النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١
(١٢) - بَابُ كَرَاهِيَةِ النَّدَاوِي بِاللَّدُودِ - حديث رقم (٥٧٤٩)
لأجل كراهية المريض، ويجوز انتصابه على المصدرية؛ أي: كَرِهه كراهيةَ
المريض الدواء، أفاده في ((العمدة))(١)، قال عياض: الرفع أوجه من النصب
على المصدر. انتهى(٢).
(فَلَمَّا أَفَاقَ)؛ أي: رجع إليه وَله وعيه، يقال: أفاق المريض إفاقةً: إذا
رجع إليه عقله، وأفاق السكران إفاقة، والأصل أفاق من سُكْره، كما استيقظ
من نومه(٣). (قَالَ: ((لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ) بضم اللام، وتشديد الدال
المهملة مبنيّاً للمجهول، زاد في رواية البخاريّ: ((وأنا أنظر))، وهي جملة
حالية؛ أي: لا يبقى أحد في البيت إلا يُلَدّ في حضوري، وحال نظري إليهم؛
مكافأةً لفعلهم، أو عقوبةً لهم، حيث خالفوا إشارته في عدم اللَّ بنحو ما فعلوه
(٤)
به (٤) .
قال النوويّ ◌َّتُهُ: وإنما أمر ◌َّ بِلَدّهم عقوبةً لهم، حين خالفوه في
إشارته إليهم: ((لا تلدُّوني))، ففيه أن الاشارة الْمُفْهِمة كصريح العبارة في نحو
هذه المسألة، وفيه تعزير المتعدي بنحو من فعله الذي تعدى به، إلا أن يكون
فعلاً محرّماً. انتهى(٥) .
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((لا تلدّوني)) نهيّ ظاهر في المنع، فكان ينبغي
لهم أن ينتهوا عن ذلك، غير أنَّهم تأوَّلوا أن ذلك من باب ما عُلِم من أحوال
المرضى، من كراهتهم الدَّواء، فخالفوه، فعاقبهم بأن اقتَصّ منهم، ففَعَل بهم
مثل ما فعلوا به، فكان فيه دليل على مشروعية القصاص في كل شيء، يتأتى
فيه القصاص، كما قال تعالى: ﴿فَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى
عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤].
قال: وقال بعض أصحابنا - يعني: المالكيّة -: فيه ما يدلّ على قتل
الجماعة بالواحد؛ لأنَّهم لمّا تمالؤوا، وتعاونوا على لَدّه اقتصَّ من جميعهم،
وفيه بُعدٌ؛ لإمكان مراعاة الفرق، فإنَّه يمكن أن يقال: جاز ذلك فيما لا إراقة
(١) ((عمدة القاري)) ١٨/ ٧٣.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٨٤/٢.
(٥) ((شرح النوويّ)) ١٩٩/١٤.
(٢) ((الفتح)) ٦١٤/٩.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٤٩/٢١.
٢٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرفى
دم فيه؛ لخفّته في مقصود الشرع، ولا يجوز ذلك في الدِّماء؛ لِحُرمتها، وعِظَم
أمرها في مقصود الشرع، فلا يصح حمل أحدهما على الآخر.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستبعاد فيه نظر لا يخفى، بل الاستدلال
على مشروعيّة قتل الجماعة بالواحد منه ظاهر، فتأمله بالإمعان، والله تعالى
أعلم.
قال: وإنَّما الذي يُستنبط منه أن الحاضر في الجناية الْمُعِين عليها
كالناظور الذي هو الطليعة كالمباشر لها، فيُقْتَصّ من الكل، لكن فيما لا دم فيه
على ما قررناه، وقد نبّه النبيّ وَّر على هذا المعنى بقوله: ((إلا العباس، فإنَّه لم
یشهدکم)). انتھی(١).
(غَيْرُ الْعَبَّاسِ) بن عبد المطّلب عمّ النبيّ وََّ، وهو استثناء من (أحدٌ))، ثم
بيّن سبب استثناء العبّاس ◌ُْه بقوله: (فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ)))؛ أي: لم يحضركم
حالة الأمر.
قيل: قال ابن إسحاق في ((المغازي)): إن العباس هو الآمر باللَّدّ، وقال:
والله لأَلُدّنّه، ولمّا أفاق قال: ((من صنع هذا بي؟)) قالوا: يا رسول الله عمك.
وأجيب بأنه يمكن التلفيق بينهما بأن يقال: لا منافاة بين الأمر وعدم
الحضور وقت اللَّدّ، قاله في ((العمدة))(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى التلفيق، فما في ((الصحيحين)) نصّ
صريح في استثناء العبّاس ◌َّه من اللدّ لعدم مشاركته لهم فيه، فلا يمكن أن
يكون هو الآمر به، ففي صحة ما في ((المغازي)) نظر لا يخفى، فتأمّل، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٤٩/١٢] (٢٢١٣)، و(البخاريّ) في
(١) ((المفهم)) ٦٠١/٥ - ٦٠٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٨/ ٧٣.
٢٢٣
(١٢) - بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّدَاوِي بِاللَّدُودِ - حديث رقم (٥٧٤٩)
((المغازي)) (٤٤٥٨) و((الطبّ)) (٥٧١٢) و((الديات)) (٦٨٨٦ و٦٨٩٧)،
و(الترمذيّ) في ((الجمعة)) (٣٩١/٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٧٥٨٦)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٧٥٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٣/٦ و٤٣٨)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٧٢/٢٤)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٢٠٢/٤)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥٨٧ و٦٥٨٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٨)
٣٥٣)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٢٣٥/٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان منع إكراه المريض على الطعام، والشراب، والدواء،
كما قد رُوي عن النبيّ وَ * أنه قال: ((لا تُكرهوا مرضاكم على الطعام،
والشراب، فإنَّ الله تعالى يغذيهم))(١).
٢ - (ومنها): بيان مشروعية الاقتصاص من المرأة بما جنته على الرجل؛
لأن الذين لَدُّوه كانوا رجالاً ونساءً، وقد ورد التصريح في بعض طرقه بأنهم
لَدُّوا ميمونة، وهي صائمة، من أجل عموم الأمر.
٣ - (ومنها): أن في قوله ◌َّي: ((إلا العباس فإنه لم يشهدكم)) أن صاحب
الحق أن يستثني من غرمائه من شاء، فيعفو عنه، ويقتصّ من الباقين، هكذا
قيل، وفيه نظر؛ لقوله {وَلير: (لم يشهدكم)).
٤ - (ومنها): أن فيه بيانَ أخذ الجماعة بالواحد.
٥ - (ومنها): ما قيل: فيه مشروعية القصاص في جميع ما يصاب به
الإنسان عمداً، وفيه نظرٌ؛ لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك، وإنما فعل بهم ذلك
عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عن ذلك، أما من باشره فظاهر، وأما من لم
یباشره فلکونهم ترکوا نههم عما نهاهم هو عنه.
