النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(٤) - بَابٌ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا - حديث رقم (٥٩١٣)
معناه: لا تَعُد للقسم، ففيه: ما يدلّ على أن أمر النبيّ وَِّ بإبرار المُقْسِم ليس
بواجب، وإنما هو مندوب إليه إذا لم يعارضه ما هو أولى منه. انتهى(١).
وقال المهلَّب: توجيه تعبير أبي بكر ظه أن الظلة نعمة من نِعَم الله على
أهل الجنة، وكذلك كانت على بني إسرائيل، وكذلك الإسلام يقي الأذى،
ويَنْعَم به المؤمن في الدنيا والآخرة.
وأما العسل: فإن الله جعله شفاء للناس، وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ
جَ قَكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَبِّكُمْ وَشِفَآءُ لِّمَا فِ الصُّدُورِ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
[يونس :
٥٧]، وقال: ﴿قُلّ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، وهو حُلْوٌ
على الأسماع؛ كحلاوة العسل في المذاق، وكذلك جاء في الحديث: ((إن في
السمن شفاءً))(٢).
وقال القاضي عياض: وقد يكون عَبَر الظلة بذلك؛ لما نطفت العسل
والسمن اللذين عَبَرهما بالقرآن، وذلك إنما كان عن الإسلام، والشريعة،
والسببُ في اللغة: الحبل، والعهد، والميثاق، والذين أخذوا به بعد النبيّ وَل
واحداً بعد واحد، هم الخلفاء الثلاثة، وعثمان هو الذي انقطع به، ثم انَّصَل.
انتهى ملخّصاً.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -
إكمال هذا البحث، وترجيح قول من قال: إن الصواب في هذه المسألة
التوقّف، وعدم الخوض بلا علم فيها، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس
هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩١٣/٤ و٥٩١٤ و٥٩١٥ و٥٩١٦] (٢٢٦٩)،
و(البخاريّ) في ((التعبير)) (٧٠٤٦)، و(أبو داود) في ((الأيمان والنذور)) (٣٢٦٧
(١) ((المفهم)) ٣٣/٦.
(٢) كذا في ((الفتح))، ولم يعزه لمصدر، ولم يتكلّم في درجته، فالله أعلم بصحّته.

١٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
و٣٢٦٩)، و(الترمذيّ) في ((الرؤيا)) (٢٢٩٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤/
٣٨٧)، و(ابن ماجه) في ((تعبير الرؤيا)) (٣٩١٨) و(أحمد) في ((مسنده)) (١/
٢٣٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٩/١١ و٦٠)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (٥٣٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٢٨/٢ و١٢٩)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (١١١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٩/٤)، و(الطبرانيّ) في ((مسند
الشاميين)) (٣٥/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٨/١٠ و٣٩)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنَّة)) (٣٢٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الرؤيا ليست لأول عابر، لكن قال إبراهيم بن عبد الله
الكرمانيّ المعبِّر: لا يغير الرؤيا عن وجهها عبارة عابر، ولا غيره، وكيف
يستطيع مخلوق أن يغير ما كانت نسخته من أم الكتاب؟ غير أنه يستحب لمن
لم يتدرب في علم التأويل أن لا يتعرض لِمَا سَبَق إليه مَن لا يُشَكّ في أمانته،
و دينه .
قال الحافظ: وهذا مبني على تسليم أن المرائي تَنْسَخ من أم الكتاب على
وفق ما يعبُرها العارف، وما المانع أنها تَنْسَخ على وفق ما يعبُرها أول عابر.
انتھی .
قال الإمام البخاريّ تَُّ في (صحيحه)): ((بابُ من لم يَرَ الرؤيا لأول
عابر إذا لم يُصِب)).
قال في ((الفتح)): كأنه يشير إلى حديث أنس ظ به قال: قال
رسول الله مَ﴾، فذكر حديثاً فيه: ((والرؤيا لأول عابر))، وهو حديث ضعيف،
فيه يزيد الرَّقَاشيّ، ولكن له شاهد، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه،
بسند حسن، وصححه الحاكم، عن أبي رَزِين الْعُقَيليّ، رفعه: ((الرؤيا على
رجل طائر، ما لم تُعْبَر، فإذا عُبِرت وقعت))، لفظ أبي داود، وفي رواية
الترمذيّ: ((سقطت))، وفي مرسل أبي قلابة، عند عبد الرزاق: ((الرؤيا تقع على
ما يُعبَّر، مَثَلُ ذلك مَثَل رجل رفع رجله، فهو ينتظر متى يضعها))، وأخرجه
الحاكم موصولاً بذكر أنس، وعند سعيد بن منصور، بسند صحيح، عن عطاء:
((كان يقال: الرؤيا على ما أُوِّلت))، وعند الدارميّ بسند حسن، عن سليمان بن

