النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ (٤) - بَابُ اسْتِحْبَابِ رُقْيَةِ الْمَرِيضِ وقال ابن الأثير تَخْذُهُ: قد تكرر ذكر الرُّقية، والرُّقى، والرَّقْي، والاسترقاء في الحديث، والرقيةُ: الْعَوْذة التي يُرْقَى بها صاحب الآفة، كالْحُمَّى، والصَّرْع، وغير ذلك من الآفات، وقد جاء في بعض الأحاديث جوازها، وفي بعضها النهي عنها، فمن الجواز قوله تعالى: ((استرقوا لها، فإن بها النظرة))، متّفقٌ عليه؛ أي: اطلبوا لها من يرقيها، ومن النهي قوله: ((لا يسترقون، ولا يكتوون))، متّفقٌ عليه، والأحاديث في القسمين كثيرة. ووجه الجمع بينهما: أن الرُّقَى يُكره منها ما كان بغير اللسان العربيّ، وبغير أسماء الله تعالى، وصفاته، وكلامه، في كُتبه المنزلة، وأن يعتقد أن الرقيا نافعة لا محالة، فيتكل عليها، وإياها أراد ◌َّ* بقوله: ((ما توكل من استرقى))، ولا يُكره منها ما كان في خلاف ذلك، كالتعوذ بالقرآن، وأسماء الله تعالى، والرُّقَى المروية، ولذلك قال ◌َّهِ للذي رَقَى بالقرآن، وأخذ عليه أجراً: ((من أخذ برقية باطل، فقد أخذت برقية حقّ))(١). وكقوله في حديث جابر ئه أنه و ﴿ قال: ((اغْرِضوها عليّ، فعرضناها، فقال: لا بأس بها، إنما هي مواثيق))، كأنه خاف أن يقع فيها شيء مما كانوا يتلفظون به، ويعتقدونه من الشرك في الجاهلية، وما كان بغير اللسان العربيّ، مما لا يُعرف له ترجمة، ولا يمكن الوقوف عليه، فلا يجوز استعماله. وأما قوله: ((لا رُقية إلا من عين، أو حُمَة)): فمعناه: لا رقية أَولى وأنفع، وهذا كما قيل: لا فتى إلا عليّ، وقد أمر ◌َ له غير واحد من أصحابه بالرقية، وسمع بجماعة یرْقون فلم يُنكِر عليهم. وأما الحديث الآخر في صفة أهل الجنة الذين يدخلونها بغير حساب: ((هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون))، فهذا من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها، وتلك درجة الخواصّ لا يبلغها غيرهم، فأما العامّ فمرخص لهم في التداوي، والمعالجات، ومن صبر على البلاء، وانتظر الفرج من الله بالدعاء، كان من جملة الخواصّ والأولياء، ومن لم يصبر رُخّص له في الرقية، والعلاج، (١) صحيح، أخرجه أبو داود، وغيره. ٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى والدواء، ألا ترى أن الصدّيق لمّا تصدّق بجميع ماله لم يُنكر عليه عِلْماً منه بيقينه وصبره، ولمّا أتاه الرجل بمثل بيضة الحمام من الذهب، وقال: لا أملك غيره، ضربه به، بحيث لو أصابه عَقَره، وقال فيه ما قال. انتهى كلام ابن الأثير تَقَدَّثُ(١). [تنبيه]: استُشْكِل الدعاءُ للمريض بالشفاء، مع ما في المرض من كفارة الذنوب، والثواب، كما تضافرت الأحاديث بذلك. والجواب: أن الدعاء عبادةٌ، ولا ينافي الثواب، والكفارة؛ لأنهما يحصلان بأول مرض، وبالصبر عليه، والداعي بين حَسَنتين: إما أن يحصل له مقصوده، أو يُعَوَّض عنه بجلب نفع، أو دفع ضرّ، وكلٌّ من فضل الله تعالى، ذكره في ((الفتح))(٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٩٥] (٢١٩١) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ - وَاللَّفْظُ لَهُ -: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءَ، لَا يُغَادِرُ سَقَماً))، فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ، وَثَقُلَ أَخَذْتُ بِيَدِهِ لأَصْنَعَ بِهِ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الأَعْلَى))، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الضُّحَى) مسلم بن صُبيح الْهَمْداني الكوفيّ العطّار، ثقةٌ فاضلٌ [٤] (ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٥/٢٢. ٢ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرم [٢] (ت٢ أو٦٣) (ع) تقدم في (الإيمان)) ٢١٧/٢٧. (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٥٤/٢ - ٢٥٥. (٢) ((الفتح)) ٥٢/١٣، كتاب ((المرضى)) رقم (٥٦٧٥). ٤٣ (٤) - بَابُ اسْتِحْبَابِ رُقْيَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٥٦٩٥) والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وقبل بابين، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظْلَثُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير عائشة فمدنيّة، وغير شيخيه، فالأول مروزيّ، والثاني بغداديّ، وفيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، وفيه عائشة يا من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين ◌ِّا أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ إِذَا اشْتَكَى)؛ أي: مرِضَ، (مِنَّا)؛ أي: من أهل بيته وَّه، وفي رواية البخاريّ: ((كان يُعَوِّذ بعض أهله))، قال الحافظ عليه: لم أقف على تعيينه (١). (إِنْسَانٌ مَسَحَهُ)؛ أي: مسح محلّ وجعه، قال الطبريّ كَذَتُهُ: هو على طريقة التفاؤل لزوال ذلك الوجع. (بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ) وَلِ ((أَذْهِبٍ) بفتح الهمزة، وهي همزة قطع؛ لأنه فعل أمْر من أذهب رباعيّاً، يقال: ذهب الأثرُ يذهب ذَهَاباً، ويُعدّى بالحرف، وبالهمزة، فيقال: ذهبتُ به، وأذهبته، قاله الفيوميّ(٢)، وقوله: (الْبَاسَ) منصوب على المفعوليّة، وأصله البأس، بالهمز، خُفّف للمؤاخاة، قال قيس بن الخطيم [من الطويل]: يَقُولُ لِيَ الْحَدَّادُ وَهْوَ يَقُودُنِي إِلَى السَّجْنِ لَا تَجْزَعْ فَمَا بِكَ مِنْ بَاسٍ أراد: فما بك من بأس، فخفّف(٣). والمراد به المرض، قال الفيّوميّ تَخْذُّهُ: البُؤْسُ بالضم، وسكون الهمزة: الضرّ، ويجوز التخفيف، ويقال: بَئِسَ بالكسر: إذا نزل به الضرّ، فهو بَائِسٌ، وبُؤْسٌ، مثلُ قَرُبَ بَأْساً: شَجُعَ، فهو بَئِيسٌ، على فَعِيل، وهو ذو بَأْسٍ؛ أي: شدّة وقُوّة، قال الشاعر [من الوافر]: (١) ((الفتح)) ١٧٥/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٤٣). (٢) ((المصباح المنير)) ٢١٠/١. (٣) ((لسان العرب)) ٦/ ٢٠. ٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى إِذَا الدَّاعِي المَثُوبُ قَالَ يَالَا فَخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ البَأْسِ مِنْكُمْ أي: نحن عند الحرب إذا نادى بنا المنادي، ورجّع نداءه: ألا لا تفرّوا، فإنّا نكرّ راجعين؛ لِمَا عندنا من الشجاعة، وأنتم تجعلون الفَرَّ فراراً، فلا تستطيعون الكرّ، وجَمْع البَأْسِ: أَبْؤُسٌ، مثلُ: فَلْس وأَفْلُس. انتهى(١). وقال في ((العمدة)): البأسَ بالنصب مفعول ((أذهب))، وهو بالباء الموحّدة: الشدّة، والعذاب، والحزن(٢). (رَبَّ النَّاسِ)؛ أي: يا ربّ الناس، فهو منادى بحذف حرف النداء، وهو جائز، قال الحريريّ كَّلُ في ((ملحته)): وَحَذْفُ (يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ ((رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي)) (وَاشْفِ) أمْرٌ من شفى يشفي، ثلاثيّاً، يقال: شفى الله المريض يشفيه، من باب رمى شِفَاءً: عافاه(٣). (أَنْتَ الشَّافِي) قال في ((الفتح)): يؤخذ منه جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن بشرطين: أحدهما: أن لا يكون في ذلك ما يوهم نقصاً، والثاني: أن يكون له أصل في القرآن، وهذا من ذاك، فإن في القرآن: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ (٤) . ( [الشعراء: ٨٠]. انتهى" ١٨٠ يَشْفِین . قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أنه إذا ورد تسمية الله تعالى في الحديث الصحيح جاز لنا أن نسميه به، ولو لم يرد في القرآن، وذلك كالجميل، والرفيق، والشافي، ونحو ذلك، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وأما ما قاله القرطبيّ ◌َلَثُ من أن الشافي اسم فاعل من اشْفِ، والألف واللام فيه بمعنى الذي، وليس باسم عَلَم الله تعالى؛ إذ لم يكثر ذلك، ولم يتكرّر، فإن أراد أن تسميته به لا يجوز ففيه نظر لا يخفى، فإنه و * سمّاه به، فلنا أن نسمّيه به، وإن أراد أنه ليس بعَلَم كلفظ الجلالة، والرحمن، فمسلّم، ولكن ماذا يترتّب عليه؟ فتأمل، والله تعالى أعلم. (١) ((المصباح المنير)) ٦٥/١ - ٦٦. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٢٨/٢١. (٣) ((المصباح المنير)) ٣١٩/١. (٤) ((الفتح)) ١٧٤/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٤٣). ٤٥ (٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ رُقْبَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٥٦٩٥) (لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ) وفي لفظ للبخاريّ: ((لا شافي إلا أنت))، وفيه إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء، والتداوي، إن لم يصادف تقدير الله تعالى، وإلا فلا ينجع. وقال في ((العمدة)): قوله: ((لا شفاء إلا شفاؤك)) حَصْرٌ لتأكيد قوله: ((أنت الشافي))؛ لأن خبر المبتدأ إذا كان معرَّفاً باللام أفاد الحصر؛ لأن الدواء لا ينفع إذا لم يخلق الله فيه الشفاء، وقوله: ((شفاء لا يغادر سقماً)) مُكَمِّلٌ لقوله: (اشف))، والجملتان معترضتان بين الفعل والمفعول المطلق. انتهى(١). (شِفَاءً) منصوب بقوله: ((اشف))، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ؛ أي هو، والتنكير فيه للتقليل. (لَا يُغَادِرُ) بِالْغَيْن المعجمة؛ أي: لا يَتْرك، من المغادرة، وهو الترك، (سَقَماً))) بفتحتين، أو بضمّ، فسكون. (فَلَمَّا مَرِضَ) من باب تَعِبَ، (رَسُولُ اللهِ وَيِ، وَثَقُلَ)؛ أي: اشتدّ مرضه، (أَخَذْتُ بِيَدِهِ) وَِّ (لأَصْنَعَ بِهِ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ)؛ أي: من الرقية، (فَانْتَزَعَ بَدَهُ مِنْ يَدِي) وفي رواية لابن حبّانِ: ((فقال ◌َّ: ارفعي يدك، فإنها كانت تنفعني في المدّة)). (ثُمَّ قَالَ) وَّةِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الأَعْلَى))) وفي رواية عند أحمد: ((فقال: مع الرفيق الأعلى، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء)) إلى قوله: ((رفيقاً))، وفي رواية أبي بردة، عن أبي موسى، عن أبيه، عند النسائيّ، وصححه ابن حبان: ((فقال: أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد، مع جبريل، وميكائيل، وإسرافيل))، قال الحافظ: وظاهره أن الرفيق المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع المذكورين. وفي رواية الزهريّ: ((في الرفيق الأعلى))، وفي رواية عباد، عن عائشة بعد هذا: ((قال: اللهم اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق))، وفي رواية ذكوان، عن عائشة: ((فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض))، وفي رواية ابن أبي مليكة، عن عائشة: ((وقال: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى)). قال في ((الفتح)): وهذه الأحاديث تردّ على من زعم أن الرفيق تغيير من الراوي، وأن الصواب الرّقِيع، بالقاف، والعين المهملة، وهو من أسماء (١) ((عمدة القاري)) ٢٢٨/٢١. ٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى السماء، وقال الجوهريّ: الرفيق الأعلى الجنة، ويؤيده ما وقع عند أبي إسحاق: الرفيق الأعلى الجنة. وقيل: بل الرفيق هنا اسم جنس يشمل الواحد، وما فوقه، والمراد: الأنبياء، ومن ذُكر في الآية، وقد خُتمت بقوله: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَتِكَ رَفِيقًا﴾، ونكتة الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد الإشارةُ إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد، نبَّه عليه السهيليّ. وزعم بعض المغاربة أنه يَحْتَمِل أن يراد بالرفيق الأعلى: الله رَ؛ لأنه من أسمائه، كما أخرج مسلم، وأبو داود من حديث عبد الله بن مُغَفَّل رفعه: ((إن الله رفيقٌ، يحبّ الرفق)). انتهى بتصرّف(١). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله بعض المغاربة ليس ببعيد، ولكن الظاهر هنا هو القول الذي قبله، وهو أن المراد بالرفيق هنا هم الذين ذُكروا في الآية، فالمراد بالرفيق هنا معنى الجمع؛ أي: الرفقاء؛ لأنه يُطلق على الواحد، وعلى الجماعة، قال في ((القاموس))، و((شرحه)): الرفيق: للواحِد، والجَمِيع، مثل الصَّدِيق، والخَلِيطِ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَيْكَ رَفِيقًا﴾، والحديث: (بل الرَّفِيقَ الأَعْلَى من الجَنَّةِ))؛ أَي: جَماعةَ الأَنْبياءَ. انتهى(٢). فتبيّن بهذا أن المراد بالرفيق هم الرفقاء، وهم الذين قال تعالى فيهم: ﴿فَأُؤْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَِّنَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينُّ وَحَسُنَ أُؤْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، فتبصّر بالإمعان، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَتْ) عائشة رِّنَا (فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ) إليهِ نَِّ، (فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى)؛ أي: مات، يقال: قضى فلان؛ أي: مات(٣). قال السهيليّ كَّثهُ: الحكمة في اختتام كلام المصطفى وَ و بهذه الكلمة، كونُها تتضمن التوحيد، والذِّكر بالقلب، حتى يُستفاد منه الرخصة لغيره أنه لا يُشتَرَط أن يكون الذُّكر باللسان؛ لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا (١) ((الفتح)) ١٧٤/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٤٣). (٢) (تاج العروس)) ٦٣٣٢/١. (٣) ((القاموس المحيط)) ص١٠٦٧. ٤٧ (٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ رُقْيَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٥٦٩٦) يضره إذا كان قلبه عامراً بالذِّكر(١)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤ / ٥٦٩٥ و٥٦٩٦ و٥٦٩٧ و ٥٦٩٨ و٥٦٩٩ و٥٧٠٠ و٥٧٠١] (٢١٩١)، و(البخاريّ) في ((الطبّ)) (٥٧٤٣ و٥٧٥٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٥٨/٤ و٣٦٧)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٥٢٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٧٨٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٦/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٤/٦ و٤٥ و١٠٩ و١٢٦ و١٢٧ و١٣١ و١١٤ و٢٧٨)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (٨١٧/٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤٣٦/٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٩٦٢ و٢٩٧٠ و٢٩٧١ و٢٩٧٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٨١/٣)، وفوائد الحديث تأتي في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٩٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (ح) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ، فِي حَدِيثٍ هُشَيْم، وَشُعْبَةَ: ((مَسَحَهُ بِيَدِهِ))، قَالَ: وَفِي حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ: ((مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ)، وَقَالَ فِيَّ عَقِبٍ حَدِيثٍ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ مَنْصُوراً، فَحَدَّثَنِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، بِنَحْوِهِ). رجال هذه الأسانيد: أربعة عشر: ١ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ، تقدّم قريباً. (١) ((الفتح)) ١٣٧/٨. ٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى ٢ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) الْعَسْكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ يُغرب [١٠] (ت٣ أو ٢٥٥) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣/ ٢٠٠. ٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) محمد المعروف ببُندار، تقدّم قريباً. ٤ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦. ٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير الباهليّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٦ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكرِوا في الباب وفي الأبواب الأربعة الماضية. وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الأَعْمَشِ)؛ يعني: أن هؤلاء الأربعة، وهم: هشيم، وأبو معاوية، وشعبة، وسفيان الثوريّ رووا هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ◌ُها. وقوله: (فِي حَدِيثٍ هُشَيْم، وَشُعْبَةَ: ((مَسَحَهُ بِيَدِهِ)) ... إلخ) الجارّ والمجرور خبر مقدّم، وقوله: ((مَسَحَهُ بِيَدِّهِ)) مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لِقَصْد لَفْظه، والمعنى: أن هشيماً وشعبة روياه بلفظ: ((مسحه بيده))، بدل رواية الآخرين، ومنهم سفيان بلفظ: «مسحه بیمینه)). وقوله: (قَالَ: وَفِي حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ ... إلخ) الظاهر أن فاعل ((قال)) ضمير المصنّف، ويَحْتَمل أن يكون لشيخه أبي بكر بن أبي شيبة؛ أي: كائن في حديث سفيان الثوريّ لفظ: ((مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ)) بدل قوله في رواية هشيم وشعبة: ((مسحه بيده))، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَقَالَ فِي عَقِبٍ حَدِيثٍ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ) فاعل ((قال)) يَحْتَمل الوجهين المذكورين قبله. وقوله: (قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ مَنْصُوراً ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير سفيان الثوريّ، وقد غلط فيه بعض الشرّاح(١)، فجعله للأعمش، وليس كذلك، فقد صرّح ابن أبي شيبة بأنه سفيان، ودونك نصّه: (١) هو الشيخ الهرريّ، راجع: ((شرحه)) ١٩٨/٢٢. ٤٩ (٤) - بَابُ اسْتِحْبَابِ رُقْيَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٥٦٩٦) (٢٩٤٩٠) - حدّثنا يحيى بن سعيد (١)، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة، أن النبيّ وَهُ يقول للمريض: ((أَذْهِبٍ البأس، ربَّ الناس، واشْفٍ، أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً))، قال سفيان: فذكرته لمنصور، فحدّثني عن إبراهيم، عن مسروق، عن عائشة، عن النبيّ ◌َّر، بمثله. انتهى(٢). وكذلك نصّ النسائيّ تَّثُ في ((سننه))، فقال: (١٠٨٤٨) - أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا سليمان، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، أن رسول الله ◌َ* كان يُعَوِّذ بعض أهله، يمسح بيده، ويقول: ((اللهم ربَّ الناس، أَذْهَب البأس، واشْفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاءك، شفاءً لا يغادر سقَماً))، قال سفيان: حدّثته منصوراً، فحدّثني عن إبراهيم، عن مسروق، عن عائشة، بنحوه. انتهى(٣). وقوله: (فَحَدَّثْتُ بِهِ مَنْصُوراً، فَحَدَّثَنِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ ... إلخ) هذه الرواية هي التي أخرجها مسلم بعد هذه الرواية، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية هشيم، عن الأعمش ساقها النسائيّ كَُّ في ((عمل اليوم والليلة))، فقال: (٥٥١) - أخبرنا أبو يعلى، حدّثنا زكريا بن يحيى، ثنا هشيم، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن عائشة ﴿ّا قالت: كان رسول الله و ﴿ إذا عاد مريضاً، يضع يده على المكان الذي يشتكي المريض، ثم يقول: ((بسم الله، أَذْهِب الباس، ربّ الناس، واشْفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاءك، شفاءً لا يغادر سقماً))، قالت عائشة: فلما مرض النبيّ وَّر وضعت يدي عليه؛ لأقول هؤلاء الكلمات، فنزع يدي عنه، وقال: ((اللهم الرفيقَ الأعلى)). انتهى (٤). (١) هو القطّان. (٣) ((السُّنن الكبرى)) ٦/ ٢٥٠. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٦٢/٦. (٤) ((عمل اليوم والليلة)) ١/ ٥٠٣. ٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى وأما رواية أبي معاوية عن الأعمش، فساقها ابن ماجه تَّثُ في ((سننه))، فقال : (١٦١٩) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كان النبيّ * يتعوَّذ بهؤلاء الكلمات: ((أَذْهِبِ البأس، ربَّ الناس، واشْفِ، أنت الشافي، لا شفاءَ إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سَقَماً))، فلما ثَقُل النبيّ وَّر في مرضه الذي مات فيه، أخذت بيده، فجعلت أمسحه، وأقولها، فنزع يده من يدي، ثم قال: ((اللهم اغفر لي، وألحقني بالرفيق الأعلى))، قالت: فكان هذا آخر ما سمعت من كلامه وَالله. انتهى(١). وأما رواية شعبة، عن الأعمش، فساقها الإمام أحمد نَّثُ في ((مسنده))، فقال : (٢٤٩٩٠) - حدّثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن عائشة، أنّ النبيّ وَّ كان إذا عاد مريضاً مسحه بيده، وقال: «أَذْهِبِ البأس، ربَّ الناس، واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً))، فلما مَرِض مرضه الذي مات فيه، قالت عائشة: أخذت بيده، فذهبتُ لأقول، فانتزع يده، وقال: ((اللهم اغفر لي، واجعلني في الرفيق الأعلى)). انتهى(٢). وأما رواية سفيان الثوريّ عن الأعمش، فساقها ابن حبّان تَظَّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٢٩٧٠) - أخبرنا عمران بن موسى بن مُجاشع، قال: حدّثنا أبو بكر بن خَلّاد الباهليّ، قال: حدّثنا يحيى القطان، قال: أخبرنا سفيان، عن سليمان، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، أن النبيّ وَلقر كان إذا عاد المريض، مسحه بيمينه، وقال: ((أَذْهِبِ الباس، ربَّ الناس، واشفٍ، أنت الشافي، اشف شفاءً لا يغادر سقماً))، قال: فحدثت به منصوراً، فحدّثني، عن إبراهيم، عن (١) ((سنن ابن ماجه)) ٥١٧/١. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٢٦/٦. ٥١ (٤) - بَابُ اسْتِحْبَابِ رُقْبَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٥٦٩٧ - ٥٦٩٨) مسروق، عن عائشة، بنحوه. انتهى(١). وقد تقدّمت رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى القطّان قبل التنبيه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٩٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ،وَلِ كَانَ إِذَا عَادَ مَرِيضاً يَقُولُ: ((أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، اشْفِهِ أَنْتَ الشَّافِي(٢) لَا شِفَاءَ إِلَّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءٌ لَا يُغَادِرُ سَقَماً)). رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ بَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت٥ أو ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، إلا أنه يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢. والباقيان ذُكرا قبله، وشرح الحديث، وما يتعلّق به من المسائل تقدّمت في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٩٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا أَتَى الْمَرِيضَ يَدْعُو لَهُ، قَالَ: ((أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءٌ لَا يُغَادِرُ سَقَماً))، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: فَدَعَا لَهُ، وَقَالَ: ((وَأَنْتَ الشَّافِي))). (١) ((صحيح ابن حبان)) ٢٣٥/٧. (٢) وفي نسخة: ((وأنت الشافي)). ٥١ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وكذلك شرح الحديث، وما يتعلّق به، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٩٩] (.) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَمُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةً، وَجَرِيرٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة يتشيّع [٩] (ت٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ، تُكُلّم فيه بلا حجة [٧] (ت١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٤٢/٢. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية إسرائيل عن منصور هذه ساقها النسائيّ كَّتُ في ((سننه))، فقال : (١٠٨٥٣) - وأخبرنا أحمد بن سليمان، والقاسم بن زكريا بن دينار، قالا: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، ومسلم بن صُبيح، عن مسروق، عن عائشة ﴿ّا قالت: كان النبيّ ◌ََّ إذا عَوَّذَ أحداً - وقال عبدة: مريضاً - قال: ((أَذْهِبِ البأس، ربَّ الناس، واشْفٍ، أنت الشافي، لا شفاءَ إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سَقَماً)). انتهى(١). (١) ((السُّنن الكبرى)) ٢٥١/٦. ٥٣ (٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ رُقْبَةِ الْمَرِيضِ - حديث رقم (٥٧٠٠ - ٥٧٠١) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٠٠] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهَ كَانَ يَرْقِي بِهَذِهِ الرُّقْيَةِ: ((أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، بِيَدَِكَ الشِّفَاءُ، لَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا أَنْتَ))). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: وكلّهم تقدّموا في الباب، وقبل باب، وكذلك شرح الحديث ومسائله تقدّمت، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٠١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذين الإسنادين: خمسة: وكلّهم تقدّموا في الباب، وقبل باب، إلا عيسى بن يونس، فتقدّم قبل أربعة أبوب. [تنبيه]: رواية عيسى بن يونس عن هشام بن عروة ساقها إسحاق بن راهويه كَخّثُ في ((مسنده))، فقال: (١٧٤٤) - أخبرنا عيسى بن يونس، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ( 8* يرقي، يقول: ((امسح الباس، ربّ الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت)). انتهى(١). وأما رواية أبي أسامة عن