٦ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن التأويل البعيد لا يعذر به صاحبه، وفيه
نظر أيضاً؛ لأن الذي وقع في معارضة النهي، قال ابن العربيّ: أراد أن لا
يأتوا يوم القيامة، وعليهم حقه، فيقعوا في خطب عظيم.
(١) رواه الترمذيّ (٢٠٤٠)، وابن ماجه (٣٤٤٤) وحسّنه الترمذيّ، والألبانيّ، وفيه
نظر، فقد قال أبو حاتم: هذا الحديث باطل، راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٢٤٧/١.
٢٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وتُعقّب بأنه كان يمكن العفو؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، قال الحافظ:
والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم؛ لئلا يعودوا، فكان ذلك تأديباً، لا
قصاصاً، ولا انتقاماً.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الظاهر أنه قصاص، ولذلك أورده
البخاريّ ◌َخْلُهُ، وأجاد في ذلك تحت ترجمة: ((بابُ القصاص بين الرجال،
والنساء في الجراحات))، وأورده أيضاً تحت: ((بابٌ إذا أصاب قومٌ من رجل،
هل يُعاقِب، أو يَقتصّ منهم كلّهم؟))، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): ما قيل: وإنما كَرِهَ مَلهَ اللََّّ، مع أنه كان يتداوى؛ لأنه تحقق
أنه يموت في مرضه، ومن حَقَّق ذلك كُرِه له التداوي، قال الحافظ: وفيه نظر،
والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير، والتحقّق، وإنما أنكر التداوي؛ لأنه كان
غير ملائم لدائه؛ لأنهم ظنّوا أن به ذات الجنب، فداووه بما يلائمها، ولم يكن
به ذلك، كما هو ظاهر من سياق الخبر كما ترى، والله أعلم. انتهى(١).
٨ - (ومنها): أن فيه حجةً لمن رأى القصاص في اللَّظمة ونحوها، وهو
الحقّ، واعتلّ من لم ير ذلك بأن اللطم يتعذر ضبطه وتقديره، بحيث لا يزيد،
ولا ينقص، وأما اللَّدُود فاحتَمَل أن يكون قصاصاً، واحتَمَل أن يكون معاقبةً
على مخالفة أمره، فعوقبوا من جنس جنايتهم، وسيأتي تمام البحث في ذلك في
المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٩ - (ومنها): أن الشركاء في الجناية يقتص من كل واحد منهم، إذا
كانت أفعالهم لا تتميز، بخلاف الجناية في المال؛ لأنها تتبعّض؛ إذ لو اشترك
جماعة في سرقة ربع دينار لم يُقطعوا اتفاقاً، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في القصاص من الطعنة،
ونحوها :
قد حقّق هذه المسألة الإمام ابن قيّم الجوزيّة دَّثُ في ((تهذيب السنن))،
بما لا تجده عند غيره من المحقّقين، أحببت إيراده بطوله؛ تتميماً للفائدة،
وتكميلاً للعائدة، قال رَّقُ :
(١) (الفتح)) ٦١٥/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٤٥٨).
٢٢٥
(١٢) - بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّدَاوِي بِاللَُّودِ - حديث رقم (٥٧٤٩)
قد اختلف الناس في هذه المسألة، وهي القصاص في اللطمة، والضربة،
ونحوهما، مما لا يمكن المقتصّ أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به من كلّ
وجه، هل يسوغ القصاص في ذلك، أو يُعدل إلى عقوبته بجنس آخر، وهو
التعزير؟ على قولين:
[أصحّهما]: أنه يُشْرع فيه القصاص، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، ثبت
ذلك عنهم، حكاه عنهم أحمد، وأبو إسحاق الْجُوزجانيّ، ونصّ عليه الإمام
أحمد في رواية الشالنجيّ، وغيره، قال شيخنا - يعني: ابن تيميّة -: وهو قول
جمهور السلف.
[القول الثاني]: أنه لا يُشرع فيه القصاص، وهو المنقول عن الشافعيّ،
ومالك، وأبي حنيفة، وقولُ المتأخّرين من أصحاب أحمد، حتى حَكَّى بعضهم
الإجماع على أنه لا قصاص فيه، وليس كما زَعَم، بل حكاية إجماع الصحابة
على القصاص أقرب من حكاية الإجماع على منعه، فإنه ثبت عن الخلفاء
الراشدين، ولا يُعلم لهم مخالف فيه.
ومأخذ القولين أن الله تعالى أمر بالعدل في ذلك، فبقي النظر في أَيّ
الأمرين أقرب إلى العدل؟.
فقال المانعون: المماثلة لا تمكن هنا، فكان العدل يقتضي العدول إلى
جنس آخر، وهو التعزير، فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ولهذا لا
يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حدّ، ولا في القطع إلا من مفصل؛ لتمكن
الماثلة، فإذا تعذّرت في القطع، والجرح صرنا إلى الدية، فكذا في اللطمة،
ونحوها لَمّا تعذّرت صرنا إلى التعزير.
قال المجوّزون: القصاص في ذلك أقرب إلى الكتاب، والسُّنَّة،
والقياس، والعدل من التعزير.
وأما الكتاب: فإن الله تَعَلَ قال: ﴿وَجَزَّقُاْ سَيْئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية
[الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية
[البقرة: ١٩٤]، ومعلوم أن المماثلة مطلوبةٌ بحسب الإمكان، واللطمة أشدّ مماثلة
للّطمة، والضربة للضربة من التعزير لها، فإنه ضرب في غير الموضع، غير
مماثل، لا في الصورة، ولا في المحلّ، ولا في القدر، فأنتم فررتم من تفاوت
٢٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين، فصرتم إلى أعظم تفاوتاً منه، بلا نصّ،
ولا قياس.
