النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٍ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
جزءاً من النبوة))، والترمذيّ، والطبريّ من حديث أبي رَزِين الْعُقيليّ: ((جزء من
أربعين))، وأخرجه الترمذيّ من وجه آخر كالجادّة، وأخرجه الطبريّ من وجه
آخر، عن ابن عباس: ((أربعين))، وللطبريّ من حديث عُبادة: ((جزء من أربعة
وأربعين))، والمحفوظ عن عبادة كالجادّة، وأخرج الطبريّ، وأحمد من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص: ((جزء من تسعة وأربعين))، وذكره القرطبي في
((المفهم)) بلفظ: ((سبعة)) بتقديم السين.
فحصلنا من هذه الروايات على عشرة أوجه، أقلها: ((جزء من ستة
وعشرين))، وأكثرها: ((من ستة وسبعين))، وبين ذلك: ((أربعين))، و((أربعة
وأربعين))، و((خمسة وأربعين))، و((ستة وأربعين))، و((سبعة وأربعين))، و((تسعة
وأربعين))، و((خمسين))، و(سبعين))، أصحها مطلقاً الأول، ويليه السبعين.
قال الحافظ: ووقع في ((شرح النوويّ)) وفي رواية عبادة: ((أربعة
وعشرين))، وفي رواية ابن عمر: ((ستة وعشرين))، وهاتان الروايتان لا أعرف
من أخرجهما، إلا أن بعضهم نسب رواية ابن عمر هذه لتخريج الطبريّ.
ووقع في كلام ابن أبي جمرة أنه ورد بألفاظ مختلفة، فذكر بعض ما
تقدم، وزاد في رواية: ((اثنين وسبعين))، وفي أخرى: ((اثنين وأربعين))، وفي
أخرى: ((سبعة وعشرين))، وفي أخرى: ((خمسة وعشرين))، فبلغت على هذا
خمسة عشر لفظاً.
قال: وقد استُشكل كون الرؤيا جزءاً من النبوة مع أن النبوة انقطعت
بموت النبيّ ◌َلَد.
فقيل في الجواب: إن وقعت الرؤيا من النبيّ وَلقّ، فهي جزء من أجزاء
النبوة حقيقةً، وإن وقعت من غير النبيّ ◌َ﴿ فهي جزء من أجزاء النبوة على
سبيل المجاز.
وقال الخطابيّ: قيل: معناه: إن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة، لا أنها
جزء باق من النبوة، وقيل: المعنى إنها جزء من عِلْم النبوة؛ لأن النبوة وإن
انقطعت فعِلْمها باق.
وتُعُقِّب بقول مالك - فيما حكاه ابن عبد البر - أنه سئل: أيُعَبِّر الرؤيا كلُّ
أحد؟ فقال: أبالنبوة يُلْعَب؟ ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة، فلا يُلعَب بالنبوة.

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
والجواب أنه لم يُرِد أنها نبوة باقية، وإنما أراد أنها لمّا أشبهت النبوة من
جهة الاطلاع على بعض الغيب، لا ينبغي أن يُتَكَلِّم فيها بغير علم.
وقال ابن بطال: كون الرؤيا جزءاً من أجزاء النبوة، مما يُستعظم، ولو
كانت جزءاً من ألف جزء، فيمكن أن يقال: إن لفظ النبوة مأخوذ من الإنباء،
وهو الإعلام لغةً، فعلى هذا فالمعنى أن الرؤيا خبرٌ صادقٌ من الله، لا كَذِب
فيه، كما أن معنى النبوة نبأ صادقٌ من الله، لا يجوز عليه الكذب، فشابهت
الرؤيا النبوة في صِدْق الخبر.
وقال المازريّ: يَحْتَمِل أن يراد بالنبوة في هذا الحديث: الخبر بالغيب لا
غير، وإن كان يَتْبَع ذاك إنذار أو تبشير، فالخبر بالغيب أحد ثمرات النبوة، وهو
غير مقصود لذاته؛ لأنه يصحّ أن يُبعث نبي يقرر الشرع، ويبيّن الأحكام، وإن
لم يُخبِر في طول عمره بغيب، ولا يكون ذلك قادحاً في نبوته، ولا مبطلاً
للمقصود منها، والخبر بالغيب من النبيّ لا يكون إلا صدقاً، ولا يقع إلا حقّاً،
وأما خصوص العدد فهو مما أَطْلَعَ الله عليه نبيّه وَّ؛ لأنه يَعلم من حقائق
النبوة ما لا يعلمه غيره، قال: وقد سبق بهذا الجواب جماعة، لكنهم لم
یکشفوه، ولم یحقّقوه.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: أجزاء النبوة لا يَعلم حقيقتها إلا
مَلَك، أو نبيّ، وإنما القَدْر الذي أراده النبيّ وَّ أن يبيّن أن الرؤيا جزء من
أجزاء النبوة في الجملة؛ لأن فيها اطلاعاً على الغيب من وجه ما، وأما تفصيل
النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة.
وقال المازريّ: لا يلزم العالم أن يعرف كلّ شيء جملةً وتفصيلاً، فقد
جعل الله للعالم حدّاً يقف عنده، فمنه ما يَعلم المراد به جملةً وتفصيلاً، ومنه
ما يعلمه جملةً لا تفصيلاً، وهذا من هذا القبيل.
قال الجامع عفا الله عنه: ما أحسن ما قاله ابن العربيّ، والمازريّ
- رحمهما الله تعالى - في هذا، فمنه يتبيّن لنا أن قوله وَله: ((جزء من أجزاء
النبوّة)) حقٌّ نؤمن به، وأن الله تعالى يُكرم العبد المؤمن بهذا الجزء من النبوّة
كما أكرم الأنبياء بكامل النبوّة، وأما تفاصيل ذلك، ومعرفة نسبته، فالعلم
إلى الله تعالى، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

