النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ (٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَائَةِ، وَإِثْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٥) وَبَيْنَا نَحْنُ نَرْقُبُهُ أَتَانَا مُعَلَّقَ وَقْضَةٍ وَزِنَادَ رَاعِي وقوله: ((وهم جلوس)) مبتدأ وخبر؛ لأن ((بينا))، و((بينما)) يستدعيان بينهما جملة اسميّةً، و((بينما)) مع الجواب خبر ((أنّ)). (فَاسْتَنَارَ)؛ أي: أضاء ذلك النجم، (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟))) قال الطيبيّ تَظُّهُ: هذا ليس للاستعلام؛ لأنه وََّ كان عالِماً بذلك، ولذلك (قَالُوا : - اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ -) بل لأن يجيبوا عمّا كانوا يعتقدونه في الجاهليّة، فيزيله عنهم، ويقلعه عن أصله. انتهى(١). (كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((فَإِنَّهَا)؛ أي: الشُّهُب (لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتٍ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ رَبُّنَا تَبَارََ وَتَعَالَى اسْمُهُ) تنازعه ((تبارك))، و((تعالى)) على الفاعليّة، (إِذَا قَضَى أَمْراً) قال القرطبيّ ◌َُّهُ: أي: أظهر قضاءه، وما حكم به لملائكته؛ لأنَّ قضاءه إنما هو راجع إلى سابق علمه، ونفوذ مشيئته، وحُكمِهِ، وهما أزليان، فاذا أطلع حملة عرشه على ما سبق في علمه خضعت الملائكة لعظمته، وضجَّت بتسبيحه، وتقديسه، فيسمع ذلك أهل السماء التي تليهم، وهكذا ينتهي التسبيح لملائكة سماء الدنيا، ثم يتساءلون فيما بينهم: ماذا قال ربكم؟، على الترتيب المذكور في الحديث. انتهى (٢). (سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا) صفة لـ((السماء))، قال الطيبيّ: فإن قلت: الدنيا صفة للسماء، والسماء صفة لاسم الإشارة، فكيف يصحّ وصف الوصف؟. قلت: إنما لا يصحّ حيث كانت الصفة مفهوماً لا ذاتاً، وأوصاف أسماء الإشارة ذوات، فيصحّ وصفها. انتهى(٣). (ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ. قَالَ: فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَوَاتِ بَعْضَاً، حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَخْطَفُ) تقدّم أنه بفتح الطاء، من باب تَعِبَ على المشهور، (١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٢٩٩٥/٩. (٢) ((المفهم)) ٦٣٧/٥ - ٦٣٨. (٣) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٢٩٩٥/٩. ٤٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى وبه جاء القرآن الكريم، وفي لغة قليلة بكسرها، ومعناه: تسترقّ، وتأخذ بسرعة. (الْجِنُّ السَّمْعَ)؛ أي: المسموع لهم من الملائكة، (فَيَقْذِفُونَ) بكسر الذال، من باب ضرب؛ أي: يرمون بذلك المختطف (إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ)؛ أي: الكهّان، (وَيُرْمَوْنَ بِهِ) بالبناء للمجهول؛ أي: يُرمى الجنّ بذلك النجم الذي رُمي به، قال الطيبيّ: قوله: ((ويُرمون)) عطف على ((يُقذفون))، فعلى هذا رميهم بالشهاب بعد إلقائهم الكلمة إلى أوليائهم، وهو إحدى الحالتين اللتين في الحديث الآخر لابن عبّاس ◌ًا عند البخاريّ، وفيه قوله: ((وربّما ألقاها قبل أن يُدركه)). انتهى(١). (فَمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ)؛ أي: دون تغيير وزيادة، (فَهُوَ حَقٌّ) لكونه من خبر السماء الذي هو وحيٌّ من الله تعالى، (وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ) بكسر الراء، من باب ضرب؛ أي: يزيدون فيه كذباً وزوراً، فيكون قوله: (وَيَزِيدُونَ))) عَطْفَ تفسير له، قال الطيبيّ: عدّاه بفي على تضمين معنى الكذب، وقال في ((القاموس))، و((شرحه): وقَرَفَ عَلَيْهِم يَقْرِفُ قَرْفاً: إِذا بَغَى عَلَيْهِم، وقَرَفَ فُلاناً: عابَهُ، أَو اتَّهَمَه، ويُقالُ: هو يُقْرَفُ بكَذا؛ أَي: يُرْمَى به، ويُتَّهَمُ، فهو مَقْرُوفٌ. وقرَفَ الرَّجُلَ بسُوءٍ: رَماه به. وقَرَفَ لِعيالِه: إِذا كَسَبَ لَهُم من هُنا، ومن هُنا. وقَرَفَ قَرْفاً: إِذا خَلَّطَ تَخْلِيطاً. وقَرَفَ عَلَيهِمْ قَرْفاً: إِذا كَذَبَ. انتهى باختصار(٢) . وقال القرطبيّ: قوله: ((ولكنهم يفرقون فيه، ويزيدون)) هكذا عند ابن ماهان، وهو من القَرْف: وهو الخلط، قاله صاحب الأفعال؛ أي: يخلطون فيها من الكذب. ورواه يونس: ((يُرَفَّون)) بضم الياء، وفتح الراء، وتشديد القاف. وفي بعض النسخ: ((يَرْقُون)) - بفتح الياء، وتسكين الراء، وتخفيف القاف -؛ أي: يتقوَّلون. يقال: رَقي فلان على الباطل بكسر الراء؛ أي: تقوَّله، وهو من الرُّقِيّ: وهو الصعود؛ أي: إنهم يقولون فوق ما سمعوا. قاله (٣) القاضى عياض. انتهى (١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٢٩٩٥/٩. (٢) ((تاج العروس)) ٦٠٦٧/١. (٣) ((المفهم)) ٦٣٨/٥ - ٦٣٩. ٤٤٣ (٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَانَةِ، وَإِنْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٥) وقال النوويّ ◌َقْتُ: قوله وَل﴿ في رواية صالح، عن ابن شهاب: ((ولكنهم يقرفون فيه، ويزيدون)) هذه اللفظة ضبطوها من رواية صالح على وجهين: أحدهما: بالراء، والثاني: بالذال، ووقع في رواية الأوزاعيّ، وابن