النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (١٣) - بَابُ التَّدَاوِي بِالْعُودِ الْهِنْدِيِّ، وَهُوَ الْكُسْتُ - حديث رقم (٥٧٥٠) إذا طُلِي عليه، وينفع من ضعف الكبد، والمعدة، وبردهما، ومن حمَّى الوِرْد، والرِّبع، وينفع من النَّافض لُطُوخاً بالزيت قبل نفض الحمَّى، ولمن به فالج، واسترخاء، قال: وهو صنفان: بحريّ، وهنديّ، فالبحريّ: هو القسط الأبيض، يؤتى به من بلاد المغرب، ونصّ بعضهم: على أن البحريّ أفضل من الهنديّ، وهو أقل حرارة منه، قال إسحاق بن عمران: هما حارَّان، يابسان في الدرجة الثالثة، والهنديّ أشدّ حرّاً في الجزء الثالث، وقال ابن سينا: القُسط حارٌّ في الثالثة، يابس في الثانية. قال القرطبيّ: ويُسمى: الكُسْت، كما قال الراوي، وحينئذ يشكل هذا بما ذُكر من قول الأطبّاء: إن البحريّ من العود يُسمى القسط، يؤتى به من بلاد المغرب، فكيف يكون هنديّاً، ويؤتى به من المغرب؟! إلا أن يريدوا مغرب الهند . فإن قيل: فإذا كان في العود الهنديّ هذه الأدوية الكثيرة، فما وجه تخصيص منافعه بسبع، مع أنها أكثر من ذلك، ولأيّ شيء لم يُفصلها؟ . فالجواب عن الأول بعد تسليم أن لأسماء الأعداد مفهومَ مخالفةٍ: إن هذه السَّبع المنافع هي التي عَلِمها بالوحي، وتحقَّقها، وغيرها من المنافع عُلمت بالتجربة، فتعرَّض لِمَا علمه بالوحي دون غيره، وعن الثاني: أنَّه إنما فصّل منها ما دعته الحاجة إليه، وسكت عن غيره؛ لأنَّه لم يُبعث لبيان تفاصيل الطبِّ، ولا لتعليم صنعته، وإنما تكلم بما تكلم به منه ليُرشد إلى الأخذ فيه، والعمل به، وأن في الوجود عقاقير، وأدوية يُنتفع بها، وعيَّن منها ما دعت حاجتهم إليها في ذلك الوقت، وبحسب أولئك الأشخاص، والله تعالى أعلم. انتهى(١). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم قيس بنت مِحصَن ◌َّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٥٠/١٣ و٥٧٥١] (٢٢١٤)، و(البخاريّ) في (١) ((المفهم)) ٦٠٣/٥. ٢٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى ((الطبّ)) (٥٦٩٢ و٥٧١٣ و٥٧١٥ و٥٧١٨)، و(أبو داود) في ((الطبّ)) (٣٨٧٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٤/٤ و٤٣٧٥)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٤٦٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠١٦٨)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (٨/٨ -٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٣٤٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٥٥/٦ و٣٥٦)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٧٠/٥ و٧٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣٢٤/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٠٧٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٣٥/٢٥ و٤٤٠ و٤٤٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/ ٣٤٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الندب إلى حسن المعاشرة، والتواضع، والرفق بالصغار. ٢ - (ومنها): استحباب تحنيك المولود. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ظه من شدّة حبّهم للنبيّ وَلَّ، حيث كانوا يتبرّكون به، ويحملون أطفالهم إليه حال الولادة، وبعدها . ٤ - (ومنها): بيان حكم بول الغلام والجارية، قبل أن يَطعما، وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب: أصحّها الاكتفاء بالنضح في بول الصبيّ، لا الجارية؛ لقوله ◌َله: ((ينضح من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية))، وقد استوفيت البحث في المسألة في ((كتاب الطهارة)) [٦٦٨/٣١] (٢٨٦)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٥ - (ومنها): كون العود الهندي من الأدوية التي ثبتت بالوحي، فينبغي استعماله، ولا سيّما من العُذرة. ٦ - (ومنها): أنه لا ينبغي أن يداوى المريض بالأدوية الشاقّة استعمالها مع وجود الأدوية السهلة الاستعمال، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٥١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ الهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ٢٤٣ (١٣) - بَابُ التَّدَاوِي بِالْعُودِ الْهِنْدِيِّ، وَهُوَ الْكُسْتُ - حديث رقم (٥٧٥١) عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنِ - وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ اللَّتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللهِ وَهَ، وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، أَحَدٍ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ - قَالَ: أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِ نَّهِ بِابْنِ لَهَا، لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ، وَقَدْ أَعْلَقَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعُذْرَةِ - قَالَ يُونُسُ: أَعْلَقَتْ: غَمَزَتْ، فَهِيَ تَخَافُ أَنْ يَكُونَ بِهِ عُذْرَةٌ - قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((عَلَامَهْ تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الإِعْلَاقِ؟ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ - يَعْنِي: بِهِ الْكُسْتَ - فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ)»، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ ابْنَهَا ذَاكَ بَالَ فِي حِجْرٍ رَسُولِ اللهِ وَال ـ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِمَاءٍ، فَتَضَحَهُ عَلَى بَوْلِهِ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلاً). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى) التُّجيبيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ الحافظ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ) بضمّ الهمزة، وفتح الواو: جمع الأُولى، قال في ((الفتح)): يُشبه أن يكون الوصف من كلام الزهريّ، فيكون مُدرجاً، ويَحْتمل أن يكون من كلام شيخه، فيكون موصولاً، وهو الظاهر. انتھی(١). وقوله: (أَحَدٍ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ) إنما أضافه إلى خزيمة؛ لأنه يوجد في القبائل العربيّة عدة قبائل يقال لها: بنو أسد، فمنهم: هذا، أسد بن خُزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مُضر، وأسد بن عبد العُزّى بن قُصيّ من قريش، وأسد بن ربيعة بن نِزَار، وأسد بن دودان، وأسد بن شُرَيك بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم، راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب))(٢). (١) ((الفتح)) ١١١/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧١٥). (٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٥٢/١ - ٥٣. ٢٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى وقوله: (قَالَ يُونُسُ ... إلخ)؛ يعني: أن يونس بن يزيد الأيليّ فسّر قولها: ((أَعْلَقَتْ)) بـ ((غَمَزَتْ)). وقوله: (عَلَامَةْ) تقدّم أن هذه الهاء هي هاء السكت ثبتت وصلاً. وقوله: (تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ) خطاب للنسوة، وهو بِالْغَين المعجمة، والدال المهملة، والدغر: غمز الحلق. وقوله: (يَعْنِي بِهِ: الْكُسْتَ) بالكاف، ويقال له: القسط أيضاً. وقوله: (قَالَ عُبَيْدُ اللهِ)؛ أي: ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود شيخ الزهريّ في السند. وقوله: (وَأَخْبَرَتْنِي)؛ أي: أم قيس. وقولها: (أَنَّ ابْنَهَا ذَالَ)؛ أي: الذي أعلقت عليه من العذرة. وقولها: (فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) قال الفيّوميّ ◌َُّهُ: وحجر الإنسان بالفتح، وقد يُكسر: حِضْنه، وهو ما دون إبطه إلى الكشح، وهو في حَجْره؛ أي: كَنَفه، وحمايته، والجمع حُجُور. انتهى(١). وقولها: (فَتَضَحَهُ عَلَى بَوْلِهِ)، وفي الرواية المتقدّمة في ((الطهارة)) من طريق الليث، عن ابن شهاب: ((فلم يَزِد على أن نضح بالماء))، ومن طريق ابن عيينة، عن ابن شهاب: ((فَرَشّه))، زاد أبو عوانة في ((صحيحه)): ((عليه))، ولا تَخَالُف بين الروايتين؛ أي: بين نَضَحَ، ورَشّ؛ لأن المراد به أن الابتداء كان بالرشّ، وهو تنقيط الماء، وانتهى إلى النضح، وهو صب الماء، ويؤيده رواية مسلم في حديث عائشة، من طريق جرير، عن هشام: ((فدعا بماء، فصبّه عليه))، ولأبي عوانة: ((فصبّه على البول، يُتبعه إياه))(٢)، وتقدّم تمام البحث فيه في ((الطهارة)) [٦٦٨/٣١] (٢٨٦)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقولها: (وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلاً) قال في ((الفتح)): اذَّعَى الأصيليّ أن هذه الجملة من كلام ابن شهاب، راوي الحديث، وأن المرفوع انتهى عند قوله: (١) ((المصباح المنير)) ١٢١/١ - ١٢٢. (٢) ((الفتح)) ٥٥٧/١ - ٥٥٨، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٢٣). ٢٤٥ (١٤) - بَابُ النَّدَاوِي بِالْحَيَّةِ السَّوْدَاءِ - حديث رقم (٥٧٥٢) ((فنضحه))، قال: وكذلك رَوَى معمر عن ابن شهاب، وكذا أخرجه ابن أبي شیبة، قال: ((فرشه))، لم يَزِد علی ذلك. انتهى. قال الحافظ: وليس في سياق معمر ما يدلّ على ما ادعاه من الإدراج، وقد أخرجه عبد الرزاق عنه بنحو سياق مالك، لكنه لم يقل: ((ولم يغسله))، وقد قالها مع مالك: الليث، وعمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد، كلهم عن ابن شهاب، أخرجه ابن خزيمة، والإسماعيليّ، وغيرهما، من طريق ابن وهب عنهم، وهو لمسلم عن يونس وحده، نعم زاد معمر في روايته: ((قال: قال ابن شهاب: فمضت السُّنَّة أن يُرَشَّ بول الصبيّ، ويُغْسَل بول الجارية))، فلو كانت هذه الزيادة هي التي زادها مالك، ومن تبعه لأمكن دعوى الإدراج، لكنها غيرها، فلا إدراج، وأما ما ذكره عن ابن أبي شيبة، فلا اختصاص له بذلك، فإن ذلك لفظ رواية ابن عيينة، عن ابن شهاب، وقد ذكرناها عن مسلم، وغيره، وبينًا أنها غير مخالفة لرواية مالك، والله أعلم. (١) انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا البحث مستوفَّى في ((كتاب الطهارة» بالرقم المذكور، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١٤) - (بَابُ التَّدَاوِي بِالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقَّتُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٥٢] (٢٢١٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِلَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلَّ السَّامَ))، وَالسَّامُ: الْمَوْتُ، وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ: الشُّونِيزُ). (١) ((الفتح)) ٥٥٧/١ - ٥٥٨، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٢٣). ٢٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأيليّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨. ٢ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٢٣. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] مات بعد (٩٠)، وقد ناهز (٨٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. ٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الجليل، مات رَُّه (٧ أو ٨ أو ٥٩) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف نَّتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصریین، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعييّن، كلاهما من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة ظُه رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ) بن عوف (وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) عِنْه (أَخْبَرَهُمَا)؛ أي: أبا سلمة، وسعيد بن المسيِّب، (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَل يَقُولُ: ((إِنَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة، قال الفيّوميّ ◌َثْتُهُ: الحبّ - بالفتح -: اسم جنس للحنطة وغيرها، مما يكونه في السُّنبل والأكمام، والجمع حُبُوبٌ، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس، الواحدة حبّةٌ، وتُجمع حبّات، على لفظها، وعلى حِبَاب، مثلُ كَلَبةً وكلاب، والْحِبّ بالكسر: بِزْرُ ما لا يُقتات، مثلُ بُزُور الرياحين، الواحدة حِبّةٌ. انتهى(١). (شِفَاءً) بكسر الشين (١) ((المصباح المنير)) ١١٧/١. ٢٤٧ (١٤) - بَابُ التَّدَاوِي بِالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ - حديث رقم (٥٧٥٢) المعجمة، (مِنْ كُلِّ دَاءٍ) الحقّ إجراؤه على العموم، فهي شفاء من كلّ داء، كما هو النصّ الصريح، ولذا استثنى السام منه، وأصرح في هذا اللفظ الآتي: ((ما من داء إلا في الحبّة السوداء منه شفاء، إلا السام)). وذهب قوم إلى عدم العموم، فقال الخطابيّ: قوله: ((من كل داء)) هو من العام الذي يراد به الخاصّ؛ لأنه ليس في طبع شيء من النبات ما يَجمع جميع الأمور التي تقابل الطبائع في معالجة الأدواء بمقابلها، وإنما المراد أنها شفاء من كل داء يَحدُث من الرطوبة. وقال أبو بكر ابن العربيّ: العسل عند الأطباء أقرب إلى أن يكون دواء من كل داء من الحبة السوداء، ومع ذلك، فإن من الأمراض ما لو شَرِب صاحبه العسل لتأذى به، فإن كان المراد بقوله في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِِّ﴾ [النحل: ٦٩] الأكثر الأغلب، فحَمْل الحبة السوداء على ذلك أولى. وقال غيره: كان النبيّ ◌َل * يصف الدواء بحسب ما يشاهده من حال المريض، فلعل قوله: ((في الحبة السوداء)) وافق مرض مَن مزاجه باردٌ، فيكون معنى قوله: ((شفاء من كل داء))؛ أي: من هذا الجنس الذي وقع القول فيه، والتخصيص بالحيثية كثير شائع، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التخصيص ينافيه قوله ومثل: ((إلا السام))، فإنه ما استثنى من كلّ داء غير الموت، فلا ينبغي أن يستثنى غيره، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: تكلم الناس في هذا الحديث، وخَصّوا عمومه، وردّوه إلى قول أهل الطبّ والتجربة، ولا خفاء بغلط قائل ذلك؛ لأنا إذا صدّقنا أهل الطبّ، ومدار علمهم غالباً إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالب، فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى بالقبول من کلامهم. انتھی. قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الشيخ أبو جمرة تَخَّهُ في ردّه هذا، فهذا واجب كلّ مسلم تجاه الرسول وَّه، فإنه لا يقول: ((من كلّ داء))، ثم يستثني السام من كلّ إلا ويدلّ التعميم دون استثناء شيء. والحاصل أن الحبة السوداء فيها شفاء من كلّ داء إلا الذي استُثني في ٢٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى النصّ، وهو السام، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال الحافظ تَّتُهُ: قد تقدم توجيه حَمْله على عمومه، بأن يكون المراد بذلك ما هو أعمّ من الإفراد، والتركيب، ولا محذور في ذلك، ولا خروج عن ظاهر الحديث. انتهى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (إِلَّ السَّامَ))) بالسين المهملة، بغير همز، وفي الرواية الآتية: ((ما من داء إلا وفي الحبّة السوداء منه شفاء))، وفي رواية ابن ماجه: ((إلا أن يكون الموت))، وفي هذا أن الموت داء من جملة الأدواء، قال الشاعر: وَدَاءُ الْمَوْتِ لَيْسَ لَهُ دَوَاءُ(١) وقوله: (وَالسَّامُ: الْمَوْتُ) هذا التفسير لابن شهاب، صرّح به في رواية البخاريّ، ولفظه: ((قال ابن شهاب: والسام الموت))، وأخرج العسكريّ، عن الأصمعيّ قال: عَنَى المصطفى ◌ََّ به - أي: السام ـ الموت، ولم يُسمَع قبله، ولا سمعته في شعر، ولا في کلام جاهليّ. انتھی. وقوله: (وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ: الشُّونِيزُ) قال في ((الفتح)): كذا عَطَفَه على تفسير ابن شهاب للسام، فاقتضى ذلك أن تفسير الحبة السوداء أيضاً له، و((الُّونِيز)) - بضم الشين المعجمة، وسكون الواو، وكسر النون، وسكون التحتانية، بعدها زاي ـ وقال القرطبيّ: قَيَّد بعض مشايخنا الشين بالفتح، وحَكَى عياض عن ابن الأعرابيّ أنه كسرها، فأبدل الواو ياء، فقال: الشينيز، وتفسير الحبة السوداء بالشونيز لشهرة الشونيز عندهم إذ ذاك، وأما الآن فالأمر بالعكس، والحبة السوداء أشهر عند أهل هذا العصر من الشونيز بكثير، وتفسيرها بالشونيز هو الأكثر الأشهر، وهي الكَمُّون الأسود، ويقال له أيضاً: الكمون الهنديّ، ونقل إبراهيم الحربيّ في غريب الحديث، عن الحسن البصريّ أنها الْخَرْدَلُ، وحَكَى أبو عبيد الهرويّ في ((الغريبين)) أنها ثمرة البُظْم - بضم الموحدة، وسكون المهملة - واسم شجرتها الضِّرْؤُ - بكسر المعجمة، وسكون الراء - وقال الجوهريّ: هو صمغ شجرة تُدعى الكمكام، تُجلب من اليمن، (١) ((الفتح)) ٧٢/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٨٧). ٢٤٩ (١٤) - بَابُ التَّدَاوِي بِالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ - حديث رقم (٥٧٥٢) ورائحتها طيبة، وتُستعمل في البخور، قال الحافظ: وليست المرادَ هنا جزماً. وقال القرطبيّ: تفسيرها بالشونيز أولى من وجهين: أحدهما: أنه قول الأكثر. والثاني: كثرة منافعها، بخلاف الْخَرْدل، والْبُظْم (١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٥٧٥٢ و٥٧٥٣ و٥٧٥٤] (٢٢١٥)، و(البخاريّ) في ((الطبّ)) (٥٦٨٨)، و(الترمذيّ) في ((الطبّ)) (٢٠٧٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٣/٤)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٤٤٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠١٦٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٠٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٠/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤١/٢ و٢٦١ و٢٦٨ و٣٤٣ و٤٢٩ و٥٠٤)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (١٧٥/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢١٨/١٠ و٣٢٥ و٣٧٣ و٣٩٤/١١)، و(ابن الجعد) في («مسنده)) (١٥٥/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٠٧١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٥/٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٢٧ و٣٢٢٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال في ((الفتح)): وقع في رواية الأعين عند الإسماعيليّ بعد قوله: ((من كل داء، واقطروا عليها شيئاً من الزيت))، وفي رواية له أخرى: ((وربما قال: واقطروا ... إلخ))، وادَّعَى الإسماعيليّ أن هذه الزيادة مدرجة في الخبر، وقد أوضحت ذلك رواية ابن أبي شيبة، قال: ثم وجدتها مرفوعة من حديث بريدة، فأخرج المستغفريّ في ((كتاب الطبّ)) من طريق حُسَام بن مِصَكّ، عن عبيد الله بن بريدة، عن النبيّ وَلّى: ((إن هذه الحبة السوداء فيها شفاء ... )) الحديث، قال: وفي لفظ: ((قيل: وما الحبة السوداء؟ (١) ((الفتح)) ٧٢/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٨٧)، و((المفهم)) ٦٠٥/٥. ٢٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى قال: الشونيز، قال: وكيف أصنع بها؟ قال: تأخذ إحدى وعشرين حبةً، فتصُرّها في خرقة، ثم تضعها في ماء ليلةً، فإذا أصبحت قطرت في المنخر الأيمن واحدة، وفي الأيسر اثنتين، فإذا كان من الغد قطرت في المنخر الأيمن اثنتين، وفي الأيسر واحدة، فإذا كان اليوم الثالث قطرت في الأيمن واحدة، وفي الأيسر اثنتين)). ويؤخذ من ذلك أن معنى كون الحبة شفاء من كل داء أنها لا تُستعمل في كل داء صِرْفاً، بل ربما استُعملت مفردةً، وربما استعملت مركبة، وربما استعملت مسحوقة، وغير مسحوقة، وربما استعملت أكلاً، وشرباً، وسَعُوطاً، وضِماداً، وغير ذلك. وقيل: إن قوله: (كل داء)) تقديره: يَقْبَل العلاج بها (١)، فإنها تنفع من الأمراض الباردة، وأما الحارّة فلا، نعم قد تدخل في بعض الأمراض الحارّة اليابسة بالعَرَض، فتوصل قوي الأدوية الرطبة الباردة إليها بسرعة تنفيذها، ويُستعمل الحارّ في بعض الأمراض الحارّة لخاصية فيه، لا يستنكر؛ كالعنزروت، فإنه حارّ، ويُستعمل في أدوية الرَّمَد المركبة، مع أن الرمَد وَرَمٌ حارّ، باتفاق الأطباء. وقد قال أهل العلم بالطبّ: إن طبع الحبة السوداء حارّ يابس، وهي مُذهبة للنفخ، نافعة من حمى الربع، والبلغم، مفتحة للسدد، والريح، مجففة لبلّة المعدة، وإذا دُقّت، وعُجنت بالعسل، وشُربت بالماء الحارّ أذابت الحصاة، وأدرّت البول، والطمث، وفيها جلاء، وتقطيع، وإذا