٦٣
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
قال: وقد تكلم بعضهم على الرواية المشهورة وأبدى لها مناسبةً، فنقل
ابن بطال عن أبي سعيد السفاقسيّ أن بعض أهل العلم ذكر أن الله أوحى إلى
نبيّهُ وَّ في المنام ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة بقية مدة
حياته، ونِسْبتها من الوحي في المنام جزء من ستة وأربعين جزءاً؛ لأنه عاش
بعد النبوة ثلاثاً وعشرين سنةً على الصحيح، قال ابن بطال: هذا التأويل يَفْسد
من وجهين: أحدهما: أنه قد اختُلِف في قدر المدة التي بعد بعثة النبيّ ◌َّ إلى
موته، والثاني: أنه يبقى حديث السبعين جزءاً بغير معنى.
قال الحافظ: ويضاف إليه بقية الأعداد الواقعة، وقد سبقه الخطابيّ إلى
إنكار هذه المناسبة، فقال: كان بعض أهل العلم يقول في تأويل هذا العدد
قولاً لا يكاد يتحقّق، وذلك أنه وَّهِ أقام بعد الوحي ثلاثاً وعشرين سنةً، وكان
يوحى إليه في منامة ستة أشهر، وهي نصف سنة، فهي جزء من ستة وأربعين
جزءاً من النبوة، قال الخطابيّ: وهذا وإن كان وجهاً تَحتمله قسمة الحساب
والعدد، فأول ما يجب على من قاله أن يُثبت بما ادعاه خبراً، ولم يُسمع فيه
أثر، ولا ذَكَر مدعيه في ذلك خبراً، فكأنه قاله على سبيل الظنّ، والظنّ لا
يغني من الحق شيئاً، ولئن كانت هذه المدة محسوبة من أجزاء النبوة، على ما
ذهب إليه، فليلحق بها سائر الأوقات التي كان يوحى إليه فيها في منامه في
طول المدة، كما ثبت ذلك عنه في أحاديث كثيرة؛ كليلة القدر، والرؤيا في
أُحُد، وفي دخول مكة، فإنه يتلفق من ذلك مدة أخرى، وتزاد في الحساب،
فتبطل القسمة التي ذكرها، قال: فدلّ ذلك على ضَعْف ما تأوله المذكور،
وليس كلُّ ما خفي علينا عِلْمه لا يلزمنا حجته؛ كأعداد الركعات، وأيام
الصيام، ورمي الجمار، فإنا لا نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت
أعدادها، ولم يقدح ذلك في موجب اعتقادنا للزومها، وهو كقوله في حديث
آخر: ((الهدي الصالح، والسَّمْت الصالح، جزء من خمسة وعشرين(١) جزءاً من
النبوة))، فإن تفصيل هذا العدد وحصر النبوة متعذر، وإنما فيه أن هاتين
الخصلتين من جملة هدي الأنبياء، وسَمْتهم، فكذلك معنى حديث الباب المراد
(١) تقدّم أنه صحيح بلفظ: ((من أربعة وعشرين جزءاً من النبوّة))، فتنبّه.

٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
به تحقيق أمر الرؤيا، وأنها مما كان الأنبياء عليه، وأنها جزء من أجزاء العلم
الذي كان يأتيهم، والأنباء التي كان ينزل بها الوحي عليهم.
وقد قَبِل جماعة من الأئمة المناسبة المذكورة، وأجابوا عما أورده
الخطابيّ.
أما الدليل على كون الرؤيا كانت ستة أشهر، فهو أن ابتداء الوحي كان
على رأس الأربعين من عمره بَّر، كما جزم به ابن إسحاق وغيره، وذلك في
ربيع الأول، ونزول جبريل إليه، وهو بغار حراء كان في رمضان، وبينهما ستة
أشهر .
وفي هذا الجواب نظرٌ؛ لأنه على تقدير تسليمه ليس فيه تصريح بالرؤيا،
وقد قال النوويّ: لم يثبت أن زمن الرؤيا للنبيّ وَّ ه كان ستة أشهر.
وأما ما ألزمه به من تلفيق أوقات المرائي، وضمّها إلى المدة، فإن المراد
وحي المنام المتتابع، وأما ما وقع منه في غضون وحي اليقظة، فهو يسير
بالنسبة إلى وحي اليقظة، فهو مغمور في جانب وحي اليقظة، فلم يُعتبر بمدته،
وهو نظير ما اعتمدوه في نزول الوحي، وقد أطبقوا على تقسيم النزول إلى مكيّ
ومدنيّ قطعاً، فالمكي ما نزل قبل الهجرة، ولو وقع بغيرها مثلاً: كالطائف،
ونخلة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، ولو وقع، وهو بغيرها، كما في
الغزوات، وسفر الحجّ والعمرة، حتى مكة.
قال الحافظ: وهو اعتذار مقبول، ويمكن الجواب عن اختلاف الأعداد
أنه وقع بحسب الوقت الذي حَدّث فيه النبيّ ◌َ # بذلك؛ كأن يكون لمّا أكمل
ثلاث عشرة سنة بعد مجيء الوحي إليه حدّث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين
إن ثبت الخبر بذلك، وذلك وقت الهجرة، ولمّا أكمل عشرين حدّث بأربعين،
ولمّا أكمل اثنين وعشرين حدّث بأربعة وأربعين، ثم بعدها بخمسة وأربعين، ثم
حدّث بستة وأربعين في آخر حياته، وأما ما عدا ذلك من الرؤيات بعد
الأربعين، فضعيف، ورواية الخمسين يَحْتَمِل أن تكون لجبر الكسر، ورواية
السبعين للمبالغة، وما عدا ذلك لم يثبت، وهذه مناسبة لم أر من تعرَّض لها .
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا حاول الحافظ في الجواب عن اعتراضات
الخطابيّ، ولا يخفى على منصف ما فيه من التعسّف، والتكلّف، فالحقّ أن

