النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ،وَِّ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِخْبَابِ النَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٢٩)
(١١) - (بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٢٩] (٢٢٠٤) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ
عِيسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - عَنْ عَبْدِ
رَبِِّ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((لِكُلِّ دَاءٍ
دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ، بَرَأَ بِإِذْنِ اللّهِ رَ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٠/٦٣.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التستريّ، صدوق
تكلموا فيه بلا حجة [١٠] (ت٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
والباقون ذُكروا قبل باب، وقيل: أربعة أبواب، و((عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ)) هو:
الأنصاريّ المدنيّ، أخو يحيى بن سعيد.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف كَُّ، وله فيه ثلاث من الشيوخ قرن
بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل، وصيغة الأداء، وأن نصفه الأول مصريّون،
والثاني مدنيّون، غير أبي الزبير، فمكيّ، وفيه جابر
السبعة .
من المكثرين
ضْعِبَّة
شرح الحديث:
(عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ أَنَّهُ قَالَ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ) مبتدأ
(عَنْ جَابِرٍ)
وخبره، قال في ((المشارق)): الداء ممدوداً: العيب، والمرض، وقوله: ((لكل
داء دواء)» ممدودان، ويقال: دواء بفتح الدال، وكسرها، صحيحان.

١٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
انتهى (١)، وقال المناويّ تَخُّْ: ((لكل داء)) بفتح الدال ممدودةً، وقد تُقصر،
(دواء)) يعني شيء مخلوقٌ مُقَدّرٌ له. انتهى(٢) .
وقال النوويّ كَُّ: الدواء بفتح الدال، ممدودٌ، وحَكَى جماعات - منهم
الجوهريّ - فيه لغةً بكسر الدال، قال القاضي: هي لغة الكلابيين، وهو شاذّ.
(٣) .
وقال في ((القاموس))، و((شرحه)»: الدواء مثلثةً، والفتح هو المشهور فيه،
وقال الجوهريّ: الكسر لغة فيه، وهذا البيت يُنشَد على هذه اللغة [من الطويل]:
عَلَيَّ إِذَنْ مَشْيٌّ إِلَى الْبَيْتِ وَاحِبُ
يَقُولُونَ مَخْمُورٌ وَهَذَا دِوَاؤُهُ.
أي قالوا: إن الْجَلْد، والتعزير دواؤه، قال: وعليّ حجة ماشياً، إن كنت
شربتها، ويقال: الدِّواءُ بالكسر، إنما هو مصدر داويته مُداواةً، ودِوَاءً. انتهى.
والدُّواء بالضم عن الْهَجَرِيّ، وهو اسم ما داويت به. انتهى (٤).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: قوله: (لكل داء دواء)): الدَّاء: بفتح الدَّال لا غير،
والدَّواء تُفتح داله، وتكسر، والفتح أفصح، وهذه الكلمة صادقة العموم؛ لأنها
خبر من الصادق البشير، عن الخالق القدير: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ
الْخَيْرُ
[الملك: ١٤]، فالدَّاء، والدَّواء خَلْقه، والشِّفاء والهلاك فِعْله، ورَبْط
(١٤)
الأسباب بالمسبَّبات حِكمته، وحُكمه، على ما سبق به علمه، فكل ذلك بقدر،
لا مَعْدِل عنه، ولا وزر، وما أحسن قول النبيّ وَّ، فيما خرَّجه الترمذيّ، عن
أبي خزامة بن يعمر، قال: سألت رسول الله وَله، فقلت: يا رسول الله! أرأيت
رُقَّى نسترقيها، ودواء نتداوى به؛ هل تردُّ من قدر الله شيئاً؟ قال: ((هي من
قدر الله))(٥)، قال: هذا حديث حسن صحيح، وكفى بهذا بياناً، لكن للبصراء،
لا للعميان. انتهى (٦).
(١) ((مشارق الأنوار)) ٢٦٣/١.
(٢) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ تظلفه ٢٨٣/٥.
(٤) (تاج العروس)) ٨٣٨٨/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٩١.
(٥) رواه الترمذيّ (٢٠٦٥ و٢١٤٨) وقال: حديث حسن صحيح، وحسّنه الشيخ الألبانيّ.
(٦) ((المفهم)) ٥٩٢/٥.

١٤٣
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ نَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاء))، وَاسْتِخْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٢٩)
(فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ) بإضافة ((دواء)) إلى الداء، وهي بمعنى اللام،
(بَرَأَ) تقدّم أنه من باب ضرب، وتعب، وكرُم، بمعنى تعافى، وحصل له الشفاء
(بِإِذْنِ اللهِ رَتْ))) قال القرطبيّ كَّتُهُ: معناه: أن الله تعالى إذا شاء الشِّفاء يسَّر
دواء ذلك الدَّاء، ونبّه عليه مستعمله، فيستعمله على وجهه، وفي وقته، فيُشْفَى
ذلك المرض، وإذا أراد إهلاك صاحب المرض، أذهل عن دوائه، أو حجبه
بمانع يمنعه، فهلك صاحبه، وكلُّ ذلك بمشيئته، وحُكمه، كما سبق في علمه،
ولقد أحسن من الشعراء من قال في شرح الحال:
وَالنَّاسُ يَلْحَوْنَ الطَّبِيبَ(١) وَإِنَّمَا غَلَطُ الطَّبِيبِ إِصَابَةُ الْمَقْدُورِ
وقد خرَّج أبو داود هذا الحديث، وحديث أسامة بن شريك، وقال فيه:
إِنَّهِ وَه قال: ((يا عباد الله! تداووا، فإنَّ الله لم يضع داءً إلا وضع له شِفَاءً، غير
داءٍ واحد: الهرم)) (٢)، فاستثنى الهرم من جملة الأدواء، وإن لم يكن داء
بنفسه، لكن تلازمه الأدواء، وهو مُفْضٍ بصاحبه إلى الهلاك، وهذا نحو من
قوله في الحديث الآخر: ((كفى بالسَّلَامة داء))(٣)؛ أي: مصير السلامة إلى
الدَّاء، وكما قال حميد بن ثور [من الطويل]:
أَرَى بَصَرِي قد رابَنِي بَعْد صِحَّةٍ
وَحَسْبُكَ داءً أَنْ تَصِحَّ وتَسْلِمَا (٤)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر
◌ُه هذا من أفراد المصنّف وَّلُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٢٩/١١] (٢٢٠٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
(٣٦٩/٤)، و(أحمد) في («مسنده)) ٣٣٥/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦٠٦٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣٢٣/٤)، و(أبو يعلى) في
(١) أي: يشتمونه، ويسبّونه.
(٢) حدیث صحیح، رواه أبو داود (٣٨٥٥).
(٣) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) رقم (٨٦١) وضعّفه الشيخ الألبانيّ.
(٤) ((المفهم)) ٥٩٣/٥.

١٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
(مسنده)) (٣٢/٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٠١/٤)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٩/ ٣٤٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان إباحة التعالج؛ لأن رسول الله وَلقه لم يُنكر ذلك عليهم.
٢ - (ومنها): بيان جواز إتيان المتطبب إلى صاحب العلة.
٣ - (ومنها): بيان أن الله رَمَك هو الممرض والشافي، وأنه لا يكون في
ملكه إلا ما شاء، وأنه أنزل الداء والدواء، وقدّره، وقضى به، وكذلك ثبت عن
النبيّ وَّ أنه كان يَرْقِي، ويقول: ((اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك،
اشف شفاءً لا يغادر سَقَماً))، وهذا يصحح لك أن المعالجة إنما هي لتطيب
نفس العليل، ويأنس بالعلاج، ورجاء أن يكون من أسباب الشفا، كالتسبب
لطلب الرزق الذي قد فُرِغ منه.
٤ - (ومنها): ما قال ابن عبد البرّ كَّلُهُ: في قوله وَله: ((أنزل الدواء
الذي أنزل الأدواء)» دليل على أن البرء ليس في وسع مخلوق أن يعجّله قبل أن
ينزل، ويقدّر وقته، وحينه، وقد رأينا المنتسبين إلى علم الطبّ يعالج أحدهم
رجلين، وهو يزعم أن علتهما واحدة، في زمن واحد، وسنّ واحد، وبلد
واحد، وربما كانا أخوين توأمين، غذاؤهما واحد، فعالجهما بعلاج واحد،
فيُفيق أحدهما، ويموت الآخر، أو تطول علته، ثم يفيق عند الأمد المقدور له.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): قال النوويّ كَّلُ: في هذا الحديث إشارة إلى
استحباب الدواء، وهو مذهب أصحابنا، وجمهور السلف، وعامة الخلف، قال
القاضي: في هذه الأحاديث جُمَلٌ من علوم الدين والدنيا، وصحة علم الطبّ،
وجواز التطبيب في الجملة، واستحبابه بالأمور المذكورة في هذه الأحاديث
التي ذكرها مسلم، وفيها ردّ على من أنكر التداوي من غُلاة الصوفيّة، وقال:
كل شيء بقضاء وقدر، فلا حاجة إلى التداوي، وحجة العلماء هذه الأحاديث،
ويعتقدون أن الله تعالى هو الفاعل، وأن التداوي هو أيضاً مِن قَدَر الله، وهذا
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٦٤/٥.

١٤٥
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ نَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ)، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٢٩)
كالأمر بالدعاء، وكالأمر بقتال الكفار، وبالتحصن، ومجانبة الإلقاء باليد إلى
التهلكة، مع أن الأجل لا يتغير، والمقادير لا تتأخر، ولا تتقدم عن أوقاتها،
ولا بدّ من وقوع المقدرات، والله أعلم.
قال الإمام أبو عبد الله المازريّ: ذكر مسلم هذه الأحاديث الكثيرة في
الطب والعلاج، وقد اعتَرَضَ في بعضها من في قلبه مرض، فقال: الأطباء
مجمعون على أن العسل مُسْهِل، فكيف يوصف لمن به الإسهال؟ ومجمعون
أيضاً أن استعمال المحموم الماء البارد مخاطرة، قريب من الهلاك؛ لأنه يجمع
المسامّ، ويحقن البخار، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون سبباً
للتلف، وينكرون أيضاً مداواة ذات الجنب بالقُسْط، مع ما فيه من الحرارة
الشديدة، ويرون ذلك خطراً.
قال المازريّ: وهذا الذي قاله هذا المعترض جهالة بينة، وهو فيها كما
قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩].
ونحن نشرح الأحاديث المذكورة في هذا الموضع، فنقول: قوله وعليه :
((لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله))، فهذا فيه بيانٌ واضحٌ
لأنه قد عُلِم أن الأطباء يقولون: المرض هو خروج الجسم عن المجرى
الطبيعيّ، والمداواة ردّه إليه، وحفظ الصحة بقاؤه عليه، فحِفْظها يكون بإصلاح
الأغذية، وغيرها، وردّه يكون بالموافق من الأدوية المضادّة للمرض، وبقراط
يقول: الأشياء تداوى بأضدادها، ولكن قد يَدِقّ، ويغمض حقيقة المرض،
وحقيقة طبع الدواء، فيقلّ الثقة بالمضادّة، ومن ها هنا يقع الخطأ من الطبيب
فقط، فقد يظنّ العلة عن مادّة حارّة، فيكون عن غير مادّة، أو عن مادة باردة،
أو عن مادة حارة دون الحرارة التي ظنها، فلا يحصل الشفاء، فكأنه و # نبّه
بآخر كلامه على ما قد يعارض به أوله، فيقال: قلتَ: ((لكل داء دواءٌ))، ونحن
نجد كثيرين من المرضى يداوون، فلا يبرءون، فقال: إنما ذلك لِفَقْد العلم
بحقيقة المداواة، لا لفقد الدواء، وهذا واضح، والله أعلم. انتهى(١).
وقال ابن عبد البرّ تَخْتُ: واختَلَف العلماء في هذا الباب، فذهبت منهم
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩١/١٤ - ١٩٢.

