النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١
(١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٨٢)
وهو ليس بمقدورهم، فالمنفيّ هو حالة إذا أدركهم الموت لم يجدهم عليها،
وهي أن يكونوا على غير ملّة الإسلام، فالوجه هو ما ذهب إليه صاحب
(النهاية))، من الوجه الثاني، واختاره التوربشتيّ. انتهى(١).
[فائدة]: قال ابن مالك تَُّ في ((شرح التسهيل)): أكثر ما يحذف
الحجازيون خبر ((لا)) مع ((إلّا))، نحو: ((لا إله إلا الله))، ومِنْ حذفه دون ((إلّا))
نحو: ((لا ضَرَر، ولا ضرار))، و((لا عدوى، ولا طِيَرَة)). انتهى (٢).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا من أفراد المصنّف رَُّ.
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٨١/١٨ و٥٧٨٢ و٥٧٨٣] (٢٢٢٢)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٣٨٢/٣ و٣٩٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٢٨)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٧٨٩)، و(الطبريّ) في (تهذيب الآثار)) (٢٦)،
و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (١/ ٣٤٠)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة))
(٢٨١)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٢٦٩٣ و٣١٨٣)، و(البغويّ) في ((شرح
السُّنَّة)) (٣٢٥١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٨٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا
يَزِيدُ - وَهُوَ التُّسْتَرِيُّ - حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
(لَا عَدْوَى، وَلَا غُولَ، وَلَا صَفَرَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم بْنِ حَيَّانَ) العَبْديّ، أبو عبد الرحمن الُوسيّ،
سكن نيسابور، ثقةٌ صاحبَ حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع و(٢٥٠)
(م) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
(١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٢٩٨١/٩.
(٢) ((فيض القدير)) ٤٣٤/٦.
٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
٢ - (بَهْزُ) بن أسد العَمِّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] تقدم في
((الإيمان)) ١١٢/٣.
٣ - (يَزِيدُ التُّسْتَرِيُّ) هو: يزيد بن إبراهيم، نزيل البصرة، أبو سعيد، ثقةٌ ثبتٌ،
ليّنوه في قتادة، من كبار [٧] (ت١٦٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٤/ ٤٥٠.
[تنبيه]: قوله: ((التُّسْتَريّ - بضمّ المثنّاة، وسكون المهملة، وفتح المثنّاة،
ثمّ راء ــ: نسبة إلى تُسْتَر بلدة من كور الأهواز، من خوزستان، قاله في
((اللباب))(١).
والباقيان ذُكرا قبله، والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد تقدّم
شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٨٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا
ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِّرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ
النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ (٢): ((لَا عَدْوَى، وَلَا صَفَرَ، وَلَا غُولَ))، وَسَمِعْتُ أَبًا الزُّبَيْرِ يَذْكُرُ
أَنَّ جَابِراً فَسَّرَ لَهُمْ قَوْلَهُ: ((وَلَا صَفَرَ))، فَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: الصَّفَرُ الْبَطْنُ، فَقِيلَ
لِجَابِرٍ: كَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: دَوَابُّ الْبَطْنِ، قَالَ: وَلَمْ يُفَسِّرِّ الْغُولَ، قَالَ أَبُو
الزُّبَيْرِ: هَذِهِ الْغُولُ الَّتِي تَغَوَّلُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب
الماضي .
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَسَمِعْتُ أَبَا الزُّبَيْرِ ... إلخ) الفاعل ضمير ابن جُريج.
وقوله: (فَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ ... إلخ)؛ أي: ناقلاً تفسير جابر
عنه .
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢١٦/١.
(٢) وفي نسخة: ((یذکر)).
٣٨٣
(١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٨٣)
وقوله: (الصَّفَرُ الْبَطْنُ)؛ أي: داء البطن، كما فسّره جابر بقوله: ((دوابّ
البطن)).
وقوله: (فَقِيلَ لِجَابِرٍ: كَيْفَ؟)، وفي رواية أحمد: ((قيل لجابر: كيف هذا
القول؟)).
وقوله: (كَانَ يُقَالُ ... إلخ) ((كان)) هنا شأنيّة، فاسمها ضمير شأن مقدّر،
وخبرها الجملة بعدها .
وقوله: (دَوَابُ الْبَطْنِ) تقدّم تفسيرها بأنها دود في البطن يهيج عند الجوع،
كانت العرب تراها أعدى من الجرب. وقال أبو عبيد: سمعت يونس سأل رؤبة بن
العجاج عن الصفر، فقال: هي حية تكون في البطن، تصيب الماشيةَ والناسَ،
قال: وهي أعدى من الجرب عند العرب، قال أبو عبيد: فأبطل النبيّ وَّ أنها
تُعْدِي، قال: ويقال: إنها تشتدّ على الإنسان، وتؤذيه إذا جاع. انتهى (١).
وقال النوويّ تَّثُ: قوله: ((هي دواب البطن)) هكذا هو في جميع نُسخ
بلادنا: ((دوابٌ)) بدال مهملة، وباء موحّدة، مشدّدة، وكذا نقله القاضي عن
رواية الجمهور، قال: وفي رواية العذريّ: ((ذوات)) بالذال المعجمة، والتاء
المثناة فوقُ، وله وجه، ولكن الصحيح المعروف هو الأول، قال القاضي:
واختلفوا في قوله {وَّر: ((لا عدوى)) فقيل: هو نَهْيٌ عن أن يقال ذلك، أو
يُعْتَقَد، وقيل: هو خبر؛ أي: لا تقع عدوى بطبعها. انتهى (٢).
وقوله: (قَالَ: وَلَمْ يُفَسِّرِ الْغُولَ)؛ أي: قال أبو الزبير: ولم يفسّر
جابر ◌َظُه الغول، كما فسّر قوله: ((ولا صفر)).
