النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطَّيْرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٧١) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في أَلباب، وقبله ببابين، وإسحاق هو: ابن راهويه. وقوله: (أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ؟) - بفتح العين، وتشديد الجيم -؛ أي: تَنْسُبه إلى العجز، قال النوويّ كَّلُ: مقصود عمر ◌ُبه أن الناس رَعِيّةٌ لي، استرعانيها الله تعالى، فيجب عليّ الاحتياط لها، فإن تركته نُسبت إلى العجز، واستوجبت العقوبة، والله أعلم(١). وقوله: (هَذَا الْمَحِلُّ) قال النوويّ كَُّهُ: هو بفتح الحاء، وكسرها، والفتح أقيس، فإن ما كان على وزن فَعَلَ، ومضارعه يَفْعُلُ، بضم ثالثه، كان مصدره، واسم الزمان والمكان منه مَفْعَلاً، بالفتح؛ كقَعَد يَفْعُد مَفْعَداً، ونظائرِهِ، إلا أحرفاً شَذَّت، جاءت بالوجهين، منها الْمَحِلّ. انتهى(٢). وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((هذا المحلّ))؛ أي: المدينة؛ يعني: أنها المحل الذي لا يُرْغَب عنه، ولا يُفَضَّل غيره عليه، وإن كثُر خِصب البلاد، واتسع حال أهلها، ويقال: ((المحلّ)) بكسر الحاء، وفتحها، والفتح هو الأصل المطَّرد؛ لأنَّ ما كان على فَعَل يَفْعُل، الأصل فيه أن يأتي المكان منه بالفتح، إلا أحرفاً، سُمع فيها الكسر، والفتح. انتهى(٣). وقوله: (أَوْ قَالَ: هَذَا الْمَنْزِلُ) ((أو)) فيه للشكّ من الراوي. [تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ هذه ساقها عبد الرزّاق ◌َُّ في ((مصنّفه))، فقال: (٢٠١٥٩) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن العباس، قال: خرج عمر بن الخطاب يريد الشام، حتى إذا كان في بعض الطريق لقيه أبو عبيدة بن الجراح، وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، قال: فاستشار الناس، فأشار عليه (١) ((شرح النوويّ)) ٢١١/١٤. (٣) «المفهم)) ٦١٩/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢١١/١٤. ٣٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى المهاجرون والأنصار، أن يمضي، وقالوا: قد خرجنا لأمر، ولا نرى أن نرجع عنه، وقال الذين أسلموا يوم الفتح: معاذ الله أن نرى هذا الرأي، أن نختار دار البلاء على دار العافية، وكان عبد الرحمن بن عوف غائباً، فجاء فقال: إن عندي من هذا علماً سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((إذا سمعتم به في أرض، فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرض، وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه))، قال: فنادى عمر في الناس، فقال: إني مُصْبِحٌ على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نَفِرّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل، فهبطت وادياً له عدوتان: إحداهما خَصِبٌ، والأخرى جَدْبةٌ، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله؟ وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: نعم، قال: وقال له: أرأيت لو رَعَى الجدبة، وترك الخصبة، أكانت مَعْجَزةً(١)؟، قال: نعم، قال: فَسِرْ إذاً، قال: فسار، حتى أتى المدينة، فقال: هذا المحلّ، وهذا المنزل، إن شاء الله، قال الزهريّ: فأخبرني سعيد بن المسيِّب أن عمر بن الخطاب، رجع بالناس يومئذ من سَرْغ. انتهى (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٧٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم ذُكروا في الباب. وقوله: (قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ وَلَمْ يَقُلْ: عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ)؛ أي: كما قال مالك، ومن تابعه، فخالفهم يونس، وقال ابن خزيمة: وقال: قول مالك، ومن تابعه أصحّ، وقال الدارقطنيّ: تابع يونس صالح بن نصر، عن (١) هكذا نصّ ((المصنّف))، ولفظ مسلم: ((أكنت مُعُجِّزه؟)). (٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ١١/ ١٤٧. ٣٤٣ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطِّيَرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٧٢) مالك، وقد رواه ابن وهب، عن مالك، ويونس جميعاً، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن الحارث، والصواب الأول، وأظنّ ابن وهب حمل رواية مالك على رواية يونس. انتهى. وقال النوويّ: قال الدارقطنيّ: كذا قال مالك - يعني: عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث - وقال معمر، ويونس: عن عبد الله بن الحارث، قال: والحديث صحيح على اختلافهم، قال: وقد أخرجه مسلم من طريق يونس، عن عبد الله بن الحارث، وأما البخاريّ فلم يخرجه إلا من طريق مالك. انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: قول الدارقطنيّ: وقال معمر ويونس ... إلخ فيه نظر لا يخفى، فإن رواية معمر عند مسلم كرواية مالك عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث، وليست كرواية يونس عن عبد الله بن الحارث. وخلاصة القول أنه قد تبيّن بما ذُكر أن الأصحّ عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث، كما اتّفق عليه مالك، ومعمر، لا عن عبد الله بن الحارث، فالحديث للولد، لا للوالد، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية يونس عن ابن شهاب هذه ساقها البيهقيّ كَُّ في ((الكبرى))، فقال: (١٤٠٢٠) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أن