النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ (٢) - بَابُ السِّحْرِ - حديث رقم (٥٦٩١) الرأس إذا سُرِّح بالمشط، وكذا من اللحية، ويقال أيضاً لمشاطة الكتان، فيكون اللفظ مشتركاً بين الشّعر إذا مُشِط وبين الكتان إذا سُرّح، ووقع عند البخاريّ في رواية غير أبي ذر: ((والمشاقة))، قال في ((الفتح)): وهو أشبه، وقيل المشاقة: هي المشاطة بعينها، والقاف تُبدل من الطاء؛ لِقُرب المخرج(١)، والله أعلم. (قَالَ: وَجُبِّ) وفي بعض النسخ: ((جُفّ))، (طَلْعَةٍ ذَكَرٍ) قال القاضي عياض كَُّ(٢): وقع للجرجاني - يعني: في البخاريّ - والعذري - يعني: في مسلم - بالفاء، ولغيرهما بالموحّدة، قال الحافظ: أما رواية عيسى بن يونس هنا، فوقع للكشميهني بالفاء، ولغيره بالموحّدة، وأما روايته في ((بدء الخلق)) فالجميع بالفاء، وكذا في رواية ابن عيينة للجميع، وللمستملي في رواية أبي أسامة بالموحّدة، وللكشميهني بالفاء، وللجميع في رواية أبي ضمرة في (الدعوات)) بالفاء، قال القرطبيّ(٣): روايتنا - يعني: في مسلم - بالفاء، وقال النوويّ(٤): في أكثر نُسخ بلادنا بالباء - يعني: في مسلم - وفي بعضها بالفاء، وهما بمعنى واحد، وهو الغِشاء الذي يكون على الطلع، ويُطلق على الذكر والأنثى، فلهذا قيَّده بالذّكر في قوله: ((طَلْعَةِ ذَكَرٍ))، وهو بالإضافة. انتهى. قال الحافظ: ووقع في روايتنا هنا - عند البخاريّ - بالتنوين فيهما، على أن لفظ ((ذَكَر)) صفة لـ(جُفّ)). وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((جُفّ طلعة ذَكَر)) روايتنا فيه بالفاء، وهي المشهورة، وقال أبو عمر: قد رُوي بالباء بواحدة تحتها، فبالفاء: هي وعاء الطلع، وهو الغشاء الذي يكون عليه، وبالباء قال شمر: أراد بالجب داخل الطلعة، إذا أخرج عنها الكُفُرَّى(٥)، كما يقال لداخل الرَّكِيّة(٦)، من أسفلها إلى أعلاها: جبّ، وقيل فيه: إنه من القطع؛ يعني به: ما قُطِع من قشورها. انتهى(٧) . (١) ((الفتح) ٢١٥/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٣). (٣) ((المفهم)) ٥٧٢/٥. (٢) ((مشارق الأنوار)) ١٧٨/١. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٧٦/١٤. (٥) ((الكفرّى)): وعاء طلع النخل، وفيها لغات. (٦) ((الركيّة)): البئر. (٧) ((المفهم)) ٥٧٢/٥. ٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى وقال أبو عمرو الشيبانيّ: ((الجفّ)) بالفاء: شيء يُنقر من جذوع النخل. (قَالَ) السائل: (فَأَيْنَ هُوَ؟)؛ أي: السحر الذي سُحر بهِ وَّ، (قَالَ) المسؤول: (فِي بِثْرِ ذِي أَرْوَانَ) قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: كذا هو في الأصل، وخارج الحاشية: ((في بئر ذروان))، ووقع في البخاري في ((كتاب الدَّعوات)): ((في ذروان بئر في بني زريق))، وقال القتبيّ: الصواب: ذي أروان، كما في الأصل. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): وذَرْوان بفتح المعجمة، وسكون الراء، وحَكَى ابن التين فتحها، وأنه قرأه كذلك، قال: ولكنه بالسكون أشبه، فقوله: ((بئر ذروان)) من إضافة الشيء لنفسه، ويُجمع بين الروايتين بأن الأصل: ((بئر ذي أروان))، ثم لكثرة الاستعمال سُهِّلت الهمزة، فصارت ذروان، ويؤيده أن أبا عبيد البكريّ صَّب أن اسم البئر ((أروان)) بالهمز، وأن من قال: ذروان أخطأ، قال الحافظ: وقد ظهر أنه ليس بخطأ على ما وجّهته، ووقع في رواية أحمد عن وهيب، وكذا في روايته عن ابن نُمير: ((بئر أروان))، كما قال البكريّ، فكأن رواية الأصيليّ كانت مثلها، فسقطت منها الراء، ووقع عند الأصيليّ فيما حكاه عياض(٢): ((في بئر ذي أوان)) بغير راء، قال عياض: وهو وَهَمُ، فإن هذا موضع آخر على ساعة من المدينة، وهو الذي بُنِي فيه مسجد الضرار. (قَالَتْ) عائشة ◌َِّا: (فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ) ووقع في حديث ابن عباس، عند ابن سعد: ((فبعث إلى عليّ، وعمار، فأمرهما أن يأتيا البئر))، وعنده في مرسل عمر بن الحكم: («فدعا جبير بن إياس الزُّرَقيّ، وهو ممن شَهِد بدراً، فدلّه على موضعه في بئر ذروان، فاستخرجه - قال - ويقال: الذي استخرجه قيس بن مِحْصَن الزُّرَقيّ))، ويُجمع بأنه أعان جبيراً على ذلك، وباشره بنفسه، فنُسب إليه، وعند ابن سعد أيضاً: ((أن الحارث بن قيس قال: يا رسول الله، ألا يُهَوَّر البئرُ؟))، فيمكن تفسير من أُبْهم بهؤلاء، أو بعضهم، وأن النبيّ وَّهَ وجّههم أوَّلاً، ثم توجّه، فشاهدها بنفسه(٣). (١) ((المفهم)) ٥٧٢/٥. (٢) ((مشارق الأنوار)) ١٥٢/١ و٣٤٤. (٣) ((الفتح)) ٢١٢/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٣). ٢٣ (٢) - بَابُ السِّحْرِ - حديث رقم (٥٦٩١) (ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ) رِّا؛ أي: بعد رجوعه من البئر، وفي رواية البخاريّ: ((فجاء، فقال: يا عائشة))، وفي رواية وهيب: ((فلما رجع قال: يا عائشة))، ونحوه في رواية أبي أسامة، ولفظه: ((فذهب النبيّ وَّه إلى البئر، فنظر إليها، ثم رجع إلى عائشة، فقال))، وفي رواية عمرة، عن عائشة: ((فنزل رجل، فاستخرجه))، وفيه من الزيادة: ((أنه وجد في الطلعة تِمْثالاً من شَمَع، تِمْثالَ رسول الله وَ﴿، وإذا فيه إبر مَغروزة، وإذا وَتَرٌ فيه إحدى عشرة عُقْدَة، فنزل جبريل بالمعوذتين، فكلما قرا آيةً انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وَجَدَ لها ألَماً، ثم يجد بعدها