النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ (١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٩٠٠) عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إذا رأى أحدكم الرؤيا تعجبه، فليذكرها، وليفسّرها، وإذا رأى أحدكم الرؤيا تسوؤه، فلا يذكرها، ولا يفسّرها)). وقيل لمالك تَّقُ: أَيَعْبُر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يُلْعَب؟ وقال مالك: لا يَعْبُر الرؤيا إلا من يحسنها، فإن رأى خيراً أخبر به، وإن رأى مكروهاً فليقل خيراً، أو ليصمت، قيل: فهل يَعْبُرها على الخير، وهي عنده على المكروه؛ لقول من قال: إنها على ما أُوّلت عليه؟، فقال: لا، ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة، فلا يُتلاعب بالنبوة. انتهى كلام ابن عبد البرّ تَخْدَّثُ(١)، وهو تحقيقٌ مفيد، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّفُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٠٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَلِيٍّ - يَعْنِي: ابْنَ الْمُبَارَكِ - (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ - يَعْنِي: ابْنَ شَدَّادٍ - كِلَاهُمَا عَنْ يَحْبَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس العبديّ، البصريّ، أصله من بخارى، ثقةٌ، قيل: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه [٩] (ت٢٠٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧٩ /٤١٧. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ) الْهُنَائِيّ - بضم الهاء، وتخفيف النون، ممدوداً - البصريّ، ثقةٌ، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان: أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيءٌ، من كبار [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧٩ / ٤١٧. ٣ - (أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ) بن الجارود البصريّ، أبو بكر القَزّاز، صدوقٌ [١١] (ت٢٣٠) (م) تقدم في ((الصيام)) ٢٦٦١/٢١، من أفراد المصنّف. ٤ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبَريّ مولاهم التَّنُّوريّ (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٨٥/١ - ٢٨٧. ٨٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا - بفتح المثناة، وتثقيل النون المضمومة - أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبت في شعبة [٩] (ت٧٠٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢. ٥ - (حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ) اليشكريّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة [v] (ت١٦١) (خ م د ت س) تقدم في ((الحج)) ٣٣٣٩/٨٣. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ... إلخ) الضمير لعلي بن المبارك، وحرب بن شدّاد. [تنبيه]: رواية عليّ بن المبارك، وحرب بن شدّاد كلاهما عن يحيى بن أبي كثير لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٠١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَحْبَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عُتبة، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية همّام بن منّه، عن أبي هريرة ◌َُّه هذه ساقها البيهقيّ تَخْشُ في ((شُعَب الإيمان))، فقال: (٤٧٥٦) - حدّثنا أبو الحسين محمد بن الحسين العلويّ إملاءً، أنا أبو القاسم عبيد الله بن إبراهيم بن بالويه (ح) وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، نا أحمد بن يوسف السلميّ، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن مُنّبِّه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله وَلجيه: ((رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)). انتهى(١). (١) ((شُعَب الإيمان)) للبيهقيّ ١٨٦/٤. ٨٣ (١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٩٠٢) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٠٢] (٢٢٦٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِّنَّ النُّبُوَّةِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بکنیته، ثقةٌ، ثبتٌ، ربما دَلّس، من كبار [٩] (ت٢٠١) وهو ابن ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ المدنيّ، أبو عثمان، ثقةٌ، ثبتٌ، قدَّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهريّ، عن عروة، عنها [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ، ثبتٌ، فقيهٌ، مشهورٌ [٣] (ت١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عبد الرحمن، وُلِد بعد المبعث بيسير، واستُصغر يوم أُحد، وهو ابن أربع عشرة، وهو أحد المكثرين من الصحابة، والعبادلة، وكان من أشدّ الناس اتّباعاً للأثر، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها، أو أول التي تليها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢. والباقون ذُكروا في الباب، وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق، فلا حاجة إلى إعادته. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي ! هذا من أفراد المصنّف نَُّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٠٢/١ و٥٩٠٣ و٥٩٠٤] (٢٢٦٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٧٦٢٦)، و(ابن ماجه) في ((تعبير الرؤيا)) (٣٨٩٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨/٢ و٤٩ و١١٩ و١٢٢ و١٣٧)، و(ابن أبي شيبة) في ٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا ((مصنّفه)) (١٧٣/٦)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٤١٠/١)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (١٨٦/٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٠٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْبَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السَّرَخْسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ، مأمونٌ، سنيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. ٢ - (يَحْيَى) بن سعيد بن فَرُّوخ - بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وسكون الواو، ثم معجمة - التميميّ، أبو سعيد القطّان البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ حافظٌ، إمامٌ، قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت١٩٨) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٨٥. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية يحيى القطّان عن عبيد الله هذه ساقها أحمد تخلّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٤٦٧٨) - حدّثنا يحيى، عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّ قال: ((الرؤيا جزء من سبعين جزءاً من النبوة)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٠٤] (.) - (وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا الضَّخَُّكُ - يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ - كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: قَالَ نَافِعُ: حَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: ((جُزْءً مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النُُّوَّةِ))). (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٨/٢. ٨٥ (٢) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)) - حديث رقم (٥٩٠٥) رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْك) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك - بالفاء، مصغّراً - الدِّيليّ مولاهم المدنيّ، أبو إسماعيل، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٥. ٢ - (الضَّخَُّ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزاميّ - بكسر أوله، وبالزاي - أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ، يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٤. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ نَافِع) الضمير للّث بن سعد، والضحّاك بن عثمان. [تنبيه]: رواية الليث عن نافع هذه ساقها البيهقيّ في ((شُعَب الإيمان))، فقال: (٤٧٥٧) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، نا محمد بن شاذان، وأحمد بن سلمة، نا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَ لّ قال: ((إن الرؤيا الصالحة - قال نافع: حسبت ابن عمر قال -: جزء من سبعين جزءاً من النبوة)). انتهى(١). وأما رواية الضحّاك بن عثمان عن نافع، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ (٢) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي))) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَلُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٠٥] (٢٢٦٦ و٢٢٦٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَهِشَّامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ، فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي))). (١) ((شعب الإيمان)) ١٨٦/٤. ٨٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا رجال هذا الإسناد: ستة : وكلّهم ذُكروا في الباب الماضي، و((أيوب)) هو السختيانيّ، و((هشام)) هو: ابن حسّان القُرْدُوسيّ، و((محمد)» هو: ابن سيرين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين، إلا الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، أيوب عن محمد بن سيرين، وفيه أبو هريرة رضيبه أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: رَّهِ أَنْه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ رَآنِي فِي (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) الْمَنَام)؛ أي: في حال النوم، وقيل: في وقت النوم، وفيه نظر؛ أي: رآني بصفتي التي أنا عليها، أو بغيرها، على ما يأتي إيضاحه. (فَقَدْ رَآنِي)؛ أي: فليستبشر بأنه رآني حقيقةً؛ أي: حقيقتي كما هي، فلم يتّحد الشرط والجزاء، وهو في معنى الإخبار بأن رؤيته حقّ، وليست بأضغاثٍ أحلامية، ولا تخيلات شيطانية، ثم أردف ذلك بما هو تتميم للمعنى، وتعليل للحكم، فقال: (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي))) وفي رواية: ((فإن الشيطان لا ينبغي له أن يتشبه بي))، وفي أخرى: ((لا ينبغي أن يتمثل في