عبد الله بن الحارث حدّثه، أن عبد الله بن عباس ﴿ًا حدثه، أنه كان مع عمر بن الخطاب حين خرج إلى الشام، فرجع بالناس من سَرْغَ، فلقيه أمراؤه على الأجناد، فلقيه أبو عبيدة بن الجراح، وأصحابه وقد وقع الوجع بالشام، فقال عمر: اجمع لي المهاجرين الأولين، فجمعتهم له، فاستشارهم، فاختلفوا عليه، فقال بعضهم: ارجع بالناس، ولا تُقْدِمهم على هذا الوباء، وقال بعضهم: إنما هو قَدَر الله، وقد خرجتَ لأمر، فلا ترجع (١) ((شرح النوويّ)) ٢١١/١٤ - ٢١٢. ٣٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى عنه، فأمرهم، فخرجوا عنه، ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، فاختلفوا كاختلافهم، فأمرهم، فخرجوا عنه، ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مَشْيَخة مهاجرة، فاختلفوا كاختلافهم، فأمرهم، فخرجوا عنه، ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة مهاجرة الفتح، فدعوتهم، فاستشارهم، فاجتمع رأيهم على أن يرجع بالناس، فأَذَّنَ عمر رَُّّ في الناس، إني مُصْبِح على ظهر، فَأَصْبِحوا عليه، فإني ماض لِمَا أرى، فانظروا ما آمركم به، فامضوا له، فأصبح، قال: فركب عمر رز ◌ُته، ثم قال للناس: إني أرجع، فقال أبو عبيدة بن الجراح ظه - وكان يكره أن يخالفه ـ: أفراراً من قدر الله؟ فغضب عمر رظه، وقال: لو غيرك قال هذا يا أبا عبيدة، نعم، أَفِرّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو أن رجلاً هبط وادياً له عْدوتان، واحدة جدبة، والأخرى خَصْبة، أليس إن رعى الجدبة رعاها بقدر الله؟ وإن رعى الخصبة رعاها بقدر الله؟ قال: ثم خلا بأبي عبيدة، فتراجعا ساعة، فجاء عبد الرحمن بن عوف ظه، وكان متغيباً في بعض حاجته، فجاء، والقوم يختلفون، فقال: إن عندي في هذا علماً، فقال عمر: ما هو؟ قال: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((إذا سمعتم به في أرض، فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرض، وأنتم بها، فلا يخرجنكم الفرار منه))، فحَمِد الله عمر رظُه، فرجع، وأمر الناس أن يرجعوا، قال ابن شهاب: أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، قالا: إن عمر رعظ اته إنما رجع من سَرْغ عن حديث عبد الرحمن بن عوف. انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّلُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٧٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا جَاءَ سَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، (١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٢١٧/٧. ٣٤٥ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطِّيَرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٧٣) وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ))، فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ سَرْغَ، وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا انْصَرَفَ بِالنَّاسِ مِنْ حَدِيثٍ(١) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ) الْعَنَزيّ، حليف بني عديّ، أبو محمد المدنيّ، وُلد في عهد النبيّ وَّه، ولأبيه صحبة مشهورة، وثّقه العجليّ، مات سنة بضع وثمانين (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦١٩/٥. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) قال في ((الفتح)): وعبد الله بن عامر هذا معدود في الصحابة؛ لأنه وُلِد في عهد النبيّ ◌َّ، وسَمِع منه ابن شهاب هذا الحديث عالياً عن عبد الرحمن بن عوف، وعمر، لكنه اختصر القصّة، واقتصر على حديث عبد الرحمن بن عوف. انتهى(٢). وقوله: (وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ... إلخ) معطوف على ((عن ابن شهاب)) الأول، فهو موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقاً. قال في ((الفتح): رواية سالم هذه منقطعة؛ لأنه لم يدرك القصّة، ولا جدّه عمر، ولا عبد الرحمن بن عوف، وقد رواه ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سالم، فقال: عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: ((أن عبد الرحمن أخبر عمر، وهو في طريق الشام لَمّا بلغه أن بها الطاعون ... )) فذكر الحديث، أخرجه الطبرانيّ، فإن كان محفوظاً، فيكون ابن شهاب سمع أصل الحديث من عبد الله بن عامر، وبعضه من سالم عنه، واختصر مالك الواسطة بين سالم، وعبد الرحمن، والله أعلم. انتهى(٣). وقوله: (أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا انْصَرَفَ بِالنَّاسِ مِنْ حَدِيثٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) (١) في نسخة: ((عن حديث)). (٢) ((الفتح)) ١٤٠/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٩). (٣) ((الفتح)) ١٤٠/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٩). ٣٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى المذكور؛ تقديماً لخبر الواحد على القياس؛ لأنهم أجمعوا على الرجوع اعتماداً على خبره وحده، بعد أن رَكِبوا مشقة السفر من المدينة إلى سَرْغ، فرجعوا، ولم يدخلوا الشام، وقيل: رجع قبل إخبار عبد الرحمن؛ لأنه قال: إنه مصبح على ظَهْر، قبل أن يخبروه بالحديث، فلما أخبروه قَوِي عزمه على ذلك، وتأول من قال بهذا بأن سالماً لعله لم يبلغه قول عمر قبل إخبار ابن عوف. قال القرطبيّ: ورجح بعضهم الأول بأن وَلَده؛ أي: حفيده ما عرف بحاله من