١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
طائفة إلى كراهية الرُّقَى والمعالجة، قالوا: الواجب على المؤمن أن يترك ذلك؛
اعتصاماً بالله تعالى، وتوكلاً عليه، وثقةً به، وانقطاعاً إليه، وعلماً بأن الرقية لا
تنفعه، وأن تركها لا يضرّه؛ إذ قد علم الله أيام المرض، وأيام الصحة، فلا
تزيد هذه بالرُّقَى، والعلاجات، ولا تنقص تلك بترك السعي والاحتيالات، لكل
صنف من ذلك زمنٌ، قد علمه الله، ووقت قد قدّره قبل أن يخلق الخلق، فلو
حَرَص الخلق على تقليل أيام المرض، وزمن الداء، أو على تكثير أيام
الصحة، ما قدروا على ذلك، قال الله رَّت: ﴿مَّ أَصَابَ مِن قُصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا
فِىّ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَبْرَهَاً﴾ [الحديد: ٢٢]، واحتجوا بحديث
ابن عباس ◌ّ مرفوعاً: ((عُرِضت عليّ الأمم))، فذكر حديث السبعين الذين
يدخلون الجنّة بغير حساب، وفيه: ((فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا
يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون)).
قال ابن عبد البرّ: فلهذه الفضيلة ذهب بعض أهل العلم إلى كراهية
الرُّقَى، والاكتواء.
والآثار بهذا كثيرة ثابتة عن النبيّ وَّ، وممن ذهب إلى هذا داود بن
عليّ، وجماعة من أهل الفقه والأثر.
وذهب آخرون من العلماء إلى إباحة الاسترقاء، والمعالجة، والتداوي،
وقالوا: إن من سُنَّة المسلمين التي يجب عليهم لزومها لروايتهم لها عن
نبيّهم ◌َِّ الفَزَعَ إلى الله عند الأمر، يَعْرِض لهم، وعند نزول البلاء بهم، في
التعوّذ بالله من كل شر، وإلى الاسترقاء، وقراءة القرآن، والذِّكر، والدعاء،
واحتجوا بالآثار المروية عن النبيّ ◌َّر في إباحة التداوي، والاسترقاء، منها
قوله: ((تداووا عبادَ الله، ولا تداووا بحرام، فإن الله لم يُنزل داء، إلا أنزل له
دواء))، وبقوله وَير: ((الشفاء في ثلاثة: في شَرْبة عسل، أو شُرْطة مِخْجَم، أو
كَيّة نار، وما أحب أن أَكْتَوِيَ))، وبحديث أبي هريرة ◌َظُه، عن النبيّ وَّ أنه
قال: ((إن كان في شيء مما تداووا به خير فالحجامة))، وبحديث سمرة ظ له أن
رسول الله ◌َّ قال: ((خير ما يُتداوى به الحجامة))، وبحديث ابن عباس ـ
((أن رسول الله وَّر احتجم، واسْتَعَطَ، وأعطى الحجام أجره))، ورُوي عنه أنه
قال: ((إن كان دواء يبلغ الداء، فالحجامة تبلغه))، وقال ◌َله: ((ما خلق الله داء،

١٤٧
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ))، وَاسْتِحْبَابِ النَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٢٩)
إلا خلق له دواء، إلا الموت، والهرَم))، وقال ◌َّهو: ((في الحبة السوداء شفاءٌ
من كل داء، إلا السام))؛ يعني: الموت، رواه ابن شهاب عن سعيد، عن أبي
هريرة ته، وقال: ((الكمأة من المنّ، وماؤها شفاء للعين))، ورَقَى رسول الله وَه
نفسه، ورَقَى أصحابه، وأمرهم بالرقية، وأباح الأكل بالرقية، وكان يُعَوِّذ
الحسن والحسين، ويسترقي لهما، وكذلك جاء عنه في ابني جعفر، وأمر
عامر بن ربيعة بالاغتسال لسهيل بن حُنيف من العين، وكان يقول: ((من قال
أعوذ بعزة الله وقدرته، كُشف عنه كذا، ومن قال: أعوذ بكلمات الله التامات
لم يضرّه شيء))، ونحو هذا من الحديث، وقال رسول الله ويله لأسماء بنت
عميس: ((بم كنت تستمشين؟)) قالت: بالشبرم؟ قال: ((حارّ جارّ))، قالت: ثم
استَمْشَيْتُ بالسَّنَا، فقال ◌ِّ: ((لو كان شيء يشفي من الموت كان السنا))،
وأجاز ◌َ ﴿ اللَّدُود، والسَّعُوط، والمَشْي، والحجامة، والعَلَق.
وقال إبراهيم النخعيّ: كانوا لا يرون بالاستشفاء بأساً، وإنما كرهوا منه
ما كرهوا مخافة أن يُضعفهم، وقال عطاء: لا بأس أن يَستشفي المجذوم، وغير
المجذوم، وقد سئل رسول الله وَل﴿، فقيل له: أرأيت أدوية نتداوى بها، ورُقّی
نسترقي بها، أتردّ من قدر الله؟ فقال: ((هي من قدر الله))، وذكر آثاراً كثيراً من
هذا النوع.
قال: واكتوى ابن عمر وغيره من السلف، فمن زعم أنه لا معنى للرقى،
والاستعاذة، ومنع من التداوي، والمعالجة، ونحو ذلك، مما يُلتمس به العافية
من الله، فقد خرج من عُرف المسلمين، وخالف طريقهم.
قالوا: ولو كان الأمر كما ذهب إليه من كَرِهِ التداوي والرقَى، ما قَطَع
الناس أيديهم، وأرجلهم، وغير ذلك من أعضائهم للعلاج، وما افتصدوا، ولا
احتجموا، وهذا عروة بن الزبير قد قطع ساقه.
قالوا: وقد يَحْتَمِل أن يكون قول النبي وَلا ير: ((لا يسترقون، ولا يكتوون))،
أن يكون قَصَدَ إلى نوع من الكيّ، مكروه منهيّ عنه، أو يكون قصد إلى الرُّقَى
بما ليس في كتاب الله، ولا مِن ذِكْره، وقد جاء عن أبي بكر الصديق كراهية
الرقية بغير كتاب الله، وعلى ذلك العلماء، وأباح لليهودية أن تَرْقِيَ عائشة
بكتاب الله.

١٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
قال ابن عبد البرّ: هذا كله قد نزع به، أو ببعضه من قصد إلى الردّ على
القول الأول، والذي أقول به: إنه قد كان من خيار هذه الأمة، وسلفها،
وعلمائها، قوم يصبرون على الأمراض، حتى يكشفها الله، ومعهم الأطباء، فلم
يعابوا بترك المعالجة، ولو كانت المعالجة سُنَّة من السنن الواجبة، لكان الذمّ
قد لَحِقَ مَن تَرَك الاسترقاء، والتداوي، وهذا لا نعلم أحداً قاله، ولكان أهل
البادية، والمواضع النائية عن الأطباء، قد دخل عليهم النقص في دينهم؛
لتركهم ذلك، وإنما التداوي - والله أعلم - مباح على ما قدمنا؛ لميل النفوس
إليه، وسكونها نحوه: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]، لا أنه سُنّة، ولا أنه
واجب، ولا أن العلم بذلك علم موثوق به، لا يخالف، بل هو خطر،
وتجربة، موقوفة على القدر، والله نسأله العصمة والتوفيق.
وعلى إباحة التداوي، والاسترقاء، جمهور العلماء، وقد رخصوا أن
يداوي الرجال عند الاضطرار النساءَ على سبيل السترة والاحتياط. انتهى كلام
ابن عبد البرّ كَّهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
(المسألة الخامسة): قال الإمام المحقّق ابن القيّم تَّتُهُ بعد أن أورد
حديث مسلم هذا، وذَكَر حديث ((الصحيحين)) عن عطاء، عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله وَّل: ((ما أنزل الله من داء، إلا أنزل له شفاء))، وفي
((مسند الإمام أحمد)) بإسناد صحيح: من حديث زياد بن عِلاقة، عن أسامة بن
شريك، قال: كنت عند النبيّ ◌َلّ، وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله!
أنتداوى؟ فقال: ((نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داءً، إلا وضع له
شفاءً، غير داء واحد))، قالوا: ما هو؟ قال: ((الهرم)).
وفي لفظ: ((إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، عَلِمه من عَلِمه، وجَهِله
من جهله)).
وفي ((المسند)) بإسناد صحيح: من حديث ابن مسعود ظُه يرفعه:
((إن الله رَك لم ينزل داء، إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من
جهله))، وفي ((المسند)) أيضاً و((السنن)): عن أبي خِزامة قال: قلت: يا
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٨٠/٥.