١٢٣
(٤) - بَابٌ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا - حديث رقم (٥٩١٣)
يسار، عن عائشة ﴿ّا قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجرٌ،
يَختلف - يعني: في التجارة - فأتت رسول الله وَله، فقالت: إن زوجي غائبٌ،
وتركني حاملاً، فرأيت في المنام أن سارية بيتي انكسرت، وأني ولدت غلاماً
أعور، فقال: ((خير، يرجع زوجك، إن شاء الله صالِحاً، وتلدين غلاماً بَرّا))،
فذكرت ذلك ثلاثاً، فجاءت ورسول الله و سلام غائب، فسألتها، فأخبرتني بالمنام،
فقلت: لئن صدقت رؤياك ليموتنّ زوجك، وتلدين غلاماً فاجراً، فقعدت
تبكي، فجاء رسول الله وَ له، فقال: ((مَهْ يا عائشة، إذا عَبَرتم للمسلم الرؤيا،
فاعبروها على خير، فإن الرؤيا تكون على ما يَعْبُرها صاحبها)).
وعند سعيد بن منصور من مرسل عطاء بن أبي رباح قال: ((جاءت امرأة
إلى رسول الله وَّر، فقالت: إني رأيت كأن جائز بيتي انكسر، وكان زوجها
غائباً، فقال: رَدّ الله عليك زوجك، فرجع سالِماً ... )) الحديث، ولكن فيه أن
أبا بكر، أو عمر هو الذي عَبَر لها الرؤيا الأخيرة، وليس فيه الخبر الأخير
المرفوع، فأشار البخاري إلى تخصيص ذلك بما إذا كان العابر مصيباً في
تعبيره، وأَخَذه من قوله وَ ﴿ لأبي بكر في حديث الباب: ((أصبت بعضاً،
وأخطأت بعضاً))، فإنه يؤخذ منه أن الذي أخطأ فيه لو بيّنه له لكان الذي بيّنه له
هو التعبير الصحيح، ولا عبرة بالتعبير الأول.
قال أبو عبيد، وغيره: معنى قوله: ((الرؤيا لأول عابر)) إذا كان العابر
الأول عالماً، فعَبَر، فأصاب وجه التعبير، وإلا فهي لمن أصاب بعده؛ إذ ليس
المدار إلا على إصابة الصواب في تعبير المنام؛ ليتوصل بذلك إلى مراد الله
فيما ضربه من المثل، فإذا أصاب فلا ينبغي أن يسأل غيره، وان لم يُصِب
فليسأل الثاني، وعليه أن يخبر بما عنده، ويبيّن ما جَهِل الأول.
قال الحافظ: وهذا التأويل لا يساعده حديث أبي رَزِين: ((إن الرؤيا إذا
عبّرت وقعت)) إلا أن يُدَّعَى تخصيص ((عبرت)) بأن عابرها يكون عالماً مصيباً،
فيعكر عليه قوله في الرؤيا المكروهة: ((ولا يُحَدّث بها أحداً)) فقد تقدم في
حكمة هذا النهي أنه ربما فَسَّرها تفسيراً مكروهاً على ظاهرها، مع احتمال أن
تكون محبوبة في الباطن، فتقع على ما فَسَّر.
ويمكن الجواب بأن ذلك يتعلق بالرائي، فله إذا قصها على أحد، ففسَّرها

١٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
له على المكروه أن يبادر، فيسأل غيره، ممن يصيب، فلا يتحتم وقوع الأول،
بل ويقع تأويل من أصاب، فإن قصّر الرائي، فلم يسأل الثاني، وقعت على ما
فسَّر الأول. انتهى(١).
٢ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): من أدب المعبِّر ما أخرجه عبد الرزاق،
عن عمر ظُه، أنه كَتَب إلى أبي موسى رَُّه: ((فإذا رأى أحدكم رؤيا، فقصّها
على أخيه، فليقل: خيرٌ لنا، وشرٌّ لأعدائنا))، ورجاله ثقات، ولكن سنده منقطع.
وأخرج الطبرانيّ، والبيهقيّ في ((الدلائل)) من حديث ابن زِمْل الْجُهَنِيّ
- بكسر الزاي، وسكون الميم، بعدها لام - ولم يُسَمَّ في الرواية، وسمّاه أبو
عمر في ((الاستيعاب)): عبد الله، قال: كان النبيّ وَّ إذا صلى الصبح قال:
((هل رأى أحد منكم شيئاً؟ قال ابن زِمْل: فقلت: أنا يا رسول الله، قال: خيراً
تلقاه، وشرّاً تتوقاه، وخيرٌ لنا، وشرّ على أعدائنا، والحمد لله رب العالمين،
اقصُصْ رؤياك ... )) الحديث، وسنده ضعيف جدّاً.
٣ - (ومنها): أن أئمة التعبير ذكروا أن من أدب الرائي أن يكون صادق
اللهجة، وأن ينام على وضوء، على جنبه الأيمن، وأن يقرأ عند نومه
﴿وَالشَّمْسَ﴾، ﴿وَِّلِ﴾، ﴿وَأَلِتِينٍ﴾، و((سورة الإخلاص))، والمعوذتين، ويقول:
اللهم إني أعوذ بك من سيئ الأحلام، وأستجير بك من تلاعب الشيطان، في
اليقظة والمنام، اللهم إني أسألك رؤيا صالحةً، صادقةً، نافعةً، حافظةً، غير
مَنْسِيّة، اللهم أرني في منامي ما أحبّ، ذكره في ((الفتح))(٢).
٤ - (ومنها): ما قيل: إن من أدبه أيضاً أن لا يقصها على امرأة، ولا
عدوّ، ولا جاهل.
٥ - (ومنها): ما قيل أيضاً: أن من أدب العابر أن لا يعبُرها عند طلوع
الشمس، ولا عند غروبها، ولا عند الزوال، ولا في الليل.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الفوائد الثلاث تحتاج إلى دليل، فليُتنبّه،
والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٤٠٧/١٦ - ٤٠٨، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٤٦).
(٢) ((الفتح)) ٤٠٧/١٦ - ٤٠٨، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٤٦).

١٢٥
(٤) - بَابٌ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا - حديث رقم (٥٩١٣)
٦ - (ومنها): أنه لا يستحب إبرار القسم، إذا كان فيه مفسدة.
٧ - (ومنها): أن من قال: أُقسم لا كفارة عليه؛ لأن أبا بكر لم يزد على
قوله: أقسمت، كذا قاله عياض، ورَدّه النوويّ بأن الذي في جميع نُسخ
((صحيح مسلم)) أنه قال: فوالله يا رسول الله لتحدّثَنِّي، وهذا صريح يمين.
٨ - (ومنها): ما قال ابن التين كَّلُ: فيه أن الأمر بإبرار القسم خاصّ
بما يجوز الاطلاع عليه، ومن ثَمّ لم يُبِرّ النبيّ وَّرِ قَسَم أبي بكر؛ لكونه سأل ما
لا يجوز الاطلاع عليه لكل أحد.
قال الحافظ: فيَحْتَمِل أن يكون مَنَعه ذلك لَمّا سأله جهاراً، وأن يكون
أعلمه بذلك سرّاً.
٩ - (ومنها): أن فيه الحثّ على تعلّم علم الرؤيا، وعلى تعبيرها، وترك
إغفال السؤال عنه، وفضيلتها؛ لِمَا تشتمل عليه من الاطلاع على بعض الغيب،
وأسرار الكائنات.
١٠ - (ومنها): ما قاله ابن هُبيرة تَخْتُهُ: وفي السؤال من أبي بكر أوّلاً
وآخراً، وجواب النبيّ وَ ل﴿ دلالةٌ على انبساط أبي بكر معه، وإدلاله عليه.
١١ - (ومنها): أنه لا يعبُر الرؤيا إلا عالمٌ ناصحٌ أمينٌ حبيب.
١٢ - (ومنها): أن العابر قد يخطئ، وقد يصيب، وأن للعالم بالتعبير أن
يسكت عن تعبير الرؤيا، أو بعضها عند رجحان الكتمان على الذِّكر، قال
المهلَّب رَّتُهُ: ومحله إذا كان في ذلك عموم، فأما لو كانت مخصوصة بواحد
مثلاً، فلا بأس أن يخبره؛ لِيُعِدّ الصبرَ، ويكون على أُهْبة من نزول الحادثة.
١٣ - (ومنها): جواز إظهار العالم ما يَحْسُن من العلم، إذا خلصت نيته،
وأَمِن العجب.
١٤ - (ومنها): جواز كلام العالم بالعلم بحضرة من هو أعلم منه، إذا
أَذِن له في ذلك صريحاً، أو ما قام مقامه، ويؤخذ منه جواز مثله في الإفتاء،
والحُكم، وأن للتلميذ أن يُقسم على معلمه أن يُفيده الحكم، ذكر هذا كلّه في
((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٤٠٧/١٦ - ٤١٧، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٤٦).

١٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
(المسألة الرابعة): في تكميل ما سبق في معنى قوله وَ له: ((أصبت بعضاً،
وأخطأت بعضاً)):
قال المهلَّب تَخْتُهُ: وموضع الخطإ في قوله: ((ثم وُصِل له))؛ لأن في
الحديث: ((ثم وُصِل))، ولم يذكر (له)).
وتعقّبه الحافظ تَّتُهُ، فقال: بل هذه اللفظة، وهي قوله: (له))، وإن
سقطت من رواية الليث عند الأصيليّ، وكريمة، فهي ثابتة في رواية أبي ذرّ عن
شيوخه الثلاثة، وكذا في رواية النسفيّ، وهي ثابتة في رواية ابن وهب وغيره
كلهم عن يونس، عند مسلم وغيره، وفي رواية معمر عند الترمذيّ، وفي رواية
سفيان بن عيينة عند النسائيّ، وابن ماجه، وفي رواية سفيان بن حسين، عند
أحمد، وفي رواية سليمان بن كثير، عند الدارميّ، وأبي عوانة، كلهم عن
الزهريّ، وزاد سليمان بن كثير في روايته: ((فوُصِل له، فاتَّصَل)).
قال: ثم بنى المهلّب على ما توهّمه، فقال: كان ينبغي لأبي بكر أن
يقف حيث وقفت الرؤيا، ولا يذكر الموصول له، فإن المعنى أن عثمان انقطع
به الحبل، ثم وُصِل لغيره؛ أي: وُصلت الخلافة لغيره. انتهى.
قال الحافظ: وقد عرفت أن لفظة: ((له)) ثابتة في نفس الخبر، فالمعنى
على هذا أن عثمان كاد ينقطع عن اللحاق بصاحبيه، بسبب ما وقع له من تلك
القضايا التي أنكروها، فعَبَّر عنها بانقطاع الحبل، ثم وقعت له الشهادة، فاتصل
بهم، فعَبَّر عنه بأن الحبل وُصِل له، فاتَّصَل، فالتحق بهم، فلم يتم في تبيين
الخطأ في التعبير المذكور ما توهّمه المهلَّب.
قال: والعجب من القاضي عياض، فإنه قال في ((الإكمال)): قيل: خطؤه
في قوله: ((فوُصِل له))، وليس في الرؤيا إلا أنه ((وُصِل))، وليس فيها (له))،
ولذلك لم يوصَل لعثمان، وإنما وصلت الخلافة لعليّ، وموضع التعجب سكوته
عن تعقب هذا الكلام، مع كون هذه اللفظة، وهي ((له)) ثابتة في ((صحيح مسلم))
الذي يتكلم عليه.
ثم قال: وقيل: الخطأ هنا بمعنى الترك؛ أي: تركت بعضاً، لم تفسِّره.
وقال الإسماعيليّ: قيل: السبب في قوله: ((وأخطأت بعضاً)) أن الرجل
لمّا قَصّ على النبيّ وَّ رؤياه كان النبيّ وَّرَ أحقّ بتعبيرها من غيره، فلما طَلَب

١٢٧
(٤) - بَابٌ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا - حديث رقم (٥٩١٣)
أبو بكر تعبيرها كان ذلك خطأ، فقال: أخطأت بعضاً لهذا المعنى.
قال الحافظ: والمراد بقوله: ((قيل)) ابنُ قتيبة، فإنه القائل لذلك، فقال:
إنما أخطا في مبادرته بتفسيرها قبل أن يأمره به، ووافقه جماعة على ذلك،
وتعقبه النوويّ تبعاً لغيره، فقال: هذا فاسدٌ؛ لأنه ◌َ﴾ قد أَذِن له في ذلك،
وقال: ((اعْبُرْها)).
قال الحافظ: مراد ابن قتيبة أنه لم يأذن له ابتداءً، بل بادر هو، فسأل أن
يأذن له في تعبيرها، فأذن له، فقال: أخطأت في مبادرتك للسؤال أن تتولى
تعبيرها، لا أنه أراد: أخطأت في تعبيرك، لكن في إطلاق الخطأ على ذلك
نظر؛ لأنه خلاف ما يتبادر للسمع من جواب قوله: ((هل أصبتُ؟)) فإن الظاهر
أنه أراد الإصابة والخطأ في تعبيره، لا لكونه التمس التعبير، ومن ثَمّ قال ابن
التين، ومن بعده: الأشبه بظاهر الحديث أن الخطأ في تأويل الرؤيا؛ أي:
أخطأت في بعض تأويلك.
قال الحافظ: ويؤيده تبويب البخاريّ حيث قال: ((باب من لم ير الرؤيا
لأول عابر، إذا لم يُصِب))، ونقل ابن التين عن أبي محمد بن أبي زيد، وأبي
محمد الأصيليّ، والداوديّ نحو ما نقله الإسماعيليّ، ولفظهم: أخطأ في سؤاله
أن يعبرها، وفي تعبيره لها بحضرة النبيّ وَله.
وقال ابن هُبيرة: إنما كان الخطأ؛ لكونه أقسم ليعبُرنّها بحضرة النبيّ وَّ،
ولو كان الخطأ في التعبير لم يُقِرَّه عليه، وأما قوله: ((لا تُقْسِم)) فمعناه: أنك إذا
تفكرت فيما أخطأت به عَلِمْتَه، قال: والذي يظهر أن أبا بكر أراد أن يعبُرها،
فيسمع رسول الله ◌َي﴿ ما يقوله، فيَعْرِف أبو بكر بذلك عِلْم نفسه؛ لتقرير
رسول الله لل
وقال ابن التين: وقيل: أخطأ؛ لكون المذكور في الرؤيا شيئين: العسل،
والسمن، ففسَّرهما بشيء واحد، وكان ينبغي أن يفسرهما بالقرآن، والسُّنَّة، ذُكِر
ذلك عن الطحاويّ.
قال الحافظ: وحكاه الخطيب عن أهل العلم بالتعبير، وجزم به ابن
العربيّ، فقال: قالوا: هنا وَهِمَ أبو بكر، فإنه جَعل السمن والعسل معنى