قالوا: وأما السُّنَّة، فما ذُكِر من الأحاديث في هذا الباب، ولو لم يكن
في الباب إلا سنّة الخلفاء الراشدين، لكفى بها دليلاً، وحجةً. قالوا: فالتعزير
لا يُعتبر فيه جنس الجناية، ولا قَدْرها، بل قد يُعزّر بالسوط والعصا، ويكون
إنما ضَرَبِه بيده، أو رجله، فكانت العقوبة بحسب الإمكان في ذلك أقرب إلى
العدل الذي أنزل الله به كُتُبه، وأرسل به رُسُله. قالوا: وقد دلّ الكتاب والسُّنَّة
في أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشرّ، كما
[النبأ: ٢٦]؛ أي: وِفْق أعمالهم، وهذا ثابتٌ
٢٦
قال تعالى: ﴿جَزَّآءُ وِفَاقًا لإ
شرعاً، وقَدْراً، أما الشرع، فلقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
وَاَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِلْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِلْأُذُنِ وَاَلْسِنَّ بِأَلْسِنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾
الآية [المائدة: ٤٥]، فأخبر ين أن الجروح قصاص، مع أن الجارح قد يشتدّ
عذابه إذا فُعل به كما فَعَل، حتى يُستوفَى منه. وقد ثبت عن النبيّ وٍَّ: ((أنه
رضخ رأس اليهوديّ))، كما رضخ رأس الجارية، وهذا القتل قصاص؛ لأنه لو
كان لنقض العهد، أو للحرابة لكان بالسيف، ولا يُرضخ الرأس. ولهذا كان
أصحّ الأقوال أنه يُفعل بالجاني مثلُ ما فعل بالمجنيّ عليه، ما لم يكن محرّماً
لحقّ الله؛ كالقتل باللواطة، وتجريع الخمر، ونحوه، فيُحَرَّق كما حرّق، ويُلقى
من شاهق كما فَعَل، ويُخنق كما خَنَق؛ لأن هذا أقرب إلى العدل، وحصولٍ
مُسمّى القصاص، وإدراك الثأر، والزجر المطلوب من القصاص، وهذا مذهب
مالك، والشافعيّ، وإحدى الروايتين عن أحمد.
قالوا: وأما كون القصاص لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حدّ، ولا
في الطرَف حتى ينتهي إلى مَفصل؛ لتحقّق المماثلة، فهذا إنما اشتُرط؛ لئلا
يزيد المقتصّ على مقدار الجناية، فيصير المجنيّ عليه مظلوماً بذهاب ذلك
الجزء، فتعذّرت المماثلة، فصرنا إلى الدية، وهذا بخلاف اللطمة، والضربة،
فإنه لو قدّر تعدّي المقتصّ فيها لم يكن ذلك بذهاب جزء، بل بزيادة ألم، وهذا
لا يمكن الاحتراز منه، ولهذا توجبون التعزير، مع أن ألمه يكون أضعاف ألم
اللطمة، والبَرْد من سنّ الجاني مقدار ما كسر من سنّ المجنيّ عليه، مع شدّة
٢٢٧
(١٢) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الَّدَاوِي بِاللَّدُودِ - حديث رقم (٥٧٤٩)
الألم، وكذلك قلع سنّه، وعينه، أو نحو ذلك، لا بدّ فيه من زيادة ألم ليصل
المجنيّ عليه إلى استيفاء حقّه، فهلّا اعتبرتم هذا الألم المقدّرة زيادته في
اللطمة، والضربة، كما اعتبرتموه فيما ذكرنا من الصور، وغيرها؟.
قال المانعون: كما عَدَلْنا في الإتلاف الماليّ إلى القيمة، عند تعذّر
المماثلة، فكذلك ههنا، بل أولى لحرمة البشرة، وتأكّدها على حرمة المال.
قال المجوّزون: هذا قياس فاسدٌ من وجهين:
[أحدهما]: أنكم لا تقولون بالمماثلة في إتلاف المال، فإنه إذا أتلف
عليه ثوباً لم تجوّزوا أن يُتلف عليه مثله من كلّ وجه، ولو قطع يده، وقتله
لقطعت يده، وقُتل به، فعُلم الفرق بين الأموال والأبشار، ودلّ على أن الجناية
على النفوس والأطراف يُطلب فيها الْمُقاصّة بما لا يُطلب في الأموال.
[والثاني]: من هو الذي سلّم لكم أن غير المكيل والموزون يُضمن
بالقيمة، لا بالنظير، ولا إجماع في المسألة، ولا نصّ؟ بل الصحيح أنه يجب
المثل في الحيوان وغيره بحسب الإمكان، كما ثبت عن الصحابة ديه في جزاء
الصيد أنهم قضوا فيه بمثله من النَّعم، بحسب الإمكان، فقضوا في النعامة
بَيَدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الظبي بشاة، إلى غير ذلك.
قال المانعون: هذا على خلاف القياس، فيصار إليه؛ اتّباعاً للصحابة،
ولهذا منعه أبو حنيفة، وقدّم القياس عليه، وأوجب القيمة.
قال المجوّزون: قولكم: إن هذا على خلاف القياس، فرع على صحّة
الدليل الدّالّ على أن المعتَبر في ذلك هو القيمة، دون النظير، وأنتم لم تذكروا
على ذلك دليلاً، من كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع، حتّى يكون قضاء الصحابة
بخلافه، على خلاف القياس، فأين الدليل؟.
قال المانعون: الدليل على اعتبار القيمة في إتلاف الحيوان، دون المثل،
أن النبيّ وَ﴿ ضمّن معتق الشِّقص إذا كان موسراً بقيمته، ولم يضمّنه نصيب
الشريك بمثله، فدلّ على أن الأصل هو القيمة في غير المكيل والموزون.
قال المجوّزون: هذا أصل ما بنيتم عليه اعتبار القيمة في هذه المسائل
وغيرها، ولكنه بناء على غير أساس، فإن هذا ليس مما نحن فيه في شيء، فإن
هذا ليس من باب ضمان المتلَفات بالقيمة، بل هو من باب تملّك مال الغير
٢٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
بالقيمة؛ كتملّك الشقص المشفوع بثمنه، فإن نصيب الشريك يقدّر دخوله في
ملك المعتِقِ، ثم يَعِق عليه بعد ذلك، والقائلون بالسراية متّفقون على أنه يَعتِق
كله على ملك المعتِقِ، والولاء له، دون الشريك. واختلفوا، هل يسري العتق
عقب إعتاقه، أو لا يَعتق حتى يؤدّي الثمن؟ على قولين للشافعيّ، وهما في
مذهب أحمد، قال شيخنا - يعني: ابن تيميّة -: والصحيح أنه لا يَعتق إلا
بالأداء.
وعلى هذا ينبني ما إذا أعتق الشريك نصيبه بعد عتق الأول، وقبل وزن
القيمة، فعلى الأول لا يعتق عليه، وعلى الثاني يعتق عليه، ويكون الولاء
بینھما .
وعلى هذا أيضاً ينبني ما إذا قال أحدهما: إذا أعتقت نصيبك، فنصيبي
حرّ، فعلى القول الأول لا يصحّ هذا التعليق، ويَعتق كله في مال المعتِقِ،
وعلى القول الثاني يصحّ التعليق، ويَعتق نصيب الشريك من ماله.
فظهر بهذا أن استدلالكم بالعتق استدلالٌ باطلٌ، بل إنما يكون إتلافاً إذا
قتله، فلو ثبت لكم بالنصّ أنه ضمّن قاتل العبد بالقيمة دون المثل، كان حجةً،
وأنَّى لكم بذلك؟.