١٤٩
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: (لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ النَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٢٩)
رسول الله! أرأيت رُقَى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترُدّ من
قدر الله شيئا؟ فقال: ((هي من قدر الله))(١).
قال: فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال
قول من أنكرها، ويجوز أن يكون قوله: ((لكل داء دواء)) على عمومه، حتى
يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، ويكون الله رَات
قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طَوَى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه
سبيلاً؛ لأنه لا علم للخلق إلا ما علّمهم الله، ولهذا عَلَّق النبيّ وَّر الشفاء على
مصادفة الدواء للداء، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضدّ، وكل داء له ضدّ
من الدواء، يعالج بضدّه، فعلّق النبيّ وَّهور البرء بموافقة الداء للدواء، وهذا قدر
زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية، أو زاد
في الكمية على ما ينبغي، نَقَلَهُ إلى داء آخر، ومتى قصر عنها لم يف بمقاومته،
وكان العلاج قاصراً، ومتى لم يقع المداوي على الدواء، أو لم يقع الدواء
على الداء لم يحصل الشفاء، ومتى لم يكن الزمان صالِحاً لذلك الدواء لم
ينفع، ومتى كان البدن غير قابل له، أو القوّة عاجزة عن حمله، أو ثَمّ مانع
يمنع من تأثيره لم يحصل البرء؛ لعدم المصادفة، ومتى تمَّت المصادفة حصل
البرء بإذن الله تعالى، ولا بدّ، وهذا أحسن المَحْمَلَين في الحديث.
والثاني: أن يكون من العامّ المراد به الخاصّ، لا سيما والداخل في
اللفظ أضعاف أضعاف الخارج منه، وهذا يستعمل في كل لسان، ويكون
المراد: أن الله لم يضع داء يقبل الدواء إلا وضع له دواء، فلا يدخل في هذا
الأدواءُ التي لا تقبل الدواء، وهذا كقوله تعالى في الريح التي سلطها على قوم
عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]؛ أي: كل شيء يقبل التدمير،
ومن شأن الريح أن تدمّره، ونظائره كثيرة.
ومن تأمل خلق الأضداد في هذا العالم، ومقاومة بعضها لبعض، ودَفْع
بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، تبيَّن له كمال قدرة الرب تعالى،
(١) أخرجه أحمد، والترمذيّ، والحاكم، وابن ماجه، وفي سنده مجهول، وفي الباب
عن حكيم بن حزام عند الحاكم ١٩٩/٤، وصححه، ووافقه الذهبيّ.

١٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وحكمته، وإتقانه ما صنعه، وتفرده بالربوبية، والوحدانية، والقهر، وأن كل ما
سواه فله ما يضادّه، ويمانعه، كما أنه الغنيّ بذاته، وكل ما سواه محتاج بذاته.
وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا
ينافيه دفع داء الجوع، والعطش، والحرّ، والبرد، بأضدادها، بل لا تتم حقيقة
التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبَّياتها قدراً وشرعاً،
وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر، والحكمة، ويُضْعفه
من حيث يظنّ معطِّلها أن تركها أقوى في التوكل، فإنَّ تَرْكَها عجزاً ينافي
التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه،
ودنياه، ودَفْع ما يضرّه في دينه، ودنياه، ولا بدّ مع هذا الاعتمادٍ من مباشرة
الأسباب، وإلا كان معطّلاً للحكمة، والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً،
ولا توكله عجزاً .
وفيها رَدُّ على من أنكر التداوي، وقال: إن كان الشفاء قد قُدِّر فالتداوي
لا يفيد، وإن لم يكن قد قُدِّر فكذلك، وأيضاً فإن المرض حصل بقدر الله،
وقدر الله لا يُدفع، ولا يُرَدّ، وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على
فأعلمُ بالله، وحكمته، وصفاته، من
رسول الله وَل، وأما أفاضل الصحابة
أن يوردوا مثل هذا، وقد أجابهم النبيّ وَّ بما شفى، وكفى، فقال: هذه
الأدوية، والرُّقَى، والتُّقَى، هي من قدر الله، فما خرج شيء عن قدره، بل يُرَدُّ
قدره بقدره، وهذا الردّ من قدره فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما،
وهذا كردّ قَدَرِ الجوع، والعطش، والحرّ، والبرد، بأضدادها، وكرّ قدر العدوّ
بالجهاد، وكلٌّ من قدر الله: الدافع، والمدفوع، والدفع.
ويقال لمورد هذا السؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر سبباً من
الأسباب التي تَجْلُب(١) بها منفعة، أو تدفع بها مضرّة؛ لأن المنفعة، والمضرة،
إن قُدِّرتا لم يكن بُدّ من وقوعهما، وإن لم تُقَدَّرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما،
وفي ذلك خراب الدين والدنيا، وفساد العالم، وهذا لا يقوله إلا دافعٌ للحقّ،
معاند له، فيذكر القدر؛ ليدفع حجة المحقّ عليه، كالمشركين الذين قالوا: ﴿لَوَّ
(١) من بابي ضرب، وقتل.

