إِذا أَنْفَضَ الحَيُّ لَمْ يُنْفِضِ
جَمْعِه: عُكَكٌ، كصُرَدٍ، وعِكاكٌ بالكسرِ. انتهى (٣).
(لَهَا سَمْناً) بفتح، فسكون: سِلاءُ(٤) الزُّبْد، والزُّبْد سِلاءُ اللبن، وهو
للبقر، وقد يكون لِلْمِعْزَى، وأنشد الجوهريّ لامرئ القيس - وذَكَر مِعْزَّى له [من
الوافر] :
فَتَمْلأُ بَيْتَاَ أَقِطاً وَسَمْناً وَحَسْبُكَ مِنْ غِنَّى شِبَعٌ وَرِيُّ
جَمْعه: أَسْمُنٌّ، وسُمُونٌ، وسُمْنَانٌ، مثل أَعْبُدٍ، وعُبُودٍ، وعُبْدان، وأَظْهُر،
وظُهُور، وظُهْران، واقتصر الجوهريُّ على الأخيرين، قاله في (التاج))(٥).
(فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا، فَيَسْأَلُونَ الأُدْمَ) بضمّتين، أو بضمّ، فسكون، قال
الفيّوميّ تَخْتُهُ: الإدام: ما يؤتدم به مائعاً كان أو جامداً، وجَمْعه أُدُمٌ، مثلُ
كتاب وكُتُب، ويُسكّن للتخفيف، فيعامَل معاملة المفرد، ويُجمع على آدام، مثلُ
قُفْل وأقفال. انتهى(٦).
(وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ)؛ أي: مما يؤتدم، (فَتَعْمِدُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه،
من باب ضرب؛ أي: تقصد (إِلَى) الإناء (الَّذِي كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ وََّ)
سمناً، (فَتَجِدُ فِيهِ سَمْناً) رزقاً من الله رَتْ، (فَمَا زَالَ) ذلك الإناء (يُقِيمُ) بضمّ أوله
(١) ((المصباح المنير)) ٦٣٦/٢.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ص ٦٣٥.
(٣) (تاج العروس)) ٦٧٥٦/١.
(٤) سلأ السمنَ؛ كمنع: طبخه، وعالجه؛ كاستلأه، والاسم؛ ككتاب، جَمْعه أسلِئة،
قاله في ((القاموس)) ص٦٢٧.
(٥) ((تاج العروس)) ١/ ٨٠٧٢.
(٦) ((المصباح المنير)) ٩/١.

٢١٣
(٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ وَّهِ - حديث رقم (٥٩٣٠)
من الإقامة، يقال: أقام الصلاة: أدامها(١)، والمعنى: أنه يديم (لَهَا أُدْمَ بَيْتِهَا)؛
بمعنى: أنها وأهل بيتها، لا يحتاجون إلى أُدُم غيره، ووقع في بعض النسخ:
((أُدُم بنيها)). (حَتَّى عَصَرَتْهُ)؛ أي: استخرجت ما فيه من السمن، يقال: عَصَرتُ
العنب ونحوه عَصْراً، من باب ضرب: استخرجتُ ماءه، واعتصرته كذلك(٢).
(فَأَتَت) المرأة (النَِّيَّ ◌ََِّ)، وقوله: (فَقَالَ) معطوف على محذوف؛ أي: فأخبرته
الخبر، فقال: ((عَصَرْتِيهَا؟))) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أعصرتيها؟.
[تنبيه]: قوله: ((عصرتيها)) هكذا النسخ بإثبات الياء بعد تاء المخاطبة،
وكذا في قوله: ((تركتيها))، وتقدّم أنه لغة، والجادّة حذفها، كما لا يخفى على
من له إلمام بعلم النحو، والله تعالى أعلم.
(قَالَت) المرأة (نَعَمْ) عَصَرْتُها، (قَالَ) وَلِ (لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ) السمن
(قَائِماً)))؛ أي: ثابتاً لديكم لا تحتاجون إلى غيره.
قال في ((الفتح)): قد استُشْكِل هذا النهي مع الأمر بكيل الطعام، وترتيب
البركة على ذلك، ففي حديث المقدام بن معد يكرب ظلاله مرفوعاً: ((كِيلوا
طعامكم ببارَك لكم فيه»، رواه البخاريّ.