٦٥
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
نكل علم هذه التفاصيل إلى الله تعال، ولا نتكلّف، ولا نتعسّف؛ فإن هذا هو
الأسلم، والأحكم، والله تعالى الهادي إلى الطريق الأقوم.
قال: ووقع في بعض الشروح مناسبة للسبعين ظاهرة التكلّف، وهي
أنه وَل قال في الحديث الذي أخرجه أحمد، وغيره: ((أنا بشارة عيسى، ودعوة
إبراهيم، ورأت أمي نوراً))، فهذه ثلاثة أشياء تُضْرَب في مدة نبوته، وهي ثلاثة
وعشرون سنةً، تضاف إلى أصل الرؤيا، فتبلغ سبعين.
قال الحافظ: ويبقى في أصل المناسبة إشكال آخر، وهو أن المتبادَر من
الحديث إرادة تعظيم رؤيا المؤمن الصالح، والمناسبة المذكورة تقتضي قصر
الخبر على صورة ما اتَّفَقَ لنبيّنا بَّه؛ كأنه قيل: كانت المدة التي أوحى الله إلى
نبيّنا وَّر فيها في المنام جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من المدة التي أوحى الله
إليه فيها في اليقظة، ولا يلزم من ذلك أن كل رؤيا لكل صالح تكون كذلك،
ويؤيد إرادة التعميم الحديث الذي ذكره الخطابيّ في الهدي والسمت، فإنه ليس
خاصّاً بنبوّة نبيّنا نَّ أصلاً .
وقد أنكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة التأويل المذكور، فقال: ليس
فيه كبير فائدة، ولا ينبغي أن يُحمل كلام المؤيَّد بالفصاحة والبلاغة على هذا
المعنى، ولعل قائله أراد أن يجعل بين النبوة والرؤيا نوع مناسبة فقط، ويعكر
عليه الاختلاف في عدد الأجزاء.
[تنبيه]: حديث الهدي الصالح الذي ذكره الخطابيّ، أخرجه الترمذيّ،
والطبرانيّ، من حديث عبد الله بن سَرْخِس، لكن بلفظ أربعة وعشرين جزءاً،
وقد ذكره القرطبي في ((المفهم)) بلفظ: ((من ستة وعشرين)). انتهى.
وقد أبدى غير الخطابيّ المناسبة باختلاف الروايات في العدد المذكور،
وقد جمع بينها جماعة، أولهم الطبريّ، فقال: رواية السبعين عامّة في كل رؤيا
صادقة، من كل مسلم، ورواية الأربعين خاصّة بالمؤمن الصادق الصالح، وأما
ما بين ذلك فبالنسبة لأحوال المؤمنين.
وقال ابن بطال: أما الاختلاف في العدد قلةً وكثرةً، فأصح ما ورد فيها :
((من ستة وأربعين))، و((من سبعين))، وما بين ذلك من أحاديث الشيوخ، وقد
وجدنا الرؤيا تنقسم قسمين: جلية ظاهرة؛ كمن رأى في المنام أنه يُعطَى تمراً،

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
فأُعطي تمراً مثله في اليقظة، فهذا القسم لا إغراب في تأويلها، ولا رمز في
تفسيرها، ومرموزة بعيدة المرام، فهذا القسم لا يقوم به حتى يَعْبُره إلا حاذق
لِبُعد ضرب المثل فيه، فيمكن أن هذا من السبعين، والأول من الستة
والأربعين؛ لأنه إذا قلّت الأجزاء كانت الرؤيا أقرب إلى الصدق، وأسلم من
وقوع الغلط في تأويلها، بخلاف ما إذا كثرت، قال: وقد عرضت هذا الجواب
على جماعة فحسَّنوه، وزادني بعضهم فيه أن النبوة على مثل هذين الوصفين
تلقّاها الشارع عن جبريل، فقد أخبر أنه كان يأتيه الوحي مرةً، فيكلمه بكلام
فيعيه بغير كلفة، ومرة يلقي إليه جُمَلاً، وجوامع، يشتد عليه حملها حتى تأخذه
الرُّحَضاء، ويتحدَّر منه العرق، ثم يُطلعه الله على بيان ما ألقى عليه منها .
ولخّصه المازريّ (١)، فقال: قيل: إن المنامات دلالات، والدلالات منها
ما هو جليّ، ومنها ما هو خفيّ، فالأقل في العدد هو الجليّ، والأكثر في
العدد هو الخفيّ، وما بين ذلك.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة (٢) ما حاصله: أن النبوة جاءت بالأمور
الواضحة، وفي بعضها ما يكون فيه إجمال، مع كونه مبيّناً في موضع آخر،
وكذلك المَرائي منها ما هو صريح، لا يحتاج إلى تأويل، ومنها ما يحتاج، فالذي
يفهمه العارف من الحقّ الذي يعرج عليه منها جزء من أجزاء النبوة، وذلك الجزء
يكثر مرّةً، ويقِلّ أخرى، بحسب فهمه، فأعلاهم من يكون بينه وبين درجة النبوة
أقلّ ما ورد من العدد، وأدناهم الأكثر من العدد، ومن عداهما ما بين ذلك.
وقال القاضي عياض: ويَحْتَمِل أن تكون هذه التجزئة في طُرُق الوحي؛
إذ منه ما سُمِع من الله بلا واسطة، ومنه ما جاء بواسطة المَلَك، ومنه ما ألقي
في القلب من الإلهام، ومنه ما جاء به المَلَك، وهو على صورته، أو على
صورة آدمي معروف، أو غير معروف، ومنه ما أتاه به في النوم، ومنه ما أتاه به
في صلصلة الجرس، ومنه ما يُلقيه روح القدس في رُوعه، إلى غير ذلك، مما
وقفنا عليه، ومما لم نقف عليه، فتكون تلك الحالات إذا عُدّدت انتهت إلى
العدد المذكور.
(١) (المعلم)) ١١٨/٣.
(٢) (بهجة النفوس)) ٢٣٦/٤.