هشام، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ . (١) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ١٠٠٥/٣. ٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى (٥) - (بَابُ رُقْيَةِ الْمَرِيضِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَالنَّفْثِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٠٢] (٢١٩٢) - (حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، قَالًا: حَدَّثَنَا عَبَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ، نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، جَعَلْتُ أَنَفْتُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ: بِمُعَوِّذَاتٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥. ٢ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّا البغداديّ، تقدّم قريباً. ٣ - (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ) بن حبيب بن الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرة الأزديّ الْمُهلّبيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٧] (ت١٧٩) أو بعدها بسنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٤. والباقون ذُكروا في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َخَّثُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحادهما تحمّلاً، وأداءاً، كما سبق غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة ﴿ّا أفقه نساء الأمة، ومن المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين ◌ُّنا أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ، نَفَثَ عَلَيْهِ) قال الفيّومِيّ ◌َغَْتُهُ: نَفَتُه من فيه نَفْثاً، من باب ضرب(١): (١) سيأتي عن ((القاموس)) أنه من بابي ضرب، ونصر، فتنبّه. ٥٥ (٥) - بَابُ رُقْيَةِ الْمَرِيضِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَالنَّفْثِ - حديث رقم (٥٧٠٢) رَمَى به، ونَفَثَ: إذا بَزَقَ، ومنهم من يقول: إذا بَزَق، ولا ريقَ معه، ونَفَثَ في الْعُقْدة عند الرُّقَى، وهو البصاق اليسير، ونَفَثَهُ نَفْئاً أيضاً: سَحَرَهُ، والفاعل نَافِثٌ، ونَقَّاتٌ مبالغةٌ، والمرأة نَافِئَةٌ، ونَقَّائَةٌ، ونَفَثَ الله الشيءَ في القلب: ألقاه. انتھی(١). وفي ((القاموس))، و((شرحه)): (نَفَثَ يَنْفُثُ)) بالضَّمّ، و((يَنِفتُ)) بالكسر نَفْثاً، ونَفَثَاناً، محرّكة، وهو كالنَّفْخِ مع رِيقٍ، كذا في ((الكَشّاف))، وفي ((النَّشْرِ)): النَّفْث: شِبْهُ النَّفْخ، يكون فيَ الرُّقْيَة، ولا رِيقَ مُعه، فإِن كان معه رِيقٌ فهو التَّفْل، وهو الأَصَحّ، كذا في ((العِناية))، وفي ((الأذكار)): قال أَهلُ اللّغةِ: النَّفْتُ: نَفْخُ لَطِيفٌ بلا رِيقٍ، والنَّفْث ((أَقَلُّ من النَّفْلِ))؛ لأَنّ الثَّفْلَ لا يكون إِلّا ومعه شَيْءٌ من الرِّيقِ، وقيل: هو التَّقْل بِعَيْنِهِ، وعن بعضهم: النَّفْتُ فوقَ النَّفْخِ، أَو شِبْهُه، ودُونَ التَّقْلِ، وقد يكون بلا رِيقٍ، بخلاف التَّقْلِ، وقد يكون بِرَيْقٍ خفِيفٍ، بخلافِ النَّفْخِ، وقيل: النَّفْثُ إِخْرَاجُ الرِّيحِ من الفَمِ بقليلٍ من الرِّيقِ، وفي الأَساس: النَّفْثَ الرَّمْيُ، والنَّفْث: الإِلْهَامُ، وَالإِلْقَاءُ. انتهى(٢). (بِالْمُعَوِّذَاتِ) بضمّ الميم، وكسر الواو المشدّدة، جمع مُعوّذ: اسم فاعل، من التعويذ، وهو التحصين والعصمة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تحصّن من يتعوّذ بها من کلّ سوء. وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): والمُعَوِّذَتانِ: سُورَتَانِ: سُورَة الفَلَق، وتاليَتُهَا بِكَسْرِ الوَاوِ، صَرَّح به السيوطيّ في ((الإِتقان))، وجَزم به، وصَرَّح الشمسُ النتائِيُّ في ((شَرْح الرسالة)) أَنّ الفتح خَطَأ، وإِن ذَهَبَ إِليه ابنُ علَّان في (شَرْحِ الأَذْكار))، وأَنّ الكسْرَ هو الصوابُ؛ لأَن مَبْدَأَ كُلِّ واحِدَةٍ منهما: قُلْ أَعُوذُ، ويُقَال: عَوَّذْتُ فُلاناً باللهِ، وأَسمائِه، وبالمُعَوِّذَتَيْنِ، إِذا قلتَ: أُعِيذُك باللهِ، وأَسمائِه مِنْ كُلِّ ذي شَرِّ، ورُبَّما قيل: المُعَوِّذَاتُ بِالجَمع، بإِضافةٍ الإِخْلاص لهما على جِهَةِ التَّغْلِيب؛ لأَنها مِمَّا يُتَحَصَّنُ بها؛ لاشْتِمَالِها على صِفةِ اللهِ تعَالَى. انتهى(٣). (١) ((المصباح المنير)) ٦١٥/٢ - ٦١٦. (٣) ((تاج العروس)) ٢٤٠٩/١. (٢) (تاج العروس)) ١٣١٥/١. ٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى وقال في ((الفتح)): المراد بالمعوّذات: سورة الفلق، والناس، والإخلاص، فيكون من باب التغليب، أو المراد: الفلق، والناس، وكلُّ ما ورد من التعويذ في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ [المؤمنون: ٩٧]، وقوله: ﴿فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ ٩٧ الشَّيَاطِینِ [النحل: ٩٨]، وغير ذلك، والأول أولى؛ فقد أخرج أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم، من رواية عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن مسعود ظه: ((أن النبيّ ◌َلو