وأجيب: بأن الكيل عند المبايعة مطلوب من أجل تعلّق حقّ المتبايعين،
فلهذا القصد يُندب، وأما الكيل عند الإنفاق، فقد يَبعث عليه الشحّ، فلذلك
كُرِه، ويؤيده ما أخرجه مسلم بعد هذا من قصّة الرجل الذي استطعم النبيّ وَّ،
فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه، وامرأته، وضيفهما، حتى
كاله، فأتى النبيّ وَّه، فقال: ((لو لم تَكِلْه لأكلتم منه، ولقام لكم)). انتهى.
وقال النوويّ تَخْتُهُ: قوله في حديث المرأة: إنها حين عصرت العُكّة
ذهبت بركة السمن، وفي حديث الرجل: حين كال الشعير فَنِي، ومثله حديث
عائشة : حين كالت الشعير ففني، قال العلماء: الحكمة في ذلك أن
عَصْرَها، وكَيْله مضادّة للتسليم، والتوكل على رزق الله تعالى، ويتضمن التدبير
والأخذ بالحول والقوّة، وتكلّف للإحاطة بأسرار حِكَم الله تعالى وفَضْله،
فعوقب فاعله بزواله. انتهى، والله تعالى أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ٥٢٠/٢ - ٥٢١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤١٣/٢.

٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ظله هذا من أفراد المصنّف تَّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٣٠/٣] (٢٢٨٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) من
رواية ابن ◌َهِيعة عن أبي الزبير (٣٤٠/٣ و٣٤٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه بيان عَلَم من أعلام النبوّة الباهرة، والمعجرة الظاهرة
للنبيّ
٢ - (ومنها): بيان جواز إهداء الهديّة، واستحباب قبولها.
٣ - (ومنها): جواز هدية المرأة، وجواز قبولها منها .
٤ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخَّهُ: سبب رفع النماء من ذلك عند
العصر، والكيل - والله أعلم - الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار
نِعَم الله، ومواهب كراماته، وكثرة بركاته، والغفلة عن الشكر عليها، والثقة
بالذي وهبها، والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادة، وهذا
نحوٌ مما جَرَى لبني إسرائيل في التِّيه، لَمّا أُنزل عليهم المنّ والسلوى،
وقيل لهم: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٢]،
فأطاعوا حرص النفس، فادخروا للأيام، فخَنَزَ اللحم، وفسد الطعام.
.
(١)
.
انتھی
٥ - (ومنها): ما قال القرطبيّ أيضاً: يستفاد من الحديث أن من رُزق
شيئاً، أو أُكرم بكرامة، أو لطُفِ به في أمر ما، فالمتعيَّن عليه موالاة الشكر،
ورؤية المنّة لله تعالى، ولا يُحدث في تلك الحالة تغييراً، بل يتركها على
حالها، ومعنى رؤية المنة: أن يعلم أن ذلك بمحض فضل الله تعالى، وكرمه،
لا بحولنا، ولا بقوتنا، ولا استحقاقنا(٢)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٣ - ٥٤.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٥٣ - ٥٤.

٢١٥
(٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ بَطِّ - حديث رقم (٥٩٣١)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٣١] (٢٢٨١) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ،
حَدَّثَنَا مَعْقِلُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ وَهِ يَسْتَطْعِمُهُ،
فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقٍ شَعِيرٍ، فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَامْرَأَتْهُ، وَضَيْفُهُمَا، حَتَّى
كَالَهُ، فَأَتَى النَّبِّ نَّهِ، فَقَالَ: ((لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ لَكُمْ))).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو المذكور قبل هذا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ◌َظُهُ (أَنَّ رَجُلاً) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه، ولا أعرف
امرأته(١). (أَتَىُّ النَّبِيَّ وَّهِ يَسْتَطْعِمُهُ)؛ أي: يطلب منه أن يُعطيه الطعام
(فَأَطْعَمَهُ)؛ أي: أعطاه (شَطْرَ)؛ أي: نصف (وَسْقِ شَعِيرٍ) بفتح الواو،
وكسرها، قال الفيّوميّ: الوَسْقُ: حِمْلُ بعير، يقال: عندهَ وَسْقٌ من تمر،
والجمع: وُسُوقٌ، مثل فَلْس وفُلُوس، وأَوْسَقْتُ البعيرَ بالألف، ووَسَقْتُهُ أَسِقُهُ،
من باب وَعَدَ لغةٌ أيضاً: إذا حَمَّلته الوَسْقُ، قال الأزهريّ: الوَسْقُ ستون صاعاً
بصاع النبيّ وَّر، والصَّاع خمسة أرطال وثلث، والوَسْقُ على هذا الحساب مائة
وستون مَنّاً، والوَسْقُ: ثلاثة أقفزةٍ، وحَكَى بعضهم الكسر لغةً، وجَمْعه:
أوساقٌ، مثلُ حِمْل وأَحْمَال. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الوسق بالتقدير المعاصر، كما حرّره بعضهم:
(٥٠٠، ١٣٠) كيلو غراماً(٣)، والله تعالى أعلم.
(فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الوسق (وَامْرَأَتُهُ) تقدّم أنها لا
تُعرف. (وَضَيْفُهُمَا) - بفتح الضاد، وسكون التحتانيّة - قال الفيّوميّ كَُّهُ:
الضَّيْفُ معروف، ويُطلق بلفظ واحد على الواحد، وغيره؛ لأنه مصدر في
الأصل، من ضَافَهُ ضَيْفاً، من باب باع: إذا نَزَل عنده، وتجوز المطابقة،
(١) ((تنبيه المعلم)) ص٣٩١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٦٠/٢
(٣) راجع: ((الإيضاحات العصريّة للمقاييس، والمكاييل، والأوزان، والنقود الشرعيّة))
ص١٢٨، إعداد: محمد صبحي بن حسن حلاق.

٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
فيقال: ضَيْفٌ، وضَيْفَةٌ، وأَضْيَافٌ، وضِيفَانٌ، وأَضَفْتُهُ، وَضَيَّفْتُهُ: إذا أنزلتَهُ،
وقَرَيْتَهُ، والاسم: الصِّيَافَةُ، قال ثعلب: ضِفْتَهُ: إذا نزلتَ به، وأنت ضيف
عنده، وأَضَفْتَهُ بالألف: إذا أنزلتَهُ عندك ضَيْفاً، وأَضَفْتَهُ إِضَافَةً: إذا لَجَأَ إليك
من خوف، فأجرته، واسْتَضَافَنِي، فَأَضَفْتُهُ: استجارني، فأجرته، وتَضَيَّفَنِي،
فَضَيَّفْتُهُ: إذا طلب الْقِرَى، فَقَرَيْتَهُ، أو استجارك، فمنعته ممن يطلبه، وأَضَافَهُ
إلى الشيء إِضَافَةً: ضمّه إليه، وأماله. انتهى(١).
(حَتَّى كَالَهُ)؛ أي: الرجل ذلك الطعام، فنفد (فَأَتَّى النَّبِيَّ ◌ََِّ)؛ أي:
فأخبره بما صَنَع من كَيْله الطعام، (فَقَالَ) وَرِ ((لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ
لَكُمْ)))؛ أي: ثبت، واستمرّ، ولم ينفد، وقال في ((المشارق)): ((ولقام لكم))؛
أي: لدام، ويُروى: ((بكم))؛ أي: استعنتم به ما بقيتم. انتهى (٢)، وقد سبق ما
قاله العلماء في سبب نفاده بالكيل في الحديث الماضي، فلا تنس، والله تعالى
أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر
رصُّه هذا من أفراد المصنّف تَخْذّلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٣١/٣] (٢٢٨١)، و(أحمد) في ((مسنده)) من
رواية ابن لَهِيعة عن أبي الزبير (٣٣٧/٣ و٣٤٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٣٢] (٧٠٦)(٣) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا
أَبُو عَلِيِّ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ - وَهُوَ ابْنُ أَنَسٍ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيّ، أَنَّ أَبَا
الطَّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَائِلَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلِ أَخْبَرَهُ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ عَامَ غَزْوَةٍ تَبُوَكَ، فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلََّةَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ
جَمِيعاً، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْماً أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ،
(١) ((المصباح المنير)) ٣٦٦/٢.
(٣) هذا الرقم متكرّر، تقدّم.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ١٩٥/٢.