قالوا: وأيضاً فالفرق واضحٌ بين أن يكون الْمُتْلَفُ عيناً كاملةً، أو بعضَ
عين، فلو سلّمنا أن التضمين كان تضمين إتلافٍ لم يجب مثله في العين
الكاملة، والفرق بينهما أن حقّ الشريك في العين التي لا يمكن قسمتها في
نصف القيمة مثلاً، أو ثلثها، فالواجب له من القيمة بنسبة مُلكه، ولهذا يُجبر
شريكه على البيع إذا طلبه ليتوصّل إلى حقّه من القيمة، والنبيّ وَّ راعى ذلك،
وقوّم عليه العبد قيمةً كاملةً، ثم أعطاه حقّه من القيمة، ولم يقوّم عليه الشقص
وحده، فيعطيه قيمته، فدلّ على أن حقّ الشريك في نصف قيمته، فإذا كان
كذلك، فلو ضمّنًا المعتق نصيب الشريك بمثله من عبد آخر لم نُجبره على البيع
إذا طلبه شريكه؛ لأنه إذا لم يكن له حقّ في القيمة، بل حقّه في نفس العين،
فحقّه باقٍ منها .
قالوا: فظهر أنه ليس معكم أصلٌ تقيسون عليه، لا من كتاب، ولا سنّة،
ولا إجماع. وقد ثبت في ((الصحيح)): أن النبيّ وَّ﴿ اقترض بَكْراً، وقضى خيراً
٢٢٩
(١٢) - بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّدَاوِي بِاللَّدُودِ - حديث رقم (٥٧٤٩)
منه، واحتجّ به من يُجوّز قرض الحيوان، مع أن الواجب في القرض ردّ المثل،
وهذا يدلّ على أن الحيوان مثليّ.
ومن العجب أن يقال: إذا اقترض حيواناً ردّ قيمته، ويقال: ذلك على
الإتلاف، والغصب، فيُترك موجَب النصّ الصحيح؛ لقياس لم يثبت أصله
بنصّ، ولا إجماع، ونصوص أحمد: أن الحيوان في القرض يُضمن بمثله.
وقال بعض أصحابه: بل بالقيمة؛ طرداً للقياس على الغصب. واختلف أصحابه
في موجّب الضمان في الغصب، والإتلاف على ثلاثة أوجه:
[أحدها]: أن الواجب القيمة في غير المكيل والموزون.
[والثاني]: الواجب المثل في الجميع.
[والثالث]: الواجب المثل في غير الحيوان، ونصّ عليه أحمد في
الثوب، والقصعة، ونحوهما، ونصّ عليه الشافعيّ في الجدار المهدوم ظلماً
يُعاد مثله، وأقْوَلُ الناس بالقيمة أبو حنيفة، ومع هذا فعنده إذا أتلف ثوباً ثبت
في ذمّته مثله، لا قيمته، ولهذا يجوز الصلح عنه بأكثر من قيمته، ولو كان
الثابت في الذّمّة القيمة لَمَا جاز الصلح عنها بأكثر منها .
فظهر أن من لم يعتبر المِثل، فلا بدّ من تناقضه، أو مناقضته للنّصّ
الصريح، وهذا ما لا مَخْلَص منه.
وأصل هذا كلّه هو الحكومة التي حكم فيها داود وسليمان وَّالِ،
وقصّها الله تعالى علينا في كتابه، وكانت في الحرث، وهو البستان، وقيل:
إنها كانت أشجار عنب، فنفشت فيها الغنم - والنفش إنما يكون ليلاً - فقضى
داودعلّ لأصحاب البستان بالغنم؛ لأنه اعتبر قيمة ما أفسدته، فوجده يساوي
الغنم، فأعطاهم إياها، وأما سليمان عليالا فقضى على أصحاب الغنم بالمثل،
وهو أن يعمّروا البستان كما كان، ثم رأى أن مغلّه إلى حين عَوْده يفوت
عليهم، ورأى أن مغلّ الغنم يساويه، فأعطاهم الغنم يستغلّونها حتى يعود
بستانهم كما كان، فإذا عاد ردّوا إليهم غنمهم.
فاختلف العلماء في مثل هذه القضيّة على أربعة أقوال:
[أحدها]: القول بالحكم السليمانيّ في أصل الضمان، وكيفيّته، وهو
أصحّ الأقوال، وأشدّها مطابقة لأصول الشرع، والقياس، كما قد بيّنّا ذلك في
٢٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
كتاب مفرد في الاجتهاد، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد، نصّ عليه في
غير موضع، ويُذكر وجهاً في مذهب مالك، والشافعيّ.
[والثاني]: موافقته في النفش، دون المثل، وهذا هو المشهور من مذهب
الشافعيّ، ومالك، وأحمد.
[والثالث]: عكسه، وهو موافقته في المثل، دون النفش، وهو قول داود،
وغيره، فإنهم يقولون: إذا أتلف البستان بتفريطه ضمنه بمثله، وأما إذا انفلتت
الغنم ليلاً لم يَضْمَن صاحبها ما أتلفته.
[والرابع]: أن النفش لا يوجب الضمان، ولو أوجبه لم يكن بالمثل، بل
بالقيمة، فلم يوافقه لا في النفش، ولا في المثل، وهو مذهب أبي حنيفة،
وهذا من اجتهادهم في القياس، والعدل هو الذي أوجبه الله.
فكلّ طائفة رأت العدل هو قولَها، وإن كانت النصوص، والقياس،
وأصول الشرع تشهد بحكم سليمان عليّا، كما أن الله نَ أثنى عليه به، وأخبر
أنه فهّمه إياه.
وذِكرُ مأخذ هذه الأقوال، وأدلّتها، وترجيح الراجح منها، له موضعٌ غير
هذا، أليق به من هذا .
والمقصود أن القياس، والنصّ يدلّان على أنه يُفْعَل به كما فَعَل، وقد
تقدّم أن النبيّ وَّهِ: رضّ رأس اليهوديّ، كما رضّ رأس الجارية، وأن ذلك لم
يكن لنقض العهد، ولا للحرابة؛ لأن الواجب في ذلك القتلُ بالسيف، وعن
أحمد في ذلك أربع روايات:
[إحداهنّ]: أنه لا يُستوفى القود إلا بالسيف في العنق، وهذا مذهب أبي
حنيفة.
[والثانية]: أنه يُفعَلُ به كما فَعَلَ، إذا لم يكن محرّماً لحقّ الله تعالى،
وهذا مذهب مالك، والشافعيّ.
[والثالثة]: إن كان الفعلُ، أو الجرح مُرهقاً فُعِل به نظيرُهُ، وإلا فلا.