وقوله: (قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ)؛ يعني: أبا الزبير فسّر من عنده الغول،
فقال: (هَذِهِ الْغُولُ الَّتِي تَغَوَّلُ) أصله تتغوّل، فحذف منه إحدى التاءين، كما في
﴿نَارًا تَلَى﴾ [الليل: ١٤]، و﴿نَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في ((الخلاصة)):
فِيهِ عَلَى تَا كَـاتَبَيَّنُ الْعِبَرْ))
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ
ومعنى («تغوّل)): أي: تتلوّن، وتضلّ الناس، وفي رواية أحمد: ((قال أبو
الزبير من قبله: هذا الغول الشيطانة التي يقولون)).
(١) ((لسان العرب)) ٤/ ٤٦٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٨/١٤.
٣٨٤
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وقال النوويّ كَُّهُ: قوله: قال أبو الزبير: ((هذه الغول التي تَغَوّل)) هكذا
هو في جميع نُسخ بلادنا: (قال أبو الزبير))، وكذا نقله القاضي عن الجمهور،
قال: وفي رواية الطبريّ أحد رواة ((صحيح مسلم): قال أبو هريرة. قال:
والصواب الأول. انتهى(١).
والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم تخريجه قبل حديث، ولله الحمد
والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١٩) - (بَابُ الطَّيْرَةِ، وَالْفَأْلِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ الشُّؤْمُ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٨٤] (٢٢٢٣) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا
الْفَأَلُ؟ قَالَ: ((الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الفقيه المدنيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف نَّتُهُ، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه
عبيد الله بن عبد الله أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة رضيه أحفظ من روى
الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً.
شرح الحديث :
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ المدنيّ (أَنَّ أَبَا
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١٨/١٤.
٣٨٥
(١٩) - بَابُ الطَّيْرَةِ، وَالْقَأْلِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ الشُّؤْمُ - حديث رقم (٥٧٨٤)
هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ: ((لَا طِيَرَةَ) - بكسر الطاء المهملة،
وفتح التحتانية، وقد تُسَكّن -: هي التشاؤم - بالشين، وهو مصدر تَطَيَّر، مثل
تَحَيَّر حَيَرَةً، قال بعض أهل اللغة: لم يجئ من المصادر هكذا غير هاتين،
وتُعُقّب بأنه سُمع: طِيَبَةٌ، وأورد بعضهم: التِّوَلَّةَ، وفيه نظر.
وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج
أحدهم لأمر، فإن رأى الطير طار يمنةً تيمّن به، واستمرّ، وإن رآه طار يَسْرَة،
تشاءم به، ورجع، وربما كان أحدهم يُهِيج الطيرَ ليطير، فيعتمدها، فجاء الشرع
بالنهي عن ذلك، وكانوا يسمّونه السانح - بمهملة، ثم نون، ثم حاء مهملة -
والبارح - بموحدة، وآخره مهملة - فالسانح ما وَلّاك ميامنه، بأن يمر عن يسارك
إلى يمينك، والبارح بالعكس، وكانوا يتيمّنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح؛
لأنه لا يمكن رميه، إلا بأن ينحرف إليه، وليس في شيء من سنوح الطير،
وبُرُوحها ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلّف بتعاطي ما لا أصل له؛ إذ لا
نطق للطير، ولا تمييز، فيُستدلَّ بفعله على مضمون معنى فيه، وطلب العلم من
غير مظانه جَهْل من فاعله، وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير، ويتمدح
بتركه، قال شاعر منهم [من مجزوّ الكامل]:
أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمٍ
وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا
مِنِ وَالأَيَامِنُ كَالأَشَائِمٍ
فَإِذَا الأَشَائِمُ كَالأَيَا
وقال آخر [من البسيط]:
الزَّجْرُ وَالظَّيْرُ وَالْكُمَّانُ كُلُّهُمُ
وقال آخر [من الطويل]:
وَمَا عَاجِلَاتُ الطَّيْرِ تُدْنِي مِنَ الْفَتَّى
وقال آخر [من الطويل]:
لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِقُ بِالْحَصَی
وقال آخر [من الوافر]:
تَخَيَّرَ طَيْرَةً فِيهَا زِیَادٌ
تَعَلَّمْ أَنَّهُ لَا طَيْرَ إِلَّا
بَلَى شَيْءٌ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيْءٍ
مُضَلَّلُونَ وَدُونَ الْغَيْبِ أَقْفَالُ
نَجَاحاً وَلَا عَنْ رَيْثِهِنَّ قُصُورُ
وَلَا زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللهُ صَانِعُ
لِتُخْبِرَهُ وَمَا فِيهَا خَبِيرُ
عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثُّبُورُ
أَحَابِيناً وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ
٣٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وكان أكثرهم يتطيّرون، ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالباً؛ لتزيين
الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين.
وقد أخرج ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث أنس نظراته رفعه: ((لا
طِيَرَةَ، والطَّيَرة على من تَطَيَّر)).
وأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن النبيّ وَّ:
((ثلاثةٌ لا يَسْلَم منهنّ أحد: الطيرة، والظنّ، والحسد، فإذا تطيّرت فلا ترجع،
وإذا حسدت فلا تَبْغِ، وإذا ظننت فلا تُحَقِّق)).