كان يكره عشر خصال ... ))، فذكر فيها الرُّقَى إلا بالمعوذات، وعبد الرحمن بن حرملة قال البخاريّ: لا يصح حديثه، وقال الطبريّ: لا يُحتج بهذا الخبر؛ لجهالة راويه، وعلى تقدير صحته فهو منسوخ بالإذن في الرقية بفاتحة الكتاب. وأشار المهلَّب إلى الجواب عن ذلك بأن في الفاتحة معنى الاستعاذة، وهو الاستعانة، فعلى هذا يختص الجواز بما يشتمل على هذا المعنى. وقد أخرج الترمذيّ، وحسّنه، والنسائيّ، من حديث أبي سعيد: ((كان رسول الله وَل﴿ يتعوذ من الجانّ، وعين الإنسان، حتى نزلت المعوذات، فأخذ بها، وترك ما سواها))، وهذا لا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين، بل يدلّ على الأولوية، ولا سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما، وإنما اجتزأ بهما؛ لِمَا اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة، من كل مكروه جملةً، وتفصيلاً. انتهى ما قاله في ((الفتح))(١). وقال في ((موضع آخر: المراد بالمعوذات السور الثلاث، وذَكَرَ سورة الإخلاص معهما تغليباً؛ لِمَا اشتملت عليه من صفة الربّ، وإن لم يُصَرَّح فيها بلفظ التعويذ، وقد أخرج أصحاب ((السنن)) الثلاثة، وأحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، من حديث عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله وَلاته: ((قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، تَعَوَّذ بهنّ، فإنه لم يُتَعَوَّذ بمثلهنّ))، وفي لفظ: ((اقرأ المعوِّذات دبرَ كلِّ صلاة))، فذكرهنّ. انتهى(٢). (١) ((الفتح)) ١٥٤/١٣ - ١٥٥ رقم (٥٧٣٥). (٢) ((الفتح)) ٢٤٧/١٣ - ٢٤٨، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٠١٧). ٥٧ (٥) - بَابُ رُقْيَةِ الْمَرِيضِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَالنَّفْثِ - حديث رقم (٥٧٠٢) (فَلَمَّا مَرِضَ) بكسر الراء، كما سبق، (مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، جَعَلْتُ)؛ أي: شرعت، وأخذت (أَنْفُثُ) تقدّم آنفاً أنه بضمّ الفاء، وكسرها، (عَلَيْهِ) وَّ (وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ) وَ (لأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي)؛ أي: فيكون الشفاء عاجلاً، (وَفِي رِوَايَةٍ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ: بِمُعَوِّذَاتٍ)؛ أي: بالتنكير، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٠٢/٥ و٥٧٠٣ و٥٧٠٤] (٢١٩٢)، و(البخاريّ) في ((فضائل القرآن)) (٥٠١٦)، و(أبو داود) في ((الطبّ)) (٣٩٠٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٥/٤ و٣٦٤ و٣٦٧ و٣٦٨)، و(ابن ماجه) في ((سننه)) (٣٥٢٩)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٩٤٢/٢)، و(عبد الرزّاق) في (مصنّفه)) (٢٠/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٤/٦ و١١٤ و١٢٤ و١٦٦ و١٨١ و٢٥٦ و٢٦٣)، و(إسحاق بن راهويه) في ((مسنده)) (٢٨٢/٢)، (وابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٩٦٣)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٤٢٩/١)، و(أبو يعلى) في ((معجمه)) (٨٢/١)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (٥١٤/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الرُّقَى، واستحبابها، قال الإمام أبو عمر كَّتُهُ: وفيه إثبات الرُّقَى، والردّ على من أنكره من أهل الإسلام، وفيه الرُّقَى بالقرآن، وفي معناه كل ذِكر الله جائز الرقية به، وفيه إباحة النَّفْث في الرُّقَى، والتبرك به، والنفث شبه الْبَصْق، ولا يُلْقِي النافث شيئاً من البصاق، وقيل: كما ينفث آكل الزبيب، وفيه المسح باليد عند الرقية، وفي معناه المسح باليد على كل ما تُرْجَى بركته، وشفاؤه، وخيره مثل المسح على رأس اليتيم، وشِبْهه، وفيه التبرك بإيمان الصالحين قياساً على ما صنعت عائشة ها بيد النبيّ وَّر، وفيه ٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى التبرك باليمنى دون الشمال، وتفضيلها عليها، وفي ذلك معنى الفأل. انتهى (١). ٢ - (ومنها): استحباب النفث في الرقية، قال النوويّ كَّتُهُ: وقد أجمعوا على جوازه، واستحبه الجمهور، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، قال القاضي عياض: وأنكر جماعة النفث، والتفل في الرُّقَى، وأجازوا فيها النفخ بلا ريق، وهذا المذهب والفرق إنما يجيء على قول ضعيف، قيل: إن النفث معه ريق، قال: وقد اختلف العلماء في النفث، والتفل، فقيل: هما بمعنى، ولا يكونان إلا بِريق، قال أبو عبيد: يشترط فى التفل ريق يسير، ولا يكون في النفث، وقيل عكسه، قال: وسئلت عائشة ﴿يا عن نفث النبيّ وَّر في الرقية، فقالت: كما ينفث آكل الزبيب، لا ريق معه، قال: ولا اعتبار بما يخرج عليه من بِلَّة، ولا يقصد ذلك، وقد جاء في حديث الذي رَقَى بفاتحة الكتاب: ((فجَعَل يجمع بُزاقه، ويتفل))، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأَولى أن يكون مع الريق؛ لقصّة الذي رقى بالفاتحة، فإنه صريح في ذلك، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): بيان استحباب الدعاء