دُقّت، ورُبطت بخرقة من كتان، وأديم، وشمّها نَفَع من الزكام البارد، وإذا نُقِع منها سبع حبات في لبن امرأة، وسُعط به صاحب الَيَرَقان أفاده، وإذا شُرب منها وزن مثقال بماء أفاد من ضيق النفس، والضمادُ بها ينفع من الصداع البارد، وإذا طُبخت بِخَلّ، وتمضمض بها نفعت من وجع الأسنان الكائن عن بَرْد. (١) قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، بل الحديث على إطلاقه، وعمومه، فكن ممن يصدّق بقوله وَ له حقّ تصديق، والله تعالى الهادي إلى أقوم الطريق. ٢٥١ (١٤) - بَابُ التَّدَاوِي بِالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ - حديث رقم (٥٧٥٢) قال الحافظ: وقد ذكر ابن البيطار وغيره ممن صنَّف في المفردات في منافعها هذا الذي ذكرته، وأكثر منه. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَّلُهُ: وقد ذكر الأطباء للشونيز منافع كثيرة، وخواص عجيبة، قال القاضي أبو الفضل عياض: ذكر جالينوس: أنه يُحلِّل النَّفخ، ويقتل ديدان البطن، إذا أُكِل، أو وضع على البطن، ويشفي من الزكام، إذا قُلِي، وصُرَّ في خرقة، واشتُمَّ، وينفع من العلَّة التي يتقشَّر منها الجلد، ويقلع الثآليل والخِيلان، ويدر الطمث الكائن عن الأخلاط الغليظة اللَّزجة، وينفع من الصُّداع إذا طُلي به الجبين، ويقلع البثور، والجرب، ويحلل الأورام البلغمية، إذا شمَّه مع الخل، وينفع من الماء العارض في العين إذا استُعِط مسحوقاً مع دهن الأرِيسَا، وينفع من انصباب النفس، ويُتمضمض به من وجع الأسنان، ويدرّ البول، واللبن، وينفع من نهشة الدُّبيلة، وإذا بُخّر به طرد الهواءَّ. وقال غيرُ جالينوس: من خاصيته: إذهابُ حمَّى البلغم والسَّوداء، ويقتل حبَّ القرع، وإذا عُلِّق من عنق المزكوم نفعه، وينفع من حمى الرِّبع، قال بعضهم: ولا يبعد منفعة الحارّ من أدواء حارَّةٍ لخواصَّ فيها؛ كوجودنا ذلك في أدوية كثيرة، فيكون الشونيز منها؛ لعموم قوله وَليّة، ويكون أحياناً مفرداً، وأحياناً مرَّباً . قال القرطبيّ: وعلى هذا القول الآخر تُحمل كليّة الحديث على عمومها، وإحاطتها، ولا يستثنى من الأدواء شيء إلا الدَّاء الذي يكون عنه الموت في علم الله تعالى. وعلى القول الأول: يكون ذلك العموم محمولاً على أكثر والأغلب. انتھی(٢). قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الحقّ حَمْل الحديث على عمومه، ولا سيّما وقد أثبت بعض الأطبّاء أنها تنفع من أدواء حارّة على وفق عموم (١) ((الفتح)) ٧٢/١٣ - ٧٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٨٧). (٢) ((المفهم)) ٦٠٦/٥ - ٦٠٧. ٢٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى الحديث، ولو لم يقل ذلك أحد من الأطبّاء، فنحن نصدّق بعموم ما قاله نبيّنا وٍَّ، دون شكّ، وارتياب، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): أخرج البخاريّ تَُّ في ((صحيحه)) من طريق منصور بن المعتمر، عن خالد بن سعد، قال: خرجنا، ومعنا غالب بن أبجر، فمَرِض في الطريق، فقَدِمنا المدينةَ، وهو مريض، فعاده ابن أبي عتيق، فقال لنا: عليكم بهذه الْحُبيبة السوداء، فخذوا منها خمساً، أو سبعاً، فاسحقوها، ثم اقطروها في أنفه بقطرات زيت، في هذا الجانب، وفي هذا الجانب، فإن عائشة حدّثتني أنها سمعت النبيّ وَله يقول: ((إن هذه الحبة السوداء شفاءٌ من كل داء، إلا من السام))، قلت: وما السام؟ قال: الموت. انتهى(١)، وهذا الحديث لم يخرجه مسلم، وإنما ذكرته مع شرحه؛ لفوائد المهمّة. قال في ((الفتح)): قوله: ((ومعنا غالب بن أبجر)) بموحّدة، وجيم، وزن أحمد، يقال: إنه الصحابيّ الذي سأل النبيّ وَّل عن الحمر الأهلية، وحديثه عند أبي داود. قوله: ((فعاده ابن أبي عتيق))، في رواية أبي بكر الأعين: ((فعاده أبو بكر بن أبي عتيق))، وكذا قال سائر أصحاب عبد الله بن أبي موسى، إلا المنجنيقيّ، فقال في روايته: عن خالد بن سعد، عن غالب بن أبجر، عن أبي بكر الصديق، عن عائشة، واختصر القصة، وبسياقها يتبيَّن الصواب، قال الخطيب: وقوله في السند: ((عن غالب بن أبجر)) وهَمٌّ، فليس لغالب فيه رواية، وإنما سمعه خالد مع غالب من أبي بكر بن أبي عتيق، قال: وأبو بكر بن أبي عتيق هذا هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وأبو عتيق كنية أبيه، محمد بن عبد الرحمن، وهو معدود في الصحابة؛ لكونه وُلد في عهد النبيّ وَّهِ، وأبوه، وجدّه، وجدّ أبيه صحابة مشهورون. قوله: ((عليكم بهذه الحبيبة السويداء)) كذا هنا بالتصغير فيهما، إلا الكشميهنيّ، فقال: السوداء، وهي رواية الأكثر ممن قدمت ذِكْره أنه أخرج الحديث. (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٥٣/٥. ٢٥٣ (١٤) - بَابُ النَّدَاوِي بِالْحَيَّةِ السَّوْدَاءِ - حديث رقم (٥٧٥٣) قوله: ((فإن عائشة حدثتني أن هذه الحبة السوداء شفاءٌ))، وللكشميهنيّ: ((أن في هذه الحبة شفاءً))، كذا للأكثر، وفي رواية الأعين: ((هذه الحبة السوداء التي تكون في الملح))، قال الحافظ: وكان هذا قد أشكل عليّ، ثم ظهر لي أنه يريد الكَمُّون، وكانت عادتهم جرت أن يُخلط بالملح. قوله: ((قلت: وما السام؟ قال: الموت))، قال الحافظ: لم أعرف اسم السائل، ولا القائل، وأظن السائل خالد بن سعد، والمجيب ابن أبي عتيق، وهذا الذي أشار إليه ابن أبي عتيق ذَكَره الأطباء في علاج الزكام العارض، معه عطاس كثير، وقالوا: تقلى الحبة السوداء، ثم تُدَقّ ناعماً، ثم تُنقع في زيت، ثم يقطر منه في الأنف ثلاث قطرات، فلعل غالب بن أبجر كان مزكوماً، فلذلك وصف له ابن أبي عتيق الصفة المذكورة، وظاهر سياقه أنها موقوفة عليه، ويَحْتَمِل أن تكون عنده مرفوعةً أيضاً، فقد وقع في رواية الأعين عند الإسماعيلي بعد قوله: ((من كل داء، واقطروا عليها شيئاً من الزيت))، وفي رواية له أخرى: ((وربما قال: واقطروا ... إلخ)). انتهى مختصراً من ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٥٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ عُقَيْلٍ، وَفِي حَدِيثٍ سُفْيَانَ، وَيُونُسَ: ((الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ)»، وَلَمْ يَقُلِ: الشُّونِيزُ). (١) ((الفتح)) ٧١/١٣ - ٧٢، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٨٧). ٢٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى رجال هذه الأسانيد: تسعة : ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، قيل: اسمه عبد الحميد، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمنيّ، تقدّم قريباً. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السمر قنديّ الحافظ، صاحب («المسند»، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت٢٥٥) (م دت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥. ٥ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ الحمصيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٢٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. ٦ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. والباقون ذُكروا في الأبواب الثلاثة الماضية. [تنبيه]: إنما لم يضمّ مسلم ◌َّتُ يونس مع سفيان، ومعمر، وشُعيب في التحويل؛ لاختلاف صيغ أدائهم، فإنه قال: ((عن ابن شهاب ... إلخ))، وهم قالوا: ((عن الزهريّ ... إلخ))، وهذا، وإن لم يختلف به المعنى، إلا من تدقيقات مسلم كْثُ التي امتاز بها على غيره من المحدّثين، حتى على البخاريّ، حيث يدقّق في بيان اختلاف ألفاظ الشيوخ، وإن لم يختلف به المعنى؛ لأنه يُعتبر من أفضل ما يُراعَى من الأمانة العلميّة، ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من الطويل]: لَدَيَّ فَقَالُوا أَيُّ ذَيْنٍ يُقَدَّمُ تَنَازَعَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِي وَمُسْلِم كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ فَقُلْتُ لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّةٌ وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ)؛ يعني: الثلاثة، وهم: سفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، وشُعيب بن أبي حمزة رووا عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة څله. [تنبيه]: رواية يونس عن ابن شهاب ساقها النسائيّ تَخّْثهُ في ((الكبرى))، فقال: (٧٥٧٩) - أخبرنا وهب بن بيان، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ٢٥٥ (١٤) - بَابُ التَّدَاوِي بِالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ - حديث رقم (٥٧٥٤) يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ◌َلو قال: ((عليكم بالحبة السوداء، فإن فيها شفاءً من كل داء، إلا السام، والسام الموت)). انتهى(١). وأما رواية سفيان بن عيينة، فساقها النسائيّ أيضاً في ((الكبرى))، فقال: (٧٥٧٨) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلور: ((عليكم بهذه الحبة السوداء، فإن فيها شفاءً من كل داء، إلا السام، والسام الموت)). انتهى(٢). وأما رواية معمر عن الزهريّ، فساقها عبد الرزّاق تَخُّْ في ((مصنّفه))، فقال: (٢٠١٦٩) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله وَل* يقول للشونيز: ((عليكم بهذه الحبة السوداء، فإن فيها شفاءً من كل داء، إلا السام))، یرید الموت. انتهى(٣) . وأما رواية شعيب بن أبي حمزة، فساقها الطبرانيّ كَّثُ في ((مسند الشامیین))، فقال: (٣٠٤٢) - حدّثنا موسى بن عيسى بن المنذر، ثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله وَّ يقول في الشونيز: ((عليكم بهذه الحبة السوداء، فإن فيها شفاءً من كل داء، إلا السام))؛ يعني: الموت. انتهى (٤). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٥٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّهِ قَالَ: ((مَا مِنْ دَاءٍ إِلَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ مِنْهُ شِفَاءٌ، إِلَّ السَّامَ)). (١) ((السُّنن الكبرى)) للنسائيّ ٣٧٣/٤. (٣) ((مصنف عبد الرزاق)) ١١/ ١٥٢. (٢) ((السُّنن الكبرى)) للنسائيّ ٣٧٣/٤. (٤) ((مسند الشاميين)) ١٧٤/٤. ٢٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الحيض)) ٢٦/ ٨٢٠. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) عليّ السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤)، وقد قارب المائة، أو جاوزها، تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارىء المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢/ ١١٠. ٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرقيّ، أبو شِبْل المدنيّ، ثقةٌ ربما وهم [٥] مات سنة بضع و(٢٣٠) (ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجهنيّ الْحُرقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. و ((أبو هريرة ﴿ته)) ذُكر قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُثِّبُ﴾ . (١٥) - (بَابُ التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٥٥] (٢٢١٦) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َ، أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا، فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ، إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ، فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ، فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا(١)، ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ (١) وفي نسخة: ((عليه)). ٢٥٧ (١٥) - بَابٌ التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٥٧٥٥) رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تُذْهِبُ بَعْضَ الْحُزْنِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ) الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٠/٢٦. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت١٩٩) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦. والباقون ذُكروا في الأبواب الأربعة الماضية. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمصريين إلى عُقيل، وبعده بالمدنيين، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة ريا من المكثرين السبعة، وعروة أحد الفقهاء السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَِّّ ◌ِ)ِ ◌ِّهَا (أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا)؛ أي: أقاربها، (فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ)؛ أي: نساء الجيران لأجل التعزية، (ثُمَّ تَفَرَّقْنَ)؛ أي: النساء المجتمعات للتعزية، (إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا) هذا ظاهر في كون النساء المجتمعات لم يشاركن في الأكل، وأما ما قاله بعض الشرّاح(١) من أنهنّ شاركن في الأكل، فمخالف لِمَا دلّ عليه سياق الحديث، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (أَمَرَتْ) عائشة ◌َّا (بِيُرْمَةٍ) بضمّ الباء الموحّدة، وسكون الراء: القِدْر من الحَجَر، والجمع: بُرَمٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف، قاله الفيّوميّ (٢)، وقوله: (مِنْ تَلْبِينَةٍ) بيان لـ((بُرْمة))، وقال المجد تَخْلُ: والبُرْمَةُ بالضم: قِدْرٌ من حِجارَةٍ، جَمْعه: (١) هو الشيخ الهرري، راجع: ((شرحه)) ٢٦٦/٢٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٥/١. ٢٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى بُرْمٌ، بالضم، وكصُرَدٍ، وجِبالٍ، وكمُحْسِنٍ: صانِعُهَا، أو مَن يَقْتَلِعُ حِجارَتَها من الجِبالِ. انتهى(١) . و((التلبينة)) : - بفتح المثناة، وسكون اللام، وكسر الموحّدة، بعدها تحتانية، ثم نون، ثم هاء، وقد يقال: بلا هاء - قال الأصمعيّ: هي حِسَاءٌ يُعْمَل من دقيق، أو نُخالة، ويُجعل فيه عسل، وقال غيره: أو لبنٌّ، سُمّيت تلبينةً؛ تشبيهاً لها باللبن في بياضها، ورِقّتها، وقال ابن قتيبة: وعلى قول من قال: يُخلط فيها لبنٌ سُمّيت بذلك؛ لمخالطة اللبن لها، وقال أبو نعيم في (الطب)): هي دقيق بَحْتٌ، وقال قوم: فيه شحمٌ، وقال الداوديّ: يؤخذ العجين، غير خمير، فيخرج ماؤه، فيجعل حَسْواً، فيكون لا يخالطه شيء، فلذلك كثر نفعه، وقال الموفق البغداديّ: التلبينة: الْحِساء، ويكون في قوام اللبن، وهو الدقيق النضيج، لا الغليظ النيء. انتهى(٢). (فَطُبِخَتْ) بالبناء للمفعول، وكذا الفعلان بعده، (ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ) بفتح الثاء المثلّثة، وكسر الراء: فَعِلٌ بمعنى مفعولٍ، ويقال أيضاً: مَثْرُودٌ، يقال: ثَرَدتُ الخبزَ تَرْداً، من باب قَتَل، وهو أن تَفْتّه، ثمّ تَبْلّه بمرق، والاسم: الثُّرْدةُ، قاله الفيّميّ(٣). وقال في ((التاج)): ثرَدَ الخُبْزَ: فَتَّه، ثم بَلَّه بمَرَقٍ، ثمّ شَرَّفَه وَسْطَ القَصعةِ، وهو الثَّريدُ، والثَّريدةُ، والتُّرْدَةُ، كما في ((الأَساس))؛ كاتَّرَدَه، واثَّردَه، بالتاءِ المثنّة الفوقيّة، والثاءِ المثلّثَة، على افْتَعَله؛ أي: بتشديد التاءِ، والثَّاءِ؛ أي: اتّخذَه، كان في أَصْله اثْتَرده، على افتَعَل، فلما اجتمَعَ حَرفانِ مَخْرجاهما مُتقارِبانٍ، في كلمةٍ واحدةٍ، وَجَبَ الإِدغام، إِلّا أَن الثّاءَ لمّا كانت مهموسةً، والتاء مجهورة، لم يَصِحَّ ذلك، فأَبدَلُوا من الأَول تاءً، فأَدغموه في مثله، وناسٌ من