راحةً))، وفي حديث ابن عباس نحوه، وفي حديث زيد بن أرقم عند عبد بن حميد وغيره: ((فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوذتين))، وفيه: ((فأمره أن يَحُلّ العُقَد، ويقرأ آية، فجعل يقرأ، ويَحُلّ، حتى قام، كأنما نَشِط من عِقَال))، وعند ابن سعد من طريق عمر مولى غُفْرة مُعْضلاً: ((فاستخرج السحر من الْجُفّ من تحت البئر، ثم نزعه، فحَلّه، فكُشِف عن رسول الله (وَلات)). (وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا)؛ أي: البئر، (نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ)- بضم النون، وتخفيف القاف ـ والحناء: معروف، وهو بالمدّ؛ أي: أن لون ماء البئر لونُ الماء الذي يُنقع فيه الحناء، قال ابن التين: يعني: أحمر، وقال الداوديّ: المراد: الماء الذي يكون من غُسالة الإناء الذي تُعجن فيه الحناء. ووقع في حديث زيد بن أرقم عند ابن سعد، وصححه الحاكم: ((فوَجَد الماء، وقد اخضَرّ))، وهذا يقوي قول الداوديّ. وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: قوله: ((والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين)): فيه دليل على جواز اليمين، وإن لم يستحلف، ونقاعة الحنَّاء: الماء الذي يخرج فيه لونها إذا نُقِعت فيه، وتشبيهه نخلها برؤوس الشياطين؛ يعني: أنَّها مستكرهه، مستقبَحة المنظر، والمَخْبَر، وهذا على عادة العرب إذا استقبحوا شيئاً شبَّهوه بأنياب أغوال، ورؤوس الشياطين، وقد تقدَّم نحو هذا، ويعني - والله أعلم -: أن هذه الأرض التي فيها النخل والبئر خراب، لا تُعَمَّر؛ لرداءتها، فبئرها معطلة، ونخلها مشذَّبةٌ (١)، مهملة، وتغيُّر (١) أي: مقطوعة الأغصان، ومقشّرة اللحاء. ٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى ماء البئر، إما لطول إقامته، وإما لِمَا خالطه مما أُلقي فيه. انتهى(١). وعند ابن سعد من مرسل عبد الرحمن بن كعب: أن الحارث بن قيس هَوَّر البئر المذكورة، وكان يستعذب منها، وحَفَر بئراً أخرى، فأعانه رسول الله ◌َ﴿ في حفرها(٢). (وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ))) وفي رواية للبخاريّ: ((وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين))، وفي رواية له: ((نخلها كأنه رؤوس الشياطين))، قال في ((الفتح)): وفي رواية ابن عيينة، وأكثر الرواة عن هشام: ((كأن نخلها))، بغير ذكر ((رؤوس)) أوّلاً، والتشبيه إنما وقع على رؤوس النخل، فلذلك أفصح به في رواية الباب، وهو مقدَّر في غيرها، ووقع في رواية عمرة، عن عائشة: ((فإذا نخلها الذي يَشرب من مائها، قد الْتَوَى سعفه، كأنه رؤوس الشياطين))، وقد وقع تشبيه طَلْع شجرة الزقوم في القرآن برءوس الشياطين، قال الفراء وغيره: يَحْتَمِل أن يكون شبَّه طلعها في قبحه برؤوس الشياطين؛ لأنها موصوفة بالقبح، وقد تقرر في اللسان أن من قال: فلان شيطان أراد أنه خبيث، أو قبيح، وإذا قبحوا مذكَّراً قالوا: شيطان، أو مؤنثاً قالوا: غُول، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالشياطين: الحيات، والعرب تسمي بعض الحيات شيطاناً، وهو ثعبان قبيح الوجه، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: نبات قبيح، قيل: إنه يوجد باليمن. انتهى(٣). (قَالَتْ) عائشة ﴿يَا: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟) وفي الرواية الثانية: ((قلت: يا رسول الله فأَخْرِجْهُ))، قال النوويّ: كلاهما صحيح، فطلبت أن يخرجه، ثم يحرقه، والمراد إخراج السحر، فدفنها رسول الله وَّلفيه، وأخبر أن الله تعالى قد عافاه، وأنه يخاف من إخراجه، وإحراقه، وإشاعته، ضرراً وشرّاً على المسلمين، من تذكّر السحر، أو تعلّمه، وشيوعه. انتهى (٤). وفي رواية للبخاريّ: ((قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟))، زاد في (١) ((المفهم)) ٥٧٣/٥. (٢) ((الفتح)) ٢١٢/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٣). (٣) (الفتح)) ٢١٣/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٣). (٤) ((شرح النوويّ)) ١٧٧/١٤. ٢٥ (٢) - بَابُ السِّحْرِ - حديث رقم (٥٦٩١) رواية: ((فقال: لا))، قال في ((الفتح)): ووقع في رواية ابن عيينة: ((أنه استخرجه، وأن سؤال عائشة إنما وقع عن النُّشرة، فأجابها بلا)). انتهى. قَالَ وَّ ((لَا)؛ أي: لا أُحرقه، ثم ذكر سبب تركه، فقال: (أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللهُ)؛ أي: فلا حاجة لي إلى إحراقه، وقال القرطبيّ تَّقُ: وقولها: ((أفلا أحرقته)) كذا صحَّت الرواية، وتعني به: السِّحر، ورقع في بعض النُّسخ: ((أخرجته)) بدل («أحرقته))، وهي أصوب؛ لأنَّها هي التي تناسب قوله: ((لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرّاً))؛ أي: بإخراج السِّحر من البئر، فلعلَّه يُعمل به، أو يَضُرّ أحداً، انتهى(١). (وَكَرِهْتُ) بكسر الراء، (أَنْ أُثِيرَ) بضمّ أوله، من الإثارة، (عَلَى النَّاسِ شَرّأ) وفي رواية الكشميهني عند البخاريّ: ((سُوءاً))، قال في ((الفتح)): ووقع في رواية أبي أسامة: ((أن أَثَوِّر)) بفتح المثلثة، وتشديد الواو، وهما بمعنى، والمراد بالناس التعميم في الموجودين، قال النووي: خَشِي من إخراجه، وإشاعته ضرراً على المسلمين، من تذكّر السحر، وتعلّمه، ونحو ذلك، وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة. ووقع في رواية ابن نُمير: ((على أمتي))، وهو قابل أيضاً للتعميم؛ لأن الأمة تُطلق على أمة الإجابة، وأمة الدعوة، وعلى ما هو أعمّ، وهو يَرُدّ على من زعم أن المراد بالناس هنا لبيد بن الأعصم؛ لأنه كان منافقاً، فأراد وَالش أن لا يثير عليه شرّاً؛ لأنه كان يُؤْثِر الإغضاء عمن يظهر الإسلام، ولو صدر منه ما صدر . وقد وقع أيضاً في رواية ابن عيينة: ((وكرهت أن أثير على أحد من الناس شرّاً))، نعم وقع في حديث عمرة، عن عائشة: ((فقيل: يا رسول الله لو قتلته؟ قال: ما وراءه من عذاب الله أشدّ))، وفي رواية عمرة: ((فأخذه النبيّ وَّر، فاعترف، فعفا عنه)). وفي حديث زيد بن أرقم: ((فما ذكر رسول الله صل* لذلك اليهوديّ شيئاً، مما صنع به، ولا رآه في وجهه)). (١) «المفهم)) ٥٧٣/٥. ٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرفى وفي مرسل عمر بن الحكم: ((فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: حب الدنانير))، وقد تقدم في ((كتاب الجزية)) قول ابن شهاب: ((إن النبيّ وَلو لم يقتله))، وأخرج ابن سعد من مرسل عكرمة أيضاً: ((أنه لم يقتله)). ونَقَل عن الواقديّ أن ذلك أصحّ من رواية من قال: إنه قتله، ومن ثم حَکَی عیاض في ((الشفاء)) قولين: هل قُتل، أم لم يقتل؟ وقال القرطبيّ: لا حجة على مالك من هذه القصة؛ لأنَّ تَرْك قَتْل لبيد بن الأعصم كان لخشية أن يثير بسبب قتله فتنة، أو لئلا ينفر الناس عن الدخول في الإسلام، وهو من جنس ما راعاه النبيّ وَلّ من منع قتل المنافقين، حيث قال: ((لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)). انتهى(١). قال ◌َله: (فَأَمَرْتُ بِهَا)؛ أي: بتلك البئر (فَدُفِنَتْ))) هكذا رواية مسلم: ((فأمرتُ)) بتاء المتكلّم، وفي رواية البخاريّ: ((فأمر بها، فدُفنت))، قال في ((الفتح)): وهكذا وقع في رواية ابن نُمير وغيره عن هشام، وأورده مسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام عقب رواية ابن نمير - يعني: الرواية التالية - وقال: لم يقل أبو أسامة في روايته: ((فأمرت بها فدفنت)). قال الحافظ: وكأن شيخه لم يذكرها حين حدّثه، وإلا فقد أوردها البخاريّ عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، وقال في آخره: ((فأمر بها فدُفنت))، وفي مرسل عبد الرحمن بن كعب: ((أن الحارث بن قيس هَوَّرَها)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٩١/٢ و٥٦٩٢] (٢١٨٩)، و(البخاريّ) في ((الجزية)) (٣١٧٥) و((بدء الخلق)) (٣٢٦٨) و((الطبّ)) (٥٧٦٥ و٥٧٦٦) و((الأدب)) (٦٠٦٣) و((الدعوات)) (٦٣٩١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٨٠/٤)، و(ابن (١) ((الفتح)) ٢١٣/١٣ - ٢١٤، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٣). (٢) ((الفتح)) ٢١٤/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٣). ٢٧ (٢) - بَابُ السِّحْرِ - حديث رقم (٥٦٩١) ماجه) في ((الطبّ)) (٣٥٩٠)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٣٨٢/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٠/٨ و٣١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢٦/١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٥٧/٦ و٦٣ و٩٦)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (٢/ ٢٢٩)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (١٩٦/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥٨٣ و٦٥٨٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٩٠/٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣٥/٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن السحر حقّ، وأنه يؤثّر في المسحور تأثيراً حقيقياً، ومن أنكر ذلك فإنما هو مكابر، ومعاند، فقد جاء النصّ، ولا يدفعه العقل. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه اليهود من إيذاء رسول الله وكلقد، والمؤمنين، إلا أن الله مك يدفع كيدهم في نحورهم، ويرجعون خائبين. ٣ - (ومنها): بيان استحباب علاج السحر بالدعاء، والرُّقى الشرعيّة، ولا ينافي ذلك التوكّل، فإنه ◌َّهُ سيّد المتوكّلين، وكان يرقي نفسه، ويسأل الله تعالى أن يشفيه من أمراضه، فهو الأسوة الحسنة. ٤ - (ومنها): بيان استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهات، وتكريره، وحسن الالتجاء إلى الله تعالى. ٥ - (ومنها): أن في قوله وَ له: ((لا)) لَمّا سألته عائشة ◌ِؤُها ((أفلا أحرقته))، ترك المصلحة لدفع مفسدة أعظم، فقد ترك وقف إخراجه، وإحراقه، وإشاعته، ورأى أن فيه ضرراً، وشرّاً على المسلمين، من تذكّر السحر، أو تعلّمه، وشيوعه، والحديث فيه، أو إيذاء فاعله، فيحمله ذلك، أو يحمل بعض أهله، ومحبيه، والمتعصبين له من المنافقين، وغيرهم على سحر الناس، وأذاهم، وانتصابهم لمناكدة المسلمين بذلك، فهذا من باب ترك مصلحةٍ لخوف مفسدة أعظم منها، وهو من أهم قواعد الإسلام، وقد سبقت المسألة مرات، قاله النوويّ تَخْذَهُ(١). ٦ - (ومنها): ما قال ابن القيّم تَخْثُ: ومن أنفع علاجات السحر الأدويةُ (١) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/١٤. ٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى الإلهيةُ، بل هي أدويته النافعةُ بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السُّفْلية، ودَفْع تأثيرها يكون بما يعارضها، ويقاومها من الأذكار، والآيات، والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها، وكلما