غيره، وبأن عمر لم يكن ليرجع إلى رأي دون رأي لغير حجة حتى وجد علماً، وتأول قوله: ((إني مصبح على ظهر)) الذي قاله قبل تحديث عبد الرحمن له بالحديث، بأن معناه: إني على سفر لوجهه الذي كان توجّه له، لا أنه رجع عن رأيه، وهذا بعید. انتهى. قال الزرقانيّ: ولا حاجة إلى هذا كله؛ لأن عمر ظُه رجع عن رأيه إلى رأي من أشار بالرجوع؛ لكثرتهم، ثم قَوَّى ذلك له حديث عبد الرحمن، فرجع بهم من سَرْغ، وعلى هذا يُحْمَل قول سالم، فلا داعية لدعوى أنه لم يبلغه قول عمر قبل إخبار ابن عوف. انتهى(١). وقال في ((الفتح)) - بعد رواية عبد الله بن عامر هذه - ما نصّه: وفي رواية القعنبيّ عقب هذه الطريق: وعن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله: ((أن عمر إنما انصرف من حديث عبد الرحمن))، وهو لمسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، وقال: ((إنما رجع بالناس من سَرْغَ عن حديث عبد الرحمن بن عوف))، وكذا هو في ((الموطأ))، وقد رواه جويرية بن أسماء، عن مالك خارج ((الموطأ)) مطوّلاً، أخرجه الدارقطنيّ في ((الغرائب))، فزاد بعد قوله: ((عن حديث عبد الرحمن بن عوف، عن رسول الله وَ ﴿ أنه نهى أن يَقْدَم عليه، إذا سمع به، وأن يخرج عنه، إذا وقع بأرض هو بها))، وأخرجه أيضاً من رواية بشر بن عمر، عن مالك بمعناه. قال: وليس مراد سالم بهذا الحصر نفي سبب رجوع عمر ظ له أنه كان (١) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٣٠٢/٤. ٣٤٧ (١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَّا طِيَرَةَ، وَلَّا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٧٤) عن رأيه الذي وافق عليه مشيخة قريش، من رجوعه بالناس، وإنما مراده أنه لَمّا سَمِع الخبر رَجَحَ عنده ما كان عزم عليه من الرجوع، وذلك أنه قال: ((إني مُصْبح على ظهر))، فبات على ذلك، ولم يَشْرَع في الرجوع حتى جاء عبد الرحمن بن عوف، فحدَّث بالحديث المرفوع، فوافق رأي عمر الذي رآه، فحصر سالم سبب رجوعه في الحديث؛ لأنه السبب الأقوى، ولم يُرِد نفي السبب الأول، وهو اجتهاد عمر، فكأنه يقول: لولا وجود النصّ لأمكن إذا أصبح أن يتردد في ذلك، أو يرجع عن رأيه، فلما سمع الخبر استمرّ على عزمه الأول، ولولا الخبر لَمَا استمرّ. فالحاصل: أن عمر أراد بالرجوع ترك الإلقاء إلى التهلكة، فهو كمن أراد الدخول إلى دار، فرأى بها مثلاً حريقاً تعذر طفؤه، فعدل عن دخولها؛ لئلا يصيبه، فعدل عمر لذلك، فلما بلغه الخبر جاء موافقاً لرأيه، فأعجبه، فلأجل ذلك قال من قال: إنما رجع لأجل الحديث، لا لِمَا اقتضاه نَظَرَه فقط. (١) . انتھی ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١٨) - (بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، وَلَا نَوْءَ، وَلَا غُولَ، وَلَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحِّ) [٥٧٧٤] (٢٢٢٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لأَبِي الطَّاهِرِ - قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، حِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((لَا عَدْوَى، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ))، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ؛ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَجِيءُ الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ، فَيَدْخُلُ فِيهَا، فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا؟ قَالَ: ((فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟))). (١) ((الفتح)) ١٤٠/١٣ - ١٤١، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٩). ٣٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، وقبله بثلاثة أبواب. شرح الحديث: (حِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ﴾ ((حين)) متعلّق بحال (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) محذوف؛ أي: حال كونه ناقلاً، أو آخذاً وقت قول رسول الله وَالنّ، وعلّق بعضهم بقوله: ((فقال أعرابيّ))، على زيادة الفاء، والأول أقرب، وأوضح، فتأمل، والله تعالى أعلم. (لَا عَدْوَى) بفتح العين، وسكون الدال المهملتين، وفتح الواو مقصوراً، قال ابن الأثير كَّلُ: الْعَدْوَى اسم من الإعداء؛ كالرَّغْوَى، والْبَقْوَى، من الإرعاء، والإبقاء، يقال: أعداه الداء يُعديه إعداءً، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء، وذلك أن يكون ببعير جَرَبٌ مثلاً، فَتُتَّقَى مخالطته بإبل أخرى؛ حِذاراً أن يتعدى ما به من الجرب إليها، فيصيبها ما أصابه، وقد أبطله الإسلام؛ لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى، فأعلمهم النبيّ وَلّ أنه ليس الأمر كذلك، وإنما الله هو الذي يُمرِض، ويُنزل الداء، ولهذا قال في الحديث: ((فمن أعدى الأول))؛ أي: مِن أين صار فيه الجرب؟ انتهى(١). وقال التوربشتيّ كَُّهُ: العَدْوَى هنا مجاوزة العلّة من صاحبها إلى غيره، يقال: أعدى فلان فلاناً من خُلُقه، أو من علّة به، وذلك على ما يذهب إليه المتطبّبة في عِلَلٍ سبع: الجذام، والجَرَب، والجدريّ، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائيّة. انتهى (٢). (وَلَا صَفَرَ) قال ابن الأثير تَّتُهُ: كانت العرب تزعم أن في البطن حَيّةً يقال لها: الصفر، تصيب الإنسان إذا جاع، وتؤذيه، وأنها تُعْدِي، فأبطل الإسلام ذلك، وقيل: أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخير المحرَّم إلى صفر، ويجعلون صفر هو الشهر الحرام، فأبطله. انتهى(٣). (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٩٢/٣. (٢) راجع: ((الكاشف)) ٢٩٧٨/٩ - ٢٩٧٩. (٣) ((النهاية في غريب الأثر)) ٣٥/٣. ٣٤٩ (١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَّا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٧٤) وقال البخاريّ تَكْثُ في ((صحيحه)): ((باب لا صفر، وهو داء يأخذ البطن))، قال في (الفتح)): كذا جزم بتفسير الصفر، وهو بفتحتين، وقد نَقَل أبو عبيدة معمر بن المثنى في ((غريب الحديث)) له عن يونس بن عبيد الجرميّ، أنه سأل رُؤبة بن العَجّاج، فقال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الْجَرَب عند العرب، فعلى هذا فالمراد بنفي الصفر ما كانوا يعتقدونه فيه من العدوى، ورَجَحَ عند البخاري هذا القول؛ لكونه قُرِن في الحديث بالعدوى، وكذا رَجَّحَ الطبريّ هذا القول، واستَشْهَد له بقول الأعشى: لَا يَتَأَرَّى لِمَا فِي الْقِدْرِ يَرْقُبُهُ وَلَا يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ والشُّرْسُوف: بضم المعجمة، وسكون الراء، ثم مهملة، ثم فاء: الضلع، والصفر: دودٌ يكون في الجوف، فربما عَضَّ الضلع، أو الكبد، فقتل صاحبه، وقيل: المراد بالصفر الحية، لكن المراد بالنفي نفي ما كانوا يعتقدون أن من أصابه قَتَله، فَرَدّ ذلك الشارع بأن الموت لا يكون إلا إذا فَرَغ الأجلُ، وقد جاء هذا التفسير عن جابر ظه، وهو أحد رواة حديث: ((لا صفر))، قاله الطبريّ، وقيل في الصفر قول آخر، وهو أن المراد به شهر صفر، وذلك أن العرب كانت تُحَرِّم صفر، وتستحل المحرَّم، كما تقدم في ((كتاب الحجّ))، فجاء الإسلام بردّ ما كانوا يفعلونه من ذلك، فلذلك قال ◌َ: ((لا صفر))، قال ابن بطال: وهذا القول مرويّ عن مالك، والصفر أيضاً وجع في البطن، يأخذ من الجوع، ومن اجتماع الماء الذي يكون منه الاستسقاء. انتهى (١). (وَلَّا هَامَةَ) بتخفيف الميم على المشهور، وقيل: بتشديدها، قال أبو داود في ((سننه)): قال بقيّة: سألت محمد بن راشد عن قوله: ((لا هامة))، فقال: كان أهل الجاهلية يقولون: ليس أحدٌ يموت فيُدفن إلا خرج من قبره هامة. انتهى. وقال النوويّ: فيها تأويلان: [أحدهما]: أن العرب كانت تتشاءم بها، وهي من طير الليل. وقيل: هي الْبُومة، قالوا: كانت إذا سقطت على دار أحدهم، فيراها ناعيةً له نفسه، أو بعض أهله، وهو تفسير مالك بن أنس. (١) ((الفتح)) ١١٦/١٣ - ١١٧، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧١٧). ٣٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى [وثانيهما]: كانت تعتقد أن عظام الميت، وقيل: روحه تنقلب هامة تطير، وهذا تفسير أكثر العلماء، وهو المشهور، ويجوز أن يكون المراد النوعين معاً، فإنهما باطلان، فبيّن النبيّ وَّ إبطال ذلك، وضلالة الجاهليّة فيما تعتقده من ذلك. و((الهامة)) بتخفيف الميم على المشهور الذي لم يذكر الجمهور غيره. وقيل: بتشديدها. قاله جماعة، وحكاه القاضي عن أبي زيد الأنصاريّ الإمام في اللغة. انتهى(١). وقال ابن الأثير تَّتُهُ: الهامة الرأس، واسم طائر، وهو المراد في الحديث، وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل، وقيل: هي الْبُومة، وقيل: كانت العرب تزعم أن رُوح القتيل الذي لا يُدْرَك بثأره تصير هامة، فتقول: اسقوني، فإذا أُدرك بثأره طارت، وقيل: كانوا يزعمون أن عظام الميت، وقيل: روحه تصير هامة، فتطير، ويسمونه الصَّدَى، فنفاه الإسلام، ونهاهم عنه، وذكره الهرويّ في الهاء والواو، وذكره الجوهريّ في الهاء والياء. (٢) انتهى '''. وقال في ((الفتح)): قوله: ((باب لا هامة)) قال أبو زيد: هي بالتشديد، وخالفه الجميع، فخففوها، وهو المحفوظ في الرواية، وكأن مَن شدَّدها ذهب إلى واحدة الهواءّ، وهي ذوات السموم، وقيل: دواب الأرض التي تَهُمّ بأذى الناس، وهذا لا يصح نفيه، إلا إن أُريدَ أنها لا تضرّ لذواتها، وإنما تضر إذا أراد الله إيقاع الضرر بمن أصابته، وقد ذكر الزبير بن بكار في ((الموفقيات)) أن العرب كانت في الجاهلية تقول: إذا قُتل الرجلُ، ولم يؤخذ بثأره خرجت من رأسه هامة، وهي دودة، فتدور حول قبره، فتقول: اسقوني، اسقوني، فإن أُدرك بثأره ذهبت، وإلا بقيت، وفي ذلك يقول شاعرهم [من البسيط]: يَا عَمْرُو إِلَّا تَدَعْ شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي أَضْرِبْكَ حَتَّى تَقُولَ الْهَامَةُ اسْقُونِي قال: وكانت اليهود تزعم أنها تدور حول قبره سبعة أيام، ثم تذهب، وذكر ابن فارس وغيره من اللغويين نحو الأوّل، إلا أنهم لم يُعَيِّنوا كونها دودةً، بل قال القزاز: الهامة: طائر من طير الليل؛ كأنه يعني: البومة. (١) ((شرح مسلم)) ٢١٦/١٤. (٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٨٢/٥. ٣٥١ (١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٧٤) وقال ابن الأعرابيّ: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول: نَعَتْ إليّ نفسي، أو أحداً من أهل داري. وقال أبو عبيد: كانوا يزعمون أن عظام الميت تصير هامةً، فتطير، ويسمّون ذلك الطائر: الصَّدَى، فعلى هذا فالمعنى في الحديث: لا حياة لهامة الميت، وعلى الأول: لا شُؤْمَ بالْبُومة، ونحوها. انتهى (١). (فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ) لا يُعرف(٢)، و(الأعرابيّ)) بفتح