النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطِّيَرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٧٠) أَشياخ، مثل أَنابِيب وأنيابٍ، نقله شُرّاح ((الفصيح))، وتصغيره شُيَيْخ بالضّمّ على الأَصلّ، وشِيَيْخ بالكسر على ما جَوَّزوه في اليائيّ العين؛ كبِيَيْت، وشُوَيْخ بالواو قليلة، بل أَنكرَها جماعة، ولم يعرِفها الجوهريّ. انتهى. (تاج العروس)) باختصار(١). وقد نظمت ما سبق بقولي: وَضَمُّهُ وَالْكَسْرُ ذُو رُسُوخِ وَجَمَعُوا شَيْخاً عَلَى شُيُوخ بِكَسْرَةٍ فَفَتْحَةٍ قُلْ مُثْبَتُ وَاكْسِرْ وَشِینُهَا سُكُونَهَا يَضِحْ بِفَتْحَةٍ فَكَسْرَةٍ قَدْ أَثْبَتُوا كَذَاكَ أَشْيَاخٌ مَشَابِخَ أَضِفْ جَمْعاً لِجَمْعِ بَعْضُ مَنْ قَدْ نَقَلَهْ وَالشَّيْخَ قَذْ صَغَّرَ كُلُّ رَاسِخِ شُوَيْخُهُمْ بِالْوَاوِ بَلْ بَعْضُ حَظَلْ قَرَّبْتُهُ بِالنَّظْمِ لِلْمُحْتَاجِ وَشِيخَةٍ بِالْكَسْرِ وَالشِيَخَةُ شِيخَانُ بِالْكَسْرِ مَشِيخَةٌ فُتِحْ وَضُمَّ وَافْتَحْ يَاءَهَا مَشِيخَةٌ كَذَاكَ مَشْيُوخَاءُ أَوْ وَاوٌ حُذِفْ وَبَعْضُهُمْ أَنْكَرَ ذَا وَجَعَلَهْ وَجَمَعُوا الأَشْيَاخَ بِالأَشَابِخِ عَلَى شُيَيْخِ ضَمّاً اوْ كَسْراً وَقَلِّ وَهَكَذَا حَقَّقَهُ في ((التَّاجِ)) (مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْح)؛ أي: الذين هاجروا إلى المدينة عام الفتح، أو المراد: مسلمة الفتح، أو أُطلق على من تحوّل إلى المدينة بعد فتح مكة مهاجراً . صورةً، وإن كانت الهجرة بعد الفتح حكماً قد ارتفعت، وأَطلق عليهم ذلك احترازاً عن غيرهم، من مشيخة قريش، ممن أقام بمكة، ولم يهاجر أصلاً، وهذا يُشعر بأن لمن هاجر فضلاً في الجملة على من لم يهاجر، وإن كانت الهجرة الفاضلة في الأصل إنما هي لمن هاجر قبل الفتح؛ لقوله وسلم: ((لا هجرة بعد الفتح))، وإنما كان كذلك؛ لأن مكة بعد الفتح صارت دار إسلام، فالذي يهاجر منها للمدينة، إنما يهاجر لطلب العلم، أو الجهاد، لا للفرار بدينه، بخلاف ما قبل الفتح، وقد تقدم بيان ذلك(٢). وقال القرطبيّ كلّثُ: ((مهاجرة الفتح)): هم الذين هاجروا قبل الفتح (١) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ١٨٢٢/١. (٢) ((الفتح)) ١٣٦/١٣ - ١٣٧، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٩). ٣٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى بيسير، وقيل: هم مسلمة الفتح، وفيه بُعد؛ لأنَّ الهجرة ارتفعت بعد الفتح، وإنما أخّرهم عمر رظُه عن غيرهم؛ لتأخرهم في الإسلام والهجرة، ولكن استشارهم لِشِيَخهم، ولكمال خيرتهم للأمور، ولمّا استشارهم لم يختلف عليه منهم أحد، فترجَّح عنده رأيهم، ونادى في الناس: إنِّي مُصِبِحٌ على ظهر. (١) انتھی (فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ رَجُلَانٍ، فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلَا تُقْدِمْهُمْ) بضمّ التاء، من الإقدام رباعيّاً، (عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ) ◌َبه حين ظهر أن رأي المشيخة هو الصواب، (فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصْبِحُ) بضمّ الميم، وسكون الصاد المهملة، وكسر الموحّدة، (عَلَى ظَهْرٍ)؛ أي: على ظهر طريق، أو ظهر بعير مرتحلاً، وقال النوويّ؛ أي: مسافر، راكب على ظهر الراحلة، راجع إلى وطني. وقال الزرقانيّ كَّلُهُ: ((إني مصبح)) بضم الميم، وسكون الصاد، وكسر الموحّدة الخفيفة، وبفتح الصاد المهملة، وكسر الموحّدة الثقيلة؛ أي: مسافر في الصباح، راكباً ((على ظهر))؛ أي: على ظهر الراحلة، راجعاً إلى المدينة. (٢) انتھی(٢). وقال القاضي عياض تَّتُهُ: قوله: ((إني مصبح على ظهر))؛ أي: على سفر راكباً الظهر، وهي دوابّ السفر، ومنه قوله: ((كان يَجمع إذا كان على ظهر سير))؛ أي: في سفر، راكباً ظهر دابته، ومنه: ((يرعى الظهر))، و(يرعى ظهرنا))، و((ابتعتَ ظهرك))، و((إن في الظهر ناقةً عمياء))، و((من كان ظهره حاضراً)) كل هذا بالفتح، هي دوابّ السفر التي يُحْمَل عليها الأثقال، من الإبل، وغيرها . انتهى (٣). (فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ) وتأهّبوا له، زاد يونس في روايته: ((فإني ماضٍ لِمَا أرى، فانظروا ما آمركم به، فامضوا له، قال: فأصبح على ظهر)). قال القرطبيّ كَخْتُهُ: وهذا يدلّ على أنه إنما عزم على الرجوع لرأي أولئك (١) ((المفهم)) ٦١٧/٥. (٣) ((مشارق الأنوار)) ٣٣٠/١. (٢) (شرح الزرقانيّ)) ٢٩٦/٤. ٣٢٣ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطَّرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٧٠) المشيخة لَمّا ظهر له أنه أرجح من رأي غيرهم، ممن خالفهم، ووجه أرجحية هذا الرأي، أنه جمع فيه بين الحزم، والأخذ بالحذر، وبين التوكل، والإيمان حين قال له: ((أفراراً من بالقدر، وبيان ذلك بحجّة عمر على أبي عبيدة ظـ قدر الله؟))، وذلك أن أبا عبيدة ظهر له أن لا يرجع، ويتوكل على الله، ويُسلم للقدر؛ لأنَّ ما يقدَّر عليه لا ينجيه منه رجوع، ولا فرار، فأجابه عمر ﴿ه بأن قال: (لو غيرك قالها)). انتهى(١). (فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)، وهو أمير الشام إذ ذاك: (أَفِرَاراً مِنْ قَدَرِ اللهِ؟)؛ أي: أترجع فراراً من قَدر الله؟ فالهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و((فراراً)) مفعول من أجله، ويَحْتَمِل أن يكون مفعولاً مطلقاً لمحذوف؛ أي: أتفرّ فراراً؟ وفي رواية هشام بن سعد: ((وقالت طائفة، منهم أبو عبيدة: أَمِنَ الموت نَفِرّ؟ إنما نحن بقَدَر، لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)». [تنبيه]: أخرج الطحاويّ بسند صحيح، عن أنس قالله: ((أن عمر أتى الشام، فاستقبله أبو طلحة، وأبو عبيدة، فقالا: يا أمير المؤمنين إن معك وجوه الصحابة، وخيارهم، وإنا تركنا مَن بعدنا مثل حريق النار، فارجع العام، فرجع)). قال الحافظ تَخُّْ: هذا في الظاهر يعارض حديث الباب، فإن فيه الجزمَ بأن أبا عبيدة أنكر الرجوع. ويمكن الجمع بأن أبا عبيدة أشار أوّلاً بالرجوع، ثم غلب عليه مقام التوكل لَمّا رأى أكثر المهاجرين والأنصار جنحوا إليه، فرجع عن رأي الرجوع، وناظر عمر في ذلك، فاستظهر عليه عمر بالحجة، فتبعه، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف بالنصّ، فارتفع الإشكال. انتهى (٢). (فَقَالَ عُمَرُ) رَبُهُ: (لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ)؛ أي: لعاقبته، أو لكان أولى منك بذلك، أو لم أتعجب منه، ولكني أتعجب منك مع علمك، وفضلك، كيف تقول هذا؟ ويَحْتَمِل أن يكون المحذوف: لأدّبته، أو هي (١) ((المفهم)) ٦١٧/٥. (٢) ((الفتح)) ١٤٠/١٣ - ١٤١، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٩). ٣٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى للتمني، فلا يحتاج إلى جواب، والمعنى: أن غيرك ممن لا فهم له إذا قال ذلك يعذر، وقد بَيَّن سبب ذلك بقوله: (وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ)؛ أي: مخالفة أبي عبيدة؛ لشدّة وثوقه بعلمه، وتقواه، وورعه. وقال النوويّ كَّتُهُ: أما قوله: ((لو غيرك قالها يا أبا عبيدة)) فجواب ((لو)) محذوف، وفي تقديره وجهان، ذكرهما صاحب ((التحرير)) وغيره: أحدهما: لو قاله غيرك لأدبته؛ لاعتراضك عليّ في مسألة اجتهادية، وافقني عليها أكثر الناس، وأهل الحلّ والعقد فيها . والثاني: لو قالها غيرك لم أتعجب منه، وإنما أتعجب من قولك أنت ذلك، مع ما أنت عليه من العلم، والفضل، ثم ذكر له عمر رَظبه دليلاً واضحاً من القياس الجليّ الذي لا شك في صحته، وليس ذلك اعتقاداً منه أن الرجوع يُرُدّ المقدور، وإنما معناه أن الله تعالى أمر بالاحتياط، والحزم، ومجانبة أسباب الهلاك، كما أمر سبحانه بالتحصّن من سلاح العدوّ، وتجنب المهالك، وإن كان كل واقع فبقضاء الله، وقَدَره السابق في علمه، وقاس عمر رَظُه على رعي العدوتين؛ لكونه واضحاً لا ينازع فيه أحد مع مساواته لمسألة النزاع. (١) . انتھی وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((لو غيرك قالها))؛ أي: ليت غيرك يقول ذلك القول، فكأنه قال: لا يليق هذا القول بك؛ لعلمك، وفهمك، وإنما يليق ذلك بغيرك، ممن قلّ علمه، وقصر فهمه. ثم احتَجّ عليه عمر ◌َّه بأن قال: ((نعم! نفرٌّ من قدر الله إلى قدر الله))؛ إذ لا محيص للإنسان عما قدَّره الله عليه، لكن أمرنا الله تعالى بالتحرُّز من المخاوف، والهلكات، وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات، والحذر، وجلب المنافع، ودفع الضرر، ثم المقصِّر في ذلك ملوم عادةً، وشرعاً، ومنسوبٌ إلى التفريط عقلاً، وسمعاً؛ وإن زعم أنه المتوكل على الله المسلِّم لأمر الله. ولمّا بَيَّن عمر رَُّّه ذلك المعنى بالمثال، لاح الحقّ، وارتفع الجدال، (١) ((شرح النوويّ) ٢١٠/١٤ - ٢١١. ٣٢٥ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطَّيْرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٧٠) ، من مكانه حتى جاءه الحقّ ببرهانه، فحدَّثهم ـه ثم لم يبرح عمر عبد الرحمن بن عوف ◌ُه بما قاله في ذلك النبيّ وَ﴿، فسُرَّ بذلك عمر رَُّه سروراً ظهر لديه، فحمد الله، وأثنى عليه، حيث توافق الرأي والسمع، وارتفع الخلاف، وحصل الجمع، فرجع من موضعه ذلك إلى المدينة، سالِماً موفوراً، وكان في سعيه ذلك مُصيباً مشكوراً. وعند هذا يَعْلَم الفطن العاقل أن تلك الأقوال التي حُكيت عنه ◌َُّه في ندمه على الرجوع من سَرْغ، ومن فتياه بإباحة القدوم على الوباء، والفرار منه، لم يصح عنه شيء من ذلك، وكيف يَنْدَم على هذا النظر القويم، ويرجع عن هذا المنهج المستقيم؛ الذي قد تطابق عليه العقل والسمع، واصطحب عليه الرأي والشرع؟! هذا ما لا يكون، فالحاكون عنه هم المتقوِّلون، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ كَُّ(١)، وهو بحثٌ مفيد، والله تعالى أعلم. وقوله: (نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ)، وفي رواية هشام بن سعد: ((إن تَقَدّمنا فبقدر الله، وإن تأخرنا فبقدر الله))، وأطلق عليه فراراً؛ لِشَبَهه به في الصورة، وإن كان ليس فراراً شرعياً، والمراد أن هجوم المرء على ما يُهلكه منهيّ عنه، ولو فعل لكان من قدر الله، وتجنبه ما يؤذيه مشروع، وقد يقدّر الله وقوعه فيما فَرّ منه، فلو فعله، أو تركه لكان من قدر الله، فهما مقامان: مقام التوكل، ومقام التمسك بالأسباب. ومُحَصَّل قول عمر ظُهُ: نَفِرّ من قدر الله إلى قدر الله: أنه أراد أنه لم يفرّ من قدر الله حقيقةً، وذلك أن الذي فرّ منه أمر خاف على نفسه منه، فلم يَهْجُم عليه، والذي فرّ إليه أمر لا يخاف على نفسه، إلا الأمر الذي لا بُدّ من وقوعه، سواء كان ظاعناً، أو مقيماً. (أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني (لَوْ كَانَتْ لَكَ إِلٌ، فَهَبَطْتَ) بفتح الموحّدة، يقال: هبط الماء، وغيره هَبْطاً، من باب ضرب: نزل، وفي لغة قليلة يَهْبُطُ هُبُوطاً، من باب قَعَد، قاله الفيّومِيّ ◌َّثُ(٢). (وَادِياً) هو كلُّ منفرج بين جبال، أو آكام يكون منفذاً للسيل، والجمع أوديةٌ، وهو (١) ((المفهم)) ٦١٧/٥ - ٦١٨. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٣٣/٢. ٣٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى مشتقّ من ودَى الشيءُ: إذا سال، أفاده الفيّوميّ(١). (لَهُ عِدْوَتَانٍ) - بضم العين المهملة، وبكسرها أيضاً، وسكون الدال المهملة -: تثنية عُدْوة، وهو المكان المرتفع من الوادي، وهو شاطئه. وقال النوويّ تَّتُهُ: أما العدوة، فبضم العين، وكسرها، وهي جانب الوادي، والجدبة، بفتح الجيم، وإسكان الدال المهملة، وهي ضدّ الخصيبة، وقال صاحب (التحرير)): الجدبة هنا بسكون الدال، وكسرها، قال: والخصبة (٢) كذلك. انتهى (إِحْدَاهُمَا)؛ أي: إحدى العدوتين (خَصِيبَةٌ) بوزن عَظِيمة، كذا في النسخة الهنديّة، ووقع في بعض النسخ: ((خَصِبَةٌ)) بفتح الخاء، وكسر الصاد، وحُكي سكون الصاد، زاد في رواية معمر الآتية: ((وقال له أيضاً: أرأيت لو أنه رَعَى الْجَدْبة، وترك الْخَصِبة أكنت مُعَجِّزه؟ - وهو بتشديد الجيم - قال: نعم، قال: فَسِرْ إذاً، فسار حتى أتى المدينة)). (وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ) بفتح الجيم، وسكون الدال المهملة: خلاف الخصيبة، قال الفيّوميّ تَّتُهُ: الجَدْبُ: هو الْمَحْلُ وزناً ومَعْنَى، وهو انقطاع المطر، ويُبْسُ الأرضِ، يقال: جَدُبَ البلدُ بالضمّ جُدُوبَةً، فهو جَدْبٌ، وجَدِيبٌ، وأرض جَدْبَةٌ، وجَدُوبٌ، وأَجْدَبَتْ إِجْدَاباً، وجَدِبَتْ تَجْدَبُ، من باب تعب مثله، فهي مُجْدِبَةٌ، والجمع: مَجَادِيبٌ، وأَجْدَبَ القوم إِجْدَاباً: أصابهم الجدب، وجَدَبْتُهُ جَدْباً، من باب ضرب: عِبْتُهُ. انتهى (٣). (أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ) بفتح الراء، والعين المهملة، (الْخَصِبَةَ) بفتح، فكسر، أو بفتح، فسكون، (رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) رَظُه، وهو موصول عن ابن عبّاس ◌َ ◌ًّا بالسند المذكور، (وَكَانَ مُتَغَيِّباً فِي بَعْضٍ حَاجَتِهِ)؛ أي: لم يحضر معهم المشاورة المذكورة؛ لِغَيْبته، (فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْماً)، وفي رواية: (لعِلْماً))، بزيادة لام التأكید. قال الجامع عفا الله عنه: عزا في ((الفتح)) هذه الرواية إلى ((صحيح (١) ((المصباح المنير)) ٦٥٤/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٩٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٠/١٤. ٣٢٧ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطِّيْرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٧٠) مسلم))، ولم أرها فيه، ولعله لاختلاف النُّسخ، والله تعالى أعلم. (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ﴿ يَقُولُ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ) ليكون أسكن لأنفسكم، وأقطع لوسواس الشيطان، قال في ((الأحوذيّ)): ولأن الله أمر أن لا يُتَعَرَّض للحتف والبلاء، وإن كان لا نجاة من قدر الله، إلا أنه من باب الحذر الذي شرعه الله، ولئلا يقول القائل: لو لم أدخل لم أمرض، ولو لم يدخل فلان لم يمت(١). وقال في ((الفتح)): هذا موافق للمتن الذي قبله عن أسامة بن زيد، وسعد، وغيرهما، فلعلهم لم يكونوا مع عمر في تلك السفرة. (وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ))) لئلا يكون معارضةً للقدر، فلو خرج لِقَصْدَ آخر غير الفرار جاز. وفي رواية عبد الله بن عامر التي بعد هذه، وفي حديث أسامة عند النسائيّ: ((فلا تَفِرّوا منه))، وفي رواية لأحمد من طريق ابن سعد، عن أبيه مثله، ووقع عند البخاريّ في ((ذكر بني إسرائيل)): ((إلا فراراً منه))، وتقدم الكلام على إعرابه هناك، قاله في ((الفتح))(٢). (١) ((شرح الزرقانيّ ٢٩٧/٤. (٢) الذي ذكره هناك نصّه: قوله في آخر الحديث: ((فلا تخرجوا فراراً منه))، قال أبو .النضر: ((لا يخرجكم إلا فراراً منه))، يريد أن الأُولى رواية محمد بن المنكدر، والثانية رواية أبي النضر، فأما رواية ابن المنكدر فلا إشكال فيها، وأما رواية أبي النضر، فروايتها بالنصب كالذي هنا مشكلة، ورواها جماعة بالرفع، ولا إشكال فيها، قال عياض في ((شرح مسلم)): وقع لأكثر رواة ((الموطأ)) بالرفع، وهو بَيَّنَ أن السبب الذي يُخرجكم الفرار، ومجرد قَصْده، لا غير ذلك؛ لأن الخروج إلى الأسفار، والحوائج مباح، ويطابق الرواية الأخرى: ((فلا تخرجوا فراراً منه))، قال: ورواه بعضهم: ((إلا فراراً منه))، قال: وقال ابن عبد البر: جاء بالوجهين، ولعل ذلك كان من مالك، وأهلُ العربية يقولون: دخول ((إلّا)) هنا بعد النفي الإيجاب بعض ما نَفَى قبلُ من الخروج، فكأنه نَهَى عن الخروج إلا للفرار خاصّةً، وهو ضدّ المقصود، فإن المنهيّ عنه إنما هو الخروج للفرار خاصّةً، لا لغيره، قال: وجوّز ذلك بعضهم، وجعل قوله: ((إلّا)) حالاً من الاستثناء؛ أي: لا تخرجوا= ٣٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة كَُّهُ: في قوله: ((فلا تَقْدَموا عليه)) فيه منع معارضة مُتَضَمّن الحكمة بالقدر، وهو من مادة قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بَِدِيكُمْ إِلَى الَُّكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفي قوله: ((فلا تخرجوا فراراً منه)) إشارة إلى الوقوف مع المقدور، والرضا به، قال: وأيضاً فالبلاء إذا نزل إنما يُقْصَد به أهلُ البقعة، لا البقعة نفسها، فمن أراد الله إنزال البلاء به، فهو واقع به، ولا محالة، فأينما توجه يدركه، فأرشده الشارع إلى عدم النصب، من غير أن يدفع ذلك المحذور. = إذا لم يكن خروجكم إلا للفرار، قال عياض: ووقع لبعض رواة ((الموطأ)): ((لا يخرجكم الإفرار))، بأداة التعريف، وبعدها