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
واحداً، وهما معنيان: القرآن، والسُّنَّة، قال: ويَحْتَمِل أن يكون السمن:
والعسل: العلم، والعمل، ويَحْتَمِل أن يكونا الفهم، والحفظ.
وأيد ابن الجوزيّ(١) ما نُسِب للطحاويّ بما أخرجه أحمد، عن عبد الله بن
عمرو بن العاص، قال: رأيت فيما يرى النائم؛ كأن في إحدى إصبعي سَمْناً،
وفي الأخرى عسلاً، فألعقهما، فلما أصبحت ذكرت ذلك للنبيّ وَّ، فقال:
((تقرأ الكتابين التوراة، والفرقان))، فكان يقرؤهما.
قال الحافظ: ففسَّر العسل بشيء، والسمن بشيء.
وقال النوويّ: قيل: إنما لم يُبِرَّ النبيّ وََّ قَسَم أبي بكر ◌َُّه؛ لأن إبرار
القسم مخصوص بما إذا لم يكن هناك مفسدة، ولا مشقة ظاهرة، فإن وُجد
ذلك فلا إبرار، ولعل المفسدة في ذلك ما عَلِمه من سبب انقطاع السبب
بعثمان رُه، وهو قَتْله، وتلك الحروب، والفتن المترتبة عليه، فكَرِه ذكِرْها
خوف شيوعها .
ويَحْتَمِل أن يكون سبب ذلك أنه لو ذَكَر له السبب لَلَزِم منه أن يوبّخه بين
الناس؛ لمبادرته.
ويَحْتَمِل أن يكون خطؤه في ترك تعيين الرجال المذكورين، فلو أبرّ قَسَمه
للزم أن يعيّنهم، ولم يؤمر بذلك؛ إذ لو عيّنهم لكان نصّاً على خلافتهم، وقد
سبقت مشيئة الله أن الخلافة تكون على هذا الوجه، فترك تعيينهم؛ خشيةَ أن
يقع في ذلك مفسدة. وقيل: هو علم غيب، فجاز أن يختصّ به، ويُخفيه عن
غيره.
وقيل: المراد بقوله: ((أخطأتَ، وأصبتَ)) أن تعبير الرؤيا مرجعه الظنّ،
والظنّ يخطئ ويصيب، وقيل: لمّا أراد الاستبداد، ولم يصبر حتى يُفاد جاز
مَنْعه ما يستفاد، فكان المنع كالتأديب له على ذلك.
قال الحافظ: وجميع ما تقدم من لفظ الخطأ والتوهم، والتأديب،
وغيرهما إنما أحكيه عن قائله، ولست راضياً بإطلاقه في حقّ الصديق
ـه .
وقيل: الخطأ في خلع عثمان رُه؛ لأنه في المنام رأى أنه آخذ
(١) ((كشف المشكل)) ٣١٩/٢.

١٢٩
(٤) - بَابٌ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا - حديث رقم (٥٩١٣)
بالسبب، فانقطع به، وذلك يدل على انخلاعه بنفسه، وتفسير أبي بكر بأنه يأخذ
به رَجَل، فينقطع به، ثم يوصَل له، وعثمان قد قُتل قهراً، ولم يَخلع نفسه،
فالصواب أن يُحْمَل وَصْله على ولاية غيره، وقيل: يَحْتَمِل أن يكون ترك إبرار
القَسَم لِمَا يدخل في النفوس، لا سيما من الذي انقطع في يده السبب، وإن
كان وُصِل.
وقد اختُلِف في تفسير قوله: ((فقُطِع)) فقيل: معناه قُتل، وأنكره القاضي
أبو بكر ابن العربي، فقال: ليس معنى قُطع قُتل؛ إذ لو كان كذلك لشاركه
عمر، لكن قَتْل عمر لم يكن بسبب العلوّ، بل بجهة عداوة مخصوصة، وقَتْل
عثمان كان من الجهة التي علا بها، وهي الولاية، فلذلك جُعل قتله قطعاً،
قال: وقوله: (ثم وُصل))؛ يعني: بولاية عليّ، فكان الحبل موصولاً، ولكن لم
ير فيه علوّاً، كذا قال، وقد تقدم البحث في ذلك.
ووقع في (تنقيح الزركشي))(١) ما نصّه: والذي انقطع به، ووُصل له هو
عمر؛ لأنه لمّا قُتل وُصل له بأهل الشورى، وبعثمان، كذا قال، وهو مبنيّ على
أن المذكور في الخبر من الرجال بعد النبيّ وَّ* اثنان فقط، وهو اختصار من
بعض الرواة، وإلا فعند الجمهور ثلاثة، وعلى ذلك شَرَح من تقدَّم ذِكره، والله
أعلم.
قال ابن العربيّ: وقوله: ((أخطأت بعضاً)) اختُلِف في تعيين الخطأ، فقيل:
وجه الخطأ تسوّره على التعبير من غير استئذان، واحتمله النبيّ ◌َّ لمكانه منه،
قال: وقيل: أخطأ لِقَسَمه عليه، وقيل: لِجَعْله السمن والعسل معنى واحداً،
وهما معنيان، وأيّدوه بأنه قال: ((أخطأت بعضاً، وأصبت بعضاً))، ولو كان
الخطأ في التقديم في اليسار، أو في اليمين لَمَا قال ذلك؛ لأنه ليس من
الرؤيا .
وقال ابن الجوزيّ(٢): الإشارة في قوله: ((أصبت، وأخطأت)) لتعبيره
الرؤيا، وقال ابن العربيّ: بل هذا لا يلزم؛ لأنه يصحّ أن يريد به أخطأت في
بعض ما جرى، وأصبت في البعض، ثم قال ابن العربيّ: وأخبرني أبي أنه
(١) ((التنقيح)) ٨٥١/٣.
(٢) ((كشف المشكل)) ٣٢٠/٢.