معقل بالراء باتفاق النسخ، ومعناه: يَخلطون فيه الكذب، وهو بمعنى يقذفون، وفي رواية يونس: ((يُرَقّون)) قال القاضي عياض: ضبطناه عن شيوخنا بضم الياء، وفتح الراء، وتشديد القاف، قال: ورواه بعضهم بفتح الياء، وإسكان الراء، قال في ((المشارق)): قال بعضهم: صوابه بفتح الياء، وإسكان الراء، وفتح القاف، قال: وكذا ذكره الخطابيّ، قال: ومعناه معنى يزيدون، يقال: رَقِيَ فلان إلى الباطل، بكسر القاف؛ أي: رفعه، وأصله من الصعود؛ أي: يَدّعُون فيها فوق ما سمعوا، قال القاضي: وقد تصحّ الرواية الأولى على تضعيف هذا الفعل، وتكثيره، والله أعلم. انتهى(١). [تنبيه]: أخرج البخاريّ كَّلُ في ((صحيحه)) ما يبيّن كيفيّة استراقهم السمع، فقال: (٤٨٠٠) - حدّثنا الحميديّ، حدّثنا سفيان، حدّثنا عمرو، قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبيّ الله ◌َ * قال: ((إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعَاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحقّ، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع، هكذا، بعضه فوق بعض، ووصف سفيان بكفّه، فحرّفها، وبَدَّد بين أصابعه، فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يُلقيها على لسان الساحر، أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يُلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيُصَدَّق بتلك الكلمة التي سَمِع من السماء)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٦/١٤ - ٢٢٧. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ١٨٠٤/٤. ٤٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا من أفراد المصنّف ◌َخَذُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٨٠٥/٢٠ و٥٨٠٦] (٢٢٢٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٨/١)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٢٢٤)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٧٠١/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٢٩)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (١١٣/٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كذب الكهّان، فلا يجوز الاعتماد عليهم فيما يُخبرون به. ٢ - (ومنها): أن النجم الساقط إنما يُرمى به لِرَجْم هؤلاء الجنّ المُسْتَرْقِين للسمع. ٣ - (ومنها): أن هذا الحديث بمعنى قوله ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِنَةٍ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَنِ مَّارِدٍ ﴿ لَّا يَسَمَّعُونَ إِلَى الْعَلَا الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ آلگوَكِبِ ١٠) دُعُورِّاً وَلَمْ عَذَابٌ وَاصِبُ (٨) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ٨ جَانِبٍ [الصافات: ٦ - ١٠]. ٤ - (ومنها): أن هذا الحديث يردّ مزاعم الفلاسفة حيث ينفون أن تكون النجوم ناراً محرقةً للجنّ، قال صاحب ((التكملة)): وكان فلاسفة اليونان يزعمون أن الشهاب الثاقب مادّة أرضيّةٌ تصعد بواسطة البخار إلى الطبقات العليا في الجوّ، ثم تقرب من كرة النار، فتُحرق، والذي يُفهم من القرآن الكريم، ومن الأحاديث أنه جرم من الأجرام الفلكيّة يُرمى به الشياطين، ومن ثمّ كان المفسّرون القدامى يؤمنون بما جاء في القرآن والسنّة، ويتركون ما يقول به الفلاسفة على أساس أنه ظنّ وتخمين، لا يقاوم ما في القرآن الكريم من العلم، وقد أظهرت علوم الفلك اليوم أن ما قاله فلاسفة اليونان باطلٌ محضّ، والرأي السائد اليوم فيما بين الفلكيين أن الشهاب إنما هو قطع كوكبيّة سماويّة، وهي أجسام صغيرة كثيرة، ومنها مجموعة تسمّى الأسديّة، وهي تتمّ دورتها حول الشمس في شكل إهليلجيّ في (٣٣) سنة، وما النور الذي ينزل من تلك ٤٤٥ (٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَانَةِ، وَإِنْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٥) الشهب إلا من سرعتها واحتكاكها بمادة الجوّ كما يقدح الزناد، وهذا الرأي أقرب إلى القرآن الكريم من رأي أهل اليونان. وأما ما يستغربه بعض الناس من كون هذه الشهب رجوماً للشياطين، فهو مجرّد استغراب واستبعاد، وليس على نفي ذلك دليلٌ قائم. وقال الطنطاويّ في تفسيره ((الجواهر)) (١٤/٨): إذا كان آباؤنا وحكماؤنا كُبُر عليهم أن يخالف القرآنُ علمَ الفلك في زمانهم، ولم يرض المفسّرون منهم أن يبقوا على مذاهبهم الفلسفيّة، بل مشوا مع القرآن، ثم ظهر لهم بطلان المذهب القديم، فهل هناك من مانع يمنع أن تكون الكواكب محرقةً، أو مخبلة، أو مؤذيةً لتلك الأرواح؟ ذلك نسلّم به حتى ننظر في المستقبل. انتھی(١). ٥ - (ومنها): بيان أن ما يصدق فيه الكهّان إنما هو الذي اسْتَرَقَه الجنيّ من كلام الملائكة، ثم يخلطون به مائة كذبة. ٦ - (ومنها): أن فيه ما يدلّ على أن حملة العرش أفضل الملائكة، وأعلاهم منزلة، وأن فضائل الملائكة على حسب مراتبهم في السموات. ٧ - (ومنها): أن جميع الملائكة لا يعلمون شيئاً من الأمور الغيبيّة إلا بأن يُعلمهم الله تعالى به، كما قال تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا ﴿ إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ﴾ الآية [الجن: ٢٦، ٢٧]. ٨ - (ومنها): أن فيه أيضاً ما يدلّ على أن علوم الملائكة بالكائنات يستفيده بعضهم من بعض، إلا حملة العرش؛ فإنهم يستفيدون علومهم من الحقّ ◌َلاَ، فإنَّهم هم المبدوؤون بالإعلام أولاً، ثم إن ملائكة كل سماء تستفيد من التي فوقها . ٩ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن النجوم لا يُعْرَف بها علم الغيب، ولا القضاء، ولو كان كذلك لكانت الملائكة أعلم بذلك وأحقّ به، وكل ما يتعاطاه المنجمون من ذلك فليس شيء منه علماً يقيناً؛ إنَّما هو رجم بظن، وتخمين بِوَهْم، الإصابة فيه نادرة، والخطأ والكذب فيهم غالب، وهذا مشاهد من (١) ((تكملة فتح الملهم)) ٣٨٨/٤. ٤٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى أحوال المنجمين، والمطلوب من العلوم النجوميات ما يُهْتَدى به في الظلمات، وتُعرف به الأوقات، وما سوى ذلك فمخارق وتُرَّهات، ويكفي في الردّ عليهم: ظهور كذبهم، واضطراب قولهم، وقد اتفقت الشرائع على أن القضاء بالنجوم محرَّم مذموم. قاله القرطبيّ ◌َُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): ذكر الشيخ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيريّ كَُّ في كتابه المسمّى بـ(مفاتيح الحُجَج)) في إبطال مذهب المنجّمين، وأطنب فيه، وذَكَر أقوالهم، وقال: وأقربها قول من قال: هذه الحوادث يُحدثها الله تعالى ابتداءً بقدرته، واختياره، ولكن أجرى العادة بأنه إنما يخلقها عند كون هذه الكواكب في البروج المخصوصة، ويختلف باختلاف سيرها، واتّصالاتها، ومطارح أشعّتها على جهة العادة من الله تعالى، كما أجرى العادة بخلق الولد عقب الجماع، وخلق الشِّبَع عقب الطعام، ثم قال: هذا في القدرة جائز، لكن ليس عليه دليلٌ، ولا إلى القطع سبيل؛ لأن ما كان على جهة العادة يجب أن يكون الطريق فيه مستمرّاً، وأقلّ ما فيه أن يحصل التكرار، وعندهم لا يحصل وقت في العالم مكرّر على وجه واحد؛ لأنه إذا كان في سنة الشمس مثلاً في درجة من برج، فإذا عادت إليها في السنة الأخرى، فالكواكب لا يتّفق كونها في بروجها، كما كانت في السنة الماضية، والأحكام تختلف بالقرائن، والمقابلات، ونظرٍ الكواكب بعضها إلى بعض، فلا يحصل شيء من ذلك ـكرّراً. واتّفقوا على أنه لا سبيل إلى الوقوف على الأحكام، ولا يجوز القطع على البتّ؛ لتعذّر الإحاطة بها على التفصيل. ومما يدلّ على أنه لا حجة في قولهم أنهم اختلفوا فيما بينهم في حكم الزّنج، فلأهل هند وسِنْد طريق يخالف أرباب الزّنج الممتحن. وفصل الشيخ في الاختلاف بينهم تفصيلاً، ثم قال: ومما يدلّ على فساد قولهم أن يقال: أخبرونا عن مولودين وُلدا في وقت واحد، أليس يجب تساويهما في كلّ وجه؟ لا تمييز بينهما في الصورة والقدر والمنظر حتى لا (١) ((المفهم)) ٦٣٨/٥. ٤٤٧ (٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَانَةِ، وَإِنْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٦) يصيب أحدهما نكبة إلا أصاب الآخر، وحتى لا يفعل هذا شيئاً إلا والآخر يفعل مثله، وليس في العالم اثنان هذا صفتهما . قالوا: ومن المحال أن يوجد مولودان في العالم في وقت واحد، ولا بدّ أن يتقدّم أحدهما على الآخر، فيقال: أمحال ذلك في العقل والتقدير، أم في الوجود؟ فإن قالوا: بالأول بانَ فساد قولهم، وإن قالوا بالثاني قيل: وما يؤمّنكم منه؟ . فإن قالوا: ليس أمر الكسوفين يصدق، قلنا: ليس أمر الكسوفين من الأحكام، وإنما هو من طريق الحساب، وذلك غير منكَر، ويجوز أن يكون أمر سَيْر الكواكب على ما قالوه، وقد ورد في الشريعة في أمر الكسوفين أنه آية من آيات الله. فإن قالوا: فما قولكم في المنجّمين، إنهم مخطئون في جميع ما يحكمون، مكابرون للعقول؟ . قلنا: إنا نقول: إنهم مخطئون في أصولهم عن شُبَهٍ وقعت لهم، فلا يعرفون بطلان قولهم مكابرةً للعقول، ولا بالضرورة، بل جزموا على مقتضى قواعد بَنَوْها على أصول فاسدة وقعت الشبهة لسلفهم في أصول قواعدهم، فربّما يصيبون في تركيب الفروع على تلك الأصول، فمنزلتهم في الأحكام كمنزلة أصحاب الحدس والتخمين، وأصحاب الزوج والفرد، فربّما يصيبون اتّفاقاً، لا عن ضرورة، وربّما يُخطئون، وكثيراً ما نجد من الفلاحين والملّاحين يعتبرون نوع ما اعتادوا من توقّع المطر، وهبوب الريح في أوقات راعوها بدلالات ادعوا أنهم جرّبوها في السماء والهواء، وغير ذلك، فيحصل بعض أحكامهم اتّفاقاً، لا تحقيقاً. انتهى منقولاً من ((الكاشف)) للطيبيّ ◌َُّهُ(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٥٨٠٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَّا (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٩٩٦/٩ - ٢٩٩٧. ٤٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ - يَعْنِي: ابْنَ عُبَيْدِ اللهِ - كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ يُونُسَ قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ مِنَ الأَنْصَارِ، وَفِي حَدِيثِ الأَوْزَاعِيِّ: ((وَلَكِنْ يَقْرِفُونَ فِيهِ، وَيَزِيدُونَ))، وَفِي حَدِيثٍ يُونُسَ: ((وَلَكِنَّهُمْ بَرْقَوْنَ فِيهِ، وَيَزِيدُونَ))، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ يُونُسَ: وَقَالَ اللهُ: ﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقّ﴾، وَفِي حَدِيثِ مَعْقِلِ كَمَا قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: ((وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ، وَيَزِيدُونَ))). رجال هذه الأسانيد: أحد عشر: ١ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨]°(ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ يعني: أن الثلاثة: الأوزاعيّ، ويونس، ومعقل بن عبيد الله رووا عن الزهريّ، عن عليّ بن حسين، عن ابن عبّاس، عن رجل من أصحاب النبيّ وَّ. وقوله: (﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣])، قال القرطبيّ: قرأه ابن عامر، ويعقوب: (فَزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) مبنياً للفاعل، ويكون فيه ضمير يعود على الله تعالى؛ أي: أزال عن قلوبهم الفزع، وهذا على نحو قولهم: مرَّضتُ المريض؛ إذا عالجته، فأزلتُ مرضه. وقرأه الجماعة: ﴿فَزِّعَ﴾ بضم الفاء؛ مبنياً للمفعول الذي لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: أُزيلَ عن قلوبهم الفزع، وهو الذعر، على كلتا القراءتين. قال كعب: إذا تكلّم الله بلا كيف ضربت الملائكة بأجنحتها، وخرَّت فزعاً، ثم قالوا فيما بينهم: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾. وقوله: (﴿قَالُواْ الْحَقّ﴾) بالنصب على أنه نَعْت لمصدر محذوف؛ أي: قال: القول الحق، وهو مفعول مطلق، لا مفعول به؛ لأنَّ القول لا يتعدَّى إلا إلى الجُمَل، في أكثر قول النحويين. ٤٤٩ (٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَانَةِ، وَإِثْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٦) وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾؛ أي: العلي شأنُهُ، الكبيرُ سلطانُهُ. انتهى(١). [تنبيه]: رواية الأوزاعيّ عن الزهريّ، ساقها أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب ((العرش))، فقال: (٢١) - حدّثنا مَلِيح بن وكيع، وإسحاق بن موسى، قالا: نا الوليد بن مسلم، حدّثني أبو عمرو الأوزاعيّ عبد الرحمن بن عمرو قال: حدّثني ابن شهاب الزهريّ، حدّثني عليّ بن حسين بن عليّ، عن عبد الله بن عباس، عن رجال من الأنصار، أنهم كانوا عند رسول الله ﴿ ﴿﴿ إِذ رُمي بنجم، فاستنار، فقال رسول الله قال: ((ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية؟)) قالوا: كنا نقول: وُلد الليلة رجل عظيم، أو مات رجل عظيم، فقال رسول الله وَليقول: ((إنه لا يُرْمَى بها لموت أحد، ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى في السماء أمراً، سبَّحته حملة العرش، ثم سبّحته ملائكة السماء الذين يلون العرش، ثم سبّحته أهل السماء الثانية، حتى ينتهي التسبيح إلى السماء الدنيا، ثم يقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ثم يستخبر أهل السماء أهل السماوات بعضهم بعضاً، حتى ينتهي الخبر إلى السماء، وتخطف الجنّ السمع، فما جاءوا به على وجهه فهو حقّ، ولكنهم یقْرِفون فیه، ویزیدون)). انتهى(٢). ورواية يونس بن يزيد عن الزهريّ ساقها ابن منده كَّهُ في ((الإيمان))، فقال : (٦٩٨) - أنبأ أحمد بن عمرو أبو الطاهر، ثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عليّ بن الحسين، أن ابن عباس قال: أخبرني رجال من أصحاب النبيّ وَّر من الأنصار، أنهم بينما هم جلوس ليلةً مع رسول الله وَ له إذا رُمي بنجم، فاستنار، فقال لهم رسول الله وَّيقول: ((ماذا كنتم تقولون في الجاهلية، إذا رُمِيَ بمثل هذا؟)) قالوا : - الله ورسوله أعلم - كنا نقول: وُلد الليلة عظيم، ومات عظيم، فقال (١) ((المفهم)) ٦٣٩/٥. (٢) ((العرش)) ٦١/١ لأبي جعفر محمد بن عثمان بن محمد بن أبي شيبة. ٤٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى رسول الله وَله: ((إنها لا تُرمى لموت أحد، ولا لحياته، ولكن ربنا إذا قضى أمراً سبّح حملة العرش، ثم سبّح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الذين يلون حملة العرش، ماذا قال ربكم(١)، فيخبرونهم، فيسبّح أهل السموات حتى يبلغ الخبر أهل هذه السماء الدنيا، فيخطف الجنّ السمع، فيذهبون إلى أوليائهم، فما جاءوا به على وجهه فهو حقّ، وإنهم يَقْرِفون فيه، ويزيدون، قال الله ◌َ: ﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقّ﴾)). انتهى(٢). وأما رواية معقل بن عبيد الله عن الزهريّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْلَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٨٠٧] (٢٢٣٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا بَحْيَى - يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ، عَنْ بَعْضٍ أَزْوَاجِ النَّبِّ وَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((مَنْ أَتَى عَرَّافاً، فُسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى البصريّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريباً. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٥ - (صَفِيَّةٌ) بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفيّة، زوج ابن عمر، قيل: لها إدراك، وأنكره الدار قطنيّ، وقال العجليّ: ثقةٌ، قال في ((التقريب)): فهي من الثانية (خت م د س ق) تقدمت في ((الطلاق) ٣٧٣٠/٩. ٦ - (بَعْضُ أَزْوَاج النَّبِيِّ بَِّهِ) هي حفصة بنت عمر ◌َّ، أم المؤمنين المتوفّاة سنة (٤٥) (ع) تقدّمت في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٧٦/١٥. (١) هكذا النسخة، والظاهر أن فيه سقطاً، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. (٢) ((الإيمان لابن منده)) ٧٠١/٢ - ٧٠٢. ٤٥١ (٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَانَةِ، وَإِنْبَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٧) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف نَُّ، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريّان، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وتقدّموا غير مرّة. شرح الحديث: (عَنْ بَعْضٍٍ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَِّيه) هي حفصة أم المؤمنين ﴿ّا، كما بيّنها أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارميّ في ((مسندها))(١). (عَنِ النَّبِيِّ بَّرِ أنه قَالَ: ((مَنْ أَتَى عَزَّافاً) - بفتح العين المهملة، وتشديد الراء -: من يستخرج الوقوف على المغيَّبات بضرب من فعل، أو قول، قاله في ((الفتح))، وقال الخطابيّ وغيره: العرّاف: هو الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق، ومكان الضالة، ونحوهما(٢). وقال النوويّ: الفرق بين الكاهن والعرّاف، أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكوائن المستقبلة، ويزعم معرفة الأسرار، والعرّاف يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالّة، ونحو ذلك، ومن الكهنة من يزعم أن جنّاً يُلقي إليه الأخبار، ومنهم من يَدّعي إدراك الغيب بفهم أعطيه، وأمارات يستدلّ بها عليه. انتهى (٣) . وقال الراغب: العَرَافة مختصة بالأمور الماضية، والكهانة بالحادثة، وكان ذلك في العرب كثيراً، وآخر من رُوي عنه الأخبار العجيبة: سَطِيح، وسَوَاد بن قَارِب. انتهى (٤). (فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ)؛ أي: من المغيبات، ونحوها (لَمْ تُقْبَلْ) بالبناء للمجهول، (لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) خَصّ العدد بالأربعين على عادة العرب في ذِكْر الأربعين والسبعين، ونحوهما، للتكثير، أو لأنها المدّة التي ينتهي إليها تأثير تلك المعصية في قلب فاعلها، وجوارحه، وعند انتهائها ينتهي ذلك (١) ((تنبيه المعلم)) ص٣٨١. (٣) ((فيض القدير)) للمناويّ ٢٢/٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢٧/١٤. (٤) ((فيض القدير)) ٢٣/٦. ٤٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى التأثير، ذكره القرطبيّ، وخَصّ الليلة؛ لأن من عاداتهم ابتداء الحساب بالليالي، وخص الصلاة؛ لكونها عماد الدين، فصومه كذلك، كذا قيل، قاله المناويّ كَذَتُهُ(١). وقال النوويّ كَّتُهُ: معنى الحديث: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يَحتاج معها إلى إعادة، ونظير هذه: الصلاةُ في الأرض المغصوبة مُجْزِئةٌ، مُسْقِطة للقضاء، ولكن لا ثواب فيها، كذا قاله جمهور أصحابنا، قالوا: فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أتى بها على وجهها الكامل، ترتب عليها شيئان: سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإذا أدّاها في أرض مغصوبة حصل الأول دون الثاني، ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العرّاف إعادة صلوات أربعين ليلة، فوجب تأويله. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: القول بإجزاء تلك الصلاة محلّ نظر، فأين الدليل على ذلك؟ بل الظاهر أنها غير مجزئة، وماذا يفعل النوويّ ومن يرى رأيه بحديث: ((لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضّأ)) متفقٌ عليه؟، فهل إذا صلى تجزؤه؟ هيهات، وكذا حديث: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار))؟ حديث صحيح رواه أبو داود، فهل لو صلّت المرأة بغير خمار يُجزئها؟ هيهات، وهل بين هذه النصوص فرق؟ هيهات، فتأمل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث صفيّة عن بعض أزواج النبيّ ◌َلّ من أفراد المصنّف رَحْذَلُهُ . [تنبيه]: أخرج هذا الحديث الضياء المقدسيّ في ((الأحاديث المختارة)) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراورديّ، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن صفية بنت أبي عبيد، أنها سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول: (١) ((فيض القدير)) ٢٣/٦. ٤٥٣ (٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَائَةِ، وَإِنْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٧) سمعت رسول الله وَه يقول: ((من أتى عَرّافاً لا تُقبل له صلاة أربعين ليلة))(١)، فجعله من مسند عمر ظه، والصحيح أنه من مسند بعض أزواج النبيّ وَل قوله كما أخرجه مسلم هنا، فوهم فيه الدراورديّ، وقد بيّن ذلك الحافظ ابن رجب تَّثُ في ((شرح علل الترمذيّ))، فقال في ترجمة عبد العزيز بن محمد الدراورديّ: قال أحمد: أحاديثه عن عبيد الله بن عمر، تشبه أحاديث عبد الله بن عمر، قال أبو حاتم الرازيّ: ظهر مصداق