صورتي))، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ عند البخاريّ: ((فإن الشيطان لا يتكوّنني))، وذلك لئلا يتدَرّع بالكذب على لسانه في النوم، كما استحال تصوّره بصورته يقظةً إذ لو وقع اشتبه الحقّ بالباطل، ومنه أُخذ أن جميع الأنبياء كذلك، قاله المناويّ تَظْهُ(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((ولا يتمثل الشيطان بي))، وفي رواية: ((لا يتمثل في صورتي))، وفي حديث أنس: ((فإن الشيطان لا يتمثل بي))، وفي حديث جابر: ((إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل بي))، وفي حديث ابن مسعود عند الترمذيّ، وابن ماجه: ((إن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي))، وفي حديث أبي قتادة: ((وإن الشيطان لا يتراءى)) بالراء بوزن يَتَعَاطَى، ومعناه: لا يستطيع (١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٦/ ١٣١. ٨٧ (٢) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ وَِّ: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)) - حديث رقم (٥٩٠٥) أن يصير مرئيّاً بصورتي، وفي رواية غير أبي ذرّ: ((یتزايّا)» بزاي، وبعد الألف تحتانية، وفي حديث أبي سعيد: ((فإن الشيطان لا يتكونني)). أما قوله: ((لا يتمثل بي)) فمعناه: لا يتشبه بي، وأما قوله: ((في صورتي))، فمعناه: لا يصير كائناً في مثل صورتي، وأما قوله: ((لا يتراءى بي))، فرَجّح بعض الشراح رواية الزاي عليها؛ أي: لا يظهر في زِيِّي، وليست الرواية الأخرى ببعيدة من هذا المعنى، وأما قوله: ((لا يتكونني))؛ أي: لا يتكون كَوْني، فحُذف المضاف، وَوُصِل المضاف إليه بالفعل، والمعنى: لا يتكوّن في صورتي. فالجميع راجع إلى معنى واحد، وقوله: ((لا يستطيع)) يشير إلى أن الله تعالى وإن أمكنه من التصور في أي صورة أراد، فإنه لم يمكنه من التصور في صورة النبيّ ◌َ، وقد ذهب إلى هذا جماعة، فقالوا في الحديث: إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها، ومنهم من ضيّق الغرض في ذلك، حتى قال: لا بد أن يراه على صورته التي قُبض عليها، حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة، والصواب التعميم في جميع حالاته، بشرط أن تكون صورته الحقيقية في وقت ما، سواء كان في شبابه، أو رجوليته، أو كهوليته، أو آخر عمره، وقد يكون لِمَا خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائي. انتھی(١) . وقال الطيبيّ كَّلُ: قوله: ((فقد رآني)) اتّحاد الشرط والجزاء يدلّ على التناهي في المبالغة؛ أي: من رآني فقد رأى حقيقتي على كمالها، لا شبهة، ولا ارتياب فيما رأى، ويدلّ عليه قوله: ((فقد رآني الحقَّ))، والحقّ هنا مصدر مؤكّد؛ أي: من رآني فقد رآني رؤية الحقّ(٢). وقال الطيبيّ أيضاً: إن أثبت الروايات هي: ((فقد رأى الحقّ))، فلا بدّ من تقدير ما يستقيم أن يقع الجزاء مسبّباً من الشرط، ويترتّب على المعلّل العلّة، فالمعنى: من رآني في المنام بأي صفة كانت، فليستبشر، وليعلم أنه قد رأى (١) ((الفتح)) ٣٣٢/١٦ - ٣٣٣، كتاب ((التعبير)) رقم (٦٩٩٣). (٢) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٢٩٩/٩ - ٣٠٠. ٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا الرؤيا الحقّ التي هي من الله تعالى، وهي من المبشّرات، لا الباطل الذي هو المنسوب إلى الشيطان، فإنه لا يتمثّل بي، وكيف لا تكون مبشّرات؟ وهو البشير النذير، والسراج المنير، وهو الرحمة المهداة إلى كافّة الخلق: ﴿وَمَآ [الأنبياء: ١٠٧]. ٠٧ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ قال: وعلى هذا أيضاً الرواية الأخرى: ((فقد رآني الحقّ))؛ أي: رؤية الحقّ، لا الباطل، وكذا الرواية الأخرى: ((فقد رآني))، فإن الشرط والجزاء إذا اتّحدا دلّ على الكمال والغاية؛ أي: فقد رآني رؤيا ليس بعدها كمال؛ كقوله: (من كانت هجرته إلى الله فهجرته إلى الله))، ولا كمال أكمل من الحقّ، كما لا نقص أنقص من الباطل، والباطل هو الكذب، ويؤيّده حديث أبي هريرة . مرفوعاً: ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة))، وما كان من النبوّة، فإنه لا يكذب، فحينئذ لا يفتقر إلى تلك التكلّفات، والتمحّلات، ولا يكشف الأستار عن مثل تلك الأسرار إلا من تدرّب في علم المعاني، واعتلى شامخ البيان، وعَرَف كيف يؤلّف الكلام، ويصنّف، ويرتّب النظام، ويرصّف. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٠٥/٢ و٥٩٠٦ و٥٩٠٧] (٢٢٦٦ و٢٢٦٧)، و(البخاريّ) في ((التعبير)) (٦٩٩٣)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥١٢٣)، و(الترمذيّ) في ((الرؤيا)) (٢٢٨٠) وفي ((الشمائل)) (٣٨٩)، و(ابن ماجه) في (تعبير الرؤيا)) (٣٩٠١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٤٢٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٥/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٢/٢ و٤١٠ و٤١١ و ٤٦٣ و٤٦٩ و٤٧٢)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٨٧/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٠٥١ و٦٠٥٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٩٥٨)، و(الحاكم) (١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٠٠١/٩. ٨٩ (٢) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)) - حديث رقم (٥٩٠٥) في ((المستدرك)) (٣٩٣/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٧٢/١١)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (٤٥/٧ و٤٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٨٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وقوع رؤية النبيّ وَّل في المنام. ٢ - (ومنها): بيان أن رؤيته وَ له حقّ من الله ◌ُعَلَ، وليست من أضغاث الأحلام، ولا تلاعب الشيطان. قال القاضي عياضٌ: قال بعض العلماء: خَصّ الله تعالى النبيّ وَّو بأن رؤية الناس إياه صحيحة، وكلها صدق، ومَنَع الشيطان أن يتصور في خلقته؛ لئلا يكذب على لسانه في النوم، كما خرق الله تعالى العادة للأنبياء لتي بالمعجزة، وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة، ولو وقع لاشتبه الحقّ بالباطل، ولم يوثَق بما جاء به مخافة من هذا التصور، فحماها الله تعالى من الشيطان، ونزغه، ووسوسته، وإلقائه، وكيده، قال: وكذا حمى رؤيتهم نفسهم، قال القاضي: واتفق العلماء على جواز رؤية الله تعالى في المنام، وصحتها، وإن رآه الإنسان على صفة لا تليق بحاله من صفات الأجسام؛ لأن ذلك المرئيّ غير ذات الله تعالى؛ إذ لا يجوز عليه تُعَلَّ التجسم، ولا اختلاف الأحوال، بخلاف رؤية النبيّ وَلقر، قال ابن الباقلانيّ: رؤية الله تعالى في المنام خواطر في القلب، وهي دلالات للرائي على أمور، مما كان، أو يكون؛ كسائر المرئيات، والله أعلم(١). ٣ - (ومنها): بيان ما أكرم الله ◌َ نبيّه وَّ ل حيث منع الشيطان أن يتصوّر بصورته الشريفة. ٤ - (ومنها): أن رؤيته وَل﴿، وإن كانت حقّاً، فإنّها لا تغيّر ما ثبت من شرعه، فإن رآه الرائي يأمره بشيء مما ثبت في السنن الصحيحة، فتلك كرامة، وتثبيت له على سُنَّته وَيه، فهي بشرى حقيقيّة، فليشكر الله تعالى عليها، وإن رآه يأمره بشيء من البدع، والخرافات، فإنها رؤيا دخلها غلط، فلا يُعتمد عليها . (١) ((إكمال الكمال)) ٢١٩/٧ - ٢٢٠. ٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا ومن ذلك ما حُكي أن بعضهم رأى النبيّ وَّ مناماً، فأمره أن يذهب إلى المكان الفلانيّ، فإن فيه كنزاً، فخذه، وليس عليك خُمس، أو كما قال، فذهب الرجل إلى ذلك المكان، فوجد الكنز كما قال، ثم أشكل عليه حكم خُمسه، فذهب إلى عالم، فاستفتاه في ذلك، فقال له: رؤياك حقّ، وقوله: ((ليس عليك خمس)) غلط، فإن هذا مما ثبت في سُنَّته الصحيحة، ((وفي الركاز الخُمس))، فلا يمكن أن يأمر بخلافه بعد موته. والحاصل: أن هذا المقام مقام تزلّ فيه الأقدام، فإن كثيراً ممن ينتسب إلى العبادة والخلوة يكثر زعمهم رؤيته وّلهم في المنام، بل ربما ادّعى ذلك بعضهم في اليقظة، ثم يقول: إنه أمره بكذا وكذا من أنواع العبادات التي لم يشرعها ◌َّ في حياته، أو من أنواع الخرافات، فيُظهر ذلك للناس، فيتّبعه على ذلك عوام الناس، بل وبعض من ينتسب إلى العلم، فإلى الله المشتكى، ما أعظم المصيبة، وما أقلّ العلم بالسُّنَّة، وما أكثر مسارعة الناس إلى البدع والخرافات، فإنّا لله، وإنا إليه راجعون. ٥ - (ومنها): ما قال في ((الفتح)): ويؤخذ من هذا الحديث أن النائم لو رأى النبيّ وَّر يأمره بشيء، هل يجب عليه امتثاله، ولا بدّ؟ أو لا بدّ أن يعرضه على الشرع الظاهر؟ فالثاني هو المعتمد. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: العرض على الشريعة الظاهرة من أوجب الواجبات، فلا يحلّ لأحد رأى النبيّ وَله يأمره بشيء أن يُقدم عليه، إلا بعد عرضه على الكتاب والسُّنَّة، ومعرفة موافقته لهما، فإن وافق، فهو كرامة من الله ◌ُعَلَ لعبده، وتقوية لإيمانه، وإلا فإنه من وسوسة الشيطان، وحديث النفس، فلا يحلّ الإقدام عليه، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله وَله: ((فقد رآني)): قال النوويّ كَّلُهُ: اختَلَف العلماء في معنى قوله وَلِّ: ((فقد رآني))، فقال ابن الباقلانيّ: معناه أن رؤياه صحيحة، ليست بأضغاثٍ، ولا من تشبيهات (١) ((الفتح)) ٣٣٧/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٦٩٩٣). ٩١ (٢) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)) - حديث رقم (٥٩٠٥) الشيطان، ويؤيد قولَهُ رواية: ((فقد رأى الحقّ))؛ أي: الرؤية الصحيحة، قال: وقد يراه الرائي على خلاف صفته المعروفة؛ كمن رآه أبيض اللحية، وقد يراه شخصان في زمن واحد، أحدهما في المشرق، والآخر في المغرب، ويراه كل منهما في مكانه، وحَكَى المازريّ هذا عن ابن الباقلانيّ، ثم قال: وقال آخرون: بل الحديث على ظاهره، والمراد أن من رآه فقد أدركه، ولا مانع يمنع من ذلك، والعقل لا يُحيله، حتى يُضْطَرّ إلى صرفه عن ظاهره، فأما قوله: بأنه قد يرى على خلاف صفته، أو في مكانين معاً، فإن ذلك غلط في صفاته، وتخيُّل لها على خلاف ما هي عليه، وقد يظن الظانّ بعض الخيالات مرئيّاً؛ لكون ما يتخيل مرتبطاً بما يُرى في العادة، فتكون ذاته ◌َله مرئية، وصفاته متخيلة غير مرئية، والإدراك لا يُشترط فيه تحديق الأبصار، ولا قرب المسافة، ولا كون المرئيّ مدفوناً في الأرض، ولا ظاهراً عليها، وإنما يُشترط كونه موجوداً، ولم يقم دليل على فناء جسمه وَّ، بل جاء