النص المفهرس
صفحات 1-20
التِ الخَيُظُ التّاعِ في شرح صَع الأمْطِ مُسُلُ الَّخَارِ لَجَامِعِهِ الْفَقِيْرِ المِصَوْلَه الغَنِالْقَدِرُ ◌ُقَدَابر الشُّ العُلَّمَ بَكِ ◌ّنْ آدَمُ بنُمُوسَ الإنْيُوُالوَلْوِيّ مُخْوَيَدْمِ الْعِلْمُ بِمَكّة المُكرَّة عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وعَن ◌َالديه آمين المجَلَّهُ السَّادِسُ وَالثَّلاثون كِتَابُ: الطِّب، والمرضَى وَالرُّقى - قَتْل الحَيَّات، وَغَيْهَا. الألفَاظُ مِنَ الأُدْبِ وَغَيرِهِ- الشِّعْر رقم الأحاديث (٥٦٩١ - ٥٨٨٢) دارابن الجوزي بِشِـ الِالخُطَ التجاري في شرح جَعُ الأمُظُمُالُ الْجَار ٣٦ جِقُوق الطّرِّعْ محفوظة لِدارابن الجوزي الطَّبَعَة الأولى ١٤٣٥هـ حقوق الطبع محفوظة C ١٤٣٥هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. ابن 5 للنشر والتوزيع