١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
قيل: وجه الخطأ أن الصواب في التعبير أن الرسول هو الظُّلّة، والسمن،
والعسل: القرآن، والسُّنَّة، وقيل: وجه الخطأ أنه جَعَل السبب الحقّ، وعثمان
لم ينقطع به الحقّ، وإنما الحقّ أن الولاية كانت بالنبوة، ثم صارت بالخلافة،
فاتَّصَلت لأبي بكر، ولعمر، ثم انقطعت بعثمان لِما كان ظُنّ به، ثم صحت
براءته، فأعلاه الله، ولحق بأصحابه، قال: وسألت بعض الشيوخ العارفين عن
تعيين الوجه الذي أخطأ فيه أبو بكر، فقال: مَن الذي يعرفه؟ ولئن كان تقدّم
أبي بكر بين يدي النبيّ وَّه للتعبير خطأ، فالتقدم بين يدي أبي بكر لتعيين خطئه
أعظم وأعظم، فالذي يقتضيه الدِّين والحزم الكفّ عن ذلك.
وقال الكرمانيّ: إنما أقدموا على تبيين ذلك، مع كون النبيّ ◌َّ لم يبيّنه؛
لأنه كان يلزم من تبيينه مفسدة؛ إذ ذاك فزالت بعده، مع أن جميع ما ذكروه
إنما هو بطريق الاحتمال، ولا جزم في شيء من ذلك. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ليت هؤلاء العلماء لم يخوضوا في تأويل هذا
الحديث بالحدس، والظنون، والتخمين، وما أجمل الجواب الذي أجاب به
بعض الشيوخ الذي سأله ابن العربيّ آنفاً، فقال: مَن الذي يعرفه؟ ولئن كان
تقدّم أبي بكر بين يدي النبيّ وَّ للتعبير خطأ، فالتقدم بين يدي أبي بكر لتعيين
خطئه أعظم وأعظم، فالذي يقتضيه الدين والحزم الكفّ عن ذلك. انتهى.
فما أحلى هذا الجواب، وأحقّه بأن يُكتب بماء الذهب، فيا أيها المسلم
عليك أن لا تتدخّل، وتخوض فيما لا علم لك به، فإن من حسن إسلام المرء
تركه ما لا يعنيه، فقد سدّ النبيّ ◌َ* طريق معرفة الخطأ والصواب في هذا
الحديث لَمّا أقسم عليه أبو بكر أن يُخبره بقوله: ((لا تُقسم)»، فمن الذي يحوم
حوله، ويصول، ويجول بحثاً عن معرفته؟، إن هذا هو العجب العجاب.
وبالجملة فقد قال الله رَتْ: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُّ إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ
[الإسراء: ٣٦]، والله تعالى الهادي إلى
وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا
سواء السبيل.
(١) ((الفتح)) ٤١٣/١٦ - ٤١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٤٦).

١٣١
(٤) - بَابٌ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا - حديث رقم (٥٩١٤)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩١٤] (.) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلُ النَِّيَّ وَ﴿ مُنْصَرَفَهُ مِنْ
أُحُدٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الهِ إِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ
وَالْعَسَلَ، بِمَعْنَى حَدِيثٍ يُونُسَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وقد ذُكروا في الباب، وقبل بابین.
وقوله: (مُنْصَرَفَهُ مِنْ أَحُدٍ) بضمّ الميم، وفتح الصاد؛ أي: وقت
انصرافه، ورجوعه من غزوة أُحد.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثٍ يُونُسَ)؛ يعني: أن سفيان بن عيينة حدّث عن
الزهريّ بمعنى ما حدّث به يونس بن يزيد الأیليّ عنه.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها ابن ماجه ◌َّثُ في
(سننه))، فقال:
(٣٩١٨) - حدّثنا يعقوب بن حميد بن كاسب المدنيّ، ثنا سفيان بن
عيينة، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: أتى
النبيّ ◌َّ﴿ه رجل مُنصَرَفه من أَحُدٍ، فقال: يا رسول الله إني رأيت في المنام ظُلَّة
تَنْطِّف سمناً وعسلاً، ورأيت الناس يتكفّفون منها، فالمستكثر، والمستقلّ،
ورأيت سبباً واصلاً إلى السماء، رأيتك أخذت به، فعلوت به، ثم أخذ به رجل
بعدك، فعلا به، ثم أخذ به رجل بعده، فعلا به، ثم أخذ به رجل بعده،
فانقطع به، ثم وُصِل له، فعلا به، فقال أبو بكر: دعني أَعْبُرها يا رسول الله،
قال: ((اعبُرها))، قال: أما الظلّة فالإسلام، وأما ما يَنطِّف منها من العسل
والسمن، فهو القرآن، حلاوته، ولِيْنه، وأما ما يتكفّف منه الناس، فالآخذ من
القرآن كثيراً وقليلاً، وأما السبب الواصل إلى السماء، فما أنت عليه من الحقّ،
أخذت به، فعلا بك، ثم يأخذه رجل من بعدك، فيعلو به، ثم آخر، فيعلو به،
ثم آخر، فينقطع به، ثم يوصل له، فيعلو به، قال: ((أصبتَ بعضاً، وأخطأت
بعضاً))، قال أبو بكر: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرنّي بالذي أصبت من

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
الذي أخطأت، فقال النبيّ وَّهِ: ((لا تُقْسِمْ يا أبا بكر)). انتهى (١)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩١٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِّ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ أَحْيَاناً يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَحْيَاناً يَقُولُ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلاًّ ◌َتَى رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ ظُلَّةً، بِمَعْنَى
حَدِيثِھِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا في الباب، وقبل بابين.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ)؛ يعني: الثلاثة: الزبيديّ، ويونس، وسفيان بن
عيينة، أن معمراً روى هذا الحديث عن الزهريّ بمعنى: حديث الثلاثة عنه.
[تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩١٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ كَثِيرٍ - عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ كَانَ مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: ((مَنْ رَأَى
مِنْكُمْ رُؤْيَا، فَلْيَقُصَّهَا، أَعْبُرْهَا لَهُ))، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتُ
ظُلَّةً، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن
الفضل بن بَهْرام السَّمَرقنديّ، أبو محمد الدارميّ الحافظ، صاحب ((المسند))،
(١) ((سنن ابن ماجه)) ١٢٨٩/٢ - ١٢٩٠.