قال الحافظ: وهذا مرسل، أو معضل، لكن له شاهدٌ، من حديث أبي
هريرة ظه، أخرجه البيهقيّ في ((الشعب))، وأخرج ابن عديّ بسند لَيِّن عن أبي
هريرة تظبه، رفعه: ((إذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا))، وأخرج الطبراني
عن أبي الدرداء ظُه، رفعه: ((لن ينال الدرجات العُلا من تكهّن، أو استقسم،
أو رجع من سفر تطيّراً))، قال الحافظ: ورجاله ثقات إلا أنني أظن أن فيه
انقطاعاً، وله شاهد عن عمران بن حُصين ◌ًِّا، وأخرجه البزار في أثناء حديث
بسند جيّد، وأخرج أبو داود، والترمذيّ، وصححه هو وابن حبان، عن ابن
مسعود ظُه، رفعه: ((الطَّيَرَة شركٌ، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل)).
وقوله: ((وما منّا إلا)) من كلام ابن مسعود ظه، أُدرج في الخبر، وقد
بيّنه سليمان بن حرب شيخ البخاريّ، فيما حكاه الترمذيّ، عن البخاريّ عنه،
وإنما جُعِل ذلك شركاً؛ لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعاً، أو يدفع ضرّاً، فكأنهم
أشركوه مع الله تعالی.
وقوله: ((ولكن الله يذهبه بالتوكل)) إشارة إلى أن من وقع له ذلك،
فَسَلَّم الله، ولم يعبأ بالطيرة، أنه لا يؤاخذ بما عَرَض له من ذلك.
وأخرج البيهقيّ في ((الشُّعَب)) من حديث عبد الله بن عمرو ﴿يا موقوفاً:
((مَن عَرَض له من هذه الطيرة شيء، فليقل: اللهم لا طَيْرَ إلا طيرُك، ولا خير
إلا خيرك، ولا إله غيرك))(١).
(١) ((الفتح)) ١٨٣/١٣ - ١٨٥، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٥٤).
٣٨٧
(١٩) - بَابُ الطَّيْرَةِ، وَالْقَأْلِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ الشُّؤْمُ - حديث رقم (٥٧٨٤)
(وَخَيْرُهَا)؛ أي: خير الطيرة (الْفَأْلُ))) بفاء، ثمّ همزة، وقد تُسهّل،
والجمع فُؤولٌ بالهمزة جزماً .
قال الطيبيّ تَخْثُهُ: الضمير المؤنّث راجع إلى الطَّيَرة، وقد عُلم أن الطّيَرة
كلها لا خير فيها، فهو كقوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرَّ﴾
[الفرقان: ٢٤]، وهو مبنيّ على زعمهم، أو هو من باب قولهم: الصيف أحرّ من
الشتاء؛ أي: الفال في بابه أبلغ من الطيرة في بابها، ومعنى الترخّص في
الفأل، والمنع من الطيرة، هو أن الشخص لو رأى شيئاً، فظنه حسناً، وحَرَّضه
على طلب حاجته، فليفعل ذلك، وإن رأى ما يَعُدُّه مشئوماً، ويمنعه من المضيّ
إلى حاجته، فلا يجوز قبوله، بل يَمضي لسبيله، فإذا قَبِلَ، وانتهى عن المضيّ
في طلب حاجته فيه، فهو الطيّرة؛ لأنها اختصت بأن تُستعمل في الشؤم،
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا تَطََّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨]: أي تشاءمنا بكم، وقال: ﴿طَبِّكُم
تَمَكُمْ﴾ [يس: ١٩]؛ أي: سبب شؤمكم معكم. انتهى(١).
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْفَأَلُ؟ قَالَ: ((الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ بَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ)))
مثل مَن خرج من داره لطلب حاجة، فسمع شخصاً يقول للآخر: يا نجاح،
وقال الأصمعيّ: سألت ابن عون عن الفأل، فقال: هو أن يكون مريضاً،
فیسمع: يا سالم.
وفي حديث أنس عند البخاريّ: ((ويعجبني الفأل الصالح، الكلمة
الحسنة))، وفي حديث عروة بن عامر الذي أخرجه أبو داود قال: ((ذُكِرت الطيرة
عند رسول الله وَ﴾، فقال: خيرها الفأل، ولا تَرُدّ مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما
يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت،
ولا حول ولا قوة إلا بالله))(٢). وأخرج أبو داود أيضاً من حديث بريدة.
((أن النبيّ وَ﴿ كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بَعَث غلاماً سأل عن اسمه،
فإذا أعجبه اسمه فرح به، وإن كره اسمه رُئي كراهة ذلك في وجهه، وإذا دخل
(١) (الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٢٩٧٨/٩.
(٢) ضعيف أخرجه أبو داود (٣٩١٩) وفي سنده حبيب بن أبي ثابت مدلّس، وقد
عنعنه، فتنبّه.
٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرفى
قرية سأل عن اسمها، فإن أعجبه فرح به، ورُئي بِشْر ذلك في وجهه، وإن كره
اسمها رُئي كراهة ذلك في وجهه)) (١). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٨٤/١٩ و٥٧٨٥] (٢٢٢٣)، و(البخاريّ) في
((الطبّ)) (٥٧٥ و٥٧٥٥) وفي ((الأدب المفرد)) (٩١٠)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٦٦/٢ و٣٨٧ و٤٥٣ - ٤٥٤)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٥١٢)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٢٥)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (١٤ و١٥)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٥٠٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣٩/٨)
و((شُعَب الإيمان)) (٢/ ٦٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٥٥)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): كتب في ((الفتح)) بحثاً نفيساً يتعلّق بهذا الحديث، فقال
عند قوله: ((وخيرها الفأل)): قال الكرمانيّ(٣) تبعاً لغيره: هذه الإضافة تُشعر بأن
الفأل من جملة الطيرة، وليس كذلك، بل هي إضافة توضيح، ثم قال: وأيضاً،
فإن من جملة الطيرة كما تقدم تقريره: التيامن، فبيّن بهذا الحديث أنه ليس كل
التيامن مردوداً؛ كالتشاؤم، بل بعض التيامن مقبول.