إفرار، بكسر الهمزة، وهو وَهَمِّ، ولحنٌ. وقال في ((المشارق)) ما حاصله: يجوز أن تكون الهمزة للتعدية، يقال: أفره كذا من كذا، ومنه قوله ﴿ ﴿ لعدي بن حاتم: ((إن كان لا يُفِرّك من هذا إلا ما ترى))، فيكون المعنى: لا يخرجكم إفراره إياكم. وقال القرطبي في ((المفهم)): هذه الرواية غَلَطً؛ لأنه لا يقال: أَفَرّ، وإنما يقال: فَرّ، قال: وقال جماعة من العلماء: إدخال ((إلّا)) فيه غلطٌ، وقال بعضهم: هي زائدة، وتجوز زيادته، كما تزاد ((لا))، وخرَّجه بعضهم بأنها للإيجاب، فذكر نحو ما مضى، قال: والأقرب أن تكون زائدة. وقال الكرمانيّ: الجمع بين قول ابنٍ المنكدر: ((لا تخرجوا فراراً منه))، وبين قول أبي النضر: ((لا يخرجكم إلا فراراً منه)) مشكلٌ، فإن ظاهره التناقض، ثم أجاب بأجوبة؛ أحدها: أن غرض الراوي، أن أبا النضر فَسَّر: ((لا تخرجوا)) بأن المراد منه الحصر، يعني الخروج المنهيّ هو الذي يكون لمجرد الفرار، لا لغرض آخر، فهو تفسير للمعلل المنهيّ عنه، لا للنھي . وتعقّبه الحافظ، فقال: وهو بعيد؛ لأنه يقتضي أن هذا اللفظ من كلام أبي النضر، زاده بعد الخبر، وأنه موافق لابن المنكدر على اللفظ الأول روايةً، والمتبادر خلاف ذلك، والجواب الثاني كالأول، والزيادة مرفوعة أيضاً، فيكون روى اللفظين، ويكون التفسير مرفوعاً أيضاً . الثالث: ((إلا)) زائدة بشرط أن تثبت زيادتها في كلام العرب. انتهى ما في ((الفتح)) ١٣٣/٨ - ١٣٤، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٤٧٣). ٣٢٩ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطِّيَرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٧٠) وقال الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد تَخَّلهُ: الذي يترجح عندي في الجمع بينهما أن في الإقدام عليه تعريض النفس للبلاء، ولعلها لا تصبر عليه، وربما كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر، أو التوكل، فُمُنع ذلك حذراً من اغترار النفس، ودعواها ما لا تثبت عليه عند الاختبار، وأما الفرار فقد يكون داخلاً في التوغل في الأسباب بصورة من يحاول النجاة ممّا قُدِّر عليه، فأمرنا الشارع بترك التكلف في الحالتين، ومن هذه المادة قوله وسلم: ((لا تتمنوا لقاء العدوّ، وإذا لقيتموهم فاصبروا))، فأمر بترك التمني؛ لِمَا فيه من التعرض للبلاء، وخوف اغترار النفس؛ إذ لا يؤمَن غدرها عند الوقوع، ثم أمرهم بالصبر عند الوقوع؛ تسليماً لأمر الله تعالى، ذكره في ((الفتح))(١) . على موافقة (قَالَ) ابن عبّاس ﴿هَا (فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) اجتهاده بعد المشاورة ما صحّ عن النبيّ وَ﴿، من النهي عن الدخول في البلد الذي وقع فيه الوباء، (ثُمَّ انْصَرَفَ)؛ أي: رجع إلى المدينة، وفي رواية معمر التالية: ((فسار حتى أتى المدينة، فقال: هذا المحلُّ، أو قال: هذا المنزل، إن شاء الله))، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الرحمن بن عوف ﴿به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٧٠/١٧ و٥٧٧١ و٥٧٧٢ و٥٧٧٣] (٢٢١٩)، و(البخاريّ) في ((الطبّ)) (٥٧٢٩ و٥٧٣٠) و((الحيل)) (٦٩٧٣)، و(أبو داود) في ((الجنائز)) (٣١٠٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٧٥٢٢)، و(مالك) في ((الموظّأ)» (٨٩٤/٢ - ٨٩٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٤٧/١١)، و(أحمد) في (مسنده) (١٩٢/١ و١٩٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٩٥٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣٠٣/٤)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (٢٦٨/١ و٢٧٠)، (١) ((الفتح)) ١٤٥/١٣ - ١٤٦. ٣٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (ص٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧) ٢١٧ - ٢١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): خروج الخليفة إلى أعماله يطالعها، وينظر إليها، ويعرف أحوال أهلها، وكان عمر رُّه قد خرج إلى الشام مرتين في قول بعضهم، ومنهم من يقول: لم يخرج إلا مرّةً واحدةً، وهي هذه، والمعروف عند أهل السِّيَر أنه خرج إليها مرتين، ذكر خليفة عن ابن الكلبيّ، قال: لما صالح أبو عبيدة أهل حلب شَخَص، وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فحاصرا أهل إيليا، فسألوه الصلح، على أن يكون عمر هو يعطيهم ذلك، ويكتب لهم أماناً، فكتب أبو عبيدة إلى عمر، فقدم عمر، فصالحهم، فأقام أياماً، ثم شخص إلى المدينة، وذلك في سنة ست عشرة، قال أبو عمر: وكان خروجه المذكور في هذا الحديث سنة سبع عشرة، قال خليفة بن خياط: فيها خرج عمر بن الخطاب إلى الشام، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت، وانصرف من سرغ، وبها الطاعون(١). ٢ - (ومنها): استعمال الخليفة أمراء عدداً في موضع واحد؛ لوجوه يصرفهم فيها، وكان عمر ظُه قد قسم الشام على أربعة أمراء، تحت يد كل واحد منهم جند وناحية من الشام، منهم أبو عبيدة بن الجراح، وشُرَحبيل ابن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، ومعاذ بن جبل كل واحد منهم على ناحية من الشام، ثم لم يمت عمر رظُه حتى جمع الشام لمعاوية رقڅئه. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على إباحة العمل، والولاية، وأن لا بأس للصالحين، والعلماء إذا كان الخليفة فاضلاً عالِماً يأمر بالحقّ ويعدل. ٤ - (ومنها): استعمال مشورة من يوثق بفهمه، وعقله، عند نزول الأمر المعضل. ٥ - (ومنها): أن المسألة إذا كان سبيلها الاجتهاد، ووقع فيها الاختلاف لم يجز لأحد القائلين فيها عيب مخالفه، ولا الطعن عليه؛ لأنهم اختلفوا، (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٣٦٥/٨. ٣٣١ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطِّيْرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٧٠) وهم القدوة، فلم يَعِبْ أحد منهم على صاحبه اجتهاده، ولا وجد عليه في نفسه، قال ابن عبد البرّ تَخْشُهُ: إلى الله الشكوى، وهو المستعان على أمة نحن بين أظهرها، تستحل الأعراض، والدماء، إذا خولفت فيما تجيء به من الخطأ. انتهى (١). ٦ - (ومنها): أن المجتهد إذا قاده اجتهاده إلى شيء، خالفه فيه صاحبه، لم يجز له الميل إلى قول صاحبه، إذا لم يَبِنْ موقع الصواب فيه، ولا قام له الدلیل علیه. ٧ - (ومنها): أن الإمام، والحاكم إذا نزلت به نازلة، لا أصل لها في الكتاب، ولا في السُّنَّة، كان عليه أن يجمع العلماء، وذوي الرأي، ويشاورهم، فإن لم يأت واحد منهم بدليل كتاب، ولا سُنَّة، غير اجتهاده، كان عليه الميل إلى الأصلح، والأخذ بما يراه. ٨ - (ومنها): أن الاختلاف لا يوجب حُكْماً، وإنما يوجبه النظر، وأن الإجماع يوجب الحكم والعمل، قاله ابن عبد البرّ ◌َُّ. ٩ - (ومنها): إثبات المناظرة، والمجادلة عند الخلاف في النوازل، والأحكام، ألا ترى إلى قول أبي عبيدة لعمر ﴿ًا: تفر من قدر الله؟ فقال: نعم، أفر من قدر الله إلى قدر الله، ثم قال له: أرأيت ... فقايسه، وناظره بما يشبه في مسألته. ١٠ - (ومنها): أن الاختلاف إذا نزل، وقام الْحِجَاج، فالحجة، والْفَلَجِ بيد من أدلى بالسُّنَّة، إذا لم يكن من الكتاب نصّ لا يُخْتَلَف في تأويله، وبهذا أمر الله تعالى عباده عند التنازع أن يردّوا ما تنازعوا فيه إلى كتاب الله، وسُنَّة نبيّه ◌َ ﴾، فمن كان عنده من ذلك علم وجب الانقياد إليه. ١١ - (ومنها): أن الحديث يُسَمّى علماً، ويُطلق ذلك عليه، ألا ترى إلى قول عبد الرحمن بن عوف ◌ُبه: عندي من هذا علم. ١٢ - (ومنها): أن الخلق يَجْرُون في قَدَر الله تعالى، وعلمه، وأن أحداً منهم لا يخرج عن حکمه، وإرادته، ومشيئته، لا شريك له. (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٣٦٧/٨. ٣٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى ١٣ - (ومنها): أن العالم قد يوجد عند من هو في العلم دونه ما لا يوجد منه عنده؛ لأنه معلوم أن موضع عمر ظه من العلم، ومكانه من الفهم، ودُنُوّه من رسول الله و18َّ في المدخل والمخرج فوق عبد الرحمن بن عوف اته، وقد كان في هذا الباب عند عبد الرحمن عنه بَّ ما جهله عمر قائه. ١٤ - (ومنها): أن القاضي، والإمام، والحاكم، لا ينفذون قضاءهم، ولا يفصلونه إلا عن مشورة من بحضرتهم، ويصل إليهم، ويقدرون عليه، من علماء موضعهم، وهذا مشهور من مذهب عمر ظه، كما في هذه القصّة. ١٥ - (ومنها): أنه دليلٌ على عظيم ما كان عليه القوم من الإنصاف للعلم، والانقياد إليه، وکیف لا يكون كذلك، وهم خير الأمم ؟ ١٦ - (ومنها): استعمال خبر الواحد، وقبوله، وإيجاب العمل به، قال ابن عبد البرّ نَّثُ: وهذا هو أوضح، وأقوى ما نرى من جهة الآثار في قبول خبر الواحد؛ لأن ذلك كان في جماعة الصحابة، وبمحضرهم، في أمر قد أشكل عليهم، فلم يقل عمر لعبد الرحمن بن عوف: أنت واحد، والواحد لا يجب قبول خبره، إنما يجب قبول خبر الكافّة، ما أعظم ضلال من قال بهذا والله رَبّ يقول: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَ فَتَبَيَُّواْ﴾ [الحجرات: ٦]، وقرئ: ((فتثبتوا))، فلو كان العدل إذا جاء بنبأ يُتثبت في خبره، ولم يُنَفّذ لاستوى الفاسق والعدل، وهذا خلاف القرآن، قال الله رَى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارٍ﴾ [ص: ٢٨]. انتھی(١). ١٧ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)) - وإن كان تقدّم معناه، إلا أنه مجموع ملخّص، أحببت إيراده تثبيتاً لِمَا مضى - قال: وفي قصّة عمر ظُه من الفوائد: مشروعية المناظرة، والاستشارة في النوازل، وفي الأحكام، وأن الاختلاف لا يوجب حُكْماً، وأن الاتفاق هو الذي يوجبه، وأن الرجوع عند الاختلاف إلى النصّ، وأن النصّ يسمى علماً، وأن الأمور كلها تجري بقدر الله، وعلمه، وأن العالم قد يكون عنده ما لا يكون عند غيره، ممن هو أعلم منه، وفيه وجوب العمل بخبر الواحد، وهو من أقوى الأدلة على ذلك؛ لأن ذلك كان باتفاق (١) راجع لهذه الفوائد ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٣٦٥/٨ - ٣٦٦. ٣٣٣ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطِّيَرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٧٠) ـّ، فقبلوه من عبد الرحمن بن عوف، ولم أهل الحلّ والعقد، من الصحابة يطلبوا معه مقوياً، وفيه الترجيح بالأكثر عدداً، والأكثر تجربةً؛ لرجوع عمر e لقول مشيخة قريش، مع ما انضم إليهم ممن وافق رأيهم من المهاجرين والأنصار، فإن مجموع ذلك أكثر من عدد من خالفه، من كلٌّ من المهاجرين، والأنصار، ووازن ما عند الذين خالفوا ذلك من مزيد الفضل في العلم، والدين ما عند المشيخة من السنّ والتجارب، فلما تعادلوا من هذه الحيثية، رَجّح بالكثرة، ووافق اجتهاده النصّ، فلذلك حمد الله تعالى على توفيقه لذلك، وفيه تفقد الإمام أحوال رعيته، لِمَا فيه من إزالة ظلم المظلوم، وكشف كربة المكروب، وردع أهل الفساد، وإظهار الشرائع، والشعائر، وتنزيل الناس منازلهم(١) . واستَدَلَّ ابن الباقلانيّ بقصة عمر ظُه على أن الصحابة ﴿ه كانوا يقدِّمون خبر الواحد على القياس؛ لأنهم اتفقوا على الرجوع اعتماداً على خبر عبد الرحمن بن عوف وحده، بعد أن ركبوا المشقة في المسير من المدينة