في الأحاديث ما يقتضي بقاءه، قال: ولو رآه يأمر بقتل من يَحْرُم قتله كان هذا من الصفات المتخيلة، لا المرئية، هذا كلام المازري. قال القاضي: ويَحْتَمِل أن يكون قوله وَله: ((فقد رآني))، أو ((فقد رأى الحقّ، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي)) المراد به إذا رآه على صفته المعروفة له في حياته، فإن رأى على خلافها كانت رؤيا تأويل، لا رؤيا حقيقة، قال النوويّ: وهذا الذي قاله القاضي ضعيفٌ، بل الصحيح أنه يراه حقيقةً، سواء كان على صفته المعروفة، أو غيرها؛ لِمَا ذكره المازريّ. انتهى (١). وقال في ((الفتح)): قال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: رؤية النبيّ وَل بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيّرهم الأرض، ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقةً، وإدراك الصفات إدراك المِثْل، قال: وشذّ بعض القَدَرية، فقال: الرؤيا لا حقيقة لها أصلاً، وشذّ بعض الصالحين، فزعم أنها تقع بعيني الرأس حقيقةً، وقال بعض المتكلمين: هي مدركة بعينين في القلب. (١) ((شرح النوويّ)) ٢٤/١٥ - ٢٦. ٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا قال: وقوله: ((فسيراني)) معناه: فسيرى تفسير ما رأى؛ لأنه حقّ وغيب أُلقي فيه، وقيل: معناه: فسيراني في القيامة، ولا فائدة في هذا التخصيص. وأما قوله: ((فكأنما رآني)) فهو تشبيه؛ ومعناه: أنه لو رآه في اليقظة لطابق ما رآه في المنام، فيكون الأول حقّاً، وحقيقةً، والثاني حقّاً وتمثيلاً، قال: وهذا كله إذا رآه على صورته المعروفة، فإن رآه على خلاف صفته، فهي أمثال، فإن رآه مقبلاً عليه مثلاً، فهو خير للرائي، وفيه، وعلى العكس فبالعكس . وقال النوويّ(١): قال عياض(٢): يَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: ((فقد رآني))، أو ((فقد رأى الحقّ)) أن من رآه على صورته في حياته كانت رؤياه حقّاً، ومن رآه على غير صورته كانت رؤيا تأويل، وتعقبه، فقال: هذا ضعيفٌ، بل الصحيح أنه يراه حقيقةً، سواءٌ كانت على صفته المعروفة، أو غيرها. انتهى. قال الحافظ: ولم يظهر لي من كلام القاضي ما ينافي ذلك، بل ظاهر قوله: إنه يراه حقيقةً في الحالين، لكن في الأُولى تكون الرؤيا مما لا يحتاج إلى تعبير، والثانية مما يحتاج إلى التعبير. وقال القرطبيّ (٣): اختُلف في معنى الحديث، فقال قوم: هو على ظاهره، فمن رآه في النوم رأى حقيقته؛ كمن رآه في اليقظة سواءً، قال: وهذا قول يُدرَك فساده بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانين، وأن يحيا الآن، ويخرج من قبره، ويمشي في الأسواق، ويخاطب الناس، ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده، فلا يبقى في قبره منه شيء، فيُزار مجرد القبر، ويسلَّم على غائب؛ لأنه جائز أن يُرَى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات، لا يلتزم بها من له أدنى مُسكة من عقل . وقالت طائفة: معناه: أن من رآه رآه على صورته التي كان عليها، ويلزم (١) ((شرح النوويّ)) ٢٤/١٥. (٣) ((المفهم)) ٢٢/٦ - ٢٤. (٢) ((إكمال المعلم)) ٢١٩/٧. ٩٣ (٢) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ ◌َهِ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)) - حديث رقم (٥٩٠٥) منه أن من رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من الأضغاث، ومن المعلوم أنه يُرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا، من الأحوال اللائقة به، وتقع تلك الرؤيا حقّاً، كما لو رؤي ملأ داراً بجسمه مثلاً، فإنه يدلّ على امتلاء تلك الدار بالخير، ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه، أو ينسب إليه لَعَارض عموم قوله: ((فإن الشيطان لا يتمثل بي))، فالأَولى أن تُنزّه رؤياه، وكذا رؤيا شيء منه، أو مما يُنسب إليه عن ذلك، فهو أبلغ في الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عُصم من الشيطان في يقظته. قال: والصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة، ولا أضغاثاً، بل هي حقّ في نفسها، ولو رؤي على غير صورته، فَتَصوّر تلك الصورة ليس من الشيطان، بل هو من قِبَل الله تعالى، وقال: وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطيب، وغيره، ويؤيده قوله: ((فقد رأى الحقّ))؛ أي: رأى الحقّ الذي قُصد إعلام الرائي به، فإن كانت على ظاهرها، وإلا سَعَى في تأويلها، ولا يُهْمِل أمرها؛ لأنها إما بشرى بخير، أو إنذار من شرّ، إما ليُخِيف الرائي، وإما لينزجر عنه، وإما لينّبه على حكم يقع له في دينه، أو دنياه. وقال ابن بطال(١): قوله: ((فسيراني في اليقظة)) يريد تصديق تلك الرؤيا في اليقظة، وصحتها، وخروجها على الحقّ، وليس المراد أنه يراه في الآخرة؛ لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة جميع أمته، من رآه في النوم، ومن لم يره منهم. وقال ابن التين: المراد من آمن به في حياته، ولم يره؛ لكونه حينئذ غائباً عنه، فيكون بهذا مبشِّراً لكل من آمن به، ولم يره أنه لا بدّ أن يراه في اليقظة قبل موته، قاله القزاز. وقال المازريّ(٢): إن كان المحفوظ: ((فكأنما رآني في اليقظة))، فمعناه ظاهر، وإن كان المحفوظ: ((فسيراني في