قال الحافظ: وفي الجواب الأول دَفْعٌ في صدر السؤال، وفي الثاني
تسليم السؤال، ودعوى التخصيص، وهو أقرب.
وقد أخرج ابن ماجه، بسند حسن، عن أبي هريرة عظته، رفعه: ((كان
يعجبه الفأل، ويكره الطَّرة))، وأخرج الترمذيّ من حديث حابس التميميّ، أنه
سمع النبيّ وَي يقول: ((العين حقّ، وأصدق الطيرة الفأل))، ففي هذا التصريح
أن الفأل من جملة الطيرة، لكنه مستثنى.
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود (٣٩٢٠).
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٧٤/٢١.
(٣) (شرح صحيح البخاريّ)) للكرمانيّ ٣٢/٢١.
٣٨٩
(١٩) - بَابُ الطَّيْرَةِ، وَالْفَأْلِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ الشُّؤْمُ - حديث رقم (٥٧٨٤)
وقال الطيبيّ: الضمير المؤنث في قوله: ((وخيرها)) راجع إلى الطيرة، وقد
عُلِم أن الطيرة كلها لا خير فيها، فهو كقوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ
مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وهو مبنيّ على زعمهم، وهو من إرخاء الْعِنان في
المخادعة، بأن يُجرَى الكلامُ على زعم الخصم، حتى لا يشمئزّ عن التفكر
فيه، فإذا تفكّر، فأنصف من نفسه قَبِل الحقَّ، فقوله: ((خيرها الفأل)) إطماع
للسامع في الاستماع والقبول، لا أن في الطيرة خيراً حقيقةً، أو هو من نحو
قولهم: الصيف أحرّ من الشتاء؛ أي: الفأل في بابه أبلغ من الطيرة في بابها .
والحاصل: أن أفعل التفضيل في ذلك إنما هو بين القدر المشترك بين
الشيئين، والقدر المشترك بين الطيرة والفأل تأثير كل منهما فيما هو فيه، والفأل
في ذلك أبلغ.
قال الخطابيّ(١): وإنما كان ذلك؛ لأن مصدر الفأل عن نُطق وبيان،
فكأنه خبر جاء عن غيب، بخلاف غيره، فإنه مستند إلى حركة الطائر، أو
نُطقه، وليس فيه بيان أصلاً، وإنما هو تكلفّ ممن يتعاطاه.
وقد أخرج الطبريّ عن عكرمة قال: كنت عند ابن عباس ﴿قًا، فمرّ
طائر، فصاح، فقال رجل: خير خير، فقال ابن عباس: ما عند هذا لا خير،
ولا شرّ، وقال أيضاً: الفرق بين الفأل والطيرة، أن الفأل من طريق حسن الظن
بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء، فلذلك گُرِهت.
وقال النوويّ: الفال يُستعمل فيما يسوء، وفيما يسرّ، وأكثره في السرور،
والطيرة لا تكون إلا في الشؤم، وقد تُستعمل مجازاً في السرور. انتهى(٢).
قال الحافظ: وكأن ذلك بحسب الواقع، وأما الشرع فخَصّ الطيرة بما
يسوء، والفال بما يسرّ، ومن شَرْطه أن لا يُقْصَد إليه، فيصيرَ من الطيرة.
وقال ابن بطال(٣): جعل الله في فِطَر الناس محبة الكلمة الطيبة، والأُنس
بها، كما جعل فيهم الارتياح بالمنظر الأنيق، والماء الصافي، وإن كان لا
یملكه، ولا یشربه.
(١) ((الأعلام)) ٢١٣٦/٣.
(٣) ((شرح صحيح البخاريّ)) لابن بطال ٩/ ٤٣٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٨/١٤.
٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وأخرج الترمذيّ، وصححه من حديث أنس عظاته: ((أن النبيّ وَّ كان إذا
خرج لحاجته يُعجبه أن يسمع: یا نجيح، يا راشد)).
وأخرج أبو داود بسند حسن، عن بريدة نظراته: ((أن النبيّ وَّ و كان لا
يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملاً يسأل عن اسمه، فإذا أعجبه فَرِحَ به، وإن
گره اسمه رُؤي کراهة ذلك في وجهه».
وذكر البيهقيّ في ((الشعب)) عن الْحَلِيميّ ما مُلَخَّصه: كان التطير في
الجاهلية في العرب إزعاج الطير عند إرادة الخروج للحاجة، فذَكَر نحو ما تقدم،
ثم قال: وهكذا كانوا يتطيرون بصوت الغراب، وبمرور الظباء، فسَمَّوا الكل
تطيراً؛ لأن أصله الأول، قال: وكان التشاؤم في العجم إذا رأى الصبي ذاهباً إلى
المعلم تشاءم، أو راجعاً تيمّن، وكذا إذا رأى الجمل موقَراً حَمْلاً تشاءم، فإن رآه
واضعاً حَمْله تیمّن، ونحو ذلك، فجاء الشرع برفع ذلك كله، وقال: ((من تكهن،
أو ردّه عن سفر تطيُّر، فليس منّا))، ونحو ذلك من الأحاديث، وذلك إذا اعتقد أن
الذي يشاهده من حال الطير موجباً ما ظنه، ولم يضف التدبير إلى الله تعالى، فأما
إن علم أن الله هو المدبّر، ولكنه أشفق من الشرّ؛ لأن التجارب قضت بأن صوتاً
من أصواتها معلوماً، أو حالاً من أحوالها معلومةً يَرْدَفُها مكروه، فإن وطّن نفسه
على ذلك أساء، وإن سأل الله الخير، واستعاذ به من الشرّ، ومضى متوكلاً لم
يضرّه ما وجد في نفسه من ذلك، وإلا فيؤاخذ به، وربما وقع به ذلك المكروه
بعينه الذي اعتقده عقوبةً له، كما كان يقع كثيراً لأهل الجاهلية، والله أعلم.