الهمزة، واحد الأعراب بفتحها، وهو الذي يكون صاحب نُجْعة وارتياد للكلإ، قال الأزهريّ: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، فمن نزل البادية، وجاور البادِيْنَ، وظَعَن بَعْنِهم، فهم أَعرابٌ، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن المدن والقرى العربيّة وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهم عَرَب، وإن لم يكونوا فصحاء، ويقال: سُمُّوا عرباً؛ لأن البلاد التي سكنوها تُسَمّى الْعَرَبَات، ويقال: العَرَبُ العاربة هم الذين تكلّموا بلسان يَعرُب بن قَخْطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعرِبَة هم الذين تكلّموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وهي لغة الحجاز وما والاها (٣). (يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا بَالُ) بالباء الموحّدة؛ أي: فما شأنها؟ (الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ) خبر تكون، (كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ) بكسر الظاء المعجمة: جمع ظبي، شبّهها بها في صفاء بدنها، وسلامتها من الجرَب وغيره، من الأدواء، فقوله: ((كأنها الظباء)) حال من الضمير المستتر في الخبر، وهو تتميم لمعنى النقاوة، وذلك لأنها إذا كانت في التراب ربما يَلْصَق بها شيء منه. (فَيَجِيءُ الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ)؛ أي: الذي فيه جَرَب وحكّة، قال الفيّومِيّ ◌َُّ: الْجَرَبُ - بفتح الجيم، والراء -: ذُكر في كتب الطبّ أنه خِلْطٌ غليظُ يَحْدُثُ تحت الجلد من مُخالطة الْبَلْغم الْمِلْحِ للدم، يكون معه بُثُورٌ، وربّما حصَلَ معه هُزَالٌ لكثرته. انتهى (٤). (١) ((الفتح)) ٢٣٠/١٣ - ٢٣١، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٧٠). (٢) (تنبيه المعلم)) ص٣٧٩. (٤) راجع: ((المصباح المنير)) ٩٥/١. (٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٠٠/٢. ٣٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى (فَيَدْخُلُ فِيهَا، فَيُجْرِبُهَا) بضمّ حرِف المضارعة، من الإجراب؛ أي: يُعدي ذلك البعير جَرَبه إليها، وقوله: (كُلَّهَا) بالنصب توكيد للضمير المفعول. (قَالَ) وَهِ ((فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟)))؛ أي: من أجرب البعير الأول؟ يعني: ممن سَرَى إليه الجرب، فإن قلت: من بعير آخر يلزم التسلسل، وإن قلت: بسبب آخر، فعليك بيانه، وإن قلت: إن الذي فعله في الأول هو الذي فعله في الثاني ثبت المدَّعَى، وهو أن الذي فعل في الجميع ذلك هو الله الخالق القادر على كل شيء، وهذا جواب من النبيّ وَّ في غاية البلاغة، والرَّشَاقة(١). وقال النوويّ تَُّهُ: معناه أن البعير الأول الذي جرِبَ من أجربه؟؛ أي: وأنتم تعلمون، وتعترفون أن الله تعالى هو الذي أوجد ذلك من غير ملاصقة البعير أجرب، فاعلموا أن البعير الثاني والثالث وما بعدهما إنما جَرِب بفعل الله تعالى وإرادته، لا بعدوى تُعْدِي بطبعها، ولو كان الجرب بالعدوى بالطبائع لم يَجْرَب الأول؛ لعدم المعدِي، ففي الحديث بيان الدليل القاطع لإبطال قولهم في العدوى بطبعها. انتهى(٢). وقال المناويّ كَُّ: قوله: ((فمن أعدى الأول؟)) من الأجوبة المسكتة البرهانية التي لا يمكن دفعها؛ إذ لو جَلَبت الأدواءُ بعضها بعضاً لزم فقد الداء الأول؛ لفقد الجالب، فقَطَع التسلسلَ، وأحال على حقيقة التوحيد الكامل الذي لا مَعْدِل عنه، فهو جواب في غاية الرَّشَاقة والبلاغة. [تنبيه]: قال الطيبي كَّلُهُ: إنما أتى بـ((مَن))، والظاهر أن يقال: فما أعدى الأول ليجاب بقوله: الله تعالى، وذكر ((أعدى)) للمشاكلة والازدواج، كما في قوله: ((كما تدين تدان)). انتهى (٣)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة حبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) عمدة القاري)) ٢٨٨/٢١. (٣) ((الكاشف عن حقائق السُّنن) ٩/ ٢٩٨٠. (٢) ((شرح مسلم)) ٢١٧/١٤. ٣٥٣ (١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَّا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٧٤) أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٧٤/١٨ و٥٧٧٥ و٥٧٧٦] (٢٢٢٠)، و(البخاريّ) في ((الطبّ)) (٥٧١٧ و٥٧٥٧ و٥٧٧٠)، و(أبو داود) في ((الطبّ)) (١٧/٤ - ١٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٥/٤ و٣٧٦ و٤٠٢/٥)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٥٨٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٥٠٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٧/٢)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٤٠٩/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣٠٩/٤ و٣١٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١١٦)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٣)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٢٧٢ و٢٧٣ و٢٧٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٩٨/١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٦/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٤٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إبطال ما كان عليه الجاهليّة من اعتقاد إعداء المرض، فكانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحّاء أمرضهم، فنفى الشارع ذلك، وأبطله، أتم بطلان. ٢ - (ومنها): أن هذا