إلى الشام، ثم رجعوا، ولم يدخلوا الشام. انتهى (٢). وقال النوويّ تَّثُ: (واعلم): أن في حديث عمر ظُه هذا فوائدَ كثيرةً، منها: خروج الإمام بنفسه في ولايته، في بعض الأوقات؛ ليشاهد أحوال رعيته، ويزيل ظلم المظلوم، ويكشف كرب المكروب، ويَسُدّ خلة المحتاج، ويقمع أهل الفساد، ويخافه أهلُ البطالة، والأذى، والولاةُ، ويحذروا تجسسه عليهم، ووصول قبائحهم إليه، فينكفوا، ويقيم في رعيته شعائر الاسلام، ويؤدب من رآهم مخلين بذلك، ولغير ذلك من المصالح، ومنها تلقي الأمراء، ووجوه الناس الإمامَ عند قدومه، وإعلامهم إياه بما حدث في بلادهم من خير وشرّ، ووباء، ورخص وغلاء، وشدة ورخاء، وغير ذلك، ومنها: استحباب مشاورة أهل العلم والرأي في الأمور الحادثة، وتقديم أهل السابقة في ذلك، ومنها: تنزيل الناس منازلهم، وتقديم أهل الفضل على غيرهم، والابتداء بهم (١) ((الفتح)) ١٤٦/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٩). (٢) ((الفتح)) ٢٦٦/١٦، كتاب ((الحيل)) رقم (٦٩٧٣). ٣٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى في المكارم، ومنها: جواز الاجتهاد في الحروب ونحوها، كما يجوز في الأحكام، ومنها: قبول خبر الواحد، فإنهم قبلوا خبر عبد الرحمن مظ لته، ومنها: صحة القياس، وجواز العمل به، ومنها: ابتداء العالم بما عنده من العلم قبل أن يُسأله، كما فعل عبد الرحمن تظله، ومنها: اجتناب أسباب الهلاك، ومنها: منع القدوم على الطاعون، ومنع الفرار منه. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ◌َُّ(٢): [تكميل]: قال أبو عمر تَظُّهُ: لم يبلغني أن أحداً من حملة العلم فرَّ من الطاعون، إلا ما ذكره ابن المدائني أن علي بن زيد بن جُدْعان هرب من الطاعون إلى السَّيالة، فكان يُجَمِّع كل جمعة، ويرجع، فكان إذا جَمَّع صاحوا به: فرَّ من الطَّاعون، فطُعِن، فمات بالسَّيالة(٣)، وذكر أبو حاتم عن الأصمعيّ: هرب بعض البصريين من الطاعون، فركب حماراً له، ومضى بأهله نحو سَفَوان(٤)، فسمع حادياً يحدو خلفه: وَلَا عَلَى ذِي مَنْعَةٍ طيَّارٍ لن يُسْبَقَ اللهُ عَلَى حمارٍ قَدْ يُصْبِحُ اللهُ أَمَامَ السَّارِي أَوْ يَأْتِيَ الْحَتْفُ عَلَى مِقْدَارِ وذكر المدائنيّ قال: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان، فخرج هارباً منه، فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها: سُكَّر، فَقَدِم عليه رسول لعبد الملك، فقال له: ما اسمك؟ فقال: طالب بن مُدرك، فقال: أوَّه! ما أُراني راجعاً إلى الفسطاط، فمات في تلك القرية. وروى أبو عمر عن الأصمعيّ قال: لما وقع طاعون الجارف بالبصرة فني أهلها، وامتنع الناس من دفن موتاهم، فدخلت السباع البصرة على ريح الموتى، وخلت سكّة بني جرير فلم يُبقِ الله فيها سوى جارية، فسمعت صوت الذئب في سِكَّتهم ليلاً، فأنشأت تقول [من الطويل]: إِلَيَّ أُنَبَتْكَ الَّذِي قَدْ بَدَا لِيَا أَلَا أَيُّهَا الذِّئْبُ الْمُنَادِي بِسَحْرَةٍ (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٢/١٤. (٢) ((المفهم)) ٦١٩/٥ - ٦٢٠. (٣) ((السَّيَالة)): هي أول مرحلة لأهل المدينة إذا أرادوا مكة. (٤) سَفَوَان: ماء على مرحلة من باب المِرْبد بالبصرة. ٣٣٥ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطَّيْرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٧٠) بَقيَّةُ قَوْم وَرَّتُونِي الْبَوَاكِيًا بَدَا لِيَّ أَنِّي قَدْ نُعِيتُ وَإِنَّنِي وَيَتْبَعُنِي مِّنْ بَعْدُ مَنْ كَانَ تَالِيًا وَإِنِّي بِلَا شَكِّ سَأَتَبَعُ مَنْ مَضَى (المسألة الرابعة): في هذا الحديث جوازُ رجوع من أراد دخول بلدة، فعَلِم أن بها الطاعون، وأن ذلك ليس من الطّرة، وإنما هي من منع الإلقاء إلى التهلكة، أو سدّ الذريعة؛ لئلا يعتقد من يدخل إلى الأرض التي وقع بها أن لو دخلها، وطُعِن العدوى المنهيّ عنها . وقد زعم قوم أن النهي عن ذلك إنما هو للتنزيه، وأنه يجوز الإقدام عليه لمن قَوِي توكله، وصح يقينه، وتمسكوا بما جاء عن عمر ظُه أنه نَدِم على رجوعه من سَرْغ، كما أخرجه ابن أبي شيبة بسند جَيِّد، من رواية عروة بن رُويم، عن القاسم بن محمد، عن ابن عمر ﴿ّ قال: ((جئت عمر حين قَدِم، فوجدته قائلاً في خبائه، فانتظرته في ظل الخباء، فسمعته يقول حين تضَوَّر: اللهم اغفر لي رجوعي من سَرْغ))، وأخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) أيضاً. وأجاب القرطبيّ في ((المفهم)) بأنه لا يصحّ عن عمر به، قال: وكيف يندم على فعل ما أمر به النبيّ وَّه، ويرجع عنه، ويستغفر منه؟ قال الحافظ: وأجيب بأن سنده قويّ، والأخبار القوية لا تُرَدّ بمثل هذا، مع إمكان الجمع، فَيَحْتَمِل أن يكون كما حكاه البغويّ في ((شرح السُّنَّة)) عن قوم أنهم حملوا النهي على التنزيه، وأن القدوم عليه جائز لمن غلب عليه التوكل، والانصراف عنه رخصةٌ، ويَحْتَمِل - وهو أقوى - أن يكون سبب ندمه أنه خرج لأمر مهمّ من أمور المسلمين، فلما وصل إلى قرب البلد المقصود رجع، مع أنه كان يمكنه أن يقيم بالقرب من البلد المقصود إلى أن يرتفع الطاعون، فيدخل إليها، ويقضي حاجة المسلمين، ويؤيد ذلك أن الطاعون ارتفع عنها عن قُرْب، فلعله كان بلغه ذلك، فندم على رجوعه إلى المدينة، لا على مطلق رجوعه، فرأى أنه لو انتظر لكان أولى؛ لِمَا في رجوعه على العسكر الذي كان صُحْبته من المشقة، والخبر لم يَرِد بالأَمر بالرجوع، وإنما ورد بالنهي عن القدوم، والله أعلم. وأخرج الطحاويّ بسند صحيح: ((عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: قال ٣٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى عمر نظريته: اللهم إن الناس قد نحلوني ثلاثاً، أنا أبرأ إليك منهنّ، زعموا أني فررت من الطاعون، وأنا أبرأ إليك من ذلك))، وذكر الطلاء، والمكس، وقد ورد عن غير عمر التصريح بالعمل في ذلك بمحض التوكل، فأخرج ابن خزيمة بسند صحيح: ((عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الزبير بن العوّام خرج غازياً نحو مصر، فكتب إليه أمراء مصر أن الطاعون قد وقع، فقال: إنما خرجنا للطعن والطاعون، فدخلها فلقي طعناً في جبهته، ثم سَلِم)). انتهى، والله تعالى أعلم(١) . (المسألة الخامسة): في الحديث أيضاً منع من وقع الطاعون ببلد هو فيها من الخروج منها، وقد اختَلَف الصحابة في ذلك، كما تقدم، وكذا أخرج أحمد بسند صحيح إلى أبي مُنِيب، ((أن عمرو بن العاص قال في الطاعون: إن هذا رجزٌ مثل السيل، من تنكّبه أخطأه، ومثلُ النار، من أقام أحرقته، فقال شرحبيل ابن حسنة: إن هذا رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وقَبْض الصالحين قبلکم». قال الحافظ: وأبو منيب ـ بضم الميم، وكسر النون، بعدها تحتانية ساكنة، ثم موحدة - وهو دمشقيّ، نزل البصرة، يُعرف بالأحدب، وثّقه العجليّ، وابن حبان، وهو غير أبي منيب الْجُرَشيّ فيما ترجح عندي؛ لأن الأحدب أقدم من الجرشيّ، وقد أثبت البخاريّ سماع الأحدب من معاذ بن جبل، والجرشيّ يروي عن سعيد بن المسيب، ونحوه. وللحديث طريق أخرى، أخرجها أحمد أيضاً من رواية شُرحبيل بن شُفْعة - بضم المعجمة، وسكون الفاء - عن عمرو بن العاص، وشُرحبيل ابن حسنة بمعناه . وأخرجه ابن خزيمة، والطحاويّ، وسنده صحيح، وأخرجه أحمد، وابن خزيمة أيضاً، من طريق شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن عمرو بن شُرحبيل بمعناه. وأخرج أحمد، من طريق أخرى أن المراجعة في ذلك أيضاً وقعت من (١) ((الفتح)) ١٤١/١٣ - ١٤٢، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٩). ٣٣٧ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطَّيْرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٧٠) عمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وفي طريق أخرى بينه وبين واثلة الهذلي، وفي معظم الطرق أن عمرو بن العاص صَدَّق شُرحبيل، وغيره على ذلك. ونقل عياض وغيره جواز الخروج من الأرض التي يقع بها الطاعون عن جماعة من الصحابة، منهم أبو موسى الأشعريّ، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين، منهم الأسود بن هلال، ومسروق، ومنهم من قال: النهي فيه للتنزيه، فيُكره، ولا يَحْرُم، وخالفهم جماعة، فقالوا: يحرم الخروج منها؛ لظاهر النهي الثابت في الأحاديث الماضية، وهذا هو الراجح عند الشافعية، وغيرهم، ويؤيده ثبوت الوعيد على ذلك، فأخرج أحمد، وابن خزيمة، من حديث عائشة ◌ُنا مرفوعاً في أثناء حديث بسند حسن: «قلت: يا رسول الله فما الطاعون؟ قال: غُدّة كغُدّة الإبل، المقيم فيها كالشهيد، والفارّ منها كالفارّ من الزحف))، وله شاهد من حديث جابر ربه رفعه: ((الفارّ من الطاعون كالفارّ من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف))، أخرجه أحمد أيضاً، وابن خزيمة، وسنده صالح للمتابعات. وقال الطحاوي: استَدَلّ من أجاز الخروج بالنهي الوارد عن الدخول إلى الأرض التي يقع بها، قالوا: وإنما نهى عن ذلك خشية أن يُعدي من دخل عليه، قال: وهو مردود؛ لأنه لو كان النهي لهذا لجاز لأهل الموضع الذي وقع فيه الخروج، وقد ثبت النهي أيضاً عن ذلك، فعُرف أن المعنى الذي لأجله مُنعوا من القدوم عليه غير معنى العدوى، والذي يظهر - والله أعلم - أن حكمة النهي عن القدوم عليه؛ لئلا يصيب مَن قَدِم عليه بتقدير الله، فيقول: لولا أني قدمت هذه الأرض لَمَا أصابني، ولعله لو أقام في الموضع الذي كان فيه لأصابه، فأُمِرِ أن لا يَقْدَم عليه حَسْماً للمادة، ونُهي من وقع وهو بها أن يخرج من الأرض التي نزل بها؛ لئلا يَسْلَم، فيقول مثلاً: لو أقمت في تلك الأرض لأصابني ما أصاب أهلها، ولعله لو كان أقام بها ما أصابه من ذلك شيء. انتھی. ويؤيده ما أخرجه الهيثم بن كليب، والطحاويّ، والبيهقيّ بسند حسن، عن أبي موسى أنه قال: ((إن هذا الطاعون قد وقع، فمن أراد أن يتنزه عنه فليفعل، واحذروا اثنتين: أن يقول قائل خرج خارج فَسَلِم، وجلس جالس ٣٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى فأصيب، فلو كنت خرجت لَسَلِمت، كما سلم فلان، أو لو كنت جلست أُصبت، كما أصيب فلان))، لكن أبو موسى حمل النهي على من قصد الفرار محضاً، ولا شك أن الصور ثلاث: من خرج لقصد الفرار محضاً، فهذا يتناوله النهي، لا محالة، ومن خرج لحاجة متمحضة، لا لقصد الفرار أصلاً، ويُتصوَّر ذلك فيمن تهيأ للرحيل من بلد كان بها إلى بلد إقامته مثلاً، ولم يكن الطاعون وقع، فاتفق وقوعه في أثناء تجهيزه، فهذا لم يقصد الفرار أصلاً، فلا يدخل في النهي، والثالث من عرضت له حاجة، فأراد الخروج إليها، وانضم إلى ذلك أنه قصد الراحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطاعون، فهذا محل النزاع. ومن جملة هذه الصورة الأخيرة أن تكون الأرض التي وقع بها وَخْمَةً، والأرض التي يريد التوجه إليها صحيحة، فيتوجه بهذا القصد، فهذا جاء النقل فيه عن السلف مختلفاً، فمن منع نظر إلى صورة الفرار في الجملة، ومن أجاز نظر إلى أنه مستثنى من عموم الخروج فراراً؛ لأنه لم يتمحض للفرار، وإنما هو لقصد التداوي، وعلى ذلك يُحْمَل ما وقع في أثر أبي موسى المذكور: ((أن عمر كتب إلى أبي عبيدة: إن لي إليك حاجة، فلا تضع كتابي من يدك