اليقظة)) احْتَمَلَ أن يكون أراد أهل عصره، ممن يهاجر إليه، فإنه إذا رآه في المنام جُعِل ذلك علامةً على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة، وأوحى الله بذلك إليه ولاتؤ . (١) ((شرح البخاريّ)) لابن بطال ٩/ ٥٢٧. (٢) («المعلم)) ١١٩/٣. ٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا وقال القاضي: وقيل: معناه: سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة، وصحتها، وقيل: معنى الرؤيا في اليقظة: أنه سيراه في الآخرة. وتُعُقّب بأنه في الآخرة يراه جميع أمته، من رآه في المنام، ومن لم يره؛ يعني: فلا يبقى لخصوص رؤيته في المنام مزية. وأجاب القاضي عياض باحتمال أن تكون رؤياه له في النوم على الصفة التي عُرف بها، ووُصف عليها موجبةً لتكرمته في الآخرة، وأن يراه رؤية خاصّة، من القرب منه، والشفاعة له بعلو الدرجة، ونحو ذلك من الخصوصيات، قال: ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين في القيامة بمنع رؤية نبيّه وَة مدّة. وحَمَله ابن أبي جمرة (١) على محمَل آخر، فذَكَر عن ابن عباس، أو غيره، أنه رأى النبيّ وَّر في النوم، فبقي بعد أن استيقظ متفكراً في هذا الحديث، فدخل على بعض أمهات المؤمنين، ولعلها خالته ميمونة، فأخرجت له المرآة التي كانت للنبيّ وَّل، فنظر فيها، فرأى صورة النبيّ وَّ، ولم ير صورة نفسه، ونقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبيّ ◌َّر في المنام، ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين، فأرشدهم إلى طريق تفريجها، فجاء الأمر كذلك. قال الحافظ: وهذا مشكل جدّاً، ولو حُمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة، ويعكُر عليه أن جمعاً جَمّاً رأوه في المنام، ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، وخبر الصادق لا يتخلف . وقد اشتَدّ إنكار القرطبيّ على من قال: من رآه في المنام فقد رأى حقيقته، ثم يراها كذلك في اليقظة، كما تقدم قريباً، وقد تفطن ابن أبي جمرة لهذا، فأحال بما قال على كرامات الأولياء، فإن يكن كذلك تعيَّن العدول عن العموم في كل راء، ثم ذكر أنه عامّ في أهل التوفيق، وأما غيرهم فعلى الاحتمال، فإنّ خَرْق العادة قد يقع للزنديق بطريق الإملاء، والإغواء، كما يقع (١) (بهجة النفوس)) ٢٣٨/٤. ٩٥ (٢) - بَابُ قَوْلِ النَِّيِّ ◌َهِ: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)) - حديث رقم (٥٩٠٥) للصدّيق بطريق الكرامة، والإكرام، وإنما تحصل التفرقة بينهما باتباع الكتاب والسُّنَّة. انتهى. والحاصل من الأجوبة ستة: أحدها: أنه على التشبيه والتمثيل، ودلّ عليه قوله في الرواية الأخرى: ((فكأنما رآني في اليقظة)). ثانيها: أن معناها سيرى في اليقظة تأويلها، بطريق الحقيقة، أو التعبير. ثالثها: أنه خاصّ بأهل عصره، ممن آمن به قبل أن يراه. رابعها: أنه يراه في المرآة التي كانت له، إن أمكنه ذلك، وهذا من أبعد المحامل. خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية، لا مطلق من يراه حينئذ، ممن لم يره في المنام. سادسها: أنه يراه في الدنيا حقيقةً، ويخاطبه، وفيه ما تقدم من الإشكال. وقال القرطبي: قد تقرر أن الذي يُرى في المنام أمثلة للمرئيات، لا أنفسها، غير أن تلك الأمثلة تارةً تقع مطابقةً، وتارةً يقع معناها، فمن الأول رؤياه ويحر عائشة ﴿يا، وفيه: ((فإذا هي أنتِ))، فأخبر أنه رأى في اليقظة ما رآه في نومه بعينه، ومن الثاني رؤيا البقر التي تُنحر، والمقصود بالثاني التنبيه على معاني تلك الأمور. ومن فوائد رؤيته ويد ير تسكين شوق الرائي؛ لكونه صادقاً في محبته؛ ليعمل على مشاهدته، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ((فسيراني في اليقظة))؛ أي: من رآني رؤية مُعَظّم لحرمتي، ومشتاق إلى مشاهدتي، وصل إلى رؤية محبوبه، وظَفِر بكل مطلوبه، قال: ويجوز أن يكون مقصود تلك الرؤيا معنى صورته، وهو دينه، وشريعته، فيُعْبَر بحسب ما يراه الرائي من زيادة، ونقصان، أو إساءه، وإحسان. قال الحافظ: وهذا جواب سابع، والذي قبله لم يظهر لي، فإن ظهر فهو ثامن. قال: وقال المازريّ: اختَلَف المحققون في تأويل هذا الحديث، فذهب القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أن المراد بقوله: ((من رآني في المنام، فقد ٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا رآني)) أن رؤياه صحيحةٌ، لا تكون أضغائاً، ولا من تشبيهات الشيطان، قال: ويعضده قوله في بعض طرقه: ((فقد رأى الحقّ))، قال: وفي قوله: ((فإن الشيطان لا يتمثل بي)) إشارة إلى أن رؤياه لا تكون أضغائاً. ثم قال المازريّ: وقال آخرون: بل الحديث محمول على ظاهره، والمراد: أن من رآه فقد أدركه، ولا مانع يمنع من ذلك، ولا عقل يحيله، حتى يُحتاج إلى صرف الكلام عن ظاهره. قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول هو المختار عندي، فالحقّ حَمْل الحديث على ظاهره، وأن رؤيته وَ ج رؤية حقّ، لا تمثيل، فحقيقة ذاته وَالَّ تُرى في المنام، وأما مخالفة بعض صفاته التي رآها الرائي؛ فإنه يعود إلى صفة الرائي، لا المرئيّ، فقد يكون غلطاً، وقد يكون التباساً، ولذا قال أصحاب هذا القول : وأما كونه قد يُرى على غير صفته، أو