[والرابعة]: إن كان الجرح، أو القطع موجباً للقود لو انفرد فُعِل به
نظيره، وإلا فلا. وعلى الأقوال كلّها إن لم يمت بذلك قُتل. وقد أباح الله
تعالى للمسلمين أن يَمِثُلُوا بالكفّار إذا مَثَلُوا بهم، وإن كانت المُثْلة منهيّاً عنها،
٢٣١
(١٢) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الَّدَاوِي بِاللَّدُودِ - حديث رقم (٥٧٤٩)
فقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بٌِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]،
وهذا دليلٌ على أن العقوبة بجدع الأنف، وقطع الأذن، وبَقْرِ البطن، ونحو
ذلك هي عقوبةٌ بالمثل، ليست بعُدوان، والمثلُ هو العدل.
وأما كون المثلة منهيّاً عنها؛ فلِمَا روى أحمد في ((مسنده)) من حديث
سمرة بن جندب، وعمران بن حصين ﴿ه، قالا: ((ما خطبنا رسول الله عَليه
خطبةً، إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة)).
[فإن قيل]: لو لم يمُت إذا فُعل به نظير ما فعل، فأنتم تقتلونه، وذلك
زيادة على ما فعل، فأين المماثلة؟.
[قيل]: هذا يُنتقض بالقتل بالسيف، فإنه لو ضربه في العنق، ولم يوجبه،
كان لنا أن نضربه ثانيةً، وثالثةً، حتى يوجبه اتفاقاً، وإن كان الأَولى إنما ضَرْبه
ضربة واحدة، واعتبار المماثلة له طريقان:
[إحداهما]: اعتبار الشيء بنظيره ومثله، وهو قياس العلّة الذي يُلحق فيه
الشيء بنظيره.
[والثاني]: قياس الدلالة الذي يكون الجمع فيه بين الأصل والفرع بدليل
العلّة، ولازمها، فإن انضاف إلى واحد من هذين عموم لفظيّ كان من أقوى
الأدلّة؛ لاجتماع العمومين: اللفظيّ، والمعنويّ، وتضافر الدليلين: السمعيّ،
والاعتباريّ.
فيكون موجَبُ الكتاب، والميزان، والقصاص في مسألتنا هو من هذا
الباب، كما تقدّم تقريره، وهذا واضحٌ، لا خفاء به، ولله الحمد، والمنّة.
انتهى كلام الإمام ابن القيّم تَذَفُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أعطى الإمام ابن القيّم تَّهُ هذه
المسألة حقّها من التحقيق، والاستقصاء في الاستدلال، فأجاد، وأفاد،
وأسهب، وأعاد، فجزاه الله تعالى خيراً.
وخلاصة البحث أن الصواب وجوب القصاص في الطعنة، واللطمة،
والجبذة، ونحوها؛ لعموم الأدلّة، والأحاديث الواردة في هذا الباب، وإن كان
(١) ((تهذيب السُّنن)) ١٧٥/١٢ - ١٨٠. من هامش ((عون المعبود)).
٢٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
فيها مقال، إلا أن عموم الأدلّة يشهد لها، فيصحّ الاستدلال بها، فتبصّر لذلك،
والله تعالى أعلم بالصواب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتْ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(١٣) - (بَابُ التَّدَاوِي بِالْعُودِ الْهِنْدِيِّ، وَهُوَ الْكُسْتُ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَخَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٥٠] (٢٢١٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي
شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَ
يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أُخْتِ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ،
قَالَتْ: دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعًا
بِمَاءٍ، فَرَشَّهُ(١)، قَالَتْ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ بِابْنٍ لِي، قَدْ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُذْرَةِ، فَقَالَ:
((عَلَامَهْ تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْعِلَاقِ؟ عَلَّيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةً
أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ، يُسْعَطُ مِنَ الْعُذْرَةِ، وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة :
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرقّة،
ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة ٢٣/٤.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكّي،
تقدّم قريباً.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (أُمّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصَنٍ) الأسديّة، يقال: اسمها آمنة، صحابيّة
مشهورة، لها أحاديث (ع) تقدمت في ((الطهارة)) ٦٧١/٣١.
(١) وفي نسخة: ((فرشّه عليه)).
٢٣٣
(١٣) - بَابُ التَّدَاوِي بِالْعُودِ الْهِنْدِيِّ، وَهُوَ الْكُسْتُ - حديث رقم (٥٧٥٠)
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّفُ، وله فيه خمسة من الشيوخ قَرَن بينهم؛
لاتحاد كيفيّة أَخْذه عنهم، حيث سمع من لفظهم مع جماعة، ولذا قال:
((حدّثنا))، ثم فصّل بينهم؛ لاختلاف كيفيّة أَخْذهم عن شيخهم، حيث أخذ
يحيى بقراءة غيره على سفيان، ولذا قال: أخبرنا، والباقون سمعوا من لفظه،
ولذا قالوا: حدّثنا سفيان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ) بكسر الميم، وسكون الحاء، وفتح الصاد
المهملتين، آخره نون، قيل: اسمها آمنة، وقد صرّح عبيد الله في الرواية التالية
بأن أم قيس أخبرته.
قال ابن عبد البرّ: اسم أمّ قيس جُذامة - يعني: بالجيم، والذال
المعجمة - وقال السهيليّ: اسمها آمنة، وليس لها في ((الصحيحين)) غير هذا
الحديث، وهو مشتمل على قصّتين: قصّة بول ابنها في حجر النبيّ وَّ، وقصّة
إعلاقها له من العذرة، فأما قصّة البول فتقدّمت في ((كتاب الطهارة))، وأعادها
هنا مع الثانية، ومات ابنها هذا في عهد النبيّ بَّر، وهو صغير، كما رواه
النسائيّ، قال الحافظ: ولم أقف على تسميته. انتهى(١).
(أُخْتِ عُكَّاشَةَ) بجرّ ((أخت)) بدلاً عن ((أمّ قيس))، و((عكاشة)) - بتشديد
الكاف، وتخفيفها ـ ابْنِ مِحْصَنٍ بن حُرْثان - بضم المهملة، وسكون الراء،
بعدها مثلثة - ابن قيس بن مُرّة بن بُكير - بضم الموحدة - ابن غَنْم بن دودان بن
أسد بن خزيمة الأسديّ، حليف بني عبد شمس، من السابقين الأولين، وشهد
بدراً، وقع ذِكْره في ((الصحيحين)) في حديث ابن عباس في السبعين ألفاً الذين
يدخلون الجنة بغير حساب: ((فقال عكاشة: ادع الله أن يجعلني منهم، قال:
(١) ((الفتح)) ٥٥٧/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٢٣).
٢٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
أنت منهم، فقام آخر: فقال: سبقك بها عكاشة))، وقد ضُرِب بها المثل، يقال
للسابق في الأمر: ((سبقك بها عكاشة)).
قيل: استُشهد عكاشة في قتال أهل الردّة، قتله طليحة بن خويلد الذي
تنبأ، ثم عاد إلى الإسلام، أفاده في ((الإصابة))(١).