١٣٣
(٤) - بَابٌ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا - حديث رقم (٥٩١٦)
ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت٢٥٥) وله أربع وسبعون سنةً (م د ت) تقدم في
((المقدمة)) ٢٩/٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ لم يُصِب من
ضعّفه، من كبار [١٠].
رَوَى عن أخيه سليمان، وكان أكبر منه بخمسين سنة، وعن الثوريّ،
وشعبة، وإبراهيم بن نافع المكيّ، وهمام، وإسرائيل، وجعفر بن سليمان
الضُّبَعيّ، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، وأبو داود، وروى له الباقون بواسطة الدارميّ،
والذهليّ، والحسين بن محمد البلخيّ، ومحمد بن معمر البحرانيّ، وأبو حاتم،
وأبو زرعة، وغيرهم.
قال ابن معين: لم يكن ثقة، وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: كان في
حديثه ألفاظ؛ كأنه ضعّفه، ثم سألت عنه، فقال: لم يكن لسائل أن يكتب عنه،
وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: حدثنا عنه
الفضل بن الحباب، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وكان له يوم مات
تسعون سنةً، وكان تقيّاً فاضلاً، وكذا أرّخه البخاريّ، وأبو داود، وابن أبي
عاصم، وابن قانع، وزاد: في جمادى الأولى، وقال: إنه ضعيف، وقال
أحمد بن حنبل: ثقةٌ، لقد مات على سُنَّة، وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به.
وفي ((الزَّهْرة)): روى عنه البخاريّ ثلاثة وستين حديثاً (١).
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديّ البصريّ، أبو داود، وأبو محمد، لا بأس
به في غير الزهريّ [٧] (ت١٣٣) (ع) تقدم في ((الحدود)) ٤٣٩١/١.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كَانَ مِمَّا يَقُولُ لأَصْحَابِهِ) قال القاضي عياض: معنى ((مما)) ها
هنا عندهم: كثيراً ما كان يفعل كذا، قال ثابت في مثل هذا: كأنه يقول: هذا
من شأنه، ودأبه، فجعل ((ما)) كناية عن ذلك، يريد: ثم أَدْغَم (مِنْ)) فقال: مما
يقول، وقال غيره: معنى ((ما)) ها هنا: ربما؛ لأنَّ ربما تأتي للتكثير.
(١) وفي برنامج الحديث للكتب التسعة: له في البخاريّ (٦٨) حديثاً.

١٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
قال القرطبيّ: وهذا كلام جُمْليّ، لم يحصل به بيان تفصيليّ؛ فإنَّ هذا
الكلام من السهل جملةً، الممتنع تفصيلاً، وبيانه بالإعراب، وذلك: أن اسم
((كان)) مستتر فيها يعود على النبيّ ◌َّ، وخبرها في الجملة التي بعدها، وذلك:
أن ((ما)» من «مما)) بمعنى الذي، وهي مجرورة بـ ((من))، وَصِلَتها ((يقول))،
والعائد محذوف، وهذا المجرور خبر المبتدأ الذي هو: ((مَن رأى منكم رؤيا))؛
فإنَّه كلام محكيّ معمول للقول، تقديره: كان رسول الله وصيله من جملة القول
الذي يقوله هذا القول.
ويجوز أن تكون مصدرية، ويكون تقديرها: كان النبيّ وَّ من جملة
قوله: ((مَن رأى منكم رؤيا))، و((مَنْ)) في كلا الوجهين استفهام محكيّ، والله
تعالى أعلم.
وأبعدُ ما قيل فيها: قول من قال: إن (مِمّا)) بمعنى: ربما؛ إذ لا يساعده
اللسان، ولا يلتئم مع تكلَّفه الكلام. انتهى كلام القرطبيّ ◌َُّهُ(١).
وقال الأبيّ في ((شرحه)): قال ثابتٌ: معنى ((مما)) هنا: كثيرٌ؛ أي: كثيراً
ما كان يقول؛ أي: شأنه، ودأبه، فجُعلت ((ما)) كنايةً عن ذلك، وأدغم فيها
نون ((مِنْ))، فقيل: ((مما))، وقال غيره: معنى ((ممّا)): ربّما، وهو بمعنى الأول؛
لأن ربّما تأتي للتكثير. انتهى(٢).
وقوله: (فَلْيَقُصَّهَا) قال القرطبيّ: معنى ((فليقصّها)): ليذكر قصّتها، وليتَبع
جزئياتها، حتى لا يترك منها شيئاً، مِنْ قصصت الأثر: إذا تتَبَّعته، وأعبُرها؛
أي: أعتبرها، وأفسّرها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُونَ﴾
[يوسف: ٤٣]، وأصله مِنْ عَبَرت النهر: إذا جُزْتَ من إحدى عُدوتيه إلى
الأخرى. انتهى(٣).
وقوله: (أَعْبُرْهَا لَهُ) مضارع عَبَرَ الرؤيا، من باب نصر عَبْراً، وعِبَارةً،
وعبّرها بالتشديد أيضاً: إذا فسّرها، وأخبر بآخر ما يؤول إليه أمرها (٤).
(١) ((المفهم)) ٦/ ٣٠.
(٣) ((المفهم)) ٣١/٦.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ٦/ ٨٧.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص ٨٣٢.