الحديث، وإن كان ظاهره نفياً لهذه الأشياء، لكن المراد منه النهي عن الالتفات إليها، والاعتناء بها؛ لأنها في أنفسها ليست بصحيحة، وإنما هي من أوهام جهّال العرب. قال القرطبيّ كَُّهُ: ((لا)) في هذا الحديث، وإن كانت نفياً لِمَا ذُكر بعدها، فمعناها النهي عن الالتفات لتلك الأمور، والاعتناء بها؛ لأنَّها في أنفسها ليست بصحيحة، وإنما هي من أوهام جهَّال العرب، وبيان ذلك: أنهم كانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحاء أمرضهم، وأعداهم، وكذلك في الإبل، فنفى النبيّ وَّر ذلك، وأبطله، ثم إنهم لمّا أوردوا عليه الشبهة الحاملة لهم على ذلك حين قالوا: ((فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيجيء البعير الأجرب، فيدخل فيها، فيُجربها))، قطع حجتهم، وأزاح شبهتهم بكلمة واحدة، وهي قوله: ((فمن أعدى الأول؟))، ومعنى ذلك: أن البعير الجرب الذي أجرب هذه الصحاح ـ على زعمهم - من أين جاءه الجرب؟ أمِنْ بعير آخر؟ فيلزم التسلسل، أو من سبب غير البعير؟ فهو الذي فعل الجرب في الأول والثاني، وهو الله تعالى الخالق لكل شيء، والقادر على كل شيء. ٣٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى قال: وهذه الشبهة التي وقعت لهؤلاء هي التي وقعت للطبائعيين أوّلاً، والمعتزلة ثانياً، فقال الطبائعيون بتأثيرات الأشياء بعضها في بعض، وإيجادها إياها، وسمّوا المؤثّر طبيعة، وقالت المعتزلة بنحو ذلك في أفعال الحيوانات، والمتولدات، وقالوا: إن قدرتهم مؤثرة فيها بالإيجاد، وأنهم خالقون لأفعالهم، مستقلون باختراعها، واستند الكل ممن ذكر للمشاهدة الحسية، وربما نسبوا منكر ذلك إلى إنكار البديهة، وهذا منهم غلط فاحش، وسببه: أنهم التبس عليهم إدراك الحسّ بإدراك العقل، فإنَّ الذي شاهدوه إنَّما هو تأثير شيء، عند شيء آخر، وهذا حظ الحس، وأما تأثيره فيه، فلا يُدرَك حسّاً، بل عقلاً، فإنَّ الحس إنما أدرك وجود شيء عند شيء، وارتفاعه عند ارتفاعه، أما إيجاده به فليس للحس فيه مدخل، فإنها المتقارنات في الوجود على حالة واحدةٍ، والعقل هو الذي يُفرِّق، فيحكم بتلازم بعضها بعضاً عقلاً، ويحكم بتلازم بعضها ببعض عادةً، مع جواز التبُّل عقلاً، ولقد أحسن من قال من العقلاء النظار الفضلاء: إياك والانخداع بالوجود، والارتفاع، قال: واستيفاء الكلام على هذا في علم الكلام. انتهى(١). ٣ - (ومنها): إثبات القدر، ووجوب الإيمان به. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رَّتُهُ: فيه دليلٌ على جواز مشافهة من وقعت له شبهة في اعتقاده بذكر البرهان العقليّ، إذا كان السامع أهلاً لفهمه، فأما أهل القصور، فيُخاطَبون بما تحتمله عقولهم من الأمور الإقناعيات. وقال أيضاً: هذه الشبهة وقعت للطبائعيين، ثم للمعتزلة، فقال الطبائعيون: بتأثير الأشياء بعضها في بعض، وإيجادها إياها، ويسمّون المؤثّر طبيعةً، وقال المعتزلة به في أفعال العباد، وقالوا: قدرتهم مؤثرة فيها الإيجاد، مستقلون بها، واستَدَلّ كلٌّ بالمشاهدة الحسية، وهو غلط، سببه التباس إدراك (٢) العقد. انتهى (٢). ٥ - (ومنها): ما قال ابن العربيّ كَّتُهُ: هذا الحديث أصل عظيم في تكذيب القدرية، وأصل حدوث العالم، ووجوب دخول الأولية له، ودليل على (١) ((المفهم)) ٦٢٠/٥ - ٦٢١. (٢) ((المفهم)) ٦٢٢/٥. ٣٥٥ (١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٧٤) صحة القياس في الأصل، وأما خبر: ((لا يورد مُمْرِض على مُصِحِّ))، فهو نهي عن إدخال التوهم والمحظور على العامّة باعتقاد وقوع العدوى عليهم بدخول البعير الأجرب فيهم. انتهى، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين حديث: ((لا عدوى))، وحديث: ((لا يورد ممرض على مصحّ))، وكلاهما صحيحان اتفق الشيخان على إخراجهما : قال النوويّ: قال جمهور العلماء: يجب الجمع بين هذين الحديثين، وهما صحيحان، قالوا: وطريق الجمع أن حديث: ((لا عدوى)) المراد به نفي ما كانت الجاهلية تزعمه، وتعتقده أن المرض والعاهة تُعْدِي بطبعها، لا بفعل الله تعالى، وأما حديث: ((لا يورد ممرض على مصح))، فأرشد فيه إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله تعالى وقَدَره، فنفى في الحديث الأول العدوى بطبعها، ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقَدَر الله تعالى وفعله، وأرشد في الثاني إلى الاحتراز مما يحصل عنده الضرر بفعل الله وإرادته وقَدَره، فهذا الذي ذكرناه من تصحيح الحديثين والجمع بينهما هو الصواب الذى عليه جمهور العلماء، ويتعيَّن المصير إليه، ولا يؤثّر نسيان أبي هريرة رقڅ﴾ لحديث: ((لا عدوی))؛ لوجهین: [أحدهما]: أن نسيان الراوي للحديث الذي رواه لا يقدح في صحته، عند جماهير العلماء، بل يجب العمل به. [والثاني]: أن هذا اللفظ ثابت من رواية غير أبي هريرة، فقد ذكر مسلم هذا من رواية السائب بن يزيد، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن عمر ته عن النبي ◌ِلتر . وحَكَى المازريّ، والقاضي عياض عن بعض العلماء أن حديث: ((لا يورد ممرض على مصح)) منسوخ بحديث: ((لا عدوى))، وهذا غلط لوجهين: [أحدهما]: أن النسخ يشترط فيه تعذر الجمع بين الحديثين، ولم يتعذر، بل قد جمعنا بينهما . [والثاني]: أنه يُشترط فيه معرفة التاريخ، وتأخر الناسخ، وليس ذلك موجوداً هنا . ٣٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرفى وقال آخرون: حديث ((لا عدوى)) على ظاهره، وأما النهي عن إيراد الممرض