١٥١
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَلِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِخْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٢٩)
شَآءَ اَللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، و﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن
دُونِهِ مِن شَىْءٍ نَحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا﴾ [النحل: ٣٥]، فهذا قالوه دفعاً لحجة الله عليهم
بالرسل.
وجواب هذا السائل أن يقال: بقي قسم ثالث لم تذكره، هو أن الله قدّر
كذا وكذا بهذا السبب، فإن أتيت بالسبب حصل المسبّب، وإلا فلا، فإن قال:
إن كان قُدِّر لي السبب فعلته، وإن لم يقدّره لي لم أتمكن من فعله، قيل: فهل
تقبل هذا الاحتجاج من عبدك، وولدك، وأجيرك، إذا احتَجّ به عليك فيما أمرته
به، ونهيته عنه، فخالفك؟ فإن قبلته فلا تَلُم من عصاك، وأخذ مالك، وقذف
عرضك، وضيَّع حقوقك، وإن لم تقبله فكيف يكون مقبولاً منك في دفع
حقوق الله عليك؟.
وقد رُوي في أثر إسرائيلي: أن إبراهيم الخليل لعلّلها قال: يا رب ممن
الداء؟ قال: مني، قال: فممن الدواء؟ قال: مني، قال: فما بال الطبيب؟
قال: رجل أُرسلُ الدواء على يديه.
وفي قوله ◌َّى: (لكل داء دواءٌ)) تقوية لنفس المريض، والطبيب، وحَثّ
على طلب ذلك الدواء، والتفتيش عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن
لدائه دواء يزيله تعلَّق قلبه بروح الرجاء، وبردت عنده حرارة اليأس، وانفتح له
باب الرجاء، ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سببها لقوة
الأرواح الحيوانية، والنفسانية، والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح قويت
القوى التي هي حاملة لها، فقهرت المرض، ودفعته.
وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء، أمكنه طلبه، والتفتيش عليه،
وأمراض الأبدان على وزان أمراض القلوب، وما جعل الله للقلب مرضاً إلا
جعل له شفاء بضدّه، فإن علمه صاحب الداء، واستعمله، وصادف داء قلبه
أبرأه بإذن الله تعالى. انتهى كلام ابن القيّم كَّهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ
أنيسٌ، والله تعالى أعلم.
(١) ((زاد المعاد)) ١٣/٤ - ١٧.

١٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وبالسند المتّصل إلى المؤلّفِ تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٣٠] (٢٢٠٥) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا
ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ، أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَادَ الْمُقَنَّعَ، ثُمَّ قَالَ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى تَحْتَجِمَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ فِيهِ شِفَاءً))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ) بن النعمان الأنصاري الأوسيّ، أبو عُمَر
المدنيّ، ثقةٌ عالم بالمغازي [٤] مات بعد (١٢٠) (ع) تقدم في ((المساجد
ومواضع الصلاة)) ٤/ ١١٩٤.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َقُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين،
والثاني بالمدنيين، وأنه مسلسلٌ أيضاً بالتحديث، والإخبار، وفيه رواية تابعيّ
عن تابعيّ، وفيه جابر ◌َظُه من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
عن بُكير بن الأشجّ (أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ) بن قتادة الأنصاريّ الأوسيّ، يكنى
أبا عُمَر، قال في ((الفتح)): ما له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخر تقدم في
((باب من بنى مسجداً)) في أوائل ((الصلاة))، وهو تابعيٍّ ثقةٌ عندهم، وأغرب
عبد الحقّ، فقال في ((الأحكام)): وثقه ابن معين، وأبو زرعة، وضعّفه غيرهما،
وردّ ذلك أبو الحسن ابن القطان على عبد الحقّ، فقال: لا أعرف أحداً ضعّفه،
ولا ذَكَره في الضعفاء. انتهى، قال الحافظ: وهو كما قال. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وما له في البخاريّ ... إلخ، وكذا ليس
له عند مسلم إلا الحديثان المذكوران عند البخاريّ فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(حَدَّثَهُ)؛ أي: حدّث بُكيراً (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ﴿ه (عَادَ الْمُقَنَّعَ)؛
(١) ((الفتح)) ٦٥/١٣ - ٦٦، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٨٣).

١٥٣
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَلِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِخْبَابِ النَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٠)
أي: زاره، وهو مريضٌ، - وهو بضمّ الميم، وفتح النون المشدّدة - هو ابن
سنان التابعيّ، قال الحافظ: لا أعرفه إلا في هذا الحديث. (ثُمَّ قَالَ) جابر
(لَا أَبْرَحُ)؛ أي: لا أخرُج من مكاني هذا (حَتَّى تَحْتَجِمَ)؛ أي: حتى تعمل
الحجامة على خُراجك، (فَإِنِّي) الفاء تعليليّة؛ أي: إنما أمرتك بالاحتجام؛
لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهَ يَقُولُ: ((إِنَّ فِيهِ شِفَاءً))) قال في ((العمدة)): الضمير
يرجع إلى الْحَجْم الذي يدلّ عليه قوله: ((حتى تحتجم)). انتهى(١).
وقال المناويّ: ((إن فيه شفاءً))؛ أي: من غالب الأمراض، لغالب
الناس، في قطر مخصوص، في زمن مخصوص، هكذا فافهم كلام الرسول،
ولا عليك من ضعفاء العقول، فإن هذا وأشباهه يخرج جواباً لسؤال معيَّن،
يكون الحجم له من أنفع الأدوية، ولا يلزم من ذلك الاطراد. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): قال الموفّق البغداديّ: الحجامة تُنَقِّي سطح البدن أكثر
من الفصد، والفصد لأعماق البدن، والحجامة للصبيان، وفي البلاد الحارّة
أولى من الفصد، وآمن غائلة، وقد تغني عن كثير من الأدوية، ولهذا وردت
الأحاديث بذكرها دون الفصد، ولأن العرب غالباً ما كانت تعرف إلا
الحجامة، وقال صاحب (الهدى)): التحقيق في أمر الفصد، والحجامة، أنهما
يختلفان باختلاف الزمان، والمكان، والمزاج، فالحجامة في الأزمان الحارّة،
والأمكنة الحارّة، والأبدان الحارّة التي دم أصحابها في غاية النُّضْج أنفع،
والفصد بالعكس، ولهذا كانت الحجامة أنفع للصبيان، ولمن لا يقوى على
(٣)
الفصد. انتهى(٣).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ◌ّها هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٣٠/١١ و٥٧٣١] (٢٢٠٥)، و(البخاريّ) في
(١) ((عمدة القاري)) ٢٤٢/٢١.
(٢) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٤٧١/٢.
(٣) ((الفتح)) ٨٣/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٩٦).

١٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
(الطبّ)) (٥٦٨٣ و٥٦٩٧ و٥٧٠٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٦/٤)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨٤/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٥/٣ و٣٤٣)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٠٧٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٠٣٧)،
و(الطبريّ) في (تهذيب الآثار)) (٥٠١/١)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٤/
٤٠٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣٢٢/٤)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٣٣٩/٩ و٣٤١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٢٢٩)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٣١] ( .. ) - (حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: جَاءَنَا جَابِرُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ فِي أَهْلِنَا، وَرَجُلٌ يَشْتَكِي خُرَاجاً بِهِ، أَوْ جِرَاحاً، فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ:
خُرَاجْ بِي، قَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ اثْتِنِي بِحَجَّامٍ(١)، فَقَالَ لَهُ: مَا تَصْنَعُ
بِالْحَجَّامِ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُعَلِّقَ فِيهِ مِحْجَمَّاً، قَالَ: وَاللهِ إِنَّ الذُّبَابَ
لَيُصِيبُنِي، أَوْ يُصِيبُنِي الثَّوْبُ، فَيُؤْذِينِي، وَيَشُقُّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَأَى تَبَرُّمَهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ:
إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَهَ يَقُولُ: ((إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي
شَرْطَةٍ مَحْجَم، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ))، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَمَا
أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيٌّ))، قَالَ: فَجَاءَ بِحَجََّمِ (٢)، فَشَرَطَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع
[١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٢ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر بن عليّ الْجَهْضميّ البصريّ، ثقةٌ من كبار [١٠]
(ت١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٦/٦.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن عبد الله بن حنظلة الأنصاريّ الأوسيّ،
أبو سليمان المدنيّ، المعروف بابن الغسيل، والغسيل جدّ أبيه حنظلة بن أبي
(١) وفي نسخة: ((بالحجّام)).
(٢) وفي نسخة: ((بالحجّام)).

١٥٥
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: (لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاء))، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣١)
عامر، غسلته الملائكة يوم أحد رظُه؛ لأنه استُشْهِد، وهو جُنُبٌ، صدوقٌ فيه
لين [٦].
رَوَى عن حمزة، والمنذر، والزبير، وسعد ابني أبي أُسيد الساعديّ،
وعن مالك بن حمزة بن أبي أسيد، وأسيد بن عليّ بن عبيد مولى أبي أسيد،
وعباس بن سهل بن سعد، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم، ورأى أنس بن
مالك، وسهل بن سعد.
وروى عنه عبد الله بن إدريس، والحسين بن الوليد النيسابوريّ، وزید بن
الحباب، وعليّ بن نصر الجهضميّ الكبير، ووكيع بن الجراح، وأبو أحمد
الزبيريّ، أبو عامر العَقَديّ، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وإبراهيم بن
الوزير، وغيرهم.
قال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ ليس به بأس، وقال الدارميّ عن ابن
معين صُويلح، وقال أبو زرعة، والنسائيّ، والدار قطنيّ: ثقةٌ، وقال النسائي في
موضع آخر: ليس به بأس، وقال مرّة: ليس بقويّ، وقال ابن عديّ: وهو ممن
يُعتبر حديثه، ويُكتب، وقال ابن حبان: كان ممن يُخطىء، ويَهِم كثيراً، مَرَّض
القول فيه أحمد، ويحيى، وقالا: صالحٌ، وقال الأزديّ: ليس بالقويّ عندهم.
قال البخاريّ: ويقال: مات سنة إحدى، وقال أبو حسان الزياديّ: مات
سنة اثنتين وسبعين ومائة، وقال إسماعيل بن أبان: ثنا عبد الرحمن بن الغسيل،
وقد أتى عليه مائة وستون سنة، أخرجه ابن عديّ، قال الحافظ: مقتضاه أن
يكون وُلد في خلافة أبي بكر، وهو باطل، فإن أباه لم يكن وُلد بعدُ، فلعله
كان مائةً وسنة، أو سنتين، فتصحّف.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في ((الشمائل))،
وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
عن (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ) بن الغَسِيل، واسم الغَسِيل حنظلة بن أبي
عامر الأوسيّ الأنصاريّ، استُشْهِد بأحد، وهو جُنُب، فغسلته الملائكة، فقيل

١٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
له: الغسيل، وهو فَعِيل بمعنى مفعول، وهو جدّ جدّ عبد الرحمن، فهو ابن
سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حنظلة، وعبد الرحمن معدود في صغار
التابعين؛ لأنه رأى أنساً، وسهل بن سعد، وجُلّ روايته عن التابعين، وهو ثقة
عند الأكثرين، واختَلَفَ فيه قول النسائيّ، وقال ابن حبان: كان يُخطىء كثيراً.
انتهى، وكان قد عُمِّر، فجاز المائة، فلعله تغيّر حِفظه في الآخر، وقد احتجّ به
الشيخان، قاله في ((الفتح))(١).
(عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ) الأنصاريّ (قَالَ: جَاءَنَا جَابِرُ بْنُ
عَبْدِ اللّهِ) ◌َِّا (فِي أَهْلِنَا)، وقوله: (وَرَجُلٌ) لا يُعرف اسمه(٢). (يَشْتَكِي) جملة
حاليّة، (خُرَاجاً بِهِ) بضم الخاء، وتخفيف الراء، قال الفيّوميّ: الْخُرَاج وزانُ
غُرَاب: بَثْرٌ، الواحدة خُرَاجةٌ. انتهى (٣). (أَوْ جِرَاحاً) ((أو)) للشكّ من الراوي،
هل قال: ((خراجاً))، أو قال: ((جِرَاحاً))، والْجِراح بالكسر: جمع جراحة، وقال
في ((التاج)): الجِرَاحُ بالكسر: جَمْع جِرَاحَةٍ، وهو من الجَمْعِ الّذي لا يُفارِق
واحِدَه إِلا بالهاءِ، وفي ((التّهذيب)): قال اللّيث(٤): الجِراحةُ: الواحِدَةُ من
طَعْنَةٍ، أَو ضَرْبٍ. انتهى(٥).
(فَقَالَ) جابر ◌َّهِ (مَا تَشْتَكِي؟) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيَّ شيء تشتكي؟
(قَالَ) الرجلُ (خُرَاجٌ بِي) مبتدأ خبره قوله: (قَدْ شَقَّ عَلَيَّ) والمراد أنه يشتكي
خُراجاً ببدنه، قد أضرّ به، ويَحتَمِل أن يكون قوله: ((خُراج بي)) خبراً
المحذوف؛ أي: هو، أي المشتَكَى خُراج، وقوله: ((قد شقّ عليّ)) جملة حاليّة
من (خُرَاجٌ)). (فَقَالَ) جابر ◌َّهِ: (يا غُلَامُ) لم يُعرف اسمه، (اثْتِنِي بِحَجَّامِ)
وفي نسخة: ((بالحجّام)) بالتعريف، (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: قال الرجل المشتكيّ
الجابر ظُه. (مَا) استفهاميّة؛ أي: أيَّ شيءٍ (تَصْنَعُ بِالْحَجَّامِ، يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟)
كنية جابر ◌َُّه. (قَالَ) جابر (أُرِيدُ أَنْ أُعَلِّقَ فِيهِ)؛ أي: فَي محلّ شكواك
(١) ((الفتح)) ٦٥/١٣ - ٦٦، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٨٣).
(٣) ((المصباح المنير)) ١٦٦/١.
(٢) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٣٧٦.
(٤) تعقّب الأزهريّ قول الليث هذا، راجع: ((التاج)) ١/ ١٥٦٤.
(٥) ((تاج العروس)) ١/ ١٥٦٤.

