النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ ◌َِّ - حديث رقم (٥٩١٨) وفيه تأمّل، والله تعالى أعلم. (أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ)؛ أي: أعطيت (السِّوَاَكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي)؛ أي: قال جبريل، ففي رواية الطبراني في ((الأوسط)) قال: ((أمرني جبريل أن أُكَبِّر))، وفي ((الغيلانيات)) بلفظ: ((أن أقدم الأكابر))، وقد رواه أحمد، والإسماعيليّ، والبيهقيّ، بلفظ: ((رأيت رسول الله وَله يستنّ، فأعطاه أكبر القوم، ثم قال: إن جبريل أمرني أن أكبر)). فإن قيل: هذا يقتضي أن تكون القضية وقعت في اليقظة، وتلك الرواية صريحة أنها كانت في المنام، فكيف التوفيق؟. أجيب: بأن رواية اليقظة لمّا وقعت أخبرهم النبيّ ◌َّ بما رآه في النوم، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخرون، ومما يشهد له ما رواه أبو داود بسنده عن عائشة ﴿ٌّا قالت: ((كان رسول الله ﴿م يستنّ، وعنده رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فأوحي إليه في فضل السواك، أن كَبِّر، أعط السواك أكبرهما))، وإسناده صحيح(١). (كَبِّرْ)؛ أي: قدّم الأكبر في السنّ، (فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ))) منهما، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ◌ًا هذا أخرجه المصنّف، وعلّقه البخاريّ عن عفّان بن مسلم، عن صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر ◌ًا. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩١٨/٥] (٢٢٧١)، وسيأتي في ((كتاب الزهد)) بنفس السند والمتن (٣٠٠٣)، وعلّقه (البخاريّ) في ((الوضوء)) (٢٤٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٩/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة الرؤيا المناميّة؛ إذ هي للنبيّ وَّ﴾ وحي وبشرى؛ (١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٨٧/٣. ١٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا إذ رؤيا الأنبياء وحي، وبالنسبة لغيره بشرى؛ إذ هي جزء من ستّة وأربعين جزءاً من النبوّة . ٢ - (ومنها): بيان فضيلة السواك، وقد تقدّم ما يتعلّق بذلك في ((كتاب الطهارة»، فراجعه تستفد. ٣ - (ومنها): أن فيه تقديمَ ذي السنّ في السواك، ويلتحق به الطعام، والشراب، والمشيٍّ، والكلام، قاله ابن بطال، وقال المهلَّب: هذا ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فالسُّنَّة حينئذ تقديم الأيمن؛ لحديث: ((الأيمنون، الأيمنون)»، متّفقٌ عليه. ٤ - (ومنها): أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه، إلا أن المستحب أن يغسله، ثم يستعمله، لحديث عن عائشة ﴿يّا في ((سنن أبي داود))، قالت: ((كان رسول الله ولم يعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به، فأستاك، ثم أغسله، ثم أدفعه إليه))، وهذا دالّ على عظيم أدبها، وكبير فطنتها؛ لأنها لم تغسله ابتداءً حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه وَّلة، ثم غسلته تأدباً، وامتثالاً. ويَحْتَمِل أن يكون المراد بأمرها بغسله: تطييبه، وتليينه بالماء قبل أن يستعمله، والله تعالى أعلم(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّل الكتاب قال: [٥٩١٩] (٢٢٧٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ(٢) مِنْ مََّةَ إِلَى أَرْضِ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ، أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَاَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفاً، فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى، فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ، وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأَبْتُ فِيهَا أَيْضاً بَقَراً، (١) راجع: ((الفتح)) ٦٠٧/١ - ٦٠٨، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٤٦). (٢) وفي نسخة: ((أني هاجرت)). ١٤٣ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَِّيِّ نَّهـــ حديث رقم (٥٩١٩) وَاللهُ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ بَعْدُ، وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَ اللهُ بَعْدُ يَوْمَ بَدْرٍ))). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو عامر الكوفيّ، صدوق [١٠] (خت م) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) بن كُرِيب الْهَمْدانيّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٤٧) وهو ابن سبع وثمانين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة الكوفيّ، تقدّم قريباً . ٤ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ يخطىء قليلاً [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. ٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث الكوفيّ، وُلد بالبصرة، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. ٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار - بفتح المهملة، وتشديد الضاد المعجمة - الأشعريّ الصحابيّ المشهور، أَمَّره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الْحَكَمين بِصِفِّين، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦ / ١٧١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، وأن شيخه الأول من أفراده، والثاني من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، وفيه