كانت أقوى وأشدّ كانت أبلغ في النُّشْرة، وذلك بمنزلة التقاء جيشين، مع كل واحد منهما عُدّته، وسلاحه، فأيهما غلب الآخر قَهَره، وكان الحكم له، فالقلب إذا كان ممتلئاً من الله، مغموراً بذِكْره، وله من التوجهات، والدعوات، والأذكار، والتعوذات، وِرْدٌ لا يُخِلّ به، يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه. وعند السحرة أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات، ولهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء والصبيان، والجهال، وأهل البوادي، ومن ضَعُف حظه من الدين، والتوكل، والتوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية، والدعوات، والتعوذات النبوية. وبالجملة: فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات، قالوا: والمسحور هو الذي يُعِين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقاً بشيء كثير الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات، والأرواحُ الخبيثة، إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدّة لتسلطها عليها، بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوّة الإلهية، وعدم أخذها للعُدّة التي تحاربها بها، فتجدها فارغة لا عدّة معها، وفيها ميل إلى ما يناسبها، فتتسلط عليها، ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره، والله أعلم. (١) . انتھی ٧ - (ومنها): ما قاله ابن القيّم تَخْتُ أيضاً: قد أنكر هذا طائفة من الناس - سحر اليهوديّ للنبيّ وَّلو - وقالوا: لا يجوز هذا عليه، وظنّوه نقصاً وعيباً، وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه وَله من الأسقام، والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسمّ، لا فرق (١) ((زاد المعاد)) ١١٦/٤. ٢٩ (٢) - بَابُ السِّحْرِ - حديث رقم (٥٦٩١) بينهما، وقد ثبت في ((الصحيحين)) عن عائشة ؤنا أنها قالت: سُجِر رسول الله ◌َ﴿ حتى إن كان ليخيَّل إليه أنه يأتي نساءه، ولم يأتهنّ، وذلك أشدّ ما يكون من السحر. قال القاضي عياض: والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل، يجوز عليه وَ﴿ كأنواع الأمراض، وهو مما لا يُنْكَر، ولا يَقدح في نبوته، وأما كونه يُخَيَّل إليه أنه فَعَل الشيء ولم يفعله، فليس في هذا ما يُدخل عليه داخلة في شيء من صدقه؛ لقيام الدليل، والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طروّه عليه في أمر دنياه التي لم يُبعث لسببها، ولا فُضِّل من أجلها، وهو فيها عُرْضة للآفات، كسائر البشر، فغير بعيد أنه يُخَيَّل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ینجلي عنه کما کان. والمقصود: ذِكْر هديه في علاج هذا المرض وقد روي عنه فيه نوعان: أحدهما - وهو أبلغهما -: استخراجه وإبطاله كما صحّ عنه وَلغير أنه سأل ربه سبحانه في ذلك، فدُلّ عليه، فاستخرجه من بئر، فكان في مُشط ومُشاطة وجُفّ طلعةٍ ذَكَرٍ، فلما استخرجه ذهب ما به، حتى كأنما أُنشط من عقال، فهذا مِن أبلغ ما يُعالج به المطبوب، وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة، وقلعها من الجسد بالاستفراغ. والنوع الثاني: الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر، فإن للسحر تأثيراً في الطبيعة، وهيجان أخلاطها، وتشويش مزاجها، فإذا ظهر أثره في عضو، وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو نفع جدّاً. وقد ذكر أبو عبيد في ((كتاب غريب الحديث)) له بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبيّ وَ﴿ احتجم على رأسه بقرن حين طُبّ، قال أبو عبيد: معنى طُبّ؛ أي: سُحِر. وقد أشكل هذا على من قلّ علمه، وقال: ما للحجامة والسحر؟ وما الرابطة بين هذا الداء وهذا الدواء؟ ولو وَجَد هذا القائل أبقراط، أو ابن سينا، أو غيرهما قد نصّ على هذا العلاج لتلقاه بالقبول والتسليم، وقال: قد نص عليه من لا يُشَكّ في معرفته، وفضله. فاعلم أن مادة السحر الذي أصيب به و ﴿ انتهت إلى رأسه إلى إحدى ٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى قواه التي فيه بحيث كان يُخيّل إليه أنه يفعل الشيء، ولم يفعله، وهذا تصرف من الساحر في الطبيعة والمادة الدموية بحيث غلبت تلك المادة على البطن المقدَّم منه، فغيَّرت مزاجه عن طبيعته الأصلية. والسحر: هو مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة، وانفعال القوى الطبيعية عنها، وهو أشدّ ما يكون من السحر، ولا سيما في الموضع الذي انتهى السحر إليه، واستعمال الحجامة على ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر من أنفع المعالجة، إذا استُعملت على القانون الذي ينبغي. قال أبقراط: الأشياء التي ينبغي أن تُستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي هي إليها أميل بالأشياء التي تصلح لاستفراغها . وقالت طائفة من الناس: إن رسول الله ◌َ﴿ لمّا أصيب بهذا الداء، وكان يخيل إليه أنه فعل الشي ولم يفعله، ظَنّ أن ذلك عن مادة دموية أو غيرها، مالت إلى جهة الدماغ، وغلبت على البطن المقدَّم منهن فأزالت مزاجه عن الحالة الطبيعية له، وكان استعمال الحجامة إذ ذاك من أبلغ الأدوية، وأنفع المعالجة، فاحتجم وكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن ذلك من السحر، فلما جاءه الوحي من الله تعالى، وأخبره أنه قد سُحر عدل إلى العلاج الحقيقيّ، وهو