على المصِحّ فليس للعدوى، بل للتأذي بالرائحة الكريهة، وقبح صورته، وصورة المجذوم، والصواب ما سبق. انتهى (١). وقال في ((الفتح)) عند شرح قوله: ((وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد)) ما نصّه: قال عياض: اختَلَفت الآثار في المجذوم، فجاء ما تقدم عن جابر أن النبيّ وَّر أكل مع مجزوم، وقال: ((ثقةً بالله، وتوكلاً عليه))، قال: فذهب عمر، وجماعة من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، وممن قال بذلك: عيسى بن دينار من المالكية، قال: والصحيح الذي عليه الأكثر، ويتعيَّن المصير إليه، أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحَمْلُ الأمر باجتنابه، والفرار منه على الاستحباب، والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز. انتهى. هكذا اقتصر القاضي، ومن تبعه على حكاية هذين القولين. وحكى غيره قولاً ثالثاً، وهو الترجيح، وقد سلكه فريقان: أحدهما: سلك ترجيح الأخبار الدالة على نفي العدوَى، وتزييف الأخبار الدالة على عكس ذلك، مثل حديث الباب، فأعلَّوه بالشذوذ، وبأن عائشة يا أنكرت ذلك، فأخرج الطبريّ عنها أن امرأة سألتها عنه، فقالت: ما قال ذلك، ولكنه قال: ((لا عدوى))، وقال: ((فمن أعدى الأول؟»، قالت: وكان لي مولى به هذا الداء، فكان يأكل في صحافي، ويشرب في أقداحي، وينام على فراشي، وبأن أبا هريرة تردّد في هذا الحكم، كما سيأتي بيانه، فيؤخذ الحكم من رواية غيره، وبأن الأخبار الواردة من رواية غيره في نفي العدوى كثيرة، شهيرة، بخلاف الأخبار المرخّصة في ذلك، ومثل حديث: ((لا تديموا النظر إلى المجذومين))، وقد أخرجه ابن ماجه، وسنده ضعيف، ومثل حديث عبد الله بن أبي أوفى، رفعه: ((كَلِّم المجذوم، وبينك وبينه قيد رمحين))، أخرجه أبو نعيم في ((الطبّ)) بسند واه، ومثل ما أخرجه الطبريّ، من طريق معمر، عن الزهريّ: ((أن عمر قال لمعيقيب: اجلس مني قيد (١) ((شرح مسلم)) ١٤/ ٢١٣ - ٢١٤. ٣٥٧ (١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٧٤) رمح))، ومن طريق خارجة بن زيد: كان عمر يقول نحوه، وهما أثران منقطعان . وأما حديث الشريد الذي أخرجه مسلم، فليس صريحاً في أن ذلك بسبب الجذام. والجواب عن ذلك أن طريق الترجيح لا يصار إليها إلا مع تعذر الجمع، وهو ممکن، فهو أولى. الفريق الثاني: سَلَكوا في الترجيح عكس هذا المسلك، فردُّوا حديث: ((لا عدوى)) بأن أبا هريرة رجع عنه، إما لشكّه فيه، وإما لثبوت عكسه عنده، كما سيأتي إيضاحه، قالوا: والأخبار الدالة على الاجتناب أكثر مخارجَ، وأكثر طرقاً، فالمصير إليها أولى، قالوا: وأما حديث جابر ﴿به أن النبيّ وَلّ أخذ بيد مجزوم، فوضعها في القصعة، وقال: ((كُلْ ثقةً بالله، وتوكلاً عليه))، ففيه نظر، وقد أخرجه الترمذيّ، وبيَّن الاختلاف فيه على راويه، ورجّح وَقفه على عمر، وعلى تقدير ثبوته فليس فيه أنه في أكل معه، وإنما فيه أنه وضع يده في القصعة، قاله الكلاباذيّ في ((معاني الأخبار)). والجواب: أن طريق الجمع أولى، كما تقدم، وأيضاً فحديث: ((لا عدوى)) ثبت من غير طريق أبي هريرة، فَصَحّ عن عائشة، وابن عمر، وسعد بن أبي وقّاص، وجابر، وغيرهم، فلا معنى لدعوى كونه معلولاً، والله أعلم. وفي طريق الجمع مسالك أخرى: أحدها: نفي العدوى جملةً، وحَمْل الأمر بالفرار من المجذوم على رعاية خاطر المجذوم؛ لأنه إذا رأى الصحيح البدن السليم من الآفة تعظم مصيبته، وتزداد حسرته، ونحوه حديث: ((لا تديموا النظر إلى المجذومين))، فإنه محمول على هذا المعنى. ثانيها: حمل الخطاب بالنفي والإثبات على حالتين مختلفتين، فحيث جاء: ((لا عدوى)) كان المخاطَب بذلك من قوي يقينه، وصح توكله، بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى، كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل أحد، لكن القويّ اليقين لا يتأثر به، وهذا مثل ما تدفع قوة الطبيعة العلة فتبطلها، وعلى هذا يُحْمَل حديث جابر ◌َظُه في أكل المجذوم من القصعة، وسائر ما ورد من جنسه، وحيث جاء: ((فِرّ من المجذوم)) كان ٣٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى المخاطَب بذلك مَنْ ضَعُف يقينه، ولم يتمكن من تمام التوكل، فلا يكون له قوّة على دفع اعتقاد العدوى، فأريدَ بذلك سَدّ باب اعتقاد العدوى عنه، بأن لا يباشر ما يكون سبباً لإثباتها، وقريب من هذا كراهيته وهو الكيّ مع إذنه فيه، كما تقدم تقريره، وقد فعل هو وَّ﴿ كلّاً من الأمرين؛ لِيَتَأْسَّى به كلّ من الطائفتين . ثالث المسالك: قال القاضي أبو بكر الباقلانيّ: إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى، قال: فيكون معنى قوله: ((لا عدوى))؛ أي: إلا من الجذام، والبرص، والجرَب مثلاً، قال: فكأنه قال: لا يُعْدي شيء شيئاً إلا ما تقدم تبييني له أن فيه العدوى، وقد حكى ذلك ابن بطال أيضاً. رابعها: أن الأمر بالفرار من المجذوم ليس من باب العدوى في شيء، بل هو الأمر طبيعيّ، وهو انتقال الداء من جسد لجسد بواسطة الملامسة، والمخالطة، وشمّ الرائحة، ولذلك يقع في كثير من الأمراض في العادة انتقال الداء من المريض إلى الصحيح بكثرة المخالطة، وهذه طريقة ابن قتيبة، فقال: المجذوم تشتدّ رائحته، حتى يسقم من أطال مجالسته، ومحادثته، ومضاجعته، وكذا يقع كثيراً بالمرأة من الرجل، وعكسه، وينزع الولد إليه، ولهذا يأمر الأطباء بترك مخالطة المجذوم، لا على طريق العدوى، بل على طريق التأثر بالرائحة؛ لأنها