٢١٧
(٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَِّيِّ وَّرِ - حديث رقم (٥٩٣٢)
فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ
وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَداً إِنْ شَاءَ اللهُ عَيْنَ تَبُوَكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ
تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسّ مِنْ مَائِهَا شَيْئاً، حَتَّى
آنِيَ))، فَجِثْنَاهَا، وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانٍ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضٌّ، بِشَيْءٍ مِنْ
مَاءٍ، قَالَ: فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللهِّهِ ((هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئاً؟))، قَالَا: نَعَمْ،
فَسَبَّهُمَا النَّبِيُّ ◌َّهِ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، قَالَ: ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ
الْعَيْنِ قَلِيلاً قَلِيلاً، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ، قَالَ: وَغَسَلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ فِيهِ يَدَيْهِ
وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، أَوْ قَالَ: غَزِيرٍ - شَأَّكَ أَبُو عَلِيٍّ
أَيُّهُمَا قَالَ - حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ(١)، ثُمَّ قَالَ: ((يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ
أَنْ تَرَى مَا هَا هُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَاناً»).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ صاحب ((المسند)) تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو عَلِيِّ الْحَتَفِيُّ) عُبيد الله بن عبد المجيد، أبو عليّ البصريّ،
صدوقٌ، لم يثبت أن يحيى بن معين ضعّفه [٩] (ت٢٠٩) (ع) تقدم في
((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٥١/٤٠.
٣ - (أَبُو الطَّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ) بن عبد الله بن عمرو بن جَحْش الليثيّ،
وربما سُمِّي عَمْراً، وُلد عام أُحُد، ورأى النبيّ وَّه، ورَوَى عن أبي بكر، فمن
بعده، وعُمِّر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح، وهو آخر من مات من
الصحابة، قاله مسلم، وغيره (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٣١/٧.
٤ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) بن عَمْرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو
عبد الرحمن، الصحابيّ المشهور، من أعيان الصحابة ﴿ه، شَهِد بدراً، وما
بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام، والقرآن، مات بالشام سنة ثماني
عشرة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٠.
(١) وفي نسخة: ((فاستقى الناس)).

٢١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخَذَتُهُ، وأن فيه رواية صحابيّ، عن
صحابيّ ه، وأنه مسلسل بالتحديث والإخبار.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ الْمَكِّيّ) محمد بن مسلم (أَنَّ أَبَا الطَّفَيْلِ) - بضم الطاء
المهملة، وفتح الفاء ــ (عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةً) بنصب ((عامر)) على البدلّة، أو عطف
البيان لـ((أبا الطفيل))، (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أبا الزبير، (أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَل)
الله،
(أَخْبَرَهُ) وقوله: (قَالَ) تفسير وبيان لإخباره. (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ عَمَ غَزْوَةِ
تَبُوَكَ) قال في ((الفتح): ((تبوك)) المشهور فيها عدم الصرف؛ للتأنيث والعَلَمية،
ومَنْ صَرَفها أراد الموضع، ووقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة،
وهي مكان معروف، هو نصف طريق المدينة إلى دمشق، ويقال: بين المدينة
وبينه أربع عشرة مرحلة، وذكرها في ((المحكم)) في الثلاثي الصحيح، وكلام
ابن قتيبة يقتضي أنها من المعتلّ، فإنه قال: جاءها النبيّ وٍَّ، وهم يبوكون
مكان مائها بقِدْح، فقال: ((ما زلتم تبوكونها))، فسمّيت حينئذ تبوك. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ تَخْذَلُهُ: بَاكَتِ الناقة تَبُوكُ بَوْكاً: سَمِنت، فهي بَائِكٌ بغير
هاء، وبهذا المضارع سُمِّيت غزوة تَبُوكُ؛ لأن النبيّ وََّ غزاها في شهر رجب
سنة تسع، فصالح أهلها على الجزية، من غير قتال، فكانت خالية عن البؤس،
فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزال، ثم سمّيت البقعة تَبُوكُ بذلك، وهو موضع
من بادية الشام، قريب من مَذْين الذين بَعَث الله إليهم شعيباً. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): وبينها وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلةً،
وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلةً.
وكان السبب فيها ما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره، قالوا: بلغ المسلمين
(١) ((الفتح)) ٥٥٦/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٤١٥).
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٦/١.

٢١٩
(٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَِّيِّ ◌َّهِ - حديث رقم (٥٩٣٢)
من الأنباط الذين يَقْدَمُون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جَمَعت
جموعاً، وأجلبت معهم لَحْم، وُذَام، وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت
مُقَدِّمتهم إلى البلقاء، فَتَدَب النبيّ ◌َّهِ الناس إلى الخروج، وأعلمهم بجهة
غزوهم.