قال الحليميّ: وإنما كان ◌َّه يعجبه الفأل؛ لأن التشاؤم سوء ظن بالله
تعالى بغير سبب محقَّق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن
بالله تعالى على كل حال.
وقال الطيبيّ: معنى الترخص في الفأل، والمنع من الطيرة، هو أن الشخص
لو رأى شيئاً فظنه حسناً مُحَرِّضاً على طلب حاجته، فليفعل ذلك، وإن رآه بضدّ
ذلك فلا يقبله، بل يمضي لسبيله، فلو قَبِل، وانتهى عن المضيّ، فهو الطيرة التي
اختَصَّت بأن تُستعمل في الشؤم، والله أعلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ١٨٦/١٣ - ١٨٨، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٥٥).
٣٩١
(١٩) - بَابُ الطِّيَرَةِ، وَالْفَأْلِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ الشُّؤْمُ - حديث رقم (٥٧٨٥ - ٥٧٨٦)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٨٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ (ح) وحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ،
مِثْلَهُ، وَفِي حَدِيثٍ عُقَيْلِ: عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ، وَفِي حَدِيثٍ
شُعَيْبٍ: قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ، كَمَا قَالَ مَعْمَرٌ).
رجال هذين الإسنادين: ثمانية:
وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، وقبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: رواية عُقيل بن خالد عن الزهريّ ساقها الإمام أحمد نَظُّهُ في
((مسنده))، فقال:
(٩٨٤٨) - حدثنا حجاج، قال: ثنا ليث، قال: حدّثني عُقيل، عن ابن
شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة، عن رسول الله وكليه
أنه قال: ((لا ◌ِيَرَة، وخيرها الفأل))، قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال:
كلمة صالحة، يسمعها أحدكم)). انتهى(١).
ورواية شعيب عن الزهريّ ساقها البخاريّ كَّلُ في ((صحيحه))، فقال:
(٥٤٢٢) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صل ه يقول:
((لا طِيَرَة، وخيرها الفأل))، قالوا: وما الفأل؟ قال: ((الكلمة الصالحة، يسمعها
أحدكم)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٨٦] (٢٢٢٤) _ (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى،
حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ قَالَ: ((لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي
الْقَالُ، الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ، الْكَلِمَةُ الطََِّّةُ))).
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٥٣/٢.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٧١/٥.
٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ) ويقال له: هُذْبة بن خالد بن الأسود القيسيّ، أبو
خالد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع
و(٢٣٠) (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٥١/١١.
٢ - (هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة تقدّم قبل بابین.
٤ - (أَنَسُ) بن مالك ◌ُه تقدّم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو (٤٤٦) من رباعيّات الكتاب، وفيه
وَّ في البصرة،
أنس ظُه من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة
وقد جاوز عمره مائة.
شرح الحديث:
، (أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ وَلِ قَالَ: ((لَا عَدْوَى)؛ أي: لا يُعدي مرض
(عَنْ أَنَسٍ)
بنفسه، بل بتقدير الله رَمك، وقد تقدّم تمام شرحه قريباً. (وَلَا طِيَرَةَ)؛ أي: لا
تشاؤم بالكلمة القبيحة، ونحوها، وقد تقدّم أيضاً تمام البحث فيه. (وَيُعْجِبُنِي)
بضمّ حرف المضارعة، من الإعجاب، وهو استحسان الشيء، قال
الفيّوميّ تَخْذَلُهُ: يُستعمَلِ التَّعَجُّبُ على وجهين: أحدهما: ما يَحمده الفاعل،
ومعناه الاستحسان، والإخبار عن رضاه به، والثاني: ما يكرهه، ومعناه
الإنكار، والذمّ له، ففي الاستحسان يقال: أَعْجَبَنِي بالألف، وفي الذمّ
والإنكار: عَجِبْتُ وزانُ تَعِبْت، وقال بعض النحاة: التَّعَجُّبُ: انفعال النفس؛
لزيادة وصف في المتعَجَّب منه، نحو: ما أشجعه! قال: وما ورد في القرآن من
ذلك، نحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]، فإنما هو بالنظر إلى السامع،
والمعنى: لو شاهدتهم لقلت ذلك متعجباً منهم. انتهى(١).
(١) ((المصباح المنير)) ٣٩٣/٢.
٣٩٣
(١٩) - بَابُ الطَّرَةِ، وَالْقَأْلِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ الشُّؤْمُ - حديث رقم (٥٧٨٧ - ٥٧٨٨)
(الْفَأَلُ) بالهمزة، والتخفيف: اللفظ الحسن، کیا نجيح، ويا راشد، ویا
مفلح، وقوله: (الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ) بدل من ((الفألُ»، أو خبر لمحذوف؛ أي: هي
الكلمة الحسنة، وقوله: (الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ))) بدل مما قبله، أو عَطْف بيان، وفي
الرواية التالية: ((قَالَ: قِيلَ: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: الْكَلِمَةُ الطََّةُ))، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٨٦/١٩ و٥٧٨٧] (٢٢٢٤)، و(البخاريّ) في
((الطبّ)) (٥٧٥٦ و٥٧٧٦) وفي ((الأدب المفرد)) (٣١٥/١)، و(أبو داود) في
((الطبّ)) (٣٩١٦)، و(الترمذيّ) في ((السير)) (١٦١٥)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ))
(٣٥٣٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٨/٣ و١٣٠ و١٥٤ و١٧٨ و٢٥١ و٢٧٥
و٢٧٧)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٢٥١/٥ و٣٧٣ و٤٧٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٨٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ فَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ
النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: (لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ))، قَالَ: قِيلَ: وَمَا الْفَأْلُ؟
قَالَ: ((الْكَلِمَةُ الطََِّّةُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وکلهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه قبله، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٨٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِي مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ (١)، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَتِيقٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ،
(١) وفي نسخة: ((ابن المختار)).