وفي الرواية التالية من طريق يونس بن يزيد أن ابن شهاب أخبره، قال:
أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن أم قيس بنت محصن،
وكانت من المهاجرات الأُوَل اللاتي بايعن رسول الله وَّر، وهي أخت
عكاشة بن مِحصن أحدٍ بني أسد بن خزيمة، قال: ((أخبرتني أنها أتت
رسول الله (183 بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام ... )) الحديث.
(قَالَتْ) أم قيس (دَخَلْتُ بِابْنِ لِي) تقدّم آنفاً أنه لا يُعرف اسمه، (عَلَى
رَسُولِ اللهِ وَّهِ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ) قالَ في ((الفتح)): المراد بالطعام ما عدا اللبن
الذي يرتضعه، والتمر الذي يُحَنّك به، والعسل الذي يُلْعَقه للمداواة، وغيرها،
فكأن المراد أنه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال، هذا مقتضى
كلام النوويّ في ((شرح مسلم))، و((شرح المهذب))، وأطلق في ((الروضة)) تبعاً
لأصلها أنه لم يَطْعَم، ولم يشرب غير اللبن، وقال في ((نكت التنبيه)): المراد:
أنه لم يأكل غير اللبن، وغير ما يُحَنّك به، وما أشبهه، وحَمَل الموفق الحمويّ
في ((شرح التنبيه)) قوله: ((لم يأكل)) على ظاهره، فقال: معناه: لم يستقلّ بجعل
الطعام في فيه، والأول أظهر، وبه جزم الموفق ابن قُدامة، وغيره، وقال ابن
التين: يَحْتَمِل أنها أرادت أنه لم يتقوَّت بالطعام، ولم يستغن به عن الرضاع،
ويَحْتَمِل أنها إنما جاءت به عند ولادته؛ ليحنّكه وَّ، فيُحْمَل النفي على
(٢)
عمومه. انتهى
.
(فَبَالَ عَلَيْهِ)؛ أي: بال ذلك الصبيّ على النبيّ ◌َّـ، وفي الرواية التالية:
((بال في حِجر رسول الله وَّ)، وفي رواية للبخاريّ: ((فأجلسه رسول الله، وَله
في حِجره، فبال على ثوبه)). (فَدَعَا بِمَاءٍ)؛ أي: طلب النبيّ وَّهِ ماءً (فَرَشَّهُ)،
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٥٣٣/٤.
(٢) ((الفتح)) ٥٥٧/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٢٣).
٢٣٥
(١٣) - بَابُ التَّدَاوِي بِالْعُودِ الْهِنْدِيِّ، وَهُوَ الْكُسْتُ - حديث رقم (٥٧٥٠)
وفي بعض النُّسخ: ((فرشّه عليه)). (قَالَتْ) أم قيس (وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) وَِّ (بِابْنِ لِي)
هو ابن الذي بال في حجره وَله، وقولها: (قَدْ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ) قال النوويّ ◌َُّهُ:
هكذا هو في جميع نُسخ ((صحيح مسلم)): ((عليه))، ووقع في ((صحيح البخاريّ))
من رواية معمر وغيره: ((فأعلقت عليه))، كما هنا، ومن رواية سفيان بن عيينة:
((فأعلقت عنه)) بالنون، وهذا هو المعروف عند أهل اللغة، قال الخطابيّ:
المحدثون يروونه: ((أعلقت عليه))، والصواب: ((عنه))، وكذا قال غيره،
وحكاهما بعضهم لغتين: ((أعلقت عنه))، و((عليه))، ومعناه: عالجتُ وَجَعَ لَهاته
بإصبعي. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: كذا وقع هذا اللفظ في كتاب مسلم: ((أعلقت عليه))
بلا خلاف فيه، ووقع في البخاريّ باختلاف، ففي رواية معمر وغيره كما في
كتاب مسلم، وفي رواية سفيان بن عيينة: ((أعلقت عنه))، قال الخطابي: وهو
الصواب، وإلى ذلك أشار ابن الأعرابيّ. انتهى(٢).
(مِنَ الْعُذْرَةِ)؛ أي: من أجلها، قال في ((العمدة)): ((الْعُذْرة)) - بضم العين
المهملة، وسكون الذال المعجمة، وبالراء -: وَجَعَ الحلق، وهو الذي يُسَمَّى
سقوط اللَّهاة، بفتح اللام، وهي اللحمة التي تكون في أقصى الحلق. انتهى(٣).
وقال النوويّ كَّهُ: العذرة: وجع في الحلق، يَهِيج من الدم، يقال في
علاجها: عَذَرته، فهو معذور، وقيل: هي قُرْحة تخرج في الْخَرْم الذي بين
الحلق والأنف، تَعْرِض للصبيان غالباً عند طلوع الْعُذْرة، وهي خمسة كواكب،
تحت الشِّعْرَى الْعَبُور، وتسمى الْعَذَارى، وتطلع في وسط الحرّ، وعادة النساء
في معالجة الْعُذرة أن تأخذ المرأة خرقةً، فتفتلها فتلاً شديداً، وتدخلها في أنف
الصبيّ، فتطعُنُ ذلك الموضع، فينفجر منه دم أسود، وربما أقرحته، وذلك
الطعْنُ يسمى دَغْراً، يقال: عَذَرت المرأة الصبيّ: إذا غَمَزت حلقه من الْعُذرة،
أو فعلت به ذلك، وكانوا بعد ذلك يُعلّقون عليه عِلاقاً؛ كالْعُوذة، قاله في
((النهاية)»(٤).
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٠/١٤.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٥٠/٢١.
(٢) (المفهم)) ٦٠٢/٥.
(٤) ((النهاية في غريب الأثر)) ص ٦٠٠.
٢٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وقال القرطبيّ: ((العذرة)): وجع الحلق، فخافت أن يكون به ذلك،
فرفعت لَهاته بإصبعها، وقال الأصمعيّ: العذرة قريبٌ من اللهاة، وفي
((البارع)): العذرة: اللهاة، وقد تقدَّم أن اللَّهاة: اللحمة الحمراء التي في آخر
الفم، وأول الحلق، والنِّساء ترفعها بأصابعهن، فنهاهنَّ النبيّ وَّ عن ذلك؛ لِمَا
فيه من تعذيب الصبيّ، ولعل ذلك يزيد في وجع اللهاة. انتهى(١).
(فَقَالَ) وَّهِ: (عَلَمَهْ) قال النوويّ تَخْتُ: هكذا هو في جميع النُّسخ
((علامه))، وهي هاء السكت، ثبتت هنا في الدَّرج(٢). (تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ) قال
المجد تَّقُ: الدّغْر - بفتح الدال، وسكون الغين -: الدفع، وغَمْزُ الْحَلْق،
ورَفْع المرأة لَهاةَ الصبيّ بإصبعها، قال: والفعل كمنع. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ تَظْتُ: قوله وَط وى: «علام تدغرن أولادكنَّ بهذا العِلاق؟!))