الصحابيّ الجليل أبو موسى الأشعريّ الحسن الصوت بالقرآن الذي قال له النبيّ وَلّ: ((يا أبا موسى، لقد أُوتِيت مزماراً من مزامير آل داود»، متّفقٌ عليه، وفي لفظ لمسلم: ((إن عبد الله بن قيس، أو: الأشعريَّ أُعطي مزماراً من مزامير آل داود»، والله تعالى أعلم. ١٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا شرح الحديث : (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ جَدِّهِ) بالجرّ بدلاً أو عطفَ بيان لأبي بردة؛ أي: إن أبا بردة جدّ لبُريد، والد أبيه عبد الله، فهو بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة، وكنيته أيضاً أبو بردة كجدّه. (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ◌َظُهُ (عَنِ النَّبِيِّ وَّ) أنه (قَالَ: ((رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ) بِضمّ أوله، وكسر ثالثه، مبنيّاً للفاعل، وفي بعض النسخ: ((أني هاجَرتُ)) (مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا)؛ أي: فيها (نَخْلٌ) قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: النَّخْلُ: اسم جمع، الواحدة نَخْلَةٌ، وكلُّ جَمْع بينه وبين واحده الهاء، قال ابن السِّكِّيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد، وتميم يُذَكِّرون، فيقولون: نَخْلٌ كريمٌ، وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿فَخْلٍ مُنْفَعِرٍ﴾، و﴿َخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾، وأما النَّخِيلُ بالياء فمؤنّثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف في ذلك. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَخْتُ: ((رأيت في المنام أني أهاجر ... إلخ)) هذا يدلُّ على أن هذه الرؤيا وقعت له، وهو بمكة قبل الهجرة، وأن الله تعالى أطلعه بها على ما يكون من حاله، وحال أصحابه يوم أحد، وبأنهم يصاب من صدورهم معه، وأن الله تعالى يثبّتهم بعد ذلك، ويجمع كلمتهم، ويقيم أمرهم، ويعزُّ دينهم، وقد كمَّل الله تعالى له ذلك بعد بدر الثانية، وهي المرادة في هذا الحديث على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. انتهى(٢). (فَذَهَبَ وَهَلِي) بفتحتين؛ أي: وَهْمي، واعتقادي، قال في ((الفتح)): قال ابن التين: رَوَيناه ((وَهَلِي)) بفتح الهاء، والذي ذكره أهل اللغة بسكونها، تقول: وَهَلْتُ بالفتحِ أَهِلُ وَهْلاً: إذا ذهب وَهْمُك إليه، وأنت تريد غيره، مثلُ وَهِمْتُ، ووَهِلَ يَوْهَلُ وَهَلاَّ بالتحريك: إذا فَزِعَ، قال: ولعله وقع في الرواية على مثل ما قالوه في الْبَحْر: بَحَرٌ بالتحريك، وكذا النَّهْر والنَّهَر، والشَّعْر والشَّعَر. انتهى، وبهذا جزم أهل اللغة: ابنُ فارس، والفارابيّ، والجوهريّ، والقاليّ، وابنُ القِطّاع، إلا أنهم لم يقولوا: وأنت تريد غيره. وقد وقع في حديث المائة سنة: ((فَوَهَلَ الناسُ في مقالة رسول الله وَل (١) ((المصباح المنير)) ٢ /٥٩٦ - ٥٩٧. (٢) ((المفهم)) ٣٥/٦. ١٤٥ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِّ ◌َِّ - حديث رقم (٥٩١٩) وَهَلاَّ بالتحريك، وقال النوويّ: معناه غَلِطُوا، يقال: وَهَلَ بفتح الهاء يَهِل بكسرها، وَهْلاً بسكونها، مثلُ ضَرَب يَضْرِب ضَرْباً؛ أي: غَلِط، وذهب وَهْمه إلى خلاف الصواب. وأما وَهِلتُ بكسرها أَوْهَل بالفتحِ وَهْلاً بالتحريك أيضاً؛ كَحِذرتُ أَخْذَر حَذَراً، فمعناه: فَزِعتُ، والوَهْل بالفتح: الفزع، وضَبَطه النووي بالتحريك، وقال: الوَهَل بالتحريك، معناه: الوهم والاعتقاد، وأما صاحب ((النهاية))، فجزم أنه بالسكون. انتهى. وقال الفيّوميّ تَُّهُ: وَهِلَ وَهَلاَ، فهو وَهِلٌ، من باب تَعِبَ: فَزِعَ، ويتعدى بالتضعيف، فيقال: وَهَّلْتُهُ، والوَهْلَةُ: الفَزْعة، ووَهِلَ عن الشيء، وفيه وَهَلاَ، من باب تَعِبَ أيضاً: غَلِط فيه، ووَهَلْتَ إليه وَهْلاً، من باب وَعَدَ: ذهب وَهْمُك إليه، وأنت تريد غيره، مثلُ وَهَمْتُ، ولقيته أوّلَ وَهْلَةٍ؛ أي: أوّلَ كل شيء. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخَّلُهُ: قوله: ((فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة ... إلخ))؛ أي: ذهب وهمي، وظني. والوَهَل ـ بفتح الهاء -: ما يقع في خاطر الإنسان، ويهتم به. وقد يكون في موضع آخر: الغلط، وليس مراداً هنا بوجه؛ لأنَّه لم يجزم بأنها واحدة منهما، وإنما جوَّز ذلك؛ إذ ليس في المنام ما يدلّ على التعيين، وإنما أُري أرضاً ذات نخل، فخطر له ذانك الموضعان، لكونهما من أكثر البلاد نخلاً، ثم إنه لمّا هاجر إلى المدينة تعيَّنت له تلك الأرض، فأخبر عنها بعد هجرته إليها بقوله: ((فإذا هي المدينة)). انتهى(٢). (إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ) بالفتح: بلدة من بلاد العوالي، وهي بلاد بني حنيفة، قيل: من عُروض اليمن، وقيل: من بادية الحجاز، قاله الفيّوميّ(٣). (أَوْ هَجَرُ) قال النوويّ كَتُهُ: مدينةٌ معروفةٌ، وهي قاعدة البحرين، وهي معروفةٌ، سبق بيانها في (كتاب الإيمان))(٤). وقال في ((الفتح)): قوله: ((أو هجر)) بفتح الهاء، والجيم: بلد معروف من (١) ((المصباح المنير)) ٦٧٤/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٨١. (٢) ((المفهم)» ٣٥/٦. (٤) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٥. ١٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا البحرين، وهي من مساكن عبد القيس، وقد سبقوا غيرهم من القرى إلى الإسلام، كما سبق بيانه في ((كتاب الإيمان))، ووقع في بعض نُسخ أبي ذرّ: ((أو الهجر)) بزيادة ألف ولام، والأول أشهر، وزعم بعض الشراح أن المراد بهجر هنا قرية قريبة من المدينة، وهو خطأ، فإن الذي يناسب أن يُهاجَر إليه لا بدّ، وأن يكون بلداً كبيراً كثير الأهل، وهذه القرية التي قيل: إنها كانت قرب المدينة، يقال لها: هجر، لا يعرفها أحدٌ، وإنما زعم ذلك بعض الناس في قوله: ((قِلال هجر)) أن المراد بها قرية كانت قرب المدينة، كان يُصنع بها القلال. قال الجامع عفا الله عنه: قد تعقّب العينيّ قول الحافظ: ((لا بد وأن يكون بلداً كبيراً ... إلخ))، فراجع كلامه في ((عمدته)). قال: وزعم آخرون بأن المراد بها: هَجَر التي بالبحرين؛ كأن القلال كانت تُعمل بها، وتُجلب إلى المدينة، وعُملت بالمدينة على مثالها، وأفاد ياقوت أن هَجَر أيضاً بلد باليمن، فهذا أَولى بالتردد بينها وبين اليمامة؛ لأن اليمامة بين مكة واليمن. انتهى. (فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ) كلمة ((إذا)) للمفاجأة، وكلمة ((هي)) ترجع إلى أرض بها نخل، وهو مبتدأ، و((المدينة)) بالرفع خبره، وقوله: ((يثرب)) بالرفع أيضاً عطف بيان، أو بدل وهو بفتح الياء آخر الحروف، وسكون الثاء المثلثة، وكسر الراء، ثم باء موحّدة: اسم مدينة النبيّ ◌َّ، وهو غير منصرف. والنهي الذي ورد عن تسمية المدينة بيثرب، إنما كان للتنزيه، وإنما جَمَع بين الاسمين هنا لأجل خطاب من لا يعرفها . وفي ((التوضيح)): وقد نُهِي عن التسمية بيثرب، حتى قيل: من قالها، وهو عالم كُتبت عليه خطيئة، وسببه ما فيه من معنى التثريب، والشارع من شأنه تغيير الأسماء القبيحة إلى الحسنة، ويجوز أن يكون هذا قبل النهي، كما أنه سمّاها في القرآن إخباراً به عن تسمية الكفار لها قبل أن ينزل تسميتها، قاله في ((العمدة)) . وقال في ((الفتح)): قوله: ((فإذا هي المدينة، يثرب)) كان ذلك قبل أن يسمِّيها ◌َّر طيبة، ووقع عند البيهقيّ من حديث صهيب، رفعه: ((أُريت دار ١٤٧ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ وَِّ ـــ حديث رقم (٥٩١٩) هجرتكم سَبْخة(١) بين ظهراني حَرَّتين، فإما أن تكون هَجَر، أو يثرب))، ولم يذكر اليمامة، وللترمذيّ من حديث جرير قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله تعالى أوحى إليّ: أيّ هؤلاء الثلاثة نزلتَ، فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قِنَّسرين))، استغربه الترمذيّ، وفي ثبوته نظرٌ؛ لأنه مخالف لِمَا في ((الصحيح)) من ذِكر اليمامة؛ لأن قِنَّسرين من أرض الشام، من جهة حَلَب، وهي بكسر القاف، وفتح النون الثقيلة، بعدها مهملة ساكنة، بخلاف اليمامة، فإنها إلى جهة اليمن، إلا إن حُمِل على اختلاف المأخذ، فإن الأول جرى على مقتضى الرؤيا التي أربها، والثاني يخيّر بالوحي، فيَحْتَمِل أن يكون أُري أوّلاً، ثم خُيِّر ثانياً، فاختار المدينة. انتهى. وقال النوويّ تَخْتُ: وأما يثرب فهو اسمها في الجاهلية، فسمّاها الله تعالى المدينة، وسمّاها رسول الله ﴾ طيبة، وطابة، وقد سبق شرحه مبسوطاً في آخر ((كتاب الحجّ))، وقد جاء في حديث النهي عن تسميتها يثرب؛ لكراهة لفظ التثريب، ولأنه من تسمية الجاهلية، وسمّاها في هذا الحديث ((يثرب))، فقيل: يَحْتَمِل أن هذا كان قبل النهي، وقيل: لبيان الجواز، وأن النهي للتنزيه، لا للتحريم، وقيل: خوطب به من يعرفها به، ولهذا جمع بينه وبين اسمه الشرعيّ، فقال: ((المدينة، يثرب)). انتهى(٢). (وَرَأَيْتُ) وفي رواية: ((أُريت))، (فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفاً) وفي رواية: ((سيفي))، وهو ذو الْفَقَار، (فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ) وعند ابن إسحاق: ((ورأيت في ذباب سيفي ثُلْماً))، وعند أبي الأسود في ((المغازي)): عن عروة: ((رأيت سيفي ذا الفقار، قد انقصم من عند ◌ُظُبَته))، وكذا عند ابن سعد، وأخرجه البيهقيّ في ((الدلائل)) من حديث أنس، وفي رواية عروة: ((كأن الذي رأى بسيفه ما أصاب وجهه المكرم))، وعند ابن هشام: ((حَدَّثني بعض أهل العلم أنه وَّ﴿ قال: وأما الثُّلَمُ في السيف فهو رجل من أهل بيتي يُقْتَل))(٣). (١) بفتح السين، وكسر الباء، وسكونها تخفيفاً. (٢) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٥ - ٣٢. (٣) ((الفتح)) ١٥٨/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٨١). ١٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا (فَإِذَا هُوَ) قال الطيبيّ: أصله: فإذا تأويله، فحُذف المضاف الذي هو تأويل، وأقيم المضاف إليه مقامه، فانقلب الضمير المجرور مرفوعاً. انتهى(١). (مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى) قال القرطبيّ كَخْتُ: الرواية الصحيحة الفصيحة هي ((هززته)) بزايين، وتاء مثّاة من فوقُ، وقد قاله بعض الرواة بزاي واحدة مشدّدة، وياء مخفّفة، فيقول: هَزَّيْتُهُ، وقيل: هي لغة بكر بن (٢) وائل. انتهى(٢). قال العلماء: وتفسيره -* هذه الرؤيا بما ذَكَره؛ لأن سيف الرجل أنصاره الذين يصول بهم، كما يصول بسيفه، وقد يُفَسَّر السيف في غير هذا بالولد، والوالد، والعمّ، أو الأخ، أو الزوجة، وقد يدلّ على الولاية، أو الوديعة، وعلى لسان الرجل، وحجته، وقد يدلّ على سلطان جائر، وكلّ ذلك بحسب قرائن تنضم، تشهد لأحد هذه المعاني في الرائي، أو في الرؤية، قاله .