للمريض، ومَسْحه باليد اليمنى عند الرقية، قال الطبريّ: ومعنى ذلك التفاؤل بذهاب الوجع لمسحه بالرقى والدعاء له(٢). وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: فيه دليل على جواز مسح المريض باليمين، وحكمته التبرُّك باليمين، وأن ذلك غاية تمكُّن الرَّاقي، فكأنَّه مَدّ يده لأخذ المرض، وإزالته . ومن حكمته إظهار عجز الرَّاقي عن الشفاء، وصحة تفويضه ذلك إلى الله تعالى، ولذلك قال عند ذلك: ((لا شفاء إلا شفاؤك)). انتهى(٣). ٤ - (ومنها): بيان ما كان يصيب النبيّ ◌َ﴿ من الأسقام، والأمراض؛ ليرفع الله رجت بذلك درجاته. ٥ - (ومنها): أن في قوله: ((أذهب الباس، ربَّ الناس ... إلخ)) دليلاً (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٢٩/٨. (٣) ((المفهم)) ٥٧٨/٥. (٢) ((إكمال المعلم)) ٧/ ١٠١. ٥٩ (٥) - بَابُ رُقْيَةِ الْمَرِيضِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَالنَّفْثِ - حديث رقم (٥٧٠٢) على جواز السَّجع في الدعاء، والرُّقَى إذا لم يكن مقصوداً، ولا متكلَّفاً، قاله القرطبيّ ◌َذْهُ(١). ٦ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض كَّلهُ: فائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة، والهواء، والنَّفَس المباشرة للرقية، والذِّكر الحسن، والكلام الطيّب، كما يُتبرك بغُسالة ما يُكتب من الذِّكر، والأسماء الحسنى، وقد يكون على وجه التفاؤل بزوال ذلك الألم عن المريض، وانفصاله عنه، كانفصال ذلك النفث عن في الراقي، وكان مالك ينفث إذا رَقَى نفسه، وكان يكره الرقية بالحديدة، والملح، والذي يَعْقِد، أو الذي يَكتب خاتم سليمان، وكان العقد عنده أشدّ كراهةً؛ لِمَا في ذلك من مشابهة السحر، كأنه تأوّل قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ (٢) ١﴾. انتهى(٢). اٌلَّفَشَتِ فِىِ الْعُقَدِ ٧ - (ومنها): استحباب الرقية بالقرآن الكريم، وبالمعوّذات، وبالأذكار، ودعاء الله تعالى بالشفاء. ٨ - (ومنها): ما قاله عياض ◌َُّ: إنما خصّ النبيّ وَّ الرُّقَى بالمعوذات؛ لأنهن جامعات للاستعاذة من كل المكروهات جملةً وتفصيلاً، ففيها الاستعاذة من شر ما خلق، فيدخل فيه كل شيء، ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّئَتِ فِىِ الْعُقَدِ ﴾﴾، ومن السواحر، ومن شر الحاسدين، ومن شر الوسواس الخناس(٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في حكم الرُّقَى، والتعويذات، وأقوال أهل العلم فيه: قال في ((الفتح)): قد أجمع العلماء على جواز الرُّقَى عند اجتماع ثلاثة شروط : ١ - أن يكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه، وصفاته، وباللسان العربيّ، أو بما يُعْرَف معناه، من غيره. ٢ - وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثّر بذاتها، بل بإذن الله تعالى. واختلفوا في كونها شرطاً، والراجح أنه لا بدّ من اعتبار الشروط (١) «المفهم)) ٥٧٧/٥. (٣) ((إكمال المعلم)) ١٠١/٧. (٢) ((إكمال المعلم)) ٧/ ١٠٠ - ١٠١. ٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى قال: كنا نَرْقِي المذكورة، ففي ((صحيح مسلم)) من حديث عوف بن مالك في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: ((اغْرِضُوا عليّ رُقاكم، لا بأس بالرُّقَى ما لم يكن فيه شرك)). وله من حديث جابر ظه: نَهَى رسول الله وَّهِ عن الرُّقَى، فجاء آل عمرو بن حزم، فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نَرْقي بها من العقرب، قال: فَعَرَضُوا عليه، فقال: ((ما أرى بأساً، مَن استطاع أن ينفع أخاه فلینفعه)) . وقد تمسَّك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جُرِّبت منفعتها، ولو لم يُعْقَل معناها، لكن دلّ حديث عوف أنه مهما كان من الرُّقَى يؤدي إلى الشرك يُمْنَع، وما لا يُعقل معناه لا يؤمَن أن يؤدي إلى الشرك، فيمتنع احتياطاً، والشرط الآخر لا بُدّ منه. وقال قوم: لا تجوز الرقية إلا من العين، واللدغة، كما تقدّم في ((كتاب الإيمان)) من حديث عمران بن حصين ◌ًا: ((لا رُقية إلا من عين، أو حُمَة)). وأجيب بأن معنى الحصر فيه أنهما أصل كل ما يَحتاج إلى الرقية، فيلتحق بالعين جواز رقية مَن به خَبَلٌ، أو مَسٌ، ونحو ذلك؛ لاشتراكها في كونها تنشأ عن أحوال شيطانية، من إنسيّ، أو جنيّ، ويلتحق بالسمّ كل ما عَرَض للبدن، من قَرْح، ونحوه، من الموادّ السُّمّيّة. وقد وقع عند أبي داود في حديث أنس مثل حديث عمران، وزاد: ((أو دم))، وفي مسلم من طريق يوسف بن عبد الله بن الحارث، عن أنس، قال: (رَأَخَّص رسول الله وَ ◌ّر في الرُّقَى من العين، والحمة، والنَّمْلة))، وفي حديث آخر: ((والأُذُن))، ولأبي داود من حديث الشفاء بنت عبد الله: ((أن النبيّ وَله قال لها: ألا تُعَلِّمين هذه - يعني: حفصة - رقية النَّمْلة))، والنملة قُرُوح تخرج في الجَنْب، وغيره من الجسد. وقيل: المراد بالحصر معنى الأفضل؛ أي: لا رقية أنفع، كما قيل: لا سيف إلا ذو الفقار. وقال قوم: المنهيّ عنه من الرُّقَى ما يكون قبل وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البرّ، والبيهقيّ، وغيرهما .