١٣٥
(٤) - بَابٌ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا - حديث رقم (٥٩١٦)
وفي الحديث الحثّ على علم الرؤيا، والسؤال عنها، وتأويلها، قال
العلماء: وسؤالهم محمول على أنه ◌َله، يُعَلِّمهم تأويلها، وفضيلتها، واشتمالها
على ما شاء الله تعالى من الإخبار بالغيب، قاله النوويّ تَظُّهُ(١).
[تنبيه]: رواية سليمان بن كثير عن الزهريّ هذه ساقها الدارميّ تَظُّ في
((سننه))، فقال :
(٢١٥٦) - أخبرنا محمد بن كثير، حدّثنا سليمان، هو ابن كثير، عن
الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن رسول الله و الار كان مما
يقول لأصحابه: ((من رأى منكم رؤيا، فليقُصّها عليّ، فأعْبُرها له))، قال: فجاء
رجل، فقال: يا رسول الله، رأيت ظُلّة بين السماء والأرض، تَنْطِف عسلاً، أو
سمناً، ورأيت سبباً واصلاً من السماء إلى الأرض، ورأيت أناساً يتكففون
منها، فمستكثر، ومستقلّ، فأخذتَ به، فعلوتَ، فأعلاك الله، ثم أخذ به الذي
بعدك، فعلا، فأعلاه الله، ثم أخذه الذي بعده، فعلا، فأعلاه الله، ثم أخذه
الذي بعده، فقُطِع به، ثم وُصِل، فاتَّصَل، فقال أبو بكر: يا رسول الله ائذن
لي، فأعْبُرها، فقال: اعْبُرها، وكان أَعْبَرَ الناس للرؤيا بعد رسول الله وَّهه
فقال: أما الظلّة فالإسلام، وأما العسل والسمن فالقرآن، حلاوة العسل، ولِيْن
السمن، وأما الذين يتكففون منه، فمستكثرٌ، ومستقلّ، فهم حَمَلة القرآن، وأما
السبب الواصل من السماء إلى الأرض، فالحقّ الذي أنت عليه، تأخذ به،
فيعليك الله به، ثم يأخذ به رجل من بعدك، فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر،
فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر، فينقطع به، ثم يوصل له، فيعلو به، فأخبرني
يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أصبتُ، أم أخطأتُ؟ فقال رسول الله وَظٍّ:
((أصبتَ، وأخطأت))، فقال: فما الذي أصبت؟ وما الذي أخطأت؟ فأبى أن
يخبره. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٠/١٥.
(٢) ((سُنن الدارميّ)) ١٧٢/٢.

١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
(٥) - (بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ ◌َّهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩١٧] (٢٢٧٠) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((رَأَيْتُ
ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ؛ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَأَتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ
طَابٍ، فَأَوَّلْتُ الرَّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ فِي الآخِرَّةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار البصريّ، أبو سلمة، ثقةٌ عابدٌ، أثبت
الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بأخرة، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم
في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ◌َخَذْتُهُ، وهو (٤٥٤) من رباعيّات الكتاب، وفيه
أثبت من روى عن شيخه، وهو حماد عن ثابت، وفيه ألزم الناس لشيخه، وهو
ثابت، فقد لزم أنساً ظُه أربعين سنةً(١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) ◌َله أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((رَأَيْتُ ذَاتَ
لَيْلَةٍ) بنصب ((ذاتَ)) على الظرفيّة؛ أي: ليلةً من الليالي، قال في ((الفتح)): قيل:
إنها مُقحمة، وقيل: بل هي من إضافة الشيء لنفسه، على رأي من يجيزه.
(٢)
انتھی
.
وقال القاضي عياض كَخْتُ: وأما قوله في الحديث: ((ذاتَ ليلة)) و((ذاتَ
يوم))، فقد استعملت العرب ذلك بالتاء، وبغير تاء، قالوا: ذا يوم، وذا ليلة،
(١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٢٦٢/١.
(٢) ((فتح الباري)) ٢٢٧/١٠ - ٢٢٨.

١٣٧
(٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ وَّهِ - حديث رقم (٥٩١٧)
وذات يوم، وذات ليلة، وهو كناية عن يوم وليلة؛ كأنه قال: رأيته وقتاً، أو
زمناً الذي هو يوم أو ليلة، وأما على الثانية، فكأنه قال: رأيته مدةً التي هي
يومٌ أو ليلةٌ، ونحوها، فقال أبو حاتم: كأنهم أضمروا مؤنثاً. انتهى(١).
وقال في ((العمدة))(٢): قوله: ((ذات ليلة))؛ أي: في ليلة، ولفظة ((ذات))
مُقحَمة؛ للتأكيد، وقال الزمخشريّ: هو إضافة المسمى إلى اسمه، وقال
الجوهريّ: أما قولهم: ذات مرّة، وذا صباح، فهو من ظروف الزمان التي لا
تتمكن، تقول: لقيته ذاتَ يوم، وذاتَ ليلة(٣).
(فِيمَا يَرَى النَّائِمُ) ((ما)) يحتمل أن تكون موصولاً حرفيّاً، أو اسميّاً؛ أي:
في رؤية النائم؛ أي: في الذي يراه النائم، وقال الطيبيّ: أي: في جملة ما
يراه النائم الصالح الرؤيا(٤). (كَأَنَّا) بتشديد النون، أصله كأننا، أُدغمت النون
في النون. (فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِع)؛ أي: دار رجل يسمّى بهذا الاسم، وهو
صحابيّ أنصاريّ، قال في ((الإصَّابة): عقبة بن رافع الأنصاريّ، له ذِكرٌ،
ورواية، ففي ((صحيح مسلم)) من طريق ثابت، عن أنس، قال: قال
رسول الله الجر: ((رأيت كأني في دار عقبة بن رافع، فأتينا برُطَب من رُطَب ابن
طاب ... )) الحديث، وأخرجه ابن منده في ترجمة عقبة بن نافع، فصحّفه،
وتعقبه أبو نعيم، وروى أبو يعلى، والحسن بن سفيان، من طريق عاصم بن
عُمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن عقبة بن رافع، رفعه: ((إذا أحب الله
عبداً حماه الدنيا ... )) الحديث، وأخرجه من طريق ابن لَهِيعة، عن عُمارة بن
غَزِيّة، عن عاصم، ورواه غير ابن لهيعة، عن عُمارة، فسَمّى الصحابيّ قتادة بن
النعمان، فالله أعلم. انتهى(٥).
(فَأُتِينَا) بضم الهمزة مبنيّاً للمفعول، (بِرُطَبٍ) بضمّ الراء، وفتح الطاء:
(١) ((مشارق الأنوار)) ٢٧٣/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٧٣/٢.
(٣) ((الصحاح)) ص٣٦٧.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٠٠٥/٩.
(٥) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٥١٩/٤.

١٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
ثمر النخل إذا أدرك، ونَضَجَ قبل أن يتمّر، الواحدة رُطَبةٌ، والجمع أرطاب(١).
(مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ)؛ أي: النوع الذي يُسمّى رُطَب ابن طاب، قال في
((المشارق)): نوع من تمور المدينة، طَيِّبٌ(٢)، وقال في ((النهاية)): هو نوع من
أنواع تمر المدينة، منسوب إلى ابن طاب، رجلٍ من أهلها، يقال: عِذْقُ ابنِ
طاب، ورُطَبُ ابنِ طاب وتمرُ ابنِ طاب. انتهى(٣).
وقال النوويّ: هو نوع من الرُّطَب معروف، يقال له: رُطَبُ ابنِ طاب،
وتَمْرُ ابنِ طاب، وعِذْقُ ابنِ طاب، وعُرْجُون ابنِ طاب، وهي مضافة إلى ابن
طاب، رجلٍ من أهل المدينة. انتهى (٤).
(فَأَوَّلْتُ)؛ أي: فسّرت ذلك، (الرِّفْعَةَ) بكسر الراء، وسكون الفاء: مصدر
رَفْعَ؛ ككَرُم: إذا شَرُفَ وعلا قدرُهُ؛ أي: الشرف والعلاء (لَنَا فِي الدُّنْيَا) بالنصر
على الأعداء، وعلوّ الكلمة، وانتشار دين الإسلام، (وَالْعَاقِبَةَ) المحمودة (فِي
الآخِرَةِ) قال الراغب: الْعُقْبُ، والْعُقبى يختصّان بالثواب، نحو: ﴿هُوَ خَيْرٌ نَوَابًا
وَخَيْرُّ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤]، والعاقبة إطلاقها يختصّ بالثواب، نحو: ﴿وَالْعَقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وبالإضافة قد تُستعمل في العقوبة، نحو: ﴿ثُمَّ كَانَ
عَلِقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَىَ﴾ [الروم: ١٠]. انتهى(٥).
(وَأَنَّ) بفتح الهمزة للعطف على ((الرِّفْعَ))، (دِينَنَا قَدْ طَابَ)))؛ أي: كَمُل،
واستقرت أحكامه، وتَمَهَّدت قواعده، يقال: طاب الشيءُ يطيب طِيباً: إذا كان
لذيذاً، أو حلالاً، فهو طيّب(٦)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضيه هذا من أفراد
المصنّف نَخْدَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩١٧/٥] (٢٢٧٠)، و(أبو داود) في ((الأدب))
(١) ((المصباح المنير)) ٢٣٠/١.
(٣) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٤٩/٣.
(٥) ((مفردات ألفاظ القرآن)» ص٥٧٥.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٣٢٤/١.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٥.
(٦) ((المصباح المنير)) ٣٨٢/٢.

١٣٩
(٥) - بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ وَّهِ - حديث رقم (٥٩١٧)
(٥٠٢٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٨٨/٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(١٧٨/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٣/٣ و٢٨٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٢٣٦/٦)، و(عبد بن حُميد) في («مسنده)) (٣٩١/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان شدّة عناية النبيّ ◌َ﴿ بالرؤيا، وتأويلها؛ لأنها جزء من
النبوّة، فهي وحي من الله تُعَلَ إليه.
٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ رَّه، والمؤمنون من توالي البشرى عليهم
في المنام، ويأتي ذلك في اليقظة مطابقاً لِمَا رأوه مناماً، فللَّه الحمد،
والفضل، والمنّة أولاً وآخراً.
◌ُ هذا وتأويله دليل
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ◌َّتُهُ: حديث أنس (
على أن تعبير الرؤيا قد يؤخذ من اشتقاق كلماتها، فإنَّه ﴿ ﴿ أخذ من عقبة:
حسن العاقبة، ومن رافع: الرفعة، ومن رطب ابن طاب: لذاذة الدين،
وكماله، وقد قال علماء أهل العبارة أن لها أربعة طرق:
أحدها: ما يشتق من الأسماء كما ذكرناه آنفاً .
وثانيها: ما يعتبر مثاله، ويميز شكله؛ كدلالة معلم الكتّاب على القاضي،
والسلطان، وصاحب السجن، ورئيس السفينة، وعلى الوصيّ، والوالد.
وثالثها: ما يَعْبُره المعنى المقصود من ذلك الشيء المرئي؛ كدلالة فعل
السَّفْر على السَّفر، وفعل السوق على المعيشة، وفعل الدار على الزوجة
والجارية .
ورابعها: التعبير بما تقدم له ذِكر في القرآن، أو السُّنَّة، أو الشعر، أو
كلام العرب، وأمثالها، وكلام الناس، وأمثالهم، أو خبر معروف، أو كلمة
حكمة، وذلك كنحو تعبير الخشب بالمنافق، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ
الـ
مُسَنَّدَةَ﴾ [المنافقون: ٤]، وكتعبير الفأر بفاسق؛ لأنَّه وَله سماه فويسقاً. وكتعبير
القارورة بالمرأة؛ لقوله وَلجر: ((رفقاً بالقوارير))؛ يعني: ضَعَفة النساء، وتتبّع أمثلة
ما ذُكر يطول. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٣٤/٦.

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩١٨] (٢٢٧١) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبِي،
حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَّهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ
قَالَ: ((أَرَانِي فِي الْمَنَامِ، أَتَسَوَُّكَّ بِسِوَاكِ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانٍ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ
الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) - بفتح الجيم، وسكون الهاء، وفتح
المعجمة - هو: نصر بن عليّ بن نصر بن عليّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلِب
للقضاء فامتنع [١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٢ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر بن عليّ الْجَهْضميّ البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩]
(ت١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٦/٦.
٣ - (صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ) أبو نافع، مولى بني تميم، أو بني هلال، قال
أحمد: ثقةٌ، ثقةٌ، وقال القطان: ذهب كتابه، ثم وجده، فتُكُلُّم فيه لذلك [٧]
(ت؟) (خ م د ت س) تقدم في ((الحج)) ٣١٦٩/٥٦.
والباقيان تقدّما قبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين إلى صخر،
والباقيان مدنيّان، وفيه ابن عمر رضيّا أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) ◌َِّا (حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ:
((أَرَانِ فِي الْمَنَامِّ) - بفتح الهمزة - من الرؤيا، ووَهِم مَن ضمّها، والمعنى: أرى
نفسي، فالفاعل والمفعول عبارتان عن مُعَبِّر واحد، وهذا من خصائص أفعال
القلوب، قاله في ((العمدة))(١)، وللإسماعيليّ: ((رأيت في المنام)). (أَتَسَوَُّ
بِوَاكِ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانٍ) قال صاحب ((التنبيه)): هما جبريل وميكائيل. انتهى (٢)،
(١) ((عمدة القاري)) ١٨٦/٣.
(٢) (تنبيه المعلم)) ص٣٨٩ - ٣٩٠.