قول أحمد في حديث الدراورديّ عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: ((من أتى عرّافاً فصدّقه بما يقول، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)). قال: والناس يروونه عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، وليس يُشبه هذا حديث عبيد الله، ورواه الدراورديّ، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عمر، عن النبيّ وَّ، ثم قال: وعن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مثله. قال ابن رجب: والصحيح أن عبيد الله بن عمر إنما رواه عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن بعض أزواج النبيّ وَ﴿، وهذا أصحّ من حديث أبي بكر بن نافع، قاله ابن المدينيّ، وقد خَرَّجه مسلم في ((صحيحه)) من طريق يحيى القطان، عن عبيد الله، كما ذكرناه، وقال النسائيّ: الدراورديّ ليس به بأس، حديثه عن عبيد الله بن عمر منكرٌ. انتهى كلام ابن رجب ◌َّثُ، وهو تحقيقُ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٨٠٧/٢٠] (٢٢٣٠)، و(أحمد) في («مسنده» (٦٨/٤ و٣٨٠/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣٨/٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن إتيان العرافين كبيرة، يَمنع من قبول الصلاة أربعين ليلةً. ٢ - (ومنها): ما قال القرطبيّ كَخَّلهُ: ظاهره أن صلواته في هذه الأربعين (١) ((الأحاديث المختارة)) ٢٤٥/١. ٤٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى تَحْبَط، وتَبْطُل، وهو جارٍ على أصول الخوارج الفاسدة في تكفيرهم بالذنوب، وقد بيَّنا فساد هذا الأصل فيما تقدم، وأنه لا يَحبط الأعمال إلا الردة، وأما غيرها فالحسنات تُبطل السيئات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اُلْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ اُلسَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وهذا مذهب أهل السنّة والجماعة، فليس معنى قوله: ((لا تقبل له صلاة)) أن تحبط، بل إنما معناه - والله أعلم - أنَّها لا تُقبل قبول الرضا، وتضعيف الأجر. لكنه إذا فعلها على شروطها الخاصة بها، فقد برئت ذمّته من المطالبة بالصلاة، وتَفَصّى عن عهدة الخطاب بها، ويفوته قبول الرضا عنه، وإكرامه، وثوابه، ويتضح ذلك باعتبار ملوك الأرض، ولله المثل الأعلى، وذلك أن الْمُهدِي إليهم: إما مردودٌ، أو مقبول منه، والمقبول: إما مقرَّب مُكرَّم مثاب، وإما ليس كذلك. فالأول: هو المبعدُ المطرود، والثاني: هو المقبول القبول القائم الكامل. والثالث: لا يصدق عليه أنه مثل الأول، فإنه لم تردّ هديته، بل: قد التُّفِت إليه، وقُبلت منه. لكنه لمّا لم يُثَب، ولم يُقْرَّب صار كأنه غير مقبول منه، فَيَصْدُق عليه أنَّه لم يُقبل منه إذ لم يحصل له ثواب ولا إكرام. قال الجامع عفا الله عنه: كلام القرطبيّ هذا فيه نظر لا يخفى، فكلامه يدلّ على أن هذا الذي قرّره في كلامه المذكور مذهب أهل السنّة والجماعة، وهو غير صحيح، فقد قال بعدم إجزاء الصلاة في الدار المغصوبة أحمد بن حنبل، وكذا قال غيرها في غيرها، فهل يقول القرطبيّ هذا الكلام في حديث: ((لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضّأ))، لا تقبل صلاته قبول الرضا، وتكون مجزئةً؟، هيهات، وهل يقول مثل هذا في حديث: ((لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار))؛ أي: قبول الرضا، وتجزيها؟ هيهات، وَقِسْ على هذا. والحاصل: أن كون عدم القبول كناية عن عدم الإجزاء هو الواضح، ومثله في الصلاة في الدار المغصوبة، وصلاة الآبق، وصلاة شارب الخمر، وغير ذلك، فكلّها معناه أنها لا تجزىء، بل تجب إعادتها، وقد أوضحت هذا في ((التحفة المرضيّة)) في الأصول، و((شرحها))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق . ٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخْذُ أيضاً: تخصيصه وله الأربعين بالذكر ٤٥٥ (٢٠) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَاتَةِ، وَإِنْيَانِ الْكُهَّانِ - حديث رقم (٥٨٠٧) قد جاء في مواضع كثيرة من الشرع، منها: قوله في شارب الخمر: ((لا تقبل له صلاة أربعين يوماً))(١)، وقوله: ((والذي نفسي بيده! إنه لَيُجْمَع خَلْق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك))(٢)، وقوله: ((من أخلص لله أربعين ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه))(٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ﴾ [البقرة: ٥١]، ومنه: توقيته بَّ في قص الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق العانة: ألّا تُترك أكثر من أربعين ليلة، فتخصيص هذه المواضع بهذا العدد الخاص: هو سرٌّ من أسرار الشريعة لم يطلع عليه نصّاً، غير أنه قد تنسّم منه بعضُ علمائنا أمراً تسكن النفسُ إليه، وذلك: أنه قال: إن هذا العدد في هذه المواضع إنما خُصَّ بالذِّكر لأنَّه مدَّة يكمل فيها ما ضربت له، فينتقل إلى غيره، ويحصل فيها تبدُّله، وبيانه بانتقال أطوار الخلقة، في كل أربعين منها يكمل فيها طور، فينتقل عند انتهائه إلى غيره، كما قد نصَّ عليه في الحديث، وكذلك في الأربعين الميعادية: أمر بنو إسرائيل أن يكملوا تهيُّؤهم لسماع كلام الله، فكّمُل لهم