العرب يُبدِلُون من التاءِ ثاءً، فيُدغمون، فيقولون: اثَّرَدتُ، فيكون الحرف الأصليّ هو الظاهر، كما في ((الصّحاح)). انتهى (٤). (١) ((القاموس المحيط)) ١٣٩٤/١. (٢) ((الفتح)) ٧٤/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٨٩). (٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٨١. (٤) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ١٩٠٩/١. ٢٥٩ (١٥) - بَابُ التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٥٧٥٥) (فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهِ)؛ أي: على ذلك الثريد، ووقع في بعض النسخ بلفظ: ((عليها))، والظاهر أنه غلطٌ، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَتْ) عائشة ﴿ٌّها لأهلها المصابين بالحزن (كُلْنَ مِنْهَا)؛ أي: من التلبينة المصبوبة على الثريد، (فَإِنِّي) الفاء تعليليّة؛ أي: لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((التَّلْبِينَةُ) - بفتح التاء - هي: حِسَاء من دقيق، أو نُخالة، قالوا: وربما جُعل فيها عسل، قال الهرويّ وغيره: سُمِّيت تلبينة تشبيهاً باللبن؛ لبياضها، ورِقّتها، وفيه استحباب التلبينة للمحزون، قاله النوويّ (١). وقال ابن الأثير: التلبينة، والتلبين: حِساء يُعمَل من دقيق، أو نُخالة، وربما جُعل فيها عسل، سُمِّيت به؛ تشبيهاً باللبن؛ لبياضها، ورقّتها، وهي تسمية بالمرة من التلبين، مصدر لَبَّن القومَ إذا سقاهم اللبن. انتهى (٢). (مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ) - بفتح الميم، والجيم - ويقال: بضم الميم، وكسر الجيم؛ أي: تُريح فؤاده، وتزيل عنه الهمّ، وتُنَشِّطه، قاله النوويّ(٣)، وقال القاضي عياض: معناه: تُريحه، وقيل: تفتحه، وقيل: تجمعه. انتهى(٤). وقال في («العمدة)): ((مجمّة)) : - بفتح الميم، والجيم، وفتح الميم الأخرى المشدّدة - أي: مكان الاستراحة؛ أي: استراحة قلب المريض، ويُرْوَى: مُجِمّة - بضم الميم، وكسر الجيم - أي: مريحة، يقال: جَمّ الفرسُ: إذا ذهب إعياؤه، والجمام الراحة، وقال ابن فارس: الجمام: الراحة، وضَبَطه بضم الميم، على أنه اسم فاعل من أَجَمّ، وقال الشيخ أبو الحسن: الذي أعرف بفتح الميم، فهي على هذا مَفْعَلة، من جَمّ يَجُمّ. انتهى(٥). وقال القرطبيّ كَّلُ: التلبينة: حَسَاء من دقيق، و((مُجمَّةٌ)): يروى بفتح الميم، والجيم، وبضم الميم، وكسر الجيم، فعلى الأول: هو مصدر؛ أي: جَمَامٌ، وعلى الثاني: يكون اسم فاعل من أجمَّ، ومعناه: أنَّها تقوِّيه، وتُنشطه، وذلك أنها غِذاء فيه لطافةٌ، سَهْل التناول على المريض؛ فإذا استعمله المريض (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٢/١٤. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠٢/١٤. (٥) ((عمدة القاري)) ٥٤/٢١. (٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٢٩/٤. (٤) ((مشارق الأنوار)) ١٥٣/١. ٢٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى اندفع عنه الحرارة الجوعيّة، وحصلت له القوّة الغذائية، من غير مشقَّة تَلْحقه، فيُسَرَّى عنه بعض ما كان فيه، ونَشِط، وذهب عنه الضيق، والحزن الذي كان يجده بسبب المرض، وإنما كانت عائشة ﴿ّا تصنعها لأهل الميت، وتُثَرِّد فيها؛ لأن أهل الميت شغلهم الحزن عن الغذاء، فاشتدَّت حرارة أحشائهم من الجوع، والحزن، فلمّا أطعمتهم التلبينة انكسرت عنهم حرارة الجوع، فخفّ عنهم بعض ما كانوا فيه، ولا يلزم من فِعلها ذلك لهؤلاء أن يفعل بالمريض كذلك، فيثرد له فيها، وإنَّما ذلك بحسب الحال، فإن احتاج المريض إلى تقوية غذاء التلبينة بلُبَابٍ(١) يضاف إليها فَحَسن. وعلى الجملة: فالتلبينة غذاء لطيفٌ، لا ضرر فيه غالباً، فلذلك نبّه عليه النبيّ ◌َّ. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((إن التلبينة تُجمّ فؤاد المريض)): قوله: ((فإنها تجم) بفتح المثناة، وضم الجيم، وبضم أوله، وكسر ثانيه، وهما بمعنى، ووقع في رواية الليث: ((فإنها مجمة)) بفتح الميم، والجيم، وتشديد الميم الثانية، هذا هو المشهور، ورُوي بضم أوله، وكسر ثانيه، وهما بمعنى، يقال: جَمّ، وأَجَمّ، والمعنى: أنها تُرِيح فؤاده، وتزيل عنه الهمّ، وتُنَشِّطه، والجامّ بالتشديد: المستريح، والمصدر: الْجَمَام(٣)، والإجمام، ويقال: جَمّ الفرسُ، وأجَمّ: إذا أريح، فلم يُركب، فيكون أدعى لنشاطه، وحكى ابن بطال أنه رُوي تَخُمّ بخاء معجمة، قال: والْمَخَمّة: الْمِكنسة. انتهى (٤). وقوله: (لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ) قال في ((العمدة)): الفؤاد هنا رأس المعدة، وفؤاد الحزين يَضْعُف باستيلاء اليبس على أعضائه، وعلى معدته خاصّةً لتقليل الغذاء، وهذا الغذاء يرطبها، ويقوّيها، ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض. انتهى(٥). (١) ((اللباب)): طحين مُرقَّقٌ، واللباب أيضاً: الخالص من كلّ شيءٍ. (٢) ((المفهم)) ٦٠٧/٥. (٣) ((الجَمام)) بالفتح: الراحة. اهـ. ((لسان العرب)) ١٠٥/١٢. (٤) ((الفتح)) ٧٦/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٨٩). (٥) ((عمدة القاري)) ٥٤/٢١.