وروى الطبرانيّ من حديث عمران بن حصين ﴿ها، قال: كانت نصارى
العرب كتبت إلى هرقل أن هذا الرجل الذي خرج يدّعي النبوّة هلك، وأصابتهم
سنون، فهلكت أموالهم، فبعث رجلاً من عظمائهم، يقال له: قباذ، وجهّز معه
أربعين ألفاً، فبلغ النبيّ وَّ ر ذلك، ولم يكن للناس قوّة، وكان عثمان قد جَهّز
عِيراً إلى الشام، فقال: يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها، وأحلاسها، ومائتا
أُوقيّة، قال: فسمعته يقول: ((لا يضرّ عثمان ما عمل بعدها))، وأخرجه
الترمذيّ، والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حبان نحوه.
وذكر أبو سعيد في ((شرف المصطفى))، والبيهقيّ في ((الدلائل)) من طريق
شَهْر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم إن
كنت صادقاً، فالحق بالشام، فإنها أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فغزا تبوك،
لا يريد إلا الشام، فلمّا بلغ تبوك أنزل الله تعالى الآيات من ((سورة بني
إسرائيل)): ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ الآية [الإسراء:
٧٦]. وإسناده حسنٌّ، مع كونه مرسلاً. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَظُّ: تبوك موضع معروف بطريق الشام فيه ماء، وهذه
الغزوة: هي آخر غزوة غزاها رسول الله وَلو يريد غزو الروم، فخرج فيها في
شهر رجب سنة تسع من الهجرة في حرِّ شديد لسفرٍ بعيد، وخرج معه أهل
الصدق من المسلمين، وتخلّف عنه جميع المنافقين، وكانت غزوة أظهر الله
فيها من معجزات نبيه * وكراماته، ما زاد الله المؤمنين به إيماناً، وأقام بذلك
على الكافرين حجَّة وبرهاناً. انتهى(٢).
(فَكَانَ) وَّهِ (يَجْمَعُ الصَّلَاةَ)؛ أي: الصلاة التي يُشرع جَمْعها مع
(١) ((الفتح)) ٥٥٦/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٤١٥).
(٢) ((المفهم)) ٥٤/٦ _ ٥٥.

٢٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
الأخرى، وهي التي بيّنها بقوله: (فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً، وَالْمَغْرِبَ
وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً) قال القرطبيّ تَظْتُهُ: ظاهر هذا المساق أنه أوقع الظهر والعصر
في أول الوقت مجموعتين، وكذلك المغرب والعشاء؛ لأنَّه قال بعد ذلك:
(حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْماً أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً) جَمْع
تأخير، وحَمَله بعضهم على الجمع الصُّؤْريّ بأن صلى الظهر في آخر وقتها،
والعصر في أوله.
وتعقبه الخطابيّ، وابن عبد البرّ، وغيرهما بأن الجمع رخصة، فلو كان
صُوْريّاً لكان أعظم ضِيقاً من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن أوائل الأوقات
وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصّة فضلاً عن العامة.
ومن الدليل على أن الجمع رخصة قول ابن عباس طيها: أراد أن لا
يُحرِج أمته، رواه مسلم.
وأيضاً فصريح الأخبار أن الجمع في وقت إحدى الصلاتين، وهو
المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع(١).
(ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً) قال
الباجيّ: مقتضاه أنه مقيم غير سائر؛ لأنه إنما يستعمل في الدخول إلى الخباء
والخروج منه، وهو الغالب، إلا أن يريد دخل إلى الطريق مسافراً، ثم خرج
عن الطريق للصلاة، ثم دخله للسير، وفيه بُعْدٌ، وكذا نقله عياض، واستبعده،
وقال ابن عبد البرّ: هذا أوضح دليل على ردّ من قال: لا يَجْمع إلا من جَدّ به
السير، وهو قاطع للالتباس. انتهى.
ففيه أن المسافر له أن يجمع نازلاً وسائراً، وكأنه وَّ فَعَله لبيان الجواز،
وكان أكثر عادته ما دلّ عليه حديث أنس ◌َّه في ((الصحيحين)) وغيرهما قال:
((كان النبيّ وَّر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم
يجمع بينهما، وإذا زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم رَكِب))، وعند
الإسماعيليّ: ((وإذا زالت صلى الظهر والعصر جميعاً، ثم ارتحل))، وقال
الشافعية، والمالكية: تَرْك الجمع للمسافر أفضل، وعن مالك رواية بكراهته.
(١) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٤١٥/١.