تدغرن: الرواية الصحيحة فيه: بالدال المهملة، والغين المعجمة، لا يجوز
غيره، ومعناه هنا: رفع اللهاة، وأصله: الرفع، ومنه قول العرب: دَغْرَى، لا
صَفَّى، ودَغْراً لا صفّاً - منوناً، وغير منوَّن - يقولون هذا في الحرب؛ أي:
ادفعوا عليهم، ولا تصطفُّوا لهم. انتهى(٤).
وقال النوويّ: معنى ((تدغرن أولادكنّ)): أنها تَغْمِز حَلْق الولد بإصبَعها،
فترفع ذلك الموضع، وتكبسه. انتهى(٥).
وفي رواية البخاريّ: ((علام تدغرن))؛ أي: لأيّ شيء، و((تدغرن)) خطاب
للنسوة، وهو بِالْغَين المعجمة، والدال المهملة، والدَّعْر: غَمْزُ الحلق، قاله في
((الفتح)).
وقال في ((العمدة)): الدغر: غمز الحلق بالإصبع، وذلك أن الصبي تأخذه
العُذْرة، وهي وجع يَهِيج في الحلق من الدم، فتُدخل المرأة إصبعها، فتدفع بها
ذلك الموضع، وتكبسه، وأصل الدغر: الدفع. انتهى. قال القاري: والمعنى:
على أيّ شيء تعالجن أولادكنّ، وتَغْمِزن حلوقهم. انتهى(٦).
(١) ((المفهم)) ٦٠٢/٥ - ٦٠٣.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٤٣٤ - ٤٣٥.
(٥) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٢٠٠.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٢٠١.
(٤) ((المفهم)) ٦٠٣/٥.
(٦) ((عون المعبود)) ٢٥٨/١٠.
٢٣٧
(١٣) - بَابُ الَّدَاوِي بِالْعُودِ الْهِنْدِيِّ، وَهُوَ الْكُسْتُ - حديث رقم (٥٧٥٠)
(بِهَذَا الْعِلَاقِ؟)؛ أي: بهذا العصر، والغمز، قال الطيبيّ: وتوجيهه أن
في الكلام معنى الإنكار؛ أي: على أيّ شيء تعالجن هذا الداء بهذه الداهية،
والمداواة الشنيعة(١).
وقال في ((العمدة)): ((العلاق)) - بكسر العين، وفتحها - ويروى: ((بهذا
الإعلاق))، مصدراً، ومعناه: إزالة العُلُوق، وهي الداهية، والآفة (٢).
وقال القرطبيّ تَخْذُهُ: ((العلاق)): الرواية فيه بكسر العين، ووقع في بعض
النسخ: ((الإعلاق))، وهو الصواب قياساً؛ لأنَّه مصدر: أعلقت، وهو المعروف
لغة، ومقصود هذا الاستفهام الإنكار على النساء في فِعْل ذلك بأولادهنّ.
(٣)
انتهى(٣).
وقال النوويّ كَّلُهُ: ((العَلاق)) - بفتح العين المهملة - وفي الرواية
الأخرى: ((الإعلاق))، وهو الأشهر عند أهل اللغة، حتى زعم بعضهم أنه
الصواب، وأن العَلاق لا يجوز، قالوا: والعلاق مصدر أعلقت عنه، ومعناه:
أزلت عنه العُلُوق، وهي الآفة، والداهية، والإعلاق: هو معالجة عُذرة الصبيّ،
وهي وَجَعُ حلقه، كما سبق، قال ابن الأثير: ويجوز أن يكون العلاق، هو
الاسم منه. انتهى.
(عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ)؛ أي: بل الْزَمْنَ في هذا الزمان باستعمال
العُود الهنديّ في عُذرة أولادكنّ، والإشارة بهذا إلى الجنس المستحضر في
الذهن، والعود الهنديّ يقال له: القُسْط، والْكُسْت، لغتان مشهورتان.
وقال العينيّ: القسط نوعان: هنديّ، وهو أسود، وبحريّ، وهو أبيض،
والهنديّ أشدّهما حرارة. انتهى (٤).
· مرفوعاً: ((أيّما
وأخرج أحمد، وأصحاب ((السنن)) من حديث جابر .
امرأة أصاب ولدها عُذْرة، أو وجع في رأسه، فلتأخذ قسطاً هنديّاً، فتحكّه
بماء، ثم تسعطه إياه))، وفي حديث أنس به عند البخاريّ: ((إن أمثل ما
(١) (الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٢٩٥٨/٩.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٤٩/٢١.
(٤) ((عون المعبود)) ٢٥٨/١٠.
(٣) ((المفهم)) ٦٠٣/٥.
٢٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
تداويتم به الحجامة، والقسط البحريّ))، قال في ((الفتح)): وهو محمول على أنه
وصف لكلِّ ما يلائمه، فحيث وصف الهنديّ كان لاحتياج في المعالجة إلى
دواء شديد الحرارة، وحيث وصف البحريّ كان دون ذلك في الحرارة؛ لأن
الهندي كما تقدم أشدّ حرارة من البحريّ، وقال ابن سينا: القسط حارّ في
الثالثة، يابس في الثانية. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخْذَثُ: قوله: ((عليكنّ بهذا العود الهنديّ)) هذه إحالة منه وَلّ
لهنّ على استعمال العود الهنديّ الطيب الرائحة في مرض الحلق المسمَّى
بالعذرة، ثم بيَّن لهم كيفية العلاج به بقوله: ((يسعط من العذرة))؛ أي: يُدَقُّ
ناعماً، ويُسعط في الأنف، وهذا يفيد أنَّه يُستعمل وحده، ولا يضاف إلى
غيره، ثمَّ زاد، فقال: ((ويلدُّ من ذات الجنب))، ويعني به: الوجع الذي يكون
في الجنب؛ المسمَّى: بالشَّوصة، وقال الترمذيّ: يعني به: السِّلَّ، وفيه بُعدٌ،
والأول أعرف، وهل يلدّ به منفرداً مدقوقاً، أو مع غيره؟ يُسأل عن الأنفع من
ذلك أهل الْخِبْرة من المسلمين، ممن جرَّب ذلك، أو تُبَاشَرُ تجربته؛ إذ لا بدَّ
من نفعه في ذلك المرض؛ لأنَّ رسول الله وَّ لا يقول إلا حقّاً. انتهى(٢).