ذلك عند انتهائها، ومثل ذلك في الأربعين الإخلاصية، وأما أربعون شارب الخمر فلِيَتَبذَّل لحم شارب الخمر بغيره، ويؤيده أن أهل التجارب قالوا: إن السِّمَن يظهر في الحيوان في أربعين يوماً، وقريبٌ من هذا الأربعون المضروبة لخصال الفطرة؛ لأنَّها عند انتهائها يكمل فحشها، واستقذارها، فينبغي أن تغيّر عن حالها. وأما أربعون إتيان العراف فلأنها - والله أعلم - المدة التي ينتهي إليها تأثير تلك المعصية في قلب فاعلها، وفي جوارحه، وعند انتهائها ينتهي ذلك التأثير. والله تعالى أعلم، وهو العليم الخبير. انتهى كلام القرطبيّ كَذُّهُ(٤)، وهو بحثٌ جيّد، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قد ورد في ذم الكهانة ما أخرجه أصحاب ((السنن))، وصححه (١) حديث صحيح، رواه النسائيّ ٣١٦/٨. (٢) متفقٌ عليه. (٣) حديث ضعيف، رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٠١٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ١٨٩/٥. (٤) ((المفهم)) ٦٣٥/٥ - ٦٣٧. ٤٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى الحاكم من حديث أبي هريرة ◌َُّبه رفعه: ((من أتى كاهناً، أو عَرّافاً، فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد پ$))، وله شاهد من حديث جابر، وعمران بن حصين طه، أخرجهما البزار بسندين جيدين، ولفظهما: ((من أتى كاهناً ... ))، وأخرج أبو يعلى من حديث ابن مسعود رَظُه بسند جيد، لكن لم يصرح برفعه، ومثله لا يقال بالرأي، ولفظه: ((من أتى عَرّافاً، أو ساحراً، أو كاهناً ... ))، واتفقت ألفاظهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة بصلاته، إلا حديث مسلم، فقال فيه: ((لم يُقبل له صلاة أربعين يوماً))، ووقع عند الطبرانيّ من حديث أنسٍ بسند ليّن، مرفوعاً بلفظ: ((من أتى كاهناً، فصدّقه بما يقول، فقد برئ مما أُنزل على محمد وَلَ﴿، ومن أتاه غير مصدِّق له، لم تُقبل صلاته أربعين يوماً)). قال الحافظ ◌َذَتُهُ: والأحاديث الأُوَلُ مع صحتها، وكَثْرتها أولى من هذا، والوعيد جاء تارةً بعدم قبول الصلاة، وتارةً بالتكفير، فَيُحْمَل على حالين من الآتي، أشار إلى ذلك القرطبيّ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّ ◌ِلَلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٢١) - (بَابُ اجْتِنَابِ الْمَجْذُوم) ((الْجُذَام)) - بضم الجيم، وتخفيف المعجمة -: هو عِلَّ رَدِيئَةٌ، تحدُث من انتشار الْمِرّة السوداء في البدن كله، فتُفسِد مزاج الأعضاء، وربما أفسد في آخره إيصالها حتى يتأكل، قال ابن سيده: سُمِّي بذلك؛ لتجذّم الأصابع، (٢) وتقطعها. انتهى ٠ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْلَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٨٠٨] (٢٢٣١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ (١) ((الفتح)) ٢١٧/١٠. (٢) ((الفتح)) ٩٥/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٠٧). ٤٥٧ (٢١) - بَابُ اجْتِتَابِ الْمَجْلُومِ - حديث رقم (٥٨٠٨) عَطَاءٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ فِي وَقْدِ ثَقِيفِ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ، فَارْجِعْ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي شريك النخعيّ الكوفيّ القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوقٌ يُخطىء كثيراً، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلاً فاضلاً عابداً شديداً على أهل البدع [٨] (ت٧ أو ١٧٨) (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٣٠/٣٦. ٢ - (هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ) السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٣ - (يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ) العامريّ، أو الليثيّ الطائفيّ، ثقة [٤] (ت١٢٠) أو بعدها (زم ٤) تقدم في ((الصلاة)) ٩٣٩/٢١. ٤ - (عَمْرُو بْنُ الشَّرِيد) - بفتح الشين المعجمة - ابن سُويد الثقفيّ، أبو الوليد الطائفيّ، ثقة [٣]. قال العجليّ: حجازيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، فروى له في ((الشمائل))، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا برقم (٢٢٣١)، وحديث (٢٢٥٥): ((هل معك من شعر أميّة ... )). ٥ - (أَبُوهُ) الشريد - بوزن الطّويل - ابن سُويد، مصغّراً الثقفيّ، صحابيّ، شهِد بيعة الرضوان، وقيل: إنه من حضرموت، وعِدَاده في ثقيف. رَوَى عن النبيّ ◌َّ، وعنه ابنه عمرو، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن نافع الثقفيّ، ويعقوب بن عاصم الثقفيّ بالشك في بعض الروايات، وقال أبو نعيم: أردفه النبيّ ◌َّ﴿ وراءه، وقيل: اسمه مالك، ووَفَد على النبيّ ◌َ﴿، فسمّاه الشَّرِيد، وشَهِد بيعة الرضوان. علَّق البخاريّ له حديثاً في ((كتاب القرض))، وأخرج له في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في ((الشمائل))، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب الحديثان المذكوران في ترجمة ابنه قبله. ٤٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى والباقيان تقدّما في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيات المصنّف نَّتُهُ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن، عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) الثقفيّ الطائفيّ (عَنْ أَبِيهِ) الشّريد بن سُوید مضرعنه أنه (قَالَ: كَانَ فِي وَقْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُوٌ)؛ أي: أصابه مرض الجُذام، قال المجد: و((الْجُذَامِ)) كغُرَاب: عِلّةٌ تَحدُث من انتشار السوداء في البدن كلّه، فيَفسُد مِزاجُ الأعضاء، وهيأتُها، وربّما انتهى إلى تآكل الأعضاء، وسقوطها عن تقرّح، ◌ُذِمَ كعُنِيَ، فهو مَجذوٌ، ومُجَذَّمٌ، وأجزم، ووهِمَ الجوهريّ في منعه. انتھی. وقال الفيّوميّ: الجَذْمُ القطع، وهو مصدرٌ، من باب ضَرَبَ، ومنه يقال: جُذِمَ الإنسان بالبناء للمفعول: إذا أصابه الْجُذَام؛ لأنه يقطَعُ اللحم، ويُسقطه، وهو مجزوم، قالوا: ولا يقال فيه من هذا المعنى: أجذم وِزانُ أحمر. انتهى. قال الجامع: قد عرفت أن المجد خطأ الجوهريّ في هذا، وأثبت جواز أجزم. فتنبّه. والله تعالى أعلم. (فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِنَّا قَدْ بَايَعْنَكَ، فَارْجِعْ))) ولفظ النسائيّ: ((ارْجِعْ، فَقَدْ بَايَعْتُكَ))؛ أي: ولم يأخذ ◌َّ بيده عند المبايعة، تخفيفاً عن المجذوم والناس؛ لئلا يشقّ عليه الاقتحام معهم، فيتأذّى هو في نفسه، ويتأذّى به الناس. وقد روى الترمذيّ عن النبيّ وَ﴿ أنه أكل مع مجزوم، فقال: ((باسم الله، توكّلاً على الله))، وقد جاء عنه وَّر أنه قال: ((فِرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد))، رواه البخاريّ. وهذا الخطاب إنما هو لمن يجد في نفسه نَفْرة طبيعيّة، لا يقدر على الانتزاع منها، فأمَره بالفرار؛ لئلا يتشوّش عليه، ويغلبه وَهْمه، وليس ذلك خوفاً لعدوى، فقد قال وَلحجر: ((لا يُعدي شيءٌ شيئاً))، وقال: ((لا عدوى))، وقال للأعرابيّ: ((فمن أعدى الأول؟)). قاله القرطبيّ، والله تعالى أعلم. ٤٥٩ (٢١) - بَابُ اجْتِنَابِ الْمَجْذُومِ - حديث رقم (٥٨٠٨) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث الشَّرِيد بن سُوَيد ◌َه هذا من أفراد المصنّف نَخَذْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٨٠٨/٢١] (٢٢٣١)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٧/ ١٥٠) و((الكبرى)) (٧٨٠٥)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٥٤٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٤٢/٥ و٣١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٩/٤ و٣٩٠)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (١٨/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٨/٧) و(«شُعَب الإيمان)) (١٢٢/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة اجتناب المجذوم، وعدم مباشرته، وكذا مباعدة أهل الأسقام الفادحة، المستكرهة، إذا لم يؤدّ ذلك إلى إضاعتهم، وإهمالهم. قال النوويّ كَّفُهُ: هذا الحديث موافق للحديث الآخر في ((صحيح البخاريّ)): ((فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد))، وقد سبق شرح هذا الحديث في (باب لا عدوى))، وأنه غير مخالف لحديث: ((لا يُورِد مُمْرِض على مُصِحّ»، قال القاضي عياض: قد اختَلَفت الآثار عن النبيّ وَّ في قصة المجذوم، فثبت عنه الحديثان المذكوران، وعن جابر به أن النبيّ ◌َ م أكل مع المجذوم، وقال له: ((كُلْ ثقةً بالله، وتوكلاً عليه))، وعن عائشة ﴿يّا قالت: ((كان عندي مولى مجزوم، فكان يأكل في صحافي، ويشرب في أقداحي، وينام على فراشي))، قال: وقد ذهب عمر رظُبه وغيره من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخاً، والصحيح الذي قاله الأكثرون، ويتعيَّن المصير إليه أنه لا نَسْخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحَمْل الأمر باجتنابه، والفرار منه على الاستحباب، والاحتياط، لا للوجوب، وأما الأكل معه فَفَعله لبيان الجواز، والله أعلم. انتهى (١). (١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٨/١٤. ٤٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى ٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة بيعة المجذوم، وأنها تكون بالقول، دون المصافحة باليد. ٣ - (ومنها): ما قاله بعض أهل العلم: في هذا الحديث، وما في معناه دليلٌ على أنه يثبت للمرأة الخيار في فسخ النكاح إذا وجدت زوجها مجذوماً، أو حدث به ◌ُذامٌ. قال النووي: واختلف أصحابنا، وأصحاب مالك في أن أَمَته هل لها مَنْع نفسها من استمتاعه إذا أرادها؟. قال القاضي: قالوا: ويُمنع من المسجد، والاختلاط بالناس. قال: وكذلك اختلفوا في أنهم إذا كثُرُوا، هل يؤمرون أن يتّخذوا لأنفسهم موضعاً منفرداً، خارجاً عن الناس، ولا يُمنعون من التصرّف في منافعهم، وعليه أكثر الناس، أم لا يلزمهم التنحّي؟ قال: ولم يختلفوا في القليل منهم في أنهم لا يُمنعون. قال: ولا يُمنعون من صلاة الجمعة مع الناس، ويُمنعون من غيرها. قال: ولو استضرّ أهل قرية فيهم جَذْمَى بمخالطتهم في الماء، فإن قَدَروا على استنباط ماء بلا ضرر أُمُرُوا به، وإلا استنبطه لهم الآخرون، أو أقاموا من يستقي لهم، وإلا فيُمنعون. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٨/١٤.