حتى تُقبل إليّ، فكتب إليه أني قد عرفت حاجتك، وإني في جند من المسلمين، لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فكتب إليه: أما بعد؛ فإنك نزلت بالمسلمين أرضاً غميقة، فارفعهم إلى أرض نزهة، فدعا أبو عبيدة أبا موسى، فقال: اخرُجْ، فارْتَدْ للمسلمين منزلاً، حتى أنتقل بهم ... ))، فذكر القصة في اشتغال أبي موسى بأهله، ووقوع الطاعون بأبي عبيدة لَمّا وضع رجله في الركاب متوجهاً، وأنه نزل بالناس في مكان آخر، فارتفع الطاعون. وقوله: ((غَمِيقة)) - بغين معجمة، وقاف، بوزن عظيمة؛ أي: قريبة من المياه، والنُّزُوز، وذلك مما يفسد غالباً به الهواء؛ لفساد المياه، والنزهة: الفسيحة البعيدة عن الوخم، فهذا يدلّ على أن عمر رأى أن النهي عن الخروج إنما هو لمن قصد الفرار متمحضاً، ولعله كانت له حاجة بأبي عبيدة في نفس الأمر، فلذلك استدعاه، وظن أبو عبيدة أنه إنما طلبه لِيَسْلَم من وقوع الطاعون به، فاعتذر عن إجابته لذلك، وقد كان أَمْر عمر لأبي عبيدة بذلك بعد سماعهما ٣٣٩ (١٧) - بَابُ الطَّاعُونِ والطِّيَرَةِ والكِهانةِ ونَحْوِها - حديث رقم (٥٧٧٠) للحديث المذكور من عبد الرحمن بن عوف، فتأول عمر فيه ما تأول، واستمر أبو عبيدة على الأخذ بظاهره، وأيّد الطحاويّ صنيع عمر بقصة الْعُرنيين، فإن خروجهم من المدينة كان للعلاج، لا للفرار، وهو واضح من قصتهم؛ لأنهم شَكَوْا وخم المدينة، وأنها لم توافق أجسامهم، وكان خروجهم من ضرورة الواقع؛ لأن الإبل التي أُمروا أن يتداووا بألبانها وأبوالها، واستنشاق روائحها ما كانت تتهيأ إقامتها بالبلد، وإنما كانت في مراعيها، فلذلك خرجوا، وقد لَحَظ البخاريّ ذلك، فترجم قبل ترجمة الطاعون: ((من خرج من الأرض التي لا تلائمه))، وساق قصة العرنيين، ويدخل فيه ما أخرجه أبو داود، من حديث فروة بن مُسيك - بمهملة، وكاف، مصغراً - قال: ((قلت: يا رسول الله، إن عندنا أرضاً يقال لها: أبين، هي أرض ريفنا، وميرتنا، وهي وبئة، فقال: دعها عنك، فإن من القَرَف التَّلَف))، قال ابن قتيبة: القرف: القرب من الوباء، وقال الخطابيّ: ليس في هذا إثبات العدوى، وإنما هو من باب التداوي، فإن استصلاح الأهوية من أنفع الأشياء في تصحيح البدن، وبالعكس. واحتجوا أيضاً بالقياس على الفرار من المجذوم، وقد ورد الأمر به. والجواب أن الخروج من البلد التي وقع بها الطاعون قد ثبت النهي عنه، والمجذوم قد ورد الأمر بالفرار منه، فکیف یصح القیاس؟ انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أطال البحث في ((الفتح))، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، وقد تبيّن من خلال البحث، حيث ذَكَر الأقوال، وأدلّتها أن الأرجح قول من قال بتحريم الخروج من البلد الذي وقع فيه الطاعون، وتحريم الدخول إليه أيضاً؛ لوضوح حجته، واستنارة محجّته، وأما القائلون بالجواز، وكذا القائلون بالكراهة دون التحريم فلم يأتوا بأدلّة مقنعة تقاوم أدلة الأولين، فلا ينبغي الالتفات إليها، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (المسألة السادسة): قد ذكر العلماء في النهي عن الخروج حِكَماً: ١ - [منها]: أن الطاعون في الغالب يكون عامّاً في البلد الذي يقع به، فإذا وقع، فالظاهر مداخلة سببه لمن بها، فلا يفيده الفرار؛ لأن المفسدة إذا تعيّنت حتى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثاً، فلا يليق بالعاقل. ٣٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى ٢ - [ومنها]: أن الناس لو تواردوا على الخروج، لصار من عجز عنه بالمرض المذكور، أو بغيره ضائع المصلحة؛ لِفَقْد من يتعهده حيّاً وميتاً، وأيضاً فلو شُرع الخروج، فخرج الأقوياء، لكان في ذلك كَسْر قلوب الضعفاء، وقد قالوا: إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف؛ لِمَا فيه من كَسْر قلب من لم يفر، وإدخال الرعب عليه بخذلانه، وقد جمع الغزالي بين الأمرين، فقال: الهواء لا يضرّ من حيث ملاقاته ظاهر البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق، فيصل إلى القلب، والرئة، فيؤثّر في الباطن، ولا يظهر على الظاهر، إلا بعد التأثير في الباطن، فالخارج من البلد الذي يقع به لا يخلص غالباً مما استَحْكُم به، وينضاف إلى ذلك أنه لو رُخِّص للأصحاء في الخروج، لبقي المرضى لا يجدون من يتعاهدهم، فتضيع مصالحهم. ٣ - [ومنها]: ما ذكره بعض الأطباء أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة، وتأْلَفها، وتصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم، فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة لم توافقهم، بل ربما إذا استنشقوا هواءها استصحب معه إلى القلب من الأبخرة الرديئة التي حصل تكيّف بدنه بها، فأفسدته، فمُنع من الخروج لهذه النكتة. ٤ - [ومنها]: ما تقدم أن الخارج يقول: لو أقمت لأُصبت، والمقيم يقول: لو خرجت لَسَلِمت، فيقع في اللَّوّ المنهيّ عنه، ذكر ذلك كله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٧١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ مَالِكِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: قَالَ: وَقَالَ لَهُ أَبْضاً: أَرَأَيْتَ أَنَّهُ لَوْ رَعَى الْجَدْبَةَ، وَتَرَكَ الْخَصْبَةَ: أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَسِرْ إِذاً، قَالَ: فَسَارَ حَتَّى أَتَّى الْمَدِينَةَ، فَقَالَ: هَذَا الْمَحِلُّ، أَوْ قَالَ: هَذَا الْمَنْزِلُ، إِنْ شَاءَ اللهُ). (١) ((الفتح)) ١٤٣/١٣ - ١٤٥، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٩).