٦٧
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٍ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
قال القرطبيّ في ((المفهم)): ولا يخفى ما فيه من التكلف والتساهل، فإن
تلك الأعداد إنما هي أجزاء النبوة، وأكثر الذي ذكره إنما هي أحوال لغير
النبوة؛ لكونه يَعرف المَلَك، أو لا يعرفه، أو يأتيه على صورته، أو على صورة
آدميّ، ثم مع هذا التكلف لم يبلغ عدد ما ذكر عشرين فضلاً عن سبعين.
قال الحافظ: والذي نحاه القاضي سبقه إليه الْحَلِيميّ، فقرأت في
((مختصره) للشيخ علاء الدين القونويّ بخطه ما نصه: ثم إن الأنبياء يختصون
بآيات، يؤيدون بها؛ ليتميزوا بها عمن ليس مثلهم، كما تميزوا بالعلم الذي
أوتوه، فيكون لهم الخصوص من وجهين، فما هو في حيز التعليم هو النبوة،
وما هو في حيز التأبيد، هو حجة النبوة، قال: وقد قصد الحليميّ في هذا
الموضع بيان كون الرؤيا الصالحة جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، فذكر
وجوهاً من الخصائص العلمية للأنبياء، تكلّف في بعضها، حتى أنهاها إلى
العدد المذكور، فتكون الرؤيا واحداً من تلك الوجوه:
فأعلاها: تكليم الله بغير واسطة.
ثانيها: الإلهام بلا كلام، بل يجد علم شيء في نفسه من غير تقدم ما
يوصل إليه بحسّ، أو استدلال.
ثالثها: الوحي على لسان ملك يراه فيكلمه.
رابعها: نفث المَلَك في رُوعه، وهو الوحي الذي يُخص به القلب دون
السمع، قال: وقد ينفث المَلَك في رُوع بعض أهل الصلاح، لكن بنحو
الأطماع في الظفر بالعدوّ، والترغيب في الشيء، والترهيب من الشيء، فيزول
عنه بذلك وسوسة الشيطان بحضور الملك، لا بنحو نفي علم الأحكام،
والوعد، والوعيد، فإنه من خصائص النبوة.
خامسها: إكمال عقله، فلا يعرض له فيه عارض أصلاً.
سادسها: قوّة حفظه، حتى يسمع السورة الطويلة، فيحفظها من مرة، ولا
ينسى منها حرفاً .
سابعها: عصمته من الخطأ في اجتهاده.
ثامنها: ذكاء فهمه، حتى يتسع لضروب من الاستنباط.
تاسعها: ذكاء بصره، حتى يكاد يُبصر الشيء من أقصى الأرض.

٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
عاشرها: ذكاء سمعه، حتى يسمع من أقصى الأرض ما لا يسمعه غيره.
حادي عشرها: ذكاء شمه، كما وقع ليعقوب في قميص يوسف.
ثاني عشرها: تقوية جسده، حتى سار في ليلة مسيرة ثلاثين ليلة.
ثالث عشرها: عروجه إلى السماوات.
رابع عشرها: مجيء الوحي له في مثل صلصلة الجرس.
خامس عشرها: تكليم الشاة.
سادس عشرها: إنطاق النبات.
سابع عشرها: إنطاق الجِذْع.
ثامن عشرها: إنطاق الحجر.
تاسع عشرها: إفهامه ◌ُواء الذئب أن يفرض له رزقاً .
العشرون: إفهامه رُغاء البعير.
الحادي والعشرون: أن يسمع الصوت، ولا يرى المتكلم.
الثانية والعشرون: تمكينه من مشاهدة الجنّ.
الثالثة والعشرون: تمثيل الأشياء المغيبة له، كما مُثِّل له بيت المقدس
صبيحة الإسراء.
الرابعة والعشرون: حدوث أمر يعلم به العاقبة، كما قال في الناقة لَمّا
بَرَكت في الحديبية: ((حبسها حابس الفيل)).
الخامسة والعشرون: استدلاله باسم على أمر، كما قال لمّا جاءهم
سهيل بن عمرو: ((قد سَهُل لكم الأمر)).
السادسة والعشرون: أن ينظر شيئاً علويّاً، فيستدل به على أمر يقع في
الأرض، كما قال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب.
السابعة والعشرون: رؤيته مِن ورائه.
الثامنة والعشرون: اطلاعه على أمر وقع لمن مات قبل أن يموت، كما
قال في حنظلة: ((رأيت الملائكة تغسله))، وكان قُتل وهو جُنُب.
التاسعة والعشرون: أن يظهر له ما يَستدلّ به على فتوح مستقبل، كما جاء
ذلك يوم الخندق.
الثلاثون: اطلاعه على الجنة والنار في الدنيا.