(فَإِنَّ فِيهِ)؛ أي: في هذا العود (سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ) بفتح الهمزة: جَمْع شفاء،
(مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ)؛ أي: من تلك الأشفية: شفاءُ ذات الجنب، أو التقدير:
فيه سبعة أشفية من سبعة أدواء، منها ذات الجنب، وخصّه بالذُكر؛ لأنه أصعب
الأدواء، وقلّما يَسْلَم منه من ابتُلي به، قاله الطيبيّ ◌َُّ(٣).
قال في ((العمدة)): ذكر وهو سبعة أشفية في القسط، فسمى منها اثنين،
ووكل باقيها إلى طلب المعرفة، أو الشهرة فيها. انتهى.
وقوله: (يُسْعَطُ) كلام مستأنف لبيان كيفيّة التداوي في الداءين
المذكورين، وهو بصيغة المجهول، مُخَفّفاً، ورُوي مشدّداً، وهو مأخوذ من
السَّعُوط، وهو ما يُصَبّ في الأنف، وكيفية التداوي به أن يُدَقّ العُود ناعماً،
(١) ((الفتح)) ٧٩/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٩٢).
(٢) ((المفهم)) ٦٠٣/٥.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٢٩٥٨/٩.
٢٣٩
(١٣) - بَابُ التَّدَاوِي بِالْعُودِ الْهِنْدِيِّ، وَهُوَ الْكُسْتُ - حديث رقم (٥٧٥٠)
ويُدْخَل في الأنف، وقيل: يُبَلّ، ويقطر فيه، قاله القاري (١). (مِنَ الْعُذْرَةِ) تقدّم
معناها آنفاً، (وَيُلَدُّ) بصيغة المجهول أيضاً، وتشديد الدال المهملة، من لَّدَّ
الرجلَ: إذا صَبّ الدواء في أحد شِقّي الفم. (مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ)؛ أي: من
أجلها، وسكت ﴿ عن الخمسة منها؛ لعدم الاحتياج إلى تفصيلها في ذلك
الوقت، فاقتصر على المهم، والمناسب للمقام.
و ((ذات الجنب)): هو وَرَمٌ حارّ يَعْرِض في الغشاء المستبطن للأضلاع،
وقد يُظْلَق على ما يَعْرِض في نواحي الجنب، من رياح غليظة، تحتقن بين
الصفاقات، والعَضَل التي في الصدر، والأضلاع، فتحدث وجعاً، فالأول هو
ذات الجنب الحقيقيّ الذي تكلم عليه الأطباء، قالوا: ويَحْدُث بسببه خمسة
أعراض: الحمى، والسعال، والنخس، وضيق النفس، والنبض المنشاريّ،
ويقال لذات الجنب أيضاً: وجع الخاصرة، وهي من الأمراض المخوفة؛ لأنها
تَحدث بين القلب والكبد، وهي من سيئ الأسقام، ولهذا قال وَعليه: ((ما كان الله
ليسلّطها عليّ)).
والمراد بذات الجنب في هذا الحديث هو الثاني؛ لأن القسط، وهو
العود الهنديّ هو الذي تداوى به الريح الغليظة، قال المسبحيّ: العود حارّ،
يابس، قابض، يَحبس البطن، ويقوي الأعضاء الباطنة، ويطرد الريح، ويفتح
السدد، ويُذهب فضل الرطوبة، قال: ويجوز أن ينفع القسط من ذات الجنب
الحقيقيّ أيضاً، إذا كانت ناشئة عن مادة بلغمية، ولا سيما في وقت انحطاط
العلة، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال في ((الفتح)) أيضاً: قوله: ((يسعط به من العُذرة، ويُلدّ به من ذات
الجنب)) كذا وقع الاقتصار في الحديث من السبعة على اثنين، فإما أن يكون
ذَكَر السبعة، فاختصره الراوي، أو اقتصر على الاثنين؛ لوجودهما حينئذ دون
غيرهما، وهذا أقوى الاحتمالين، وقد ذكر الأطباء من منافع القسط أنه يُدِرّ
الطمث، والبول، ويقتل ديدان الأمعاء، ويدفع السم، وحمى الربع، والورد،
(١) ((عون المعبود)) ٢٥٨/١٠.
(٢) ((الفتح)) ٧٩/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٩٢).
٢٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
ويُسَخِّن المعدة، ويحرك شهوة الجماع، ويُذهِب الكَلَف ◌ِلاءً، فذكروا أكثر من
سبعة، وأجاب بعض الشراح بأن السبعة عُلمت بالوحي، وما زاد عليها
بالتجربة، فاقتصر على ما هو بالوحي؛ لتحققه، وقيل: ذكر ما يُحتاج إليه دون
غيره؛ لأنه لم يُبعث بتفاصيل ذلك.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن تكون السبعة أصول صفة التداوي بها؛ لأنها
إما ◌ِلاءٌ، أو شربٌ، أو تكميد، أو تنطيل، أو تبخير، أو سعوط، أو لدود،
فالطلاء يدخل في المراهم، ويحلى بالزيت، ويلطخ، وكذا التكميد، والشرب،
يُسحَق، ويُجعل في عسل، أو ماء، أو غيرهما، وكذا التنطيل، والسَّعوط،
يسحق في زيت، ويقطر في الأنف، وكذا الدهن، والتبخير واضح، وتحت كل
واحدة من السبعة منافع الأدواء مختلفة، ولا يُستغرب ذلك ممن أوتي جوامع
الكلم.
قال: وقد استُشْكل معالجتها العذرة بالقسط، مع كونه حارّاً، والعذرة
إنما تَعْرِض في زمن الحرّ بالصبيان، وأمزجتهم حارّة، ولا سيما وقُظْر الحجاز
حارّ.
وأجيب بأن مادة العذرة دم يغلب عليه البلغم، وفي القسط تخفيف
للرطوبة، وقد يكون نفعه في هذا الدواء بالخاصية، وأيضاً فالأدوية الحارّة قد
تنفع في الأمراض الحارّة بالعرض كثيراً، بل وبالذات أيضاً، وقد ذكر ابن سينا
في معالجة سعوط اللهاة القسط، مع الشَّبّ اليمانيّ، وغيره، على أننا لو لم
نجد شيئاً من التوجيهات لكان أمر المعجزة خارجاً عن القواعد الطبية.
(١)
انتھی(١).
وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((فإنَّ فيه سبعة أشفية)): بَيَّن منها في الحديث
اثنين، وسكت عن الخمسة، وقد ذكر الأطباء في كتبهم أن فيه من الأشفية أكثر
مما في هذا الحديث، قال أبو عبد الله المازريّ: رأيت في كتبهم - يعني:
الأطباء - أنه يُدِرّ البولَ، والطَّمْثَ، وينفع من السُّموم، ويحرك شهوة الجماع،
ويقتل الدود، وحبَّ القرع في الأمعاء، إذا شُرِب بالعسل، ويذهب بالكَلَف،
(١) ((الفتح)) ٧٩/١٣ - ٨٠، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٩٢).