تُسقم من واظب اشتمامها، قال: ومن ذلك قوله اَله: ((لا يورد مُمْرِضٌ على مُصِحّ))؛ لأن الجرَبَ الرطب قد يكون بالبعير، فإذا خالط الإبل، أو حككها، وأوى إلى مَبَارِكها، وصل إليها بالماء الذي يسيل منه، وكذا بالنظر نحو ما به، قال: وأما قوله: ((لا عدوى))، فله معنى آخر، وهو أن يقع المرض بمكان؛ كالطاعون، فيفرّ منه مخافة أن يصيبه؛ لأن فيه نوعاً من الفرار من قدر الله تعالی. المسلك الخامس: أن المراد بنفي العدوى أن شيئاً لا يُعدي بطبعه نفياً لِمَا كانت الجاهلية تعتقده، أن الأمراض تُعدي بطبعها، من غير إضافة إلى الله، فأبطل النبيّ وَّر اعتقادهم ذلك، وأكل مع المجذوم؛ ليبيّن لهم أن الله هو الذي يُمرِض، ويَشفي، ونهاهم عن الدنوّ منه؛ ليبيّن لهم أن هذا من الأسباب التي ٣٥٩ (١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٧٤) أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبّياتها، ففي نهيه إثبات الأسباب، وفي فعله إشارةٌ إلى أنها لا تستقلّ، بل الله هو الذي إن شاء سلبها قواها، فلا تؤثّر شيئاً، وإن شاء أبقاها، فأثّرت، ويَحْتَمِل أيضاً أن يكون أكْله وَّر مع المجذوم أنه كان به أمر يَسير، لا يُعدي مثله في العادة؛ إذ ليس الْجَذْمَى كلهم سواءً، ولا تحصل العدوى من جميعهم، بل لا يحصل منه في العادة عدوى أصلاً؛ كالذي أصابه شيء من ذلك، ووقف، فلم يُعْدِ بقية جسمه، فلا يُعدي، وعلى الاحتمال الأول جرى أكثر الشافعية. قال البيهقيّ بعد أن أورد قول الشافعيّ ما نصّه: الجذام، والبرص، يزعم أهل العلم بالطبّ والتجارب أنه يُعدي الزوج كثيراً وهو داء مانع للجماع، لا تكاد نفس أحد تطيب بمجامعة من هو به، ولا نفس امرأة أن يجامعها من هو به، وأما الولد فبيّن أنه إذا كان مَن وَلَدَه أجذم، أو أبرص، أنه قَلَّما يَسْلَم، وإن سَلِم أدرك نَسْله. قال البيهقيّ: وأما ما ثبت عن النبيّ وَّ أنه قال: ((لا عدوى))، فهو على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية، من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح مَن به شيء من هذه العيوب سبباً لحدوث ذلك، ولهذا قال ◌َله: ((فِرّ من المجذوم فرارك من الأسد))، وقال: ((لا يورد مُمْرِض على مُصِحّ))، وقال في الطاعون: ((من سَمِع به بأرض، فلا يَقْدَم عليه))، وكل ذلك بتقدير الله تعالى، وتبعه على ذلك ابن الصلاح في الجمع بين الحديثين، ومَنْ بعده، وطائفة ممن قبله. المسلك السادس: العمل بنفي العدوى أصلاً، ورأساً، وحَمْل الأمر بالمجانبة على حسم المادّة، وسدّ الذريعة؛ لئلا يَحْدُث للمخالط شيء من ذلك، فيظنّ أنه بسبب المخالطة، فيُثْبت العدوى التي نفاها الشارع، وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد، وتبعه جماعة، فقال أبو عبيد: ليس في قوله: ((لا يورد مُمْرِضٌ على مُصِحِّ)) إثبات العدوى، بل لأن الصحاح لو مَرِضت بتقدير الله تعالى، ربما وقع في نفس صاحبها أن ذلك من العدوى، فيَفْتَتِن، ويتشكك في ذلك، فأمر باجتنابه، قال: وكان بعض الناس يذهب إلى أن الأمر بالاجتناب إنما هو للمخافة على الصحيح من ذوات العاهة، قال: وهذا شَرُّ ما حُمل عليه ٣٦٠ البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى الحديث؛ لأن فيه إثبات العدوى التي نفاها الشارع، ولكن وجه الحديث عندي ما ذكرته، وأطنب ابن خزيمة في هذا في ((كتاب التوكل))، فإنه أورد حديث: ((لا عدوى)) عن عدّة من الصحابة، وحديث: ((لا يورد ممرض على مصحّ)) من حديث أبي هريرة، وترجم للأول: ((التوكل على الله في نفي العدوى))، والثاني: ((ذكر خبر غَلِطَ في معناه بعض العلماء، وأثبت العدوى التي نفاها النبيّ وَّةِ))، ثم ترجم: ((الدليلُ على أن النبيّ وَّ لم يُرد إثبات العدوى بهذا القول))، فساق حديث أبي هريرة: ((لا عدوى، فقال أعرابيّ: فما بال الإبل يخالطها الأجرب، فتجرب؟، قال: فمن أعدى الأول؟))، ثم ذكر طرقه عن أبي هريرة، ثم أخرجه من حديث ابن مسعود، ثم ترجم: ((ذكرُ خبر رُوي في الأمر بالفرار من المجذوم، قد يخطر لبعض الناس أن فيه إثبات العدوى، وليس كذلك)»، وساق حديث: ((فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد))، من حديث أبي هريرة، ومن حديث عائشة، وحديث عمرو بن الشَّرِيد، عن أبيه، في أمر المجذوم بالرجوع، وحديث ابن عباس: ((لا تُديموا النظر إلى المجذومين))، ثم قال: إنما أمرهم ﴿ بالفرار من المجذوم، كما نهاهم أن يورد الممرض على المصحّ؛ شفقةً عليهم، وخشيةَ أن يصيب بعض من يخالطه المجذوم الجذام، والصحيح من الماشية الجرب، فيسبق إلى بعض المسلمين أن ذلك من العدوى، فيُثبت العدوى التي نفاها وَلّ، فأمرهم بتجنب ذلك؛ شفقةً منه، ورحمةً؛ لِيَسْلَموا من التصديق بإثبات العدوى، وبيّن لهم أنه لا يُعدي شيء شيئاً، قال: ويؤيد هذا أكْله ◌َّ مع المجذوم ثقةً بالله، وتوكلاً عليه، وساق حديث جابر في ذلك، ثم قال: وأما نهيه عن إدامة النظر إلى المجذوم، فيَحْتَمِل أن يكون؛ لأن المجذوم يغتمّ، ويُكره إدمان الصحيح نَظَرَه إليه؛ لأنه قلّ من يكون به داء، إلا وهو يَكره أن يطلع عليه. انتهى. وهذا الذي ذكره احتمالاً سبقه إليه مالك، فإنه سئل عن هذا الحديث، فقال: ما سمعت فيه بكراهية، وما أدري ما جاء من ذلك إلا مخافةً أن يقع في نفس المؤمن شيء. وقال الطبريّ: الصواب عندنا القول بما صحّ به الخبر، وأن لا عدوى، وأنه لا يصيب نفساً إلا ما كُتب عليها، وأما دنوّ عليل من صحيح، فغير موجب