١٥٧
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣١)
(مِحْجَماً) بكسر الميم، وفتح الجيم: هي الآلة التي تُمَصّ، ويُجمع بها موضع
الحجامة، قاله النوويّ تَقْذَّهُ(١).
وقال الفيّوميّ نَظّفُ: حجمه الحاجم حَجْماً، من باب قَتَلَ: شَرَطَهُ، وهو
حجّام أيضاً مبالغة، واسم الصناعة حِجَامةٌ بالكسر، والقارورة مِحْجَمةٌ بكسر
الأول، والهاء تثبُتُ، وتُحذف، والْمَحْجَمُ، مثلُ جَعْفر: موضع الحجامة.
(٢)
انتھی(٢
وذكر المجد نَظَلُ للحجم معاني، ومنها: الْمَصُّل، قال: حجم يخْجِم،
ويحجُم، من بابي ضرب، ونصر، والْحجّام الْمَصّاص، قال: والْمِحْجَم،
والْمِحْجَمَة بكسرهما: ما يُحتجم به، وحِرفته: الْحِجامة، ككتابة، واحتَجَم:
(٣)
طَلَبها. انتهى(٣).
(قَالَ) الرجل (وَاللّهِ إِنَّ الذُّبَابَ لَيُصِيبُنِي، أَوْ يُصِيبُنِي الثَّوْبُ، فَيُؤْذِينِي،
وَيَشُقُّ عَلَيَّ) أراد أنه لا يتحمّل عضّ الذباب على موضع المرض، أو إصابة
الثوب، فكيف يتحمّل تعليق المحجم عليه؟ (فَلَمَّا رَأَى) جابر ◌َُّه (تَبَرُّمَهُ)؛
أي: تضجّره، ومَلاله، يقال: بَرِمَ بالشيء - بكسر الراء - بَرَماً، فهو بَرِمٌ، مثلُ
ضَجِرَ ضَجَراً، فهو ضَجِرٌ، وزناً ومعنَى، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أبرمته به،
(إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
وتبرّم مثلُ بَرِمٍ(٤). (مِنْ ذَلِكَ قَالَ) جابر ◌َُّ
((إِنْ كَانَ) ((إن)) هنا شرطيّة، جيء بها للتهييج، لا للشكّ، كما يقول الرجل
لولده: إن كنت ولدي فافعل كذا، فالمعنى هنا أن هذه الأدوية الثلاثة فيها خير
عظيم، فعليكم بالتداوي بها، والله تعالى أعلم. (فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ)؛
أي: شفاء، قال القرطبيّ تَّثُ: قوله وَّ: ((إن كان في أدويتكم خيرٌ، ففي
شَرْطة مِحْجَم)) يعني بالخير: الشِّفاء، والْمِحْجم: هو الوعاء الذي تُجمع فيها
موضع الحجامة، ويجتمع فيه الدَّم، وهو جمعٌ واحده: محجمة، وهي بكسر
الميم، وقد يقال على الحديدة التي يُشْرَط بها، وهي المعنيّة هنا، وجاء هذا
الحديث هنا بصيغة الاشتراط من غير تحقيق الأخبار، وقد جاء في البخاريّ من
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٧/١٤.
(٣) ((القاموس المحيط)» ص٢٦٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٢٣/١.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٥/١.

١٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
حديث ابن عباس ◌ّ مرفوعاً: ((الشِّفاء في ثلاث))، وذكرها، فحقَّق الخبر.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت أن ((إن)) هنا للتهييج، فلا تغفل،
والله تعالى أعلم.
قال: قال بعض علمائنا: أشار النبيّ و18 إلى جميع ضروب المعاناة
القياسيِّة، وذلك: أن العلل منها ما يكون مفهوم السبب، ومنها ما لا يكون
كذلك، فالأول كغلبة أحد الأخلاط التي هي: الدم، والبلغم، والصفراء،
والسَّوداء، فمعالجة ذلك باستفراغ ذلك الامتلاء بما يليق به من تلك الأمور
المذكورات في الحديث، فمنها ما يُستفرغ بإخراج الدَّم بالشَّرط، وفي معناه:
الفصد، والبطُ، والعَلَقُ، ومنها ما يُستفرغ بالعسل وما في معناه من الأدوية
المسهِّلة، ومنها ما يستفرغ بالكيّ؛ فإنه يجفف رطوبات موضع المرض، وهو
آخر الطبِّ.
وأما ما كان من العلل عن ضعف قوة من القوى، فعلاجه بما يقوي تلك
القوة من الأشربة، ومن أنفعها في ذلك: العسل إذا استُعمل على وجهه، وأما
ما كان من العلل غير مفهوم السبب، فكالسِّحر، والعين، ونظرة الجنّ، فعلاجه
بالرُّقَى، والكلام الحسن، وأنواع من الخواص مغيبة السِّرِّ، ولهذا القسم أشار
رسول الله رَ﴿ فَيَما رُوي عنه: أنه زاد في هذا الحديث: ((أو آية من كتاب الله))
زيادة على ما ذكر فيما تقدَّم منه.
قال القرطبيّ: هذا معنى ما قاله علماؤنا، ويمكن أن يقال: إن هذه
المذكورات في هذا الحديث إنما خُصَّت بالذكر؛ لأنَّها كانت أغلب أدويتهم،
وأنفع لهم من غيرها بحكم اعتيادهم لها، ومناسبتها لغالب أمراضهم، ولا يلزم
أن تكون كذلك في حقّ غيرهم ممن يخالفهم في بلادهم، وعاداتهم،
وأهويتهم، ومن المعلوم بالمشاهدة اختلاف العلاجات والأدوية حسب اختلاف
البلاد، والعادات، وإن اتحدت أسباب الأمراض. والله تعالى أعلم. انتهى(١).
(فَفِي شَرْطَةٍ مَحْجَم)؛ أي: فهو في شرطة محجم؛ أي: استفراغ الدم،
وهو بفتح الشين: ضَرْبةً مِشراط على مَحَلَ الْحَجْم؛ ليخرج الدم، والْمِحجم
(١) (المفهم)) ٥٩٤/٥ - ٥٩٥.