٣٩٤
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَ عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَأُحِبُّ الْفَأْلُ
الصَّالِحَ))).
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأَولى للمصنّف ◌َظُّ أن يقدّم حديث أبي
هريرة رضيه هذا، والذي بعده قبل حديثي أنس حظره؛ لِمَا لا يخفى، فليُتأمل.
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج
الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في ((المقدمة)) ٤٠/٦.
٢ - (مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) الْعَمّيّ، أبو الهيثم البصريّ، أخو بهز، ثقةٌ ثبتٌ،
قال أبو حاتم: لم يُخطىء إلا في حديث واحد، من كبار [١٠] (ت٢١٨) على
الصحيح (خ م قد وت س ق) تقدم في ((الطهارة)) ٦٨٤/٣٤.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ) الدبّاغ البصريّ، مولی حفصة بنت سیرین،
ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٤/ ١٦٧٤.
٤ - (يَحْيَى بْنُ عَتِيقٍ) الظُّفاويّ - بضمّ الطاء المهملة، وتخفيف الفاء -
البصريّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن محمد بن سيرين، والحسن، ومجاهد.
وروى عنه الحمادان، وعبد العزيز بن المختار، وهمام بن يحيى،
وإسماعيل ابن علية، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائيّ: ثقةٌ،
وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: يحيى بن عتيق أحبّ إليك في محمد بن
سيرين، أو هشام بن حسان؟ فقال: ثقة، وثقة، قال عثمان: يحيى خَيَّر، وقال
حماد بن زيد، عن أيوب: لقد هَدَّني موت يحيى بن عتيق، وقال أيضاً: كان
أصغر من أيوب بثمان سنين، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان
ورِعاً، متقناً، مات قبل أيوب، وقال البخاريّ في ((التاريخ الصغير)): لم يُدرك
أنس بن سيرين، وحديثه عن حفصة بنت سيرين خطأً، وقال ابن سعد: كان
ثقةً، وله أحاديث.
٣٩٥
(١٩) - بَابُ الطَّيْرَةِ، وَالْقَأْلِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ الشُّؤْمُ - حديث رقم (٥٧٨٩ - ٥٧٩٠)
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، تقدّم قريباً.
و«أبو هريرة څہ)) ذُكر قبل حدیثین.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في أول أحاديث
الباب، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٨٩] ( ... ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا بَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا
هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّتِ:
(لَا عَدْوَى، وَلَا هَامَةَ، وَلَا طِيَرَةَ، وَأُحِبُّ الْفَأْلُ الصَّالِحَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم قريباً.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ) القردوسيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله قريباً، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٩٠] (٢٢٢٥) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا
مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَسَالِم ابْنَيْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((الشُّؤْمُّ فِي الدَّارِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ))).
رجال هذين الإسنادين: سبعة:
١ - (حَمْزَةُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، المدنيّ، شقيق سالم، ثقةٌ
[٣] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩٤٥/٢٢.
٢ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر،
٣٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
أو أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ، كان يشبّه بأبيه في الهدي
والسمت، من كبار [٣] (ت١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب ﴿هَا، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذين الإسنادين:
أنهما من خماسيّات المصنّف تَتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه
يحيى، وإن كان نيسابوريّاً إلا أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه رواية
تابعيّ عن تابعيين، عن أبيهما، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض
الأقوال، وفيه ابن عمر ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (عَنْ حَمْزَةَ، وَسَالِم ابْنَيْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) هكذا رواية مالك عن الزهريّ، عن حمزة، وسالم، وتابعه
يونس، وابن عيينة، في رواية ابن أبي عمر عنه، وصالح بن كيسان، وخالفه
ابن عيينة في رواية، وعُقيل بن خالد، وعبد الرحمن بن إسحاق، وشعيب بن
أبي حمزة، كلهم عن الزهريّ، عن سالم فقط، وكلها عند مسلم.
وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، قال:
أخبرني سالم بن عبد الله ... إلخ، فقال في ((الفتح)): قوله: ((أخبرني سالم))
كذا صَرّح شعيب عن الزهريّ بإخبار سالم له، وشَذّ ابن أبي ذئب، فأدخل بين
الزهريّ وسالم: محمد بن زُبيد بن قنقذ، واقتصر شعيب على سالم، وتابعه ابن
جريج، عن ابن شهاب، عند أبي عوانة، وكذا عثمان بن عمر، عن يونس، عن
الزهريّ، عند البخاريّ في ((الطبّ))، وكذا قال أكثر أصحاب سفيان عنه: عن
الزهريّ، ونقل الترمذيّ عن ابن المدينيّ، والحميديّ أن سفيان كان يقول: لم
يرو الزهريّ هذا الحديث إلا عن سالم. انتهى.
وكذا قال أحمد عن سفيان: إنما نحفظه عن سالم، قال الحافظ: لكن
هذا الحصر مردود، فقد حَدَّث به مالك، عن الزهريّ، عن سالم، وحمزة ابني
عبد الله بن عمر، عن أبيهما، ومالك من كبار الحفاظ، ولا سيما في حديث
٣٩٧
(١٩) - بَابُ الطَّيْرَةِ، وَالْقَأْلِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ الشُّؤْمُ - حديث رقم (٥٧٩٠)
الزهريّ، وكذا رواه ابن أبي عمر، عن سفيان نفسه، أخرجه مسلم، والترمذيّ
عنه، وهو يقتضي رجوع سفيان عما سبق من الحصر.