٦٩
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
الحادية والثلاثون: الفراسة.
الثانية والثلاثون: طواعية الشجرة حتى انتقلت بعروقها وغصونها من
مکان إلی مکان، ثم رجعت.
الثالثة والثلاثون: قصة الظبية، وشكواها له ضرورة خِشْفها الصغير.
الرابعة والثلاثون: تأويل الرؤيا بحيث لا تخطئ.
الخامسة والثلاثون: الحزر في الرُّطَب، وهو على النخل أنه يجيء كذا
وكذا وسقاً من التمر، فجاء كما قال.
السادسة والثلاثون: الهداية إلى الأحكام.
السابعة والثلاثون: الهداية إلى سياسة الدين والدنيا.
الثامنة والثلاثون: الهداية إلى هيئة العالم، وترکیبه.
التاسعة والثلاثون: الهداية إلى مصالح البدن بأنواع الطبّ.
الأربعون: الهداية إلى وجوه القربات.
الحادية والأربعون: الهداية إلى الصناعات النافعة.
الثانية والأربعون: الاطلاع على ما سيكون.
الثالثة والأربعون: الاطلاع على ما كان مما لم ينقله أحد قبله.
الرابعة والأربعون: التوقيف على أسرار الناس، ومخبآتهم.
الخامسة والأربعون: تعليم طرق الاستدلال.
السادسة والأربعون: الاطلاع على طريق التلطف في المعاشرة.
قال: فقد بلغت خصائص النبوة فيما مرجعه العلم ستة وأربعين وجهاً،
ليس منها وجه إلا وهو يصلح أن يكون مقارباً للرؤيا الصالحة التي أخبر أنها
جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، والكثير منها وإن كان قد يقع لغير النبي،
لكنه للنبي لا يخطئ أصلاً، ولغيره قد يقع فيه الخطأ، والله أعلم.
وقال الغزاليّ في ((كتاب الفقر والزهد)) من ((الإحياء)) لَمّا ذكر حديث:
((يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام))، وفي رواية: ((بأربعين سنةً))
قال: وهذا يدلّ على تفاوت درجات الفقراء، فكان الفقير الحريص على جزء
من خمسة وعشرين جزءاً من الفقير الزاهد؛ لأن هذه نسبة الأربعين إلى
الخمسمائة، ولا يُظَنّ أن تقدير النبيّ وَّهِ يتجزأ على لسانه كيف ما اتفق، بل لا

٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
ينطق إلا بحقيقة الحقّ، وهذا كقوله: ((الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء
من ستة وأربعين جزءاً من النبوة))، فإنه تقديرُ تحقيقٍ، لكن ليس في قوة غيره أن
يعرف علة تلك النسبة إلا بتخمين؛ لأن النبوة عبارة عما يختص به النبيّ،
ويفارق به غيره، وهو يختص بأنواع من الخواصّ، منها أنه يعرف حقائق
الأمور المتعلقة بالله، وصفاته، وملائكته، والدار الآخرة، لا كما يعلمه غيره،
بل عنده من كثرة المعلومات، وزيادة اليقين والتحقيق، ما ليس عند غيره، وله
صفة تتم له بها الأفعال الخارقة للعادات؛ كالصفة التي بها تتم لغيره الحركات
الاختيارية، وله صفة يبصر بها الملائكة، ويشاهد بها الملكوت؛ كالصفة التي
يفارق بها البصير الأعمى، وله صفة بها يُدرِك ما سيكون في الغيب، ويطالع
بها ما في اللوح المحفوظ؛ كالصفة التي يفارق بها الذكيّ البليد، فهذه صفات
كمالات ثابتة للنبيّ، يمكن انقسام كل واحدة منها إلى أقسام، بحيث يمكننا أن
نقسمها إلى أربعين، وإلى خمسين، وإلى أكثر، وكذا يمكننا أن نقسمها إلى ستة
وأربعين جزءاً، بحيث تقع الرؤيا الصحيحة جزءاً من جملتها، لكن لا يرجع إلا
إلى ظنّ وتخمين، لا أنه الذي أراده النبيّ وَّهِ حقيقةً. انتهى ملخصاً.
قال الحافظ: وأظنه أشار إلى كلام الْحَلِيميّ، فإنه مع تكلفه ليس على
يقين أن الذي ذكره هو المراد، والله أعلم.
وقال ابن الجوزيّ(١): لمّا كانت النبوة تتضمن اطّلاعاً على أمور يظهر
تحقيقها فيما بعدُ وقع تشبيه رؤيا المؤمن بها، وقيل: إن جماعة من الأنبياء كانت
نبوّتهم وحياً في المنام فقط، وأكثرهم ابتدئ بالوحي في المنام، ثم رَقُوا إلى
الوحي في اليقظة، فهذا بيان مناسبة تشبيه المنام الصادق بالنبوة، وأما خصوص
العدد المذكور، فتكلم فيه جماعة، فذَكَرَ المناسبة الأُولى، وهي أن مدة وحي
المنام إلى نبينا وَ﴿ كانت ستة أشهر، وقد تقدم ما فيه، ثم ذَكَر أن الأحاديث
اختلفت في العدد المذكور، قال: فعلى هذا تكون رؤيا المؤمن مختلفة، أعلاها
ستة وأربعون، وأدناها سبعون، ثم ذكر المناسبة التي ذكرها الطبريّ.
وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة وجهاً آخر، ملخّصه: أن النبوة لها
(١) (كشف المشكل)) ٧٦/٢ - ٧٧.