(٣) النوويّ(٣) . (فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ، وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ) قال القرطبيّ ◌َخْتُ: يعني به - والله أعلم -: ما صنع الله لَهَم بعدَ أَحَد، وذلك: أنهم لم ينكُلوا عن الجهاد، ولا ضعفوا، ولا استكانوا لِمَا أصابهم يوم أُحد، لكن جدَّدوا نياتهم، وقوَّوْا إيمانهم وعزماتهم، واجتمعت على ذلك جماعاتهم، وصحَّت في ذلك رغباتهم، فخرجوا على ما بهم من الضعف والجراح، فغزوا غزوة حمراء الأسد، مستظهرين على عدوهم بالقوة والجلد، ثم فتح الله تعالى عليهم، ونصرهم في غزوة بني النضير، ثم في غزوة ذات الرِّقاع، ثم لم يزل الله تعالى يجمع المؤمنين، ويكثّرهم، ويفتح عليهم إلى بدر الثانية، وكانت في شعبان في السنة الرابعة من الهجرة، وبعد تسعة أشهر ونصف شهر من أُحد، فما فتح الله عليه به في هذه المدة هو المراد هنا كما يأتي. انتهى (٤). (وَرَأَيْتُ فِيهَا أَيْضاً بَقَراً) بالموحدة، والقاف، وفي رواية أبي الأسود عن (١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٠٠٦/٩. (٢) ((المفهم)) ٣٦/٦. (٤) ((المفهم)) ٣٦/٦. (٣) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٥ - ٣٢. ١٤٩ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ ◌ِ له - حديث رقم (٥٩١٩) عروة: (بَقَراً تُذبح))، وكذا في حديث ابن عباس عند أبي يعلى، قاله في ((الفتح)). وقال النوويّ: قد جاء في غير مسلم زيادة في هذا الحديث: ((ورأيت بقراً تُنحر))، وبهذه الزيادة يتم تأويل الرؤيا بما ذُكر، فنَحْر البقر هو قَتْل ، الذين قُتلوا بأُحُد. انتهى(١). الصحابة (وَاللهُ خَيْرٌ) قال القاضي عياض تَخَُّهُ: ضبطنا هذا الحرف عن جميع الرواة: ((واللهُ خيرٌ)) برفع الهاء والراء، على المبتدأ والخبر، و((بَعْدُ يوم بدر)) بضم دال بَعْدُ، ونصب ((يومَ))، قال: ورُوي بنصب الدال، قالوا: ومعناه: ما جاء الله به بعد بدر الثانية، من تثبيت قلوب المؤمنين؛ لأن الناس جمعوا لهم، وخوّفوهم، فزادهم ذلك إيماناً، وقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ١٧٣) فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤]، وتفرّق العدوّ عنهم؛ هيبةً لهم، قال القاضي: قال أكثر شراح الحديث معناه: ثواب الله خير؛ أي: صنع الله بالمقتولين خير لهم من بقائهم في الدنيا، قال القاضي: والأَولى قول من قال: ((والله خير)) من جملة الرؤيا، وكلمةٌ أُلقيت إليه، وسَمِعها في الرؤيا عند رؤياه البقر، بدليل تأويله لها بقوله وَتليفون: ((وإذا الخير ما جاء الله به))، والله أعلم. انتهى. وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((ورأيت أيضاً فيها بقراً، والله خيرٌ)) الضمير في ((فيها)) عائد على الرؤيا المذكورة، والرواية المشهورة برفع ((الله))، و((خيرٌ)) على الابتداء والخبر؛ أي: وثواب الله خيرٌ للنفر المقتولين بالشهادة، ولمن أصيب بهم بأجر المصيبة، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: ورأيت واللهِ بقراً تُنحر، على إعمال (رأيت)) في ((بقراً))، وعلى خفض اسم الله تعالى على القَسَم، وهكذا روى الخبر ابن هشام، وسمِّي ذلك خيراً على جهة التفاؤل. قال القرطبيّ: والأول أوضح، وأبعد من الاعتراض. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): قوله: ((والله خير)) هذا من جملة الرؤيا، كما جزم به (١) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٥ - ٣٢. (٢) ((المفهم)) ٣٦/٦. ١٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا عياض وغيره، كذا بالرفع فيهما، على أنه مبتدأ وخبر، وفيه حَذْف تقديره: وصُنع الله خير، قال السهيليّ: معناه: رأيت بقراً تُنحر، والله عنده خير، وفي رواية ابن إسحاق: ((وإني رأيت والله خيراً، رأيت بقراً))، وهي أوضح، والواو للقَسَمِ، و((الله)) بالجرّ، و((خيراً)) مفعول ((رأيت))، وقال السهيليّ: البقر في التعبير بمعنى رجال متسلحين، يتناطحون، وتعقّبه الحافظ، فقال: وفيه نظرٌ، فقد رأى المَلِك بمصر البقر، وأوَّلَها يوسف ظلَّاهُ بالسنين. وقد وقع في حديث ابن عباس، ومرسل عروة: ((تأولتُ البَقَر التي رأيت بَقْراً يكون فينا، قال: فكان ذلك من أصيب من المسلمين)). انتهى. وقوله: ((بَقْراً)) هو بسكون القاف، وهو شقّ البطن، وهذا أحد وجوه التعبير أن يُشتقّ من الاسم معنى مناسب، ويمكن أن يكون ذلك لوجه آخر من وجوه التأويل، وهو التصحيف، فإن لفظ ((بقَر)) مثل لفظ ((نفر))، بالنون والفاء، حَظًاً . وعند أحمد، والنسائيّ، وابن سعد من حديث جابر، بسند صحيح، في هذا الحديث: ((ورأيت بَقَراً مُنحرةً(١))) - وقال فيه -: ((فأوَّلت أن الدرع المدينة، والبقر نفر))، هكذا فيه بنون وفاء، وهو يؤيد الاحتمال المذكور، فالله أعلم. انتھی(٢). وقال في ((كتاب التعبير)): قوله: ((ورأيت فيها بقراً، والله خيرٌ))، ووقع في حديث جابر عند أحمد، والنسائيّ، والدارميّ، من رواية حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، وفي رواية لأحمد: ((حدّثنا جابر: أن النبيّ وَّ قال: رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقراً تُنْحَر، فأوَّلتُ الدرع الحصينة المدينة، وأن البقَر بَقْرٌ، والله خير))، وهذه اللفظة الأخيرة، وهي: بَقْر بفتح الموحدة، وسكون القاف، مصدر بَقَرَه يَبْقُره بَقْراً، ومنهم من ضبطها بفتح النون، والفاء. ولهذا الحديث سبب جاء بيانه في حديث ابن عباس عند أحمد أيضاً، (١) هكذا ((منحرة))، وليُنظر هل ثبت أنحر رباعيّاً؟ فإني لم أره في ((القاموس))، ولا في ((المصباح))، والله تعالى أعلم. (٢) ((الفتح)) ١٥٨/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٨١). ١٥١ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ نَّهِ - حديث رقم (٥٩١٩) والنسائيّ، والطبرانيّ، وصححه الحاكم، من طريق أبي الزناد، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ظها في قصة أحد، وإشارة النبيّ وَّ عليهم أن لا يَبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج لطلب الشهادة، ولُبْسه اللأُمَة، وندامتهم على ذلك، وقوله وَله: ((لا ينبغي لنبيّ إذا لبس لَأُمته أن يضعها، حتى يقاتل - وفيه - إني رأيت أني في درع حصينة ... )) الحديث بنحو حديث جابر، وأتمّ منه. قال: وقد ذكر أهل التعبير للبقر في النوم وجوهاً أخرى، منها: أن البقرة الواحدة تفسّر بالزوجة، والمرأة، والخادم، والأرض، والثورُ يفسر بالثائر؛ لكونه يُثير الأرض، فيتحرك عاليها وسافلها، فكذلك من يثور في ناحية لطلب ملك، أو غيره، ومنها: أن البقر إذا وَصَلت إلى بلد، فإن كانت بَحْرية فُسِّرت بالسفن، وإلا فبعسكر، أو بأهل بادية، أو يُبْس يقع في تلك البلد. انتهى(١). (فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الذين قُتلوا (يَوْمَ أُحُدٍ) قال القرطبيّ تَخْتُ : يَحْتَمِل أن يكون أخذ النفر من لفظ: بقر - مصحّفاً -؛ إذ لفظهما واحد، وليس بينهما إلا اختلاف النقط، فيكون هذا تنبيهاً على طريق خامس في طرق العبارة المتقدِّمة، ويَحْتَمِل أن يكون أخذ ذلك من أن الرجال المقاتلة في الحرب يُشبَّهون بالبقر؛ لِمَا معها من أسلحتها التي هي قرونها، ولمدافعتها بها، ومناطحتها بعضها لبعضٍ بها، وقد كانت العرب تستعمل القرون في الرماح عند عدم الأسنّة، والله تعالى أعلم، وكأنّ هؤلاء المؤمنين الذين عَبّر عنهم بالبقر غير المؤمنين الذين عبَّر عنهم بصدر السيف، فكأن أولئك صدر الكتيبة، وهؤلاء مقاتلتها، والكل من خير الشهداء، وأفضل الفضلاء. انتهى(٢). (وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعدَ أُحُد. وقال القرطبيّ كَُّهُ: هكذا صحَّت الرواية بضم ((بعدُ)) على قَطْعه عن الإضافة، ويعني به: ما أصيبوا به يوم أُحد، والعامل فيه ((جاء))، و((الخير)) هو (١) ((الفتح) ٣٩١/١٦ - ٣٩٢، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٣٥). (٢) ((المفهم)) ٣٧/٦ - ٣٨. ١٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا الذي ذكرناه آنفاً. انتهى(١). (وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللهُ بَعْدُ) بالضمّ؛ لِمَا ذُكر. (يَوْمَ بَدْرٍ) بنصب (يوم)) على الظرفيّة، ويَحتمل أن يكون ((بعدَ)) مضافاً إلى ((يوم بدر)). وقال القرطبيّ كَظُّهُ: كذا صحت الرواية: ((بعدَ)) منصوباً على الظرف المعرب المضاف إلى (يوم بدر))، أو العامل فيه: ((آتانا)»، فهذان أمران مختلفان، أوتيهما في وقتين مختلفين، أحدهما: بعد أُحد، والثاني: بعد بدر؛ مع أنهما مُرَتَبان على ما جرى في أُحُد، فيستحيل أن يكون يوم بدر هنا هو يوم غزوة بدر الكبرى؛ لتقدُّم بدر الكبرى على أُحد بزمان طويل؛ لأنَّهِ وَّ خرج إلى بدر الأُولى في شهر رمضان في السَّنة الثانية من الهجرة، وكانت أُحُد في السنة الثالثة في النصف من شوَّالها، ولذلك قال علماؤنا: إن يوم بدر في هذا الحديث هو يوم بدر الثاني، وكان من أمرها: أن قريشاً لمّا أصابت في أُحد من أصحاب النبيّ ◌َّ﴿ ما أصابت، وأخذوا في الرُّجوع نادى أبو سفيان يُسمِعُ النبيّ وَّله، فقال: موعدكم يوم بدر في العام المقبل، فأمر النبيّ رَّ بعض أصحابه أن يجيبه بنعم، فلمَّا كان العام المقبل - وهي السنة الرابعة من الهجرة -؛ خرج في شَعبانها إلى بدر الثانية، فوصل إلى بدر، وأقام هناك ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى بلغ عسفان، ثمَّ إنهم غلبهم الخوف، فرجعوا، واعتذروا بأن العام عام جدب، وكان عذراً محتاجاً إلى عذر، فأخزى الله المشركين، ونصر المؤمنين، ثمَّ: إن النبيّ بِّ لم يزل منصوراً، وبما يفتح الله عليه مسروراً، إلى أن أظهر الله تعالى دينه على الأديان، وأخمد كلمة الكفر والطغيان. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): المراد بما بعد يوم بدر: فتحُ خيبر، ثم مكة؛ أي: ما جاء الله به بعد بدر الثانية، من تثبيت قلوب المؤمنين، قال الكرمانيّ: ويَحْتَمِل أن يراد بالخير: الغنيمة، وبعدُ؛ أي: بعد الخير، والثوابُ والخيرُ حصلا في یوم بدر. قال الحافظ: وفي هذا السياق إشعار بأن قوله في الخبر: ((والله خير)) من (١) ((المفهم)) ٣٨/٦. (٢) ((المفهم)) ٣٨/٦ - ٣٩. ١٥٣ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ ◌َّهِ - حديث رقم (٥٩١٩) جملة الرؤيا، والذي يظهر لي أن لفظه لم يتحرر إيراده، وأن رواية ابن إسحاق هي المحررة، وأنه رأى بقراً، ورأى خيراً، فأَوَّلَ البقر على من قُتل من الصحابة يوم أُحد، وأَوَّلَ الخير على ما حَصَل لهم من ثواب الصدق في القتال، والصبر على الجهاد يوم بدر، وما بعده إلى فتح مكة، والمراد بالبعدية على هذا لا يختص بما بين بدر وأُحد، نبَّه عليه ابن بطال. ويَحْتَمِل أن يريد ببدر بدر الموعد، لا الوقعة المشهورة السابقة على أحد، فإن بدر الموعد كانت بعد أُحُد، ولم يقع فيها قتال، وكان المشركون لمّا رجعوا من أحد قالوا: موعدكم العام المقبل بدر، فخرج النبيّ بَّ، ومن انتدب معه إلى بدر، فلم يحضر المشركون، فسُمّيت بدر الموعد، فأشار بالصدق إلى أنهم صدقوا الوعد، ولم يُخْلِفوه، فأثابهم الله تعالى على ذلك بما فَتح عليهم بعد ذلك، من قريظة، وخيبر، وما بعدها. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩١٩/٥] (٢٢٧٢)، و(البخاريّ) في ((مناقب الأنصار)) (٣٦٢٢ و٣٩٨٧) و((المغازي)) (٤٠٨١) و((التعبير)) (٧٠٣٥ و٧٠٤١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٨٩/٤)، و(ابن ماجه) في ((تعبير الرؤيا)) (٣٩٢١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٢٩/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٧٥ و٦٢٧٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٨٣/١٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٩٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الرؤيا، وشدّة اهتمام النبيّ وَّ في شأنها. ٢ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخَُّ: هذا يدلُّ على أن هذه الرؤيا وقعت (١) ((الفتح)) ٣٩١/١٦ - ٣٩٢، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٣٥). ١٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا له وَل، وهو بمكة قبل الهجرة، وأن الله تعالى أطلعه بها على ما يكون من حاله، وحال أصحابه يوم أحد، وبأنهم يصاب من صدورهم معه، وأن الله تعالى يُثَبِّتهم بعد ذلك، ويَجمع كلمتهم، ويقيم أمرهم، ويعزُّ دينهم، وقد كمَّل الله تعالى له ذلك بعد بدر الثانية، وهي المرادة في هذا الحديث. (١) . انتھی ٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخْتُ أيضاً: ففيه ما يدلّ على أن الرؤيا قد تقع موافقة لظاهرها من غير تأويل، وأن الرؤيا قبل وقوعها لا يقطع الإنسان بتأويلها، وإنما هو ظنّ، وحدس؛ إلا فيما كان منها وحياً للأنبياء، كما وقع لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في قوله لابنه: ﴿إِنّ أَرَى فِ الْمَنَّامِ أَنِ أَذْبَحُكَ﴾ الآية [الصافات: ١٠٢]، فإنَّ ذلك لا يكون إلا عن يقين يحصل لهم قطعاً، خلافاً لمن قال من أهل البدع إن ذلك منه كان ظنّاً وحسباناً، وهو قول باطل؛ لأنَّه لم يكن ليُقْدِم على معصوم الدم - قطعاً - محبوبٍ شرعاً وطبعاً بمنام لا أصل له ولا تحقيق فيه. انتهى(٢). ٤ - (ومنها): بيان ما ابتلى الله وَك النبيّ وَّ وأصحابه ﴿ه في أول الأمر بالمشركين، ثم كانت لهم العاقبة المحمودة، ولله ◌ُعَلَ الحمد والمنّة. ٥ - (ومنها): ما قال المهلَّب كَذَتُهُ: هذه الرؤيا من ضرب المَثَل، ولما كان النبيّ ◌َّ يصول بالصحابة عَبَّر عن السيف بهم، وبهزّه عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم، وفي الهزة الأخرى لمّا عاد إلى حالته من الاستواء عَبّر به عن اجتماعهم، والفتح عليهم، ولأهل التعبير في السيف تصرف على أوجه، منها: أن من نال سيفاً، فإنه ينال سلطاناً، إما ولايةً، وإما وديعةً، وإما زوجةً، وإما ولداً، فإن سلّه من غمده، فانئلم سَلِمت زوجته، وأصيب ولده، فإن انكسر الغمد، وسَلِيم السيف فبالعكس، وإن سَلِما، أو عَطِبا فكذلك، وقائم السيف يتعلق بالأب، والعصبات، ونَصْله بالأمّ، وذوي الرحم، وإن جَرّد السيف، وأراد قتل شخص فهو لسانه يجرده في خصومه، وربما عُبِّر السيف بسلطان جائر. انتهى، ملخصاً . (١) ((المفهم)) ٣٥/٦. (٢) ((المفهم)) ٣٥/٦ - ٣٦. ١٥٥ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ نَّهِ - حديث رقم (٥٩٢٠) وقال بعضهم: من رأى أنه أغمد السيف، فإنه يتزوج، أو ضرب شخصاً بسيف، فإنه يبسط لسانه فيه، ومن رأى أنه يقاتل آخر، وسيفه أطول من سيفه، فإنه يغلبه، ومن رأى سيفاً عظيماً فهي فتنة، ومن قُلِّد سيفاً قُلِّد أمراً، فإن كان قصيراً لم يَدُم أمره، وإن رأى أنه يجرّ حمائله، فإنه يعجز عنه، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٢٠] (٢٢٧٣ و٢٢٧٤) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ النَّبِّ ◌َهِ الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ، فَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ وَّهِ، وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَفِي يَدِ النَّبِيِّ وَّهِ قِطْعَةُ جَرِيدَةٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ، قَالَ: ((لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ أَتَعَدَّى أَمْرَ اللّهِ فِيَكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللهُ، وَإِنِّي لأُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ، وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّ))، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ: ((إِنَّكَ (٢) أَرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ))، فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدََّّ سِوَارَيْنِ (٣) مِنْ ذَهَبٍ، فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِي إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا، فَطَارًا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانٍ مِنْ بَعْدِي (٤)، فَكَانَ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيَّ، صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةَ، صَاحِبَ الْيَمَامَةِ))). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ) بن عسكر التميميّ مولاهم، أبو بكر البخاريّ، نزيل بغداد، ثقة [١١] (ت٢٥١) (م ت س) تقدم في ((الصيام)) ٢٥٣٥/٨. (١) ((الفتح)) ٣٩٩/١٦ - ٤٠٠، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٤١). (٢) وفي نسخة: ((إني لأراك الذي)). (٤) وفي نسخة: ((يخرجان بعدي)). (٣) وفي نسخة: ((أسوارين)). ١٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ - بفتح الموحدة، وسكون الهاء - الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة [١٠] (ت٢٢٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الأمويّ مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بِشْر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي حُسَيْنٍ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين بن الحارث بن عامر بن نوفل المكيّ النوفليّ، ثقةٌ عالم بالمناسك [٥] (ع) تقدم في ((الحج)) ٣٠٥٨/٣٦. ٥ - (نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن مُطْعِم النوفليّ، أبو محمد، وأبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت٩٩) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤٨٢. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عَّ تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس ◌َوَمَا حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين بن الحارث النوفليّ، تابعيّ صغيرٌ، مشهورٌ، نُسِب هنا لجدّه. (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿هَا أنه (قَالَ: قَدِمَ) بكسر الدال، (مُسَيْلِمَةُ) بضمّ الميم، وكسر اللام، تصغير مَسْلَمَةَ، وقال في ((الفتح)): ومُسيلمة - مصغرٌ، بكسر اللام - ابن ثُمامة بن كبير - بموحدة - ابن حبيب بن الحارث، من بني حَنِيفة، قال ابن إسحاق: ادَّعَى النبوة سنة عشر، وزعم وَثِيمة في ((كتاب الرِّدّة)) أن مسيلمة لقب، واسمه ثُمامة، وفيه نظر؛ لأن كنيته أبو ثمامة، فإن كان محفوظاً، فيكون ممن توافقت کنیته واسمه. وسياق هذه القصة يخالف ما ذكره ابن إسحاق أنه قَدِم مع وفد قومه، ١٥٧ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَِّيِّ وَالإره ـ حديث رقم (٥٩٢٠) وأنهم تركوه في رحالهم يحفظها لهم، وذكروه لرسول الله وَله، وأخذوا منه جائزته، وأنه قال لهم: إنه ليس بشرّكم، وأن مسيلمة لمّا اذَّعَى أنه أُشرك في النبوة مع رسول الله ﴿ احتج بهذه المقالة، وهذا مع شذوذه ضعيف السند؛ لانقطاعه، وأمْر مسيلمة كان عند قومه أكثر من ذلك، فقد كان يقال له: رحمان اليمامة؛ لِعِظَم قَدْره فيهم، وكيف يلتئم هذا الخبر الضعيف، مع قوله في هذا الحديث الصحيح: إن النبيّ ◌َ ﴿ اجتَمَع به، وخاطبه، وصرح له بحضرة قومه أنه لو سأله القطعة الجريدة ما أعطاه؟ ويَحْتَمِل أن یکون مسيلمة قَدِم مرتین(١): الأولی کان تابعاً، وكان رئيس بني حنيفة غيره، ولهذا أقام في حفظ رحالهم، ومرةً متبوعاً، وفيها خاطبه النبيّ ◌َ﴿، أو القصة واحدة، وكانت إقامته في رحالهم باختياره؛ أَنَفَةً منه، واستكباراً أن يحضر مجلس النبيّ وَّه، وعامله النبيّ وَّ معاملة الكَرَم على عادته في الاستئلاف، فقال لقومه: ((إنه ليس بشرّكم))؛ أي: بمكان؛ لكونه كان يحفظ رحالهم، وأراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل، فلما لم يُفِد في مسيلمة توجّه بنفسه إليهم؛ ليقيم عليهم الحجة، ويَعْذِر إليه بالإنذار، والعلم عند الله تعالى (٢). وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: مسيلمة هذا هو: ابن ثُمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن عثمان بن الحارث بن ذُهل بن الذَّؤل بن حنيفة. قال ابن إسحاق: وكان من شأنه: أنه تنبأ على عهد رسول الله وَل و سنة عشر، وكان يشهد: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ويزعم: أنَّه شريك معه في نبوَّته. وقال سعيد بن المسيِّب: إنه كان قد تسمَّى بالرحمن قبل أن يولد عبد الله بن عبد المطلب - أبو النبيّ وَل ﴿ - وأنَّه قُتل وهو ابن خمسين ومائة سنة. قال سعيد بن جبير: كان رسول الله وَ﴿ إذا قال: ﴿بِسْمِ أَلَّوَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قالت قريش: إنما يعني: مسيلمة. قال ابن إسحاق: وإنَّه تسارع إليه بنو حنيفة، وإنَّه بعث برجلين من قومه بكتاب إلى رسول الله وَليقول: من (١) سيأتي في كلام القرطبيّ ترجيح قدومه مرّة واحدة. فتنبّه. (٢) ((الفتح)) ٥٢٢/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٧٣). ١٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد: فإني أُشركت معك في الأمر، فلي نصف الأرض، ولك نصفها، ولكن قريش قومٌ لا يعدلون. فلمَّا قرأ رسول الله وَله الكتاب؛ قال للرَّسولين: ((ما تقولان أنتما؟)) قالا: نقول ما قال صاحبنا، فقال رسول الله وَله: «لولا أن الرُّسل لا تُقتل، لقتلتكما))، ثم كتب رسول الله وَلجر: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتّبع الهدى، أما بعد: ف﴿ إِنّ اُلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]))، فلما انتهى الكتاب إليه انكسر بعض الانكسار، وقالت بنو حنيفة: لا نرى محمداً أقرَّ بشركة صاحبنا في الأمر. قال ابن إسحاق: تنبأ على عهد رسول الله وَل مسيلمة، وصاحب صنعاء: الأسود بن عزة العنسيّ، وطليحة، وسَجَاح التميمية جاءت إلى مسيلمة، فقالت له: ما أُوحي إليك؟ قال: أوحي إلي: ألم تر إلى ربِّك كيف خلق الْحُبلى، أخرج منها نسمةً تسعى بين صفاقٍ وحشاً، قالت: وماذا؟ فقال: ألم تر أن الله خلق للنساء أفراجاً، وخلق الرجال لهن أزواجاً، فيولج فيهنَّ قَعْساً إيلاجاً، ثمَّ يخرجه إذا استمنى إخراجاً، فقالت: أشهد أنَّك نبي! قال: هل لك أن أتزوَّجك، فآكل بقومي وقومك العرب؟ فتزوَّجته، فنادى مناديها: ألا إنَّا أصبنا الدِّين في بني حنيفة. ونادى منادي بني حنيفة: ألا إن نبيّنا تزوج نبيتكم، وقالت له: يا أبا ثمامة! ضع عن قومي هاتين الطويلتين؛ صلاة الفجر، وصلاة العشاء الآخرة، فخرج مناديه فنادى بذلك، فقال شيخ من بني تميم: جزى الله أبا ثمامة عنا خيراً، فوالله: لقد كاد ثقلهما علينا يوتغنا (١) عن ديننا . قال غير ابن إسحاق: ولمّا استفحل أمر مسيلمة قَدِم المدينة في بَشَر كثير، ونزل على عبد الله بن أبيّ، فجاءه النبيّ وَ ◌ّ كما ذكر ابن عباس، وفي غير حديث ابن عباس: أن مسيلمة جاء إلى النبيّ، وفي حديث آخر: مسيلمة كان في ظَهْر القوم، وأن النبيّ ◌َّ سأل عنه. قال القرطبيّ: فَيَحْتَمِل أن يكون هذا اختلاف أحوال في قَدْمةٍ واحدة (١) الْوَتَغُ: الإثم، وفساد الدين. ١٥٩ (٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ وَّرِ - حديث رقم (٥٩٢٠) قِدِمها مسيلمة المدينة، وعند بلوغ قدومه النبيّ وََّ سأل عنه، ثمَّ بعد ذلك جاء كل واحد منهما إلى الآخر، فاجتمعا في موضع غير موضعيهما، وهذا الاحتمال أقرب من احتمال أن يكون مسيلمة قدم على النبيّ وَّ ثلاث مرات. ثم إن مسيلمة رجع إلى اليمامة على حالته تلك، إلى أن توفي النبيّ وَّ، فعَظُم أمر مسيلمة، وأطبق أهل اليمامة عليه، وارتدُّوا عن الإسلام، وانضاف إليهم بشرٌ كثير من أهل الردَّة، وقويت شوكتهم، فكاتبهم أبو بكر الصديق كُتباً كثيرة يَعِظهم، ويُذَكِّرهم، ويحذّرهم، ويُنذرهم إلى أن بعث لهم كتاباً مع حبيب بن عبد الله الأنصاريّ، فقتله مسيلمة، فعند ذلك عزم أبو بكر ظُه على قتالهم والمسلمون، فأَمَّر أبو بكر خالد بن الوليد ظنًا، وتجهز الناس، وعقد الراية لخالد، وصاروا إلى اليمامة، فاجتمع لمسيلمة جيش عظيم، وخرج إلى المسلمين، فالتقوا، وكانت بينهم حروب عظيمة لم يُسمع بمثلها، واستُشهِد فيها من قرَّاء القرآن خَلْق كثير، حتى خاف أبو بكر، وعمر ها أن يذهب من القرآن شيء لكثرة من قُتل هناك من القراء، ثم إن الله تعالى ثبّت المسلمين، وقتل الله تعالى مسيلمة اللعين على يدي وحشيّ قاتل حمزة، ورماه بالحربة التي قتل بها حمزة، ثم دفَّف(١) عليه رجل من الأنصار، فاحتزَّ رأسه، وهزم اللهُ جيشَه، وأهلكهم، وفتح اللهُ اليمامة، فدخلها خالد، واستولى على جميع ما حوته من النساء، والولدان، والأموال، وأظهر الله الدين، وجعل العاقبة للمتقين، فالحمد لله الذي صَدَقنا وعده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيءَ بعده، وإنما جاء النبيّ وَ﴿ إلى مسيلمة؛ ليبلّغه الدعوة، وليسمع قولَه بالمشافهة. انتھی(٢). وقوله: (الْكَذَّابُ) صيغة مبالغة صفة لِمُسيلمة، وُصف به لمبالغته في الكذب حيث ادّعى النبوّة (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَلِّهِ)؛ أي: في زمنه، (الْمَدِينَةَ) النبويّة، (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع، وأخذ (يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ) يريد النبيّ ◌َِّ، (الأَمْرَ)؛ أي: الخلافة (مِنْ بَعْدِهِ)؛ أي: بعد موته وَّهِ، (تَبِعْتُهُ) بفتح (١) أي: جرحه جرحاً مميتاً، وأجهز عليه. (٢) ((المفهم)) ٣٩/٦ - ٤٢. ١٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا أوله، وكسر ثالثه، من باب تَعِب، (فَقَدِمَهَا)؛ أي: المدينة، (فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ) ((في)) بمعنى ((مع))، كما في قوله تعالى: ﴿اَدْخُلُواْ فِيَ أُمَرٍ﴾ الآية [الأعراف: ٣٨]. قال في ((الفتح)): قوله: ((وقَدِمها في بَشَر كثير)) ذكر الواقديّ كما تقدم أن عدد من كان مع مسيلمة من قومه سبعة عشر نفساً، فيَحْتَمِل تعدد القدوم، كما تقدم. انتهى(١) . (مِنْ قَوْمِهِ) هم بنو حنيفة، (فَأَقْبَلَ)؛ أي: توجّه (إِلَيْهِ النَّبِيُّ وََّ) قال العلماء: إنما أتاه النبيّ ◌َّر تأليفاً له، ولقومه؛ رجاء إسلامهم، وليبلغ ما أنزل إليه، قال القاضي عياض: ويَحْتَمِل أن سبب مجيئه إليه أن مسيلمة قصده من بلده للقائه، فجاءه مكافأة له، قال: وكان مسيلمة إذ ذاك يُظهر الإسلام، وإنما ظهر كفره، وارتداده بعد ذلك، قال: وقد جاء في حديث آخر أنه هو أتى النبيّ ◌َّهِ، فَيَحْتَمِل أنهما مرتان. انتهى(٢). وقوله: (وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن مع النبيّ ◌َّ ثابت بن قيس بن شَمّاس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجيّ، خطيب الأنصار. رَوَى ابن السَّكَن من طريق ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: خطب ثابت بن قيس مَقْدَم رسول الله وَّ المدينة، فقال: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، وأولادنا، فما لنا؟ قال: ((الجنة))، قالوا: رَضِينا. وقال جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس: كان ثابت بن قيس خطيب الأنصار، يكنى أبا أحمد، وقيل: أبا عبد الرحمن، لم يذكره أصحاب المغازي في البدريين، وقالوا: أول مشاهده أُحُدٌ، وشَهِد ما بعدها، وبشّره النبيّ وَلـ بالجنة في قصة شهيرة، رواها موسى بن أنس، عن أبيه، أخرج أصل الحديث مسلم، وفي الترمذيّ بإسناد حسن، عن أبي هريرة ◌َظُه رفعه: ((نِعْم الرجل ثابت بن قيس))، وفي البخاريّ مختصراً، والطبرانيّ مطوّلاً، عن أنس، قال: لمّا انكشف الناس يوم اليمامة، قلت لثابت بن قيس: ألا ترى يا عمّ، ووجدته (١) ((الفتح)) ٩/ ٥٢٢، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٧٣). (٢) ((شرح النوويّ)) ٣٣/١٥.