يُرى في مكانين مختلفين معاً، فإن ذلك غلطٌ في صفته، وتخيُّل لها على غير ما هي عليه، وقد يظنّ بعض الخيالات مرئيات؛ لكون ما يتخيل مرتبطاً بما يرى في العادة، فتكون ذاته وَله مرئيةً، وصفاته متخيلةً، غير مرئية، والإدراك لا يُشترط فيه تحديق البصر، ولا قُرب المسافة، ولا كون المرئي ظاهراً على الأرض، أو مدفوناً، وإنما يُشترط كونه موجوداً، ولم يقم دليل على فناء جسمه وَّ، بل جاء في الخبر الصحيح ما يدل على بقائه، وتكون ثمره اختلاف الصفات اختلاف الدلالات، كما قال بعض علماء التعبير: إن من رآه شيخاً فهو عامُ سِلْم، أو شابّاً فهو عام حَرْب، ويؤخذ من ذلك ما يتعلق بأقواله، كما لو رآه أحد يأمره بقتل من لا يحل قتله، فإن ذلك يُحمل على الصفة المتخيلة، لا المرئية. وقال القاضي عياض: يَحْتَمِل أن يكون معنى الحديث: إذا رآه على الصفة التي كان عليها في حياته، لا على صفة مضادّة لحاله، فإن رُئيَ على غيرها كانت رؤيا تأويل، لا رؤيا حقيقة، فإن من الرؤيا ما يخرج على وجهه، ومنها ما يحتاج إلى تأويل. وقال النوويّ: هذا الذي قاله القاضي ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقةً، سواءٌ كانت على صفته المعروفة، أو غيرها، كما ذكره المازريّ، قال ٩٧ (٢) - بَابُ قَوْلِ النَِّّ وَهِ: (مَنْ رَآَنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)) - حديث رقم (٥٩٠٥) الحافظ: وهذا الذي ردّه الشيخ - أي: النوويّ - تقدَّم عن محمد بن سيرين إمام المعبِّرين اعتباره، والذي قاله القاضي توسطٌ حسنٌ. ويمكن الجمع بينه وبين ما قاله المازريّ بأن تكون رؤياه على الحالين حقيقةً، لكن إذا كان على صورته؛ كأن يُرَى في المنام على ظاهره لا يحتاج إلى تعبير، وإذا كان على غير صورته كان النقص من جهة الرائي؛ لتخيله الصفة على غير ما هي عليه، ويحتاج ما يراه في ذلك المنام إلى التعبير، وعلى ذلك جرى علماء التعبير، فقالوا: إذا قال الجاهل: رأيت النبيّ وَ﴿، فإنه يُسأل عن صفته، فإن وافق الصفة المروية، وإلا فلا يُقبل منه، وأشاروا إلى ما إذا رآه على هيئة تخالف هيئته مع أن الصورة كما هي، فقال أبو سعد أحمد بن محمد بن نصر: من رأى نبيّاً على حاله، وهيئته، فذلك دليل على صلاح الرائي، وكمال جاهه، وظَفَره بمن عاداه، ومن رآه متغير الحال عابساً مثلاً، فذاك دالّ على سوء حال الرائي. ونحا الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة إلى ما اختاره النوويّ، فقال بعد أن حكى الخلاف: ومنهم من قال: إن الشيطان لا يتصور على صورته أصلاً، فمن رآه في صورة حسنة فذاك حُسْن في دِين الرائي، وإن كان في جارحة من جوارحه شَيْن، أو نقص، فذاك خلل في الرائي من جهة الدِّين، قال: وهذا هو الحقّ، وقد جُرِّب ذلك، فوجد على هذا الأسلوب، وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه، حتى يتبين للرائي، هل عنده خلل، أو لا؟ لأنه وَلّ نورانيّ، مثل المرآة الصقيلة، ما كان في الناظر إليها من حُسْن، أو غيره تَصَوَّر فيها، وهي في ذاتها على أحسن حال، لا نقص فيها، ولا شَين، وكذلك يقال في كلامه ◌َّ في النوم، أنه يُعْرَض على سُنَّته، فما وافقها فهو حقّ، وما خالفها فالخلل في سمع الرائي، فرؤيا الذات الكريمة حقّ، والخلل إنما هو في سمع الرائي، أو بصره، قال: وهذا خير ما سمعته في ذلك. ثم حَكَى القاضي عياض(١) عن بعضهم، قال: خَصّ الله نبيَّه وَّ بعموم صِدْق رؤياه كلها، ومَنَع الشيطان أن يتصور في صورته؛ لئلا يتذرع بالكذب (١) ((إكمال المعلم)) ٢١٩/٧. ٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا على لسانه في النوم، كمَا خَرَق الله العادة للأنبياء للدلالة على صحة حالهم في اليقظة، وكما استحال تصور الشيطان على صورته في اليقظة، ولا على صفة مضادّة لحاله؛ إذ لو كان ذلك لدخل اللَّبس بين الحقّ والباطل، ولم يوثق بما جاء من جهة النبوة، فحَمَى الله حِمَاها لذلك من الشيطان، وتصوره، وإلقائه، وكيده، وكذلك حَمَى رؤياهم أنفسهم، ورؤيا غير النبيّ للنبيّ عن تمثّل الشيطان بذلك؛ لتصحّ رؤياه في الوجهين، ويكون طريقاً إلى علم صحيح، لا ريب فيه. قال: ولم يختلف العلماء في جواز رؤية الله تعالى في المنام، وساق الكلام على ذلك. قال الحافظ: ويظهر لي في التوفيق بين جميع ما ذكروه أن من رآه على صفة، أو أكثر مما يَختص به، فقد رآه، ولو كانت سائر الصفات مخالفةً، وعلى ذلك فتتفاوت رؤيا من رآه، فمن رآه على هيئته الكاملة، فرؤياه الحقّ الذي لا يحتاج إلى تعبير، وعليها يتنزل قوله: ((فقد رأى الحقّ))، ومهما نقص من صفاته، فيدخل التأويل بحسب ذلك، ويصح إطلاق أن كل من رآه في أيّ حالة كانت من ذلك، فقد رآه حقيقةً. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ تَّتُهُ هو الحقّ، وخلاصته أن رؤيته وَ ي على ظاهرها، وأن من رآه فقد رآه وَّل حقّاً، لكن إن كان على صفته التي ثبتت له فرؤياه لا تحتاج إلى تأويل، وإن خالفت، أو بعضها، فيعود ذلك إلى الرائي، فما كان من نقص، فالنقص فيه، وما كان من حُسْن، فالحسن يعود إليه، ففيه بشرى له على أنه متبع سُنَّته، ومتمسّك بها، وأما من كان بخلاف ذلك، فينبغي له أن يبحث عما نقص من اتّباع سُنَّته، والله تعالى أعلم. وقد كنت قديماً قرأت في كتاب حكايةً، خلاصتها: أن بعضهم دخل مسجداً مع صاحب له، فقال لصاحبه: نجلس في هذه الناحية من المسجد، فأبى عليه صاحبه، فقال له: لم؟ قال لأني رأيت جنازة النبيّ وَلّ موضوعاً في هذه الجهة، فقلت: إن هذا المكان لعله ضُيَعت فيه سُنَّتِهِ وَّه، فقال له الرجل: أُخبر عن سبب هذا، فقال له: ما هو؟ قال: إن هذه القطعة من أرض المسجد كانت لي، فأدخلوها عند بنائه، ولم يستأذنوني، فمن الآن أشهدك أني جعلتها وقفاً تابعاً للمسجد، أو كما حُكيت. ٩٩ (٢) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ وَِّ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)) - حديث رقم (٥٩٠٥) وخلاصة القول: أن من رأى النبيّ ◌َ ﴿ على غير صفته؛ كأن يراه أعرج، أو أعمى، أو قصيراً، أو شيخاً كبيراً، أو نحو ذلك، فإنه يعود ذلك إلى دِين الرائي، ومقدار بُعده عن سُنَّتِهِ وَّهِ، فيكون ذلك من باب التنبيه له، فينبغي أن يبحث عن سبب ذلك، مِنْ تَرْك بعض سُننه بَّ ر، أو نحو ذلك، فيتوب إلى الله وَلَ، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: جَوّز أهل التعبير رؤية الباري وَك في المنام مطلقاً، ولم يُجْرُوا فيها الخلاف في رؤيا النبيّ رَّ، وأجاب بعضهم عن ذلك بأمور قابلة للتأويل في جميع وجوهها، فتارةً يُعْبَر بالسلطان، وتارةً بالوالد، وتارةً بالسيد، وتارةً بالرئيس، في أي فنّ كان، فلما كان الوقوف على حقيقة ذاته ممتنعاً، وجميع من يَعْبُر به يجوز عليهم الصدق والكذب، كانت رؤياه تحتاج إلى تعبير دائماً، بخلاف النبيّ ◌َّ، فإذا رؤي على صفته المتفق عليها، وهو لا يجوز عليه الكذب كانت في هذه الحالة حقّاً محضاً، لا يحتاج إلى تعبير. وقال الغزاليّ: ليس معنى قوله: ((رآني)) أنه رأى جسمي، وبدني، وإنما المراد أنه رأى مثالاً صار ذلك المثال آلةً يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه، وكذلك: قوله: ((فسيراني في اليقظة))، ليس المراد أنه يرى جسمي وبدني، قال: والآلة تارةً تكون حقيقيةً وتارةً تكون خياليةً، والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى بَّر، ولا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق، قال: ومثل ذلك من يرى الله وَّلَ في المنام، فإن ذاته منزهة عن الشكل والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس، من نور، أو غيره، ويكون ذلك المثال حقّاً في كونه واسطة في التعريف، فيقول الرائي: رأيت الله تعالى في المنام، لا يعني: أني رأيت ذات الله تعالى، كما يقول في حقّ غيره. قال الجامع عفا الله عنه: قول الغزالي: ((ليس هو روح المصطفى وَل، ولا شخصه))، فيه نظر لا يخفى، فإن النبيّ وَله، قد أثبت أنه رآه حقيقة، فكيف يقال: ليس شخصه؟ ومن الغريب تشبيهه برؤية الله تعالى، فرؤية الله تعالى لم يَرِدْ بها نصّ، حتى يقاس عليها . والحاصل: أن رؤيته 8 رؤية حقيقيّة على ظاهرها، لا تمثيل، ١٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا ولا تشكيلٌ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. وقال أبو القاسم القشيريّ ما حاصله: إن رؤياه على غير صفته لا تستلزم إلا أن يكون هو، فإنه لو رأى الله على وصف يتعالى عنه، وهو يعتقد أنه منزه عن ذلك لا يقدح في رؤيته، بل يكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل، كما قال الواسطيّ: من رأى ربه على صورة شيخ كان إشارة إلى وقار الرائي، وغير ذلك. وقال الطيبيّ: المعنى: من رآني في المنام بأي صفة كانت، فليستبشر، وليعلم أنه قد رأى الرؤيا الحقّ التي هي من الله، وهي مبشِّرة، لا الباطل الذي هو الْحُلُم المنسوب للشيطان، فإن الشيطان لا يتمثل بي، وكذا قوله: ((فقد رأى الحقّ))؛ أي: رؤية الحقّ، لا الباطل، وكذا قوله: ((فقد رآني))، فإن الشرط والجزاء إذا اتحدا دلّ على الغاية في الكمال؛ أي: فقد رآني رؤيا ليس بعدها شيء. وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما مُلَخّصه: أنه يؤخذ من قوله: ((فإن الشيطان لا يتمثل بي)) أن من تمثلت صورته بي ليه في خاطره من أرباب القلوب، وتصورت له في عالم سرّه أنه يكلمه أن ذلك يكون حقّاً، بل ذلك أصدق من مرائي غيرهم؛ لِمَا مَنّ الله به عليهم من تنوير قلوبهم. انتهى. قال الحافظ: وهذا المقام الذي أشار إليه هو الإلهام، وهو من جملة أصناف الوحي إلى الأنبياء، ولكن لم أر في شيء من الأحاديث وَصْفه بما وُصفت به الرؤيا أنه جزء من النبوة، وقد قيل في الفرق بينهما: إن المنام يرجع إلى قواعد مقرّرة، وله تأويلات مختلفة، ويقع لكل أحد، بخلاف الإلهام، فإنه لا يقع إلا للخواصّ، ولا يَرجع إلى قاعدة يُمَيَّز بها بينه وبين لمة الشيطان. وتُعُقّب بأن أهل المعرفة بذلك ذكروا أن الخاطر الذي يكون من الحقّ يستقرّ، ولا يضطرب، والذي يكون من الشيطان يضطرب ولا يستقرّ، فهذا إن ثبت كان فارقاً واضحاً، ومع ذلك فقد صرّح الأئمة بأن الأحكام الشرعية لا تثبت بذلك، قال أبو المظفر ابن السمعانيّ في ((القواطع)) - بعد أن حَكَى عن أبي زيد الدَّبُوسيّ من أئمة الحنفية، أن الإلهام ما حَرَّك القلبَ لعلم يدعو إلى العمل به، من غير استدلال -: والذي عليه الجمهور أنه لا يجوز العمل به، إلا