٧١
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩٢)
وجوه من الفوائد الدنيوية والآخروية خصوصاً وعموماً، منها ما يُعلم، ومنها ما
لا يُعلم، وليس بين النبوة والرؤيا نسبة إلا في كونها حقّاً، فيكون مقام النبوة
بالنسبة لمقام الرؤيا بحسب تلك الأعداد راجعة إلى درجات الأنبياء، فنسبتها
من أعلاهم، وهو من ضَمّ له إلى النبوة الرسالة أكثر ما ورد من العدد، ونسبتها
إلى الأنبياء غير المرسلين أقلّ ما ورد من العدد، وما بين ذلك، ومن ثَمَّ أطلق
في الخبر النبوة، ولم يقيِّدها بنبوة نبيّ بعينه.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن أبي جمرة من نوع التكلّفات
السابقة، فتنبه.
قال الحافظ: ورأيت في بعض الشروح أن معنى الحديث أن للمنام شَبَهاً
بما حصل للنبيّ، وتميَّز به عن غيره بجزء من ستة وأربعين جزءاً.
قال: فهذه عدة مناسبات، لم أر من جَمَعها في موضع واحد، فللّه
الحمد على ما ألهم، وعَلّم، ولم أقف في شيء من الأخبار على كون الإلهام
جزءاً من أجزاء النبوة، مع أنه من أنواع الوحي، إلا أن ابن أبي جمرة تعرّض
لشيء منه. انتهى كلام الحافظ تَخَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت لك أن هذه التأويلات، والمناسبات
التي سبق ذكرها في كلام الحافظ تَخْذُ تكلّفات، وتخرّصات لا يليق الخوض
فيها، ولا اتّباع الخائضين فيها، بل الصواب الذي نعتقده، ونرى أنه الحقّ: أن
رؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزءاً من النبوّة، ونَكِلُ علم حقيقة ذلك إلى
عالم الغيب والشهادة، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٩٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيَّثِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَيُعْجِبُنِي
الْقَيْدُ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ، وَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ
مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ»).
(١) ((الفتح)) ٢٩٥/١٦ - ٣٠٥، كتاب ((التعبير)) رقم (٦٩٨٣).

٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١ - (محمد بن رافع) القشيريّ مولاهم الزاهد، أبو عبد الله النيسابوريّ،
ثقةٌ عابدٌ حافظ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل ((قال)) ضمير معمر، والمعنى أن معمراً
فصل المدرج، فجعل قوله: ((فَيُعْجِبُنِي الْقَيْدُ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي
الدِّينِ)) من قول أبي هريرة، موقوفاً عليه، وجَعَل المرفوع قوله: ((رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ
جُزْءٌ مِنْ سِنَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُُّؤَّةِ))، وقد تقدّم أن هذا أرجح الروايات.
[تنبيه]: رواية معمر عن أيوب هذه ساقها عبد الرزّاق في ((مصنّفه))،
فقال :
(٢٠٣٥٢) - أخبرنا (١) عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن
ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ ر قال: ((في آخر الزمان لا تكاد رؤيا
المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً، والرؤيا ثلاث: الرؤيا الحسنة
بشرى من الله، والرؤيا يحدِّث بها الرجل نفسه، والرؤيا تحزين من الشيطان،
فإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فلا يحدّث بها أحداً، وليقم، فليصلّ))، قال أبو
هريرة: يعجبني القيد، وأكره الغُلّ، القيد ثبات في الدين، وقال النبيّ ◌َّ:
((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)). انتهى(٢).
[تنبيه آخر]: قال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ - بعد ذِكر اختلاف
الروايات في عدد الأجزاء - ما خلاصته: اختلاف آثار هذا الباب في عدد
أجزاء الرؤيا من النبوة ليس ذلك عندي باختلاف تضادّ، وتدافع، والله أعلم؛
لأنه يَحْتَمِل أن تكون الرؤيا الصالحة من بعض من يراها على ستة وأربعين
جزءاً، أو خمسة وأربعين جزءاً، أو أربعة وأربعين جزءاً، أو خمسين جزءاً، أو
سبعين جزءاً، على حَسَب ما يكون الذي يراها من صِدْق الحديث، وأداء
الأمانة، والدين المتين، وحُسن اليقين، فعلى قَدْر اختلافَ الناس فيما وصفنا
(١) هذا من قول الراوي عن عبد الرزاق، فتنبّه.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٢١١/١١.

٧٣
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩٢)
تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد، والله أعلم، فمن خَلَصَت له
نيّته في عبادة ربه، ويقينه، وصِدْق حديثه كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوة
أقرب، كما أن الأنبياء يتفاضلون، والنبوة كذلك، والله أعلم، قال الله رأيك:
﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، ثم أخرج بسنده، عن ابن
عباس ﴿ه، عن النبيّ وَّر قال: ((كان من الأنبياء من يسمع الصوت، فيكون به
نبيّاً، وكان منهم من يرى في المنام، فيكون بذلك نبيّاً، وكان منهم من يُنفَث
في أذنه، وقلبه، فيكون بذلك نبياً، وإن جبرئيل يأتيني، فيكلمني، كما يكلِّم
أحدکم صاحبه)).
قال أبو عمر: هذا على أنه يكلمه جبريل كثيراً بالوحي في الأغلب من
أمره، وقد قال رَّه: ((إن روح القدس نَفَث في رُوعي، أنه لن تموت نفس حتى
تستكمل رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، خذوا ما حَلَّ، ودَعُوا ما حَرُم)).
وفي حديث عائشة ﴿يا أن رسول الله وسل ◌ّ قيل له: كيف يأتيك الوحي؟
قال: ((يأتيني الوحي أحياناً في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ، فيُفْصَم
عني، وقد وعيت ما قال))، وقد كان يتراءى له جبريل من السحاب، وكان أولُ
ما ابتدئ من النبوة أنه كان يرى الرؤيا، فتأتي كأنها فَلَق الصبح، وربما جاء
جبريل في صفة إنسان حسن الصورة، فيكلمه، وربما اشتدّ عليه، حتى يَغِطّ
غطيط البَكْر، ويئنّ، ويَحْمَرَّ وجهه، إلى ضروب كثيرة يطول ذكرها .
وقد يَحْتَمِل أن تكون الرؤيا جزءاً من النبوة؛ لأن فيها ما يُعجِز، ويمتنع؛
كالطيران، وقلب الأعيان، ولها التأويل الحسن، وربما أغنى بعضها عن التأويل.
وجملة القول في هذا الباب أن الرؤيا الصادقة من الله، وأنها من النبوة،
وأن التصديق بها حقّ، وفيها من بديع حكمة الله ولطفه ما يزيد المؤمن في
إيمانه، ولا أعلم بين أهل الدين والحقّ من أهل الرأي والأثر، خلافاً فيما
وصفت لك، ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد، وشِرْذمة من المعتزلة. انتهى
كلام ابن عبد البرّ كَّهُ(١)، وهو تحقيق نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ، والله تعالى
أعلم.
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٨٣/١ - ٢٨٤.

٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٩٣] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيع، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ -
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَهِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ. وَسَاقَ
الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيَّ ◌َِّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الرَّبِيع) سليمان بن داود الْعَتَكيّ، أبو الربيع الزهرانيّ
البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلم فيه أحد بحجة [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د
س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، قيل: إنه كان ضريراً، ولعله طرأ عليه؛ لأنه صح أنه كان يكتب،
من كبار [٨] (ت١٧٩) وله (٧٩) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٣ - (هِشَامُ) بن حَسَان الأزديّ الْقُرْدوسيّ - بالقاف، وضم الدال ـ أبو
عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن
الحسن، وعطاء مقالٌ؛ لأنه قيل: كان يُرسل عنهما [٦] (ت٧ أو ١٤٨) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيَّ ◌َ) فاعل ((ساق))، و(يَذْكُر))
ضمیر حمّاد بن زید.
[تنبيه]: رواية حماد بن زيد عن أيوب السختيانيّ، وهشام بن حسّان،
كلاهما عن محمد بن سيرين لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٩٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام،
حَذَّثَنَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ،
وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: ((وَأَكْرَهُ الْغُلّ)) إِلَى تَمَامِ الْكَلَامِ، وَلَمْ يَذْكُر: ((الرُّؤْيَا
جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُُّوَّةِ»).

٧٥
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩٥)
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) بن أبي عبد الله الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن
اليمن، صدوقٌ ربما وَهِمَ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر - بمهملة، ثم نون، ثم موحدة،
وزان جعفر - أبو بكر البصريّ الدَّسْتوائي - بفتح الدال، وسكون السين
المهملتين، وفتح المثناة، ثم مَدّ ـ ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمِي بالقدر، من كبار [٧]
(ت١٥٤) وله (٨٧) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة بن قتادة السَّدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، يُدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ ... إلخ) فاعل ((أَدْرَجَ)) ضمير قتادة؛ يعني: أن
قتادة أدخل في الحديث المرفوع قول أبي هريرة حظاته: ((وأكره الغلّ ... إلخ))،
ولم يذكر - أي: قتادة - في الحديث قوله: ((الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ ...
إلخ)).
[تنبيه]: رواية قتادة، عن محمد بن سيرين ساقها النسائيّ ◌َُّ في
((الكبرى))، فقال :
(٧٦٥٤) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا معاذ بن هشام، قال:
حدّثني أبي، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّة
كان يقول: ((الرؤيا الصالحة بشارة من الله، والتحزين من الشيطان، ومن الرؤيا
يحدّث(١) به الرجل نفسه، فإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها، فليَقُم، فَلْيُصَل،
وأكره الغُلَّ في النوم، ويعجبني القيد، فإن القيد ثبات في الدين)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٩٥] (٢٢٦٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
(١) هكذا النسخة، والظاهر أنه سقط منها: ((ما))، كما في سائر الروايات، فليُحرّر.
(٢) ((السُّنن الكبرى)) للنسائيّ ٤/ ٣٩٠.

٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
مَهْدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِي،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُُّوَّةِ)).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشار بن عثمان العبديّ البصريّ، أبو بكر
بُنْدار، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٢)، وله بضع وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود، الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ
حافظٌ [٩] (ت٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٣.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ
[١٠] (ت٢٣٤) وهو ابن أربع وسبعين سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظً عارف بالرجال والحديث، قال ابن المدينيّ: ما رأيت
أعلم منه [٩] (ت١٩٨) وهو ابن ثلاث وسبعين سنةً (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) بن معاذ بن نصر بن حسان العنبريّ، أبو عمرو
البصريّ، ثقةٌ حافظُ، رجَّح ابن معين أخاه المثنى عليه [١٠] (ت٢٣٧) (خ م د
س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٦ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٧ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، خادم رسول الله مَلآ،
خَدَمه عشر سنين، صحابيّ مشهور، مات ◌َظُه سنة اثنتين، وقيل: ثلاث
وتسعين، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٨ - (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الوليد المدنيّ
أحد النُّقَباء، صحابيّ، بدريّ مشهورٌ، مات بالرَّمْلة سنة أربع وثلاثين، وله
اثنتان وسبعون سنةً، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية بنظُه، قال سعيد بن عفير:
كان طوله عشرة أشبار (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٨/١٠.