استخراج السحر، وإبطاله، فسأل الله سبحانه، فدلّه على مكانه، فاستخرجه، فقام كأنما أنشط من عقال، وكان غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده، وظاهر جوارحه، لا على عقله وقلبه، ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يخيل إليه من إتيان النساء، بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له، ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم ◌َّفُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم السحر: قد استُدِل بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ﴾ الآية: على أن السحر كفر، ومتعلمه كافر، قال الحافظ: وهو واضح في بعض أنواعه التي قدّمتها، وهو التعبد للشياطين، أو للكواكب، وأما (١) ((زاد المعاد)) ٤/ ١١٣. ٣١ (٢) - بَابُ السِّحْرِ - حديث رقم (٥٦٩١) النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة، فلا يكفر به مَنْ تعلَّمه أصلاً. وقال النوويّ: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عدّه النبيّ وَّ ﴿ من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفراً، ومنه ما لا يكون كفراً، بل معصيةً كبيرةً، فإن كان فيه قول، أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كَفَرَ، وإلا فلا، وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عُزِّر، واستتيب منه، ولا يُقتل عندنا، فإن تاب قُبلت توبته. وقال مالك: الساحر كافر يُقتل بالسحر، ولا يستتاب، ولا تُقبل توبته، بل يتحتم قتله، والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق؛ لأن الساحر عنده كافر، كما ذكرنا، وعندنا ليس بكافر، وعندنا تقبل توبة المنافق والزندیق. قال القاضي عياض: وبقول مالك قال أحمد بن حنبل، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين. قال الشافعيّة: فإذا قَتَل الساحر بسحره إنساناً، واعترف أنه مات بسحره، وأنه يَقتل غالباً لزمه القصاص، وإن قال: مات به، ولكنه قد يَقتل، وقد لا، فلا قصاص، وتجب الدية والكفارة، وتكون الدية في ماله، لا على عاقلته؛ لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجاني، قالوا: ولا يُتصور القتل بالسحر بالبينة، وإنما يُتصور باعتراف الساحر، والله أعلم. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): وقد أجاز بعض العلماء تعلّم السحر لأحد أمرين: إما لتمييز ما فيه كفر من غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه، فأما الأول: فلا محذور فيه، إلا من جهة الاعتقاد، فإذا سَلِم الاعتقاد، فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعاً، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان؛ لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول، أو فعل، بخلاف تعاطيه، والعمل به، وأما الثاني: فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر، أو الفسق، فلا يحلّ أصلاً، وإلا جاز للمعنى المذكور، وهذا فَضْل الخطاب في هذه المسألة. انتهى (١) ((شرح النوويّ)) ١٧٦/١٤. ٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى كلام الحافظ تَُّ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٩٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُجِرَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ، وَسَاقَ أَبُو كُرَيْبِ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَقَالَ فِيهِ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَى الْبِتْرِ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا، وَعَلَيْهَا نَخْلٌ، وَقَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَأَخْرَجْتَهُ؟(٢)، وَلَمْ يَقُلْ: أَفَلَا أَخْرَقْتَهُ؟، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((فَأَمَرْتُ بِهَا، فَدُفِنَتْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: وکلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب. وقولها: (أَفَأَخْرَجْتَهُ؟) بصيغة الماضي، والهمزة للاستفهام، ووقع في بعض النُّسخ: ((فَأَخْرِجه)) بصيغة الأمر. [تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة ساقها أبو يعلى تَّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٤٨٨٢) - حدثنا مجاهد بن موسى، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: سُحر النبيّ وَ ◌ّه حتى إنه ليُخَيَّل إليه أنه فعل الشيء، وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم، وهو عندي دعا الله، ودعا، ثم قال: ((أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه))، قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ((أتاني ملكان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهوديّ، من بني زُريق، قال: فيماذا؟ قال: في مُشط، ومُشاطة، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان))، قال: فذهب النبيّ وَلّ وناس من أصحابه إلى البئر، فنظروا إليها، ونخلها، ثم رجع إلى عائشة، فقال: ((والله كأن ماءها نُقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين))، (١) ((الفتح)) ٢٠٢/١٣ - ٢٠٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٣). (٢) وفي نسخة: ((فأَخْرِجه؟». ٣٣ (٣) - بَابُ السُّمُ - حديث رقم (٥٦٩٣) قلت: يا رسول الله فأخرجته؟ قال: ((لا، أما أنا فقد عافاني الله، وشفاني، وخشيت أن أُثَوِّر على الناس منه شرّا)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم. (٣) - (بَابُ السُّمِّ) ((السمّ)): ما يَقْتُلُ بالفتح في الأكثر، وجمعه سُموم، مثلُ فلس وفُلُوس، وسِمامٌ، مثلُ سَهْم وسِهام، والضمّ لغة لأهل العالية، والكسر لغة لبني تميم، وسَمَمْتُ الطعامَ سَمّاً، من باب قَتَلَ: جعلتُ فيه السمّ، قاله الفيّوميّ ◌َذُ(٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٩٣] (٢١٩٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ امْرَأَةً يَهُوِيَّةً أَنَتْ رَسُولَ اللهِ وََّ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَّ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: ((مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ))، قَالَ: أَوْ قَالَ: ((عَلَيَّ)، قَالَ: قَالُوا: أَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: ((لَ))، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتٍ رَسُولِ اللهِ وَيدِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت٢٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥. ٣ - (شُعْبَةٌ) بن الحجّاج تقدّم قبل بابين. ٤ - (هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧١٤/٦. ٥ - (أَنَسُ) بن مالك الصحابيّ الشهير ظ ◌ُه، تقدّم قريباً. (١) ((مسند أبي يعلى)) ٢٩٠/٨ - ٢٩١. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٨٩/١. ٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وأن فيه الراوي عن جدّه، فأنس ◌ُه جدّ هشام الراوي عنه، وفيه أنس مظانه من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة شرح الحديث: (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريّ (عَنْ) جدّه (أَنَس) بن مالك ◌َته (أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً) اسمها زينب بنت الحارث، أخت مِرْحب اليهوديّ، كذا جاءت مسمّاً في (مغازي موسى بن عُقبة))، وفي (الدلائل)) للبيهقيّ، قاله صاحب ((التنبيه)(١)، واختلف في إسلامها. (أَتَتْ رَسُولَ اللهِ وَّهِ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ) قال القرطبيّ ◌َظْهُ: ظاهره: أنها أتته بها على وجه الهدية، فإنَّه كان يقبل الهديَّة، ويُثيب عليها، ويحتمل أن تكون ضيافة، وأبعد ذلك أن تكون بيعاً، وفي غير كتاب مسلم: أنه و ﴿ أخذ من الشاة الذراع، فأكل منها هو وبشر بن البراء، وأنه قال عند ذلك: ((إن هذه الذراع تخبرني: أنها مسمومةٌ))، فأُحضرت اليهوديَّة، فسُئلت عن ذلك، فاعترفت، وقالت: إنما فعلت ذلك؛ لأنَّك إن كنت نبيّاً لم تضرك، وإن كنت كاذباً أَرَحْتَ منك، وفي كتاب مسلم قالت: أردت لأقتلك، فأجابها النبيّ وَلِّ بأن قال: ((ما كان الله ليسلطك على ذلك))، فلم يضرَّ ذلك السُّم رسول الله وَله طول حياته، غير ما أثَّر بلهواته، وغير ما كان يعاوده منه في أوقات، فلما حضر وقت وفاته أحدث الله تعالى ضرر ذلك السُّم في النبيّ ◌َّ، فتوفي بسببه، كما قال ◌َله في مرضه الذي توفي فيه: ((لم تزل أكلة خيبر تعاودني، فالآن أوان قطعت أبهري))، فجمع الله لنبيِّه فيه بين النبوَّة والشهادة؛ مبالغةً في الترفيع والكرامة. وأمَّا بشر بن البراء بنظُه: فروي: أنه مات من حينه، وقيل: بل لزمه وجعه ذلك، ثم توفي منه بعد سنة. انتهى (٢). [تنبيه]: أخرج البخاريّ كَّلُ هذه القصّة من حديث أبي هريرة مطوّلاً، فقال: رضىُ عَبْه، ٤٠ (١) ((تنبيه المعلم)) ص ٣٧٣. (٢) ((المفهم)) ٥٧٥/٥ - ٥٧٦. ٣٥ (٣) - بَابُ السُّمِّ - حديث رقم (٥٦٩٣) (٣١٦٩) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا الليث، قال: حدثني سعيد، عن أبي هريرة ﴿به قال: لمّا فُتحت خيبر أُهديت للنبيّ وَِّ شاة فيها سمّ، فقال النبيّ ◌َّه: ((اجمعوا إلي من كان ها هنا من يهود)»، فجُمعوا له، فقال: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقيّ عنه؟ فقالوا: نعم، قال لهم النبيّ ◌َلّ: ((من أبوكم؟)) قالوا: فلان، فقال: ((كذبتم، بل أبوكم فلان))، قالوا: صدقتَ، قال: ((فهل أنتم صادقيّ عن شيء، إن سألت عنه؟)) فقالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا، فقال لهم: ((مَن أهل النار؟))، قالوا: نكون فيها يسيراً، ثم تَخْلُفونا فيها، فقال النبيّ وَلّى: ((اخسئوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبداً))، ثم قال: ((هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟))، فقالوا: نعم، يا أبا القاسم، قال: ((هل جعلتم في هذه الشاة سمّاً؟)) قالوا: نعم، قال: ((ما حملكم على ذلك؟)) قالوا: أردنا إن كنت كاذباً نستريح، وإن كنت نبيّاً لم يضرك. انتهى. قال ابن إسحاق كَّلُ: لما اطمأنّ النبيّ وَ ◌ّر بعد فتح خيبر أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلّام بن مِشْكُم شاةً مشويةً، وكانت سألت: أيّ عضو من الشاة أحب إليه؟ قيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السمّ، فلما تناول الذراع لاك منها مُضْغة، ولم يسغها، وأكل معه بشر بن البراء، فأساغ لقمته، فذكر القصّة، وأنه صَفَح عنها، وأن بشر بن البراء مات منها . وروى البيهقيّ من طريق سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة: أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله والده شاة مسمومةً، فأكل، فقال لأصحابه: ((أمسكوا، فإنها مسمومة))، وقال لها: ((ما حملك على ذلك؟)) قالت: أردت إن كنت نبيّاً، فيُطلعك الله، وإن كنت كاذباً، فأريح الناس منك، قال: فما عرض لها . ومن طريق أبي نضرة، عن جابر نحوه، فقال: فلم يعاقبها. وروى عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن معمر، عن الزهريّ، عن أُبَيّ بن كعب مثله، وزاد: فاحتجم على الكاهل، قال: قال الزهريّ: فأسلمت، فتركها، قال معمر: والناس يقولون: قتلها . وأخرج ابن سعد عن شيخه الواقديّ بأسانيد متعددة له هذه القصة مطوّلة، ٣٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى وفي آخره: قال: فدفعها إلى وُلاة بشر بن البراء، فقتلوها، قال الواقديّ: وهو الثبْتُ. وأخرج أبو داود من طريق يونس، عن الزهريّ، عن جابر نحو رواية معمر عنه، وهذا منقطع؛ لأن الزهريّ لم يسمع من جابر، ومن طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، نحوه مرسلاً، قال البيهقيّ: وصله حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. قال البيهقيّ: يَحْتَمِل أن يكون تركها أوّلاً، ثم لمّا مات بشر بن البراء من الأكلة قتلها، وبذلك أجاب السهيليّ، وزاد: أنه كان تركها؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر قصاصاً. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون تركها؛ لكونها أسلمت، وإنما أخر قتلها حتى مات بشر؛ لأن بموته تحقق وجوب القصاص بشرطه. ووافق موسى بن عقبة على تسميتها زينب بنت الحارث، وأخرج الواقديّ بسند له عن الزهريّ: أن النبيّ ◌َ ﴿ قال لها: ((ما حملك على ما فعلتِ؟)) قالت: قتلت أبي، وعمي، وزوجي، وأخي، قال: فسألت إبراهيم بن جعفر، فقال: عمها يسار، وكان من أجبن الناس، وهو الذي أنزل من الرَّفّ، وأخوها زبير، وزوجها سلّام بن مِشْكم. ووقع في ((سنن أبي داود)): أخت مرحب، وبه جزم السهيليّ، وعند البيهقيّ في ((الدلائل)): بنت أخي مرحب، ولم ينفرد الزهري بدعواه أنها أسلمت، فقد جزم بذلك سليمان التيميّ في ((مغازيه))، ولفظه بعد قولها: وإن كنت كاذباً أَرَحْتُ الناس منك، وقد استبان لي الآن أنك صادق، وأنا أُشهدك، ومن حضر أني على دينك، وأن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، قال: فانصرف عنها حين أسلمت(١). (فَأَكَلَ) النبيّ ◌َّ (مِنْهَا)؛ أي: من تلك الشاة؛ أي: من لحمها، (فَجِيءَ بِهَا)؛ أي: بتلك المرأة (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ)؛ أي: عن جَعْلها السمّ في تلك الشاة، وتقدّم في حديث أبي هريرة ◌َُّه بلفظ: ((ما حَمَلكِ على (١) ((الفتح)) ٣٤٧/٩ - ٣٤٨، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٢٤٩). ٣٧ (٣) - بَابُ السُّمِّ - حديث رقم (٥٦٩٣) ذلك؟)) (فَقَالَتْ) المرأة (أَرَدْتُ لأَقْتُلَكَ) وتقدّم في مرسل الزهريّ: ((قال لها: ما حملك على ما فعلتِ؟، قالت: قتلت أبي، وعمي، وزوجي، وأخي)). (قَالَ) وَهِ ((مَا) نافية، (كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ)))؛ أي: على قتلي؛ لأن الله تعالى يعصمني من ذلك، فقد قال الله : ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِ﴾ الآية [المائدة: ٦٧]. (قَالَ) الراوي (أَوْ) للشكّ من الراوي، (قَالَ تَّى: عَلَيَّ) بدل قوله: ((على ذلك))، (قَالَ) أنس (قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرين للقصّة، (أَلَا نَقْتُلُهَا؟) قال النوويّ كَّلُ: وقولهم: ((ألا نقتلها)) هي بالنون في أكثر النسخ، وفي بعضها بتاء الخطاب. انتهى؛ أي: ألا تستحقّ قتلها؛ لأنها نقضت العهد، وسمّت النبيّ وَّ؟ (قَالَ) وَّر (لَا))) تقتلوها؛ وذلك لأنه وَّه لا ينتقم لنفسه، أو لأنها أسلمت، فعفا عنها تعظيماً للإسلام، لكن لَمّا مات بعدُ، بشر بن البراء دفعها لأوليائه، فقتلوها قصاصاً. وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((ألا تقتلها؟ قال: لا)) هذه رواية أنس أنَّه لم يقتلها، وقد وافقه على ذلك أبو هريرة فيما رواه عنه ابن وهب، وقد رَوَى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن أنَّه قتلها، وفي رواية ابن عباس أنَّه دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها، ويصح الجمع، بأن يقال: إنه لم يقتلها أوّلاً بما فعلت، من تقديم السُّم إليهم، بل حتى مات بشر، فدفعها إليهم فقتلوها. انتهى(١). وقال النوويّ كَّلُهُ: واختَلَف الآثار، والعلماء، هل قتلها النبيّ وَّو أم لا؟ فوقع في ((صحيح مسلم)) أنهم: ((قالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا))، ومثله عن أبي هريرة، وجابر، وعن جابر من رواية أبي سلمة، أنه وَلير قتلها، وفي رواية ابن عباس أنه وَلقر دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور ﴿ه، وكان أكل منها، فمات بها، فقتلوها، وقال ابن سحنون: أجمع أهل الحديث أن رسول الله ﴿ قتلها، قال القاضي عياض: وجه الجمع بين هذه الروايات، والأقاويل، أنه ◌َّه لم يقتلها أوّلاً حين اطّلع على سمّها، وقيل له: ألا نقتلها؟ فقال: لا، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلّمها لأوليائه، فقتلوها قصاصاً، (١) ((المفهم)) ٥٨٦/٥. ٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى فيصح قولهم: لم يقتلها؛ أي: في الحال، ويصح قولهم: قتلها؛ أي: بعد ذلك، والله أعلم. انتهى(١). (قَالَ) أنس (فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا)؛ أي: أعرف علامة ذلك السمّ، وأثره، كأنه بقي للسم علامة، وأثر من سواد أو غيره، (فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ وَلِ﴿) جمع لَهَات بفتح اللام، قال الجوهريّ: اللهاة: الْهَنَة المطَبَّقة في أقصى سقف الحلق، والجمع اللَّها، واللَّهَوات، واللَّهَيات، وقال عياض: هي اللحمة التي بأعلى الحنجرة، من أقصى الفم، وقال الداوديّ: لهواته ما يبدو مِنْ فيه عند التبسم، وفي ((المُغرب)): اللهاة لحمة مُشْرفة على الحلق. انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله (يچ))؛ أي: أعرف أثرها، فإِمَّا بتغيّر لون اللَّهوات، وإمَّا بنتوءٍ، أو تحفير فيها، واللهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك، قاله الأصمعيّ، وقيل: هي ما بين منقطع اللِّسان إلى منقطع أصل الفم من أعلاه. (٣) انتھی(٣) . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ظُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٩٣/٣ و٥٦٩٤] (٢١٩٠)، و(البخاريّ) في ((الهبة)) (٢٦١٧) و((الجهاد)) (٣١٧٥) و((بدء الخلق)) (٣٢٦٨) و((الطبّ)) (٥٧٦٣) و((الأدب)) (٦٠٦٣) و((الدعوات)) (٦٣٩١) وفي ((الأدب المفرد)) (١٢٢/١)، و(أبو داود) في ((الديات)) (٤٥٠٨)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٥٩٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٨/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٤٣/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٦/٨ و١١/١٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٧٩. (٣) ((المفهم)) ٥٧٦/٥. (٢) ((عمدة القاري)) ١٧١/١٣. ٣٩ (٣) - بَابُ السُّمِّ - حديث رقم (٥٦٩٤) ١ - (منها): بيان ما أظهر الله تعالى من معجزات النبيّ وَل﴿ حيث كلَّمه الجماد، ولم يؤثر فيه السُّم، وعلم ما غُيِّب عنه من السُّم. ٢ - (ومنها): بيان أن السُّموم لا تؤثر بذواتها، بل بإذن الله تعالى ومشيئته، ألا ترى أن السُّم أثّر في بِشْر ◌َظُه، ولم يؤثّر في النبيّ وَّر، فلو كان يؤثر بذاته لأثّر فيهما في الحال؟ !. ٣ - (ومنها): أن القتل بالسُّم كالقتل بالسِّلاح الذي يوجب القصاص، وهو قول مالك إذا استكرهه على شربه، فيُقتل بمثل ذلك، وقال الكوفيون: لا قصاص في ذلك، وفيه الدِّية على عاقلته، قالوا: ولو دسَّه له في طعام، أو شراب لم يكن عليه شيء، ولا عاقلته، وقال الشافعيّ: إذا فَعَل ذلك به وهو مكره، ففيه قولان: أحدهما: عليه القود، وهو أشبهها . والثاني: لا قود عليه، وإن وضعه له، فأخبره، فأخذه الرَّجل، فأكله، فلا عقل، ولا قود، ولا كفارة، ذكره القرطبيّ ◌َّهُ(١). ٤ - (ومنها): بيان جواز أكل طعام من يَحِلّ أكل طعامه دون أن يسأل عن أصله، وفيه حَمْل الأمور على السلامة حتى يقوم دليل على غيرها، وكذلك حكم ما بيع في سوق المسلمين، وهو محمول على السلامة حتى يتبيّن خلافها(٢). ٥ - (ومنها): بيان عصمته و184م من الناس كلهم، كما قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسُِ﴾، وهي معجزة رسول الله بَّ في سلامته من السم المهلك لغيره، وفي إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام عضو من تلك الشاة له وَلّ، فقد جاء في غير ((صحيح مسلم)) أنه وَ لاير قال: ((إن الذراع تخبرني أنها مسمومة))، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٩٤] (.) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ زَيْدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يُحَدِّثُ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَعَلَتْ سَمّاً فِي لَحْمِ، ثُمَّ أَنَتْ بِهِ رَسُولَ اللهِ وََّ بِنَحْوِ حَدِيثٍ خَالِدٍ). (١) ((المفهم)) ٥٧٦/٥ - ٥٧٧. (٢) ((عمدة القاري)) ١٧١/١٣. ٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو موسى الحمّال البغداديّ، تقدّم قريباً. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أَنَّ يَهُودِيَّةً) تقدّم أن اسمها زينب بنت الحارث، أخت مرحب اليهوديّ. وقوله: (جَعَلَتْ سَمّاً فِي لَحْم) تقدّم أنه بفتح السين، وضمها، وكسرها، ثلاث لغات، الفتح أفصح، وجمعهً سِمَام، وسُمُوم. [تنبيه]: رواية شعبة عن هشام بن زيد هذه ساقها الإمام أحمد تَُّ في ((مسنده))، فقال: (١٣٣٠٩) - حدثنا رَوْحُ، ثنا شعبة، قال: سمعت هشام بن زيد، قال: سمعت أنس بن مالك يحدّث، أن يهوديّة جَعَلت سماً في لحم، ثم أتت به رسول الله وَّل، فأكل منه رسول الله وَله، فقال: ((إنها جعلت فيه سُمّاً))، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتلها؟ قال: ((لا))، قال: فجعلت أعرف ذلك في لهوات رسول الله صلى. انتهى (١). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٤) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ رُقْيَةِ الْمَرِيضِ) ((الرُّقية)) بضمّ الراء، وسكون القاف، جمعه رُقّى، بضم، ففتح، مقصوراً، يقال: رَقَى بالفتح في الماضي، يَرْقِي بالكسر في المستقبل، ورَقِيت فلاناً بكسر القاف، أَرْقِيه، واسترقى: طلب الرُّقية، والجمع بغير همز، وهو بمعنى التعويذ، بالذال المعجمة، قاله في ((الفتح))(٢). (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢١٨/٣. (٢) ((الفتح)) ١٥٤/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٣٥).