١٥٩
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ)، وَاسْتِحْبَابِ النَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣١)
بالكسر: قارورة الحجام التي يجتمع فيها الدم، وبالفتح موضع الحجامة، وهو
المراد هنا، ذكره بعضهم، قال في ((الفتح)): وإنما خصه بالذكر؛ لأن غالب
إخراجهم الدم بالحجامة، وفي معناه إخراجه بالفصد. انتهى(١).
وقال الطيبيّ نَّتُهُ: قوله: ((شرطة مِحْجم)): ((المِحْجم)) بكسر الميم، هي
الآلة التي يجتمع فيها دم الحجامة عند المصّ، ويُراد بها هنا الحديدة التي يُشْرط
بها موضع الحجامة، والشرْطة فَعْلَةٌ، من شَرَطَ الحاجم يَشْرُطُ، من بابي ضرب،
وقَتَلَ: إذا بَزَغَ، وهو الضرب على موضع الحجامة؛ ليخرج الدم منه. انتهى(٢).
(أَوْ) للتنويع، لا للشكّ، (شَرْبَةٍ) بفتح الشين المعجمة، وإسكان الراء،
قال الجوهريّ: الشَّرْبةُ بالفتح من الماء: ما يُشرب مرّةً، والشَّرْبةُ أيضاً: المرّة
الواحدة من الشرب. انتهى (٣). (مِنْ عَسَلٍ) بفتحتين، يُذكّر، ويؤنّث، وهو
الأكثر، ومن التأنيث قول الشاعر:
بِهَا عَسَلٌ طَابَتْ يَدَا مَنْ يَشُورُهَا
.
ويُصغّر على عُسَيلة على لغة التأنيث ذَهَاباً إلى أنها قطعةٌ من الجنس،
وطائفة منه، قاله الفيّوميّ تَخْذِفُهُ(٤).
(أَوْ) للتنويع كسابقهِ، (الَّذْعَةٍ بِنَارٍ))) - بفتح اللام، وسكون الذال المعجمة،
وبالعين المهملة - واللّذْع: الخفيف من حرق النار، وأما اللَّذْغ - بالدال
المهملة، وبِالْغَين المعجمة - فهو عَضّ ذات السمّ، قاله في ((العمدة))(٥).
وفي رواية البخاريّ: ((أو لذعة بنار توافق الدواء))، قال في ((الفتح)): فيه
إشارة إلى أن الكيّ إنما يُشْرَع منه ما يتعيَّن طريقاً إلى إزالة ذلك الداء، وأنه لا
ينبغي التجربة لذلك، ولا استعماله إلا بعد التحقّق، ويَحْتَمِل أن يكون المراد
بالموافقة موافقة القَدَر. انتهى (٦).
(١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٣١/٣.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٢٩٥٤/٩ بزيادة من ((المصباح)) ٣٠٩/١.
(٤) (المصباح المنير)) ٤٠٩/٢.
(٣) ((الصحاح)) ص٥٣٨.
(٥) ((عمدة القاري)) ٢٣٣/٢١.
(٦) ((الفتح)) ٦٦، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٨٣).

١٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
(قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((وَمَا) نافية، (أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ))) قال في ((الفتح)):
هو من جنس تَرْكه وَّلو أكل الضبّ، مع تقريره أكله على مائدته، واعتذاره بأنه
یعافه. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَُّ: قوله: ((وما أحبُّ أن أكتوي))، وفي حديث ابن
عبّاس ﴿ها عند البخاريّ بلفظ: ((وأنا أنهى أمتي عن الكيّ))، إنما كان ذلك
لشدَّة ألم الكيّ، فإنَّه يُرْبِي على ألم المرض، ولذلك لا يُرجع إليه إلا عند
العجز عن الشفاء بغيره من الأدوية، وأيضاً: فلأنَّه يشبه التعذيب بعذاب الله
تعالى الذي نُهي عنه، وقد تقدَّم القول في هذا في الإيمان. انتهى(٢).
وقال ابن عبد البرّ تَّلهُ: الكيّ باب من أبواب التداوي، والمعالجة،
ومعلوم أن طلب العافية بالعلاج، والدعاء مباح، فلا يجب أن يُمتنع من
التداوي بالكيّ وغيره إلا بدليل، لا معارض له، وقد عارض النهي عن الكي
من الإباحة بما هو أقوى وعليه جمهور العلماء، ما أعلم بينهم خلافاً، أنهم لا
يرون بأساً بالكيّ عند الحاجة إليه، قال: فمن ترك الكيّ ثقةً بالله، وتوكلاً .
عليه، كان أفضل؛ لأن هذه منزلة يقينٍ صحيحٍ وتلك منزلة رخصةٍ وإباحة.
ثم أخرج بسنده حديث: ((لم يتوكل مَّن استرقَى، أو اكتوى))، ثم قال:
معناه - والله أعلم - ما توكل حقَّ التوكل من استرقى، أو اكتوى؛ لأن من ترك
ذلك توكلاً على الله، وعلماً بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن أيام الصحة لا
سقم فيها، كان أفضل منزلةً، وأعلى درجةً، وأكمل يقينٍ، وتوكلٍ والله أعلم،
وقد قيل: إن الذي نُهي عنه من الكيّ هو ما يكون منه قبل نزول البلاء؛ حفظاً
للصحة، وأما بعد نزول ما يحتاج فيه إلى الكيّ فلا.
(قَالَ) عاصم بن عمر (فَجَاءَ) ذلك الغلام (بِحَجَّام) وفي بعض النسخ:
(بالحجّام)) (فَشَرَطَهُ)؛ أي: بزغه، يقال: شرط الحاجم يشَرِّط، ويشرُط، من بابي
ضرب، ونصر: إذا بزغ، قاله الجوهريّ(٣). (فَذَهَبَ عَنْهُ)؛ أي: عن الرجل المشتكي
(مَا يَجِدُ)؛ أي: من الألم، وفيه أن الحجامة من أنفع الأدوية، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٦٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٨٠).
(٢) ((المفهم)) ٥٩٥/٥.
(٣) ((الصحاح)) ص٥٤٣.