٧٧
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٍ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩٦)
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْلَثُ، وله فيه أربعة من الشيوخ تصرّف فيهم؛
لما أسلفناه غير مرّة، وفيه أن شيخيه الأوَّلَيْن من شيوخ الجماعة بلا واسطة، وفيه
رواية صحابيّ عن صحابيّ، وشرح الحديث قد تقدّم، فلا حاجة إلى إعادته.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت
(المسألة الثانية): في تخريجه:
نَُّه هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٨٩٥/١ و٥٨٩٦] (٢٢٦٤)، و(البخاريّ) في
((التعبير)) (٦٩٨٧)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥٠١٨)، و(الترمذيّ) في ((الرؤيا))
(٢٢٧١) وفي ((الشمائل)) (٤١٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٧٦٢٥)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٧٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٥/٣ و٢٦٩
و٣١٦/٥ و٣١٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٦٥/٢)، و(البزّار) في ((مسنده))
(١٢٥/٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٩٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك، عَنِ النَّبِّ ◌ِِّ مِثْلَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ثَابِتُ الْبُنَانِيُّ) ابن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات
سنة بضع و(١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨٠/٦.
والباقون تقدموا في السند الماضي.
[تنبيه]: رواية ثابت البنانيّ عن أنس به هذه ساقها ابن الجعد ◌َظُّ في
((مسنده))، فقال:
(١٣٦٣) - حدّثنا أبو خيثمة، نا عبد الرحمن بن مهديّ، نا شعبة، عن
ثابت، عن أنس، عن النبيّ وَلّر قال: ((رؤيا المؤمن جزء من ست وأربعين جزءاً

٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
(١)
من النبوة)). انتهى
٠
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٩٧] (٢٢٦٣ (٢)) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ:
(إِنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءً مِنَ النُّبُوَّةِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكِسّيّ - بمهملة - أبو محمد، قيل: اسمه
عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان، وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩)
(خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣١.
٢ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد بن المسيِّب بن حَزْن بن أبي وهب بن
عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات
الفقهاء الكبار، أبو محمد المدنيّ، من كبار [٢](٣)، اتفقوا على أن مرسلاته
أصح المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه، مات
بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله قبل خمسة
أحاديث، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٩٨] (.) - (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشرُ، عَنْ أَبِي صَالِحِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((رُؤْيَا الْمُسْلِمِ يَرَاهَا، أَوْ تُرَى لَهُ)،
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ
النُّبُوَّةِ)).
(١) ((مسند ابن الجعد)) ٢٠٧/١.
(٢) هذا الرقم مكرر، فتنبّه.
(٣) كذا في ((التقريب)) من كبار الثانية، والظاهر أنه من كبار الثالثة، فليُتأمل.

٧٩
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩٩)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ) الخزّاز - بمعجمات - أبو عبد الله الكوفيّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٢٥) (خ م مد) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨١٦/٢٩.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) - بضمّ الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء - القرشيّ
الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِلِ، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْداني - بسكون الميم -
الكوفي، أبو عبد الرحمن، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٥/٢.
٤ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير - بنون مصغراً - الْهَمْدانيّ، أبو هشام
الكوفيّ، ثقةٌ صاحب حديث، من أهل السُّنَّة، من كبار [٩] (ت١٩٩) وله أربع
وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٥ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثقةٌ حافظٌ عارفٌ بالقراءات، وَرِعٌ، لكنه يُدَلِّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧.
٦ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمان الزيات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان يجلُب
الزيت إلى الكوفة [٣] (ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
و «أبو هريرة څ)) ذُكر قبله.
وقوله: (رُؤْيَا الْمُسْلِمِ يَرَاهَا، أَوْ تُرَى لَهُ)؛ أي: يراها المسلم لنفسه، أو
لغيره، أو يراها غيره له.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٩٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ
أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ ﴿ ﴿ قَالَ: ((رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ
النُُّوَّةِ)).

٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ،
ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٩.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) اليماميّ، صدوقٌ [٨] (خ م مد)
تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٩٢/٣١.
٣ - (أَبُوهُ) يحيى بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ
ثبتٌ، لكنه يدلّس، ويرسل [٥] (ت١٣٢)، وقيل: قبل ذلك (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ ... إلخ) قال الإمام الحافظ ابن عبد البرّ وَُّهُ:
قوله : ((الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح))، وربما جاء في الحديث:
((الرؤيا الصالحة)) فقط، وربما جاء في الحديث أيضاً: ((رؤيا المؤمن)) فقط،
وربما جاء: ((يراها الرجل الصالح، أو تُرَى له)) - يعني: من صالح، وغير
صالح - وهي ألفاظ المحدثين، والله أعلم بها، والمعنى عندي في ذلك على
نحو ما ظهر إلي في الأجزاء المختلفة من النبوة والرؤيا، إذا لم تكن من
الأضغاث، والأهاويل، فهي الرؤيا الصادقة، وقد تكون الرؤيا الصادقة من
الكافر، ومن الفاسق؛ كرؤيا الملك التي فسَّرها يوسف بَّه، ورؤيا الفَتَيَيْن في
السجن، ورؤيا بختنصر التي فسّرها دانيال في ذهاب ملكه، ورؤیا کسری في
ظهور النبيّ وَّ، ورؤيا عاتكة عمة رسول الله وَله في أمر النبيّ وَّ، ومثل هذا
كثير، وقد قسم رسول الله ﴿ الرؤيا أقساماً تغني عن قول كل قائل، ثم أخرج
بسنده عن عوف بن مالك، عن رسول الله وَ له قال: ((الرؤيا ثلاثة: منها أهاويل
الشيطان؛ ليحزن ابن آدم، ومنها ما يَهُمّ به في يقظته، فيراه في منامه، ومنها
جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)).
ثم قال: وهذا يفسر قوله: ((الرؤيا الحسنة)) أنها ما لم تكن من أهاويل
الشيطان، ولا مما يهم به الإنسان في يقظته، ويشغل بها نفسه.
ثم قال: وأَولى ما اعتُمِد عليه في عبارة الرؤيا والأدب فيها لمن رآها،
أو قُصّت عليه ما حدّثنا خلف بن قاسم، ثم ساق بإسناده إلى العلاء بن