وأما الترمذيّ فجعل رواية ابن أبي عمر هذه مرجوحةً، وقد تابع مالكاً
أيضاً يونس، من رواية ابن وهب عنه، عند الشيخين، وصالح بن كيسان عند
مسلم، وأبو أويس عند أحمد، ويحيى بن سعيد، وابن أبي عتيق، وموسى بن
عقبة، ثلاثتهم عند النسائيّ، كلهم عن الزهريّ، عنهما .
ورواه إسحاق بن راشد، عن الزهريّ، فاقتصر على حمزة، أخرجه
النسائيّ، وكذا أخرجه ابن خزيمة، وأبو عوانة، من طريق عُقيل، وأبو عوانة
من طريق شبيب بن سعيد، كلاهما عن الزهريّ، ورواه القاسم بن مبرور، عن
يونس، فاقتصر على حمزة، أخرجه النسائيّ أيضاً، وكذا أخرجه أحمد، من
طريق رَبَاح بن زيد، عن معمر، مقتصراً على حمزة، وأخرجه النسائيّ من طريق
عبد الواحد، عن معمر، فاقتصر على سالم.
فالظاهر أن الزهري يجمعهما تارةً، ويُفرد أحدهما أخرى، وقد رواه
إسحاق في ((مسنده)) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ فقال: عن سالم،
أو حمزة، أو كلاهما، وله أصل عن حمزة من غير رواية الزهريّ، أخرجه
مسلم من طريق عتبة بن مسلم، عنه، والله أعلم. انتهى(١).
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ◌َِّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((الشُّؤْمُ) بضم الشين
المعجمة، وسكون الهمزة، وقد تسهّل، فتصير واواً؛ أي: التطيّر، وهو مبتدأ
خبره قوله: (فِي الدَّارِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ)))، وفي الرواية التالية: ((لا عدوى،
ولا طِيَرةَ، وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأةِ، والفرسِ، والدار)).
قال الفيّوميّ كَّثُ: الشؤم: الشرّ، ورجلٌ مشؤومٌ: غير مبارك، وتشاءم
القوم به مثلُ تطيّروا به. انتهى(٢).
وقال في ((العمدة)): ((الشؤم): ضدّ الْيُمْن، يقال: تشاءمت بالشيء،
وتيمّنت به، والواو في الشؤم همزة، ولكنها خُفِّفت، فصارت واواً، وغلب
(١) ((الفتح)) ١٢٩/٧ - ١٣٠، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٥٨).
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٢٨/١.
٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
عليها التخفيف، حتى لم يُنْطَق بها مهموزةً، وقال الجوهريّ: يقال: رجل
مشوم، ومشؤوم، ويقال: ما أشأم فلاناً؟، والعامّة تقول: ما أيشمه؟ وتقول
أيضاً: ميشوم، وهو من تصحيفاتهم. انتهى(١).
قال النوويّ كَُّهُ: اختلف العلماء في هذا الحديث، فقال مالك،
وطائفة: هو على ظاهره، وأن الدار قد يجعل الله تعالى سكناها سبباً للضرر،
أو الهلاك، وكذا اتخاذ المرأة المعينة، أو الفرس، أو الخادم، قد يحصل
الهلاك عنده بقضاء الله تعالى، ومعناه: قد يحصل الشؤم في هذه الثلاثة، كما
صرَّح به في رواية: ((إن يكن الشؤم في شيء))، وقال الخطابيّ، وكثيرون: هو
في معنى الاستثناء من الطيرة؛ أي: الطيرة منهيٌّ عنها، إلا أن يكون له دار
يَكره سكناها، أو امرأة يَكره صُحبتها، أو فرس، أو خادم، فليفارق الجميع
بالبيع، ونحوه، وطلاق المرأة.
وقال آخرون: شؤم الدار ضِيقها، وسوء جيرانها، وأذاهم، وشؤم المرأة
عدم ولادتها، وسلاطة لسانها، وتعرضها للرِّيَبِ، وشؤم الفرس أن لا يُغْزى
عليها، وقيل: حِرَانها، وغَلاء ثمنها، وشؤم الخادم سوء خُلُقه، وقلة تعهّده لِمَا
فُوِّض إليه، وقيل: المراد بالشؤم هنا: عدم الموافقة.
واعتَرَضَ بعض الملاحدة بحديث: ((لا طِيَرَةَ)) على هذا، فأجاب ابن قتيبة
وغيره بأن هذا مخصوص من حديث: ((لا طِيَرَة)) إلا في هذه الثلاثة.
قال القاضي عياض: قال بعض العلماء: إن الجامع لهذه الفصول السابقة
في الأحاديث ثلاثة أقسام: أحدها: ما لم يقع الضرر به، ولا اطّردت عادة
خاصّة، ولا عامّة، فهذا لا يُلتفت إليه، وأنكر الشرع الالتفات إليه، وهو
الطَّيَرة، والثاني: ما يقع عنده الضرر عموماً لا يخصه، ونادراً، لا متكرراً؛
كالوباء، فلا يَقْدَم عليه، ولا يخرج منه، والثالث: ما يخصّ، ولا يعمّ؛
كالدار، والفرس، والمرأة، فهذا يباح الفرار منه، والله أعلم. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ دَّثُهُ: ((الشؤم)): نقيض اليُمْن، وهو من باب الطيرة،
ولذلك قال ◌َله: ((لا طيرة، إنما الشؤم في ثلاثة: المرأة، والفرس، والدار))،
(١) ((عمدة القاري)) ١٤٩/١٤.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١٤٨/٧ - ١٤٩.
٣٩٩
(١٩) - بَابُ الطَّيْرَةِ، وَالْقَأْلِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ الشُّؤْمُ - حديث رقم (٥٧٩٠)
وقد تخيل بعض أهل العلم: أن التطيُّر بهذه الثلاثة مستثنى من قوله: ((لا
طيرة))، وأنه مخصوص بها، فكأنه قال: لا طيرة إلا في هذه الثلاثة؛ فمن
تشاءم بشيء منها نزل به ما كَره من ذلك، وممن صار إلى هذا القول: ابن
قتيبة، وعضد هذا بما يُرْوَى عن النبيّ وَّ﴿ من حديث أبي هريرة ◌َّ ◌ُله، أنه
قال: ((الطيرة على من تطيّر)).
وقال أبو عبد الله: إن مالكاً أخذ بحديث: (الشؤم في الدار، والمرأة،
والفرس))، وحَمَله على ظاهره، ولم يتأوله، فذكر في ((كتاب الجامع)) من
((العتبيّة)) أنه قال: ربّ دار سكنها قومٌ، فهلكوا، وآخرون بعدهم، فهلكوا،
وأشار إلى حَمْل الحديث على ظاهره، ويعضد هذا حديث يحيى بن سعيد،
قال: جاءت امرأةٌ إلى النبيّ ◌َله، فقالت: يا رسول الله، دار سكنّاها، والعدد
كثير، والمال وافر، فذهب العدد، وقلّ المال، فقال رسول الله وَليهِ: ((دَعُوها،
ذَمِيمٌ))(١).
قال القرطبيّ: ولا يُظنّ بمن قال هذا القول: أن الذي رُخّص فيه من
الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهليّة تعتقد فيها، وتفعل
عندها، فإنها كانت لا تُقدِم على ما تطيّرت به، ولا تفعله بوجهٍ، بناءً على أن
الطيرة تضرّ قطعاً، فإن هذا ظنّ خطأ، وإنما يعني بذلك: أن هذه الأشياء أكثر
ما يتشاءم الناس بها؛ لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك، فقد
أباح الشرع له أن يتركه، ويستبدل به غيره، مما تطيب به نفسه، ويسكن له
خاطره، ولم يُلزمه الشرع أن يُقيم في موضع يكرهه، أو مع امرأة يكرهها، بل
قد فَسَح له في تَرْك ذلك كلّه، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعّال لِمَا
يُريد، وليس لشيء من هذه الأشياء أثرٌ في الوجود، وهذا على نحو ما ذكرناه
في المجذوم.
[فإن قيل]: فهذا يجري في كلّ مُتطيَّر به، فما وجه خصوصيّة هذه الثلاثة
بالذكر؟.
[فالجواب]: ما نبّهنا عليه من أن هذه ضروريّةٌ في الوجود، ولا بدّ
(١) رواه البيهقيّ ١٤٠/٨ وحسّنه الشيخ الألبانيّ كَّلُ بلفظ: ((ذروها ذميمة)).
٤٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرفى
للإنسان منها، ومن ملازمتها غالباً، فأكثر ما يقع التشاؤم بها، فخصّها بالذكر
لذلك.
[فإن قيل]: فما الفرق بين الدار، وبين موضع الوباء، فإن الدار إذا تُطُيِّر
بها، فقد وُسِّعَ له في الارتحال عنها، وموضع الوباء قد مُنع من الخروج منه؟.
[فالجواب]: ما قاله بعض أهل العلم: إن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى
ثلاثة أقسام:
[أحدها]: ما لم يقع التأذّي به، ولا اطّردت عادة به خاصّةٌ، ولا عامّةٌ،
لا نادرة، ولا متكرّرةٌ، فهذا لا يُصغَى إليه، وقد أنكر الشرع الالتفات إليه؛
كُلُقِيّ غراب في بعض الأسفار، أو صُراخ بُومة في دار، ففي مثل هذا قال وَلات:
((لا طِيَرَة))، و((لا تطيّرُوا))، وهذا القسم هو الذي كانت العرب تعتبره، وتعمل
عليه، مع أنه ليس في لقاء الغراب، ولا دخول البومة داراً ما يُشعر بأذّى، ولا
مكروه، لا على جهة الندور، ولا التكرار.
[وثانيها]: ما يقع به الضرر، ولكنه يعمّ، ولا يخصّ، ويَنْدُر، ولا يتكرّر؛
كالوباء، فهذا لا يُقْدَمُ عليه؛ عملاً بالحزم والاحتياط، ولا يفرّ منه لإمكان أن
يكون قد وصل الضرر إلى الفارّ، فيكون سفره سبباً في محنته، وتعجيلاً
لِهَلَكته، كما قدّمناه.
[وثالثها]: سببٌ يخصّ، ولا يعمّ، ويلحق منه الضرر بطول الملازمة؛
كالدار، والفرس، والمرأة، فيباح له الاستبدال، والتوكّل على الله تعالى،
والإعراض عما يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال، وقد وضح الجواب.
قال: وقد سلك العلماء في تأويل ذلك الحديث أوجهاً أُخَر:
منها: أن بعضهم قال: إنما هذا منه جَمْع خَبَر عن غالب عادة ما يتشاءم
به، لا أنه خَبَر عن الشرع، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه تعطيل لكلام الشارع عن
الفوائد الشرعية التي لبيانها أرسله الله معينة، ومنهم من تأوَّل الشؤم المذكور في
هذه الثلاثة فقال: الشؤم في المسكن ضيقه، وسوء جيرانه، وفي المرأة سوء
خُلُقِها، وأن لا تلد، وفي الفَرَس جماحه، وأن لا يُغزى عليه، وهذا المعنى لا
يليق بالحديث، ونِسْبَته إلى أنه هو مراد الشارع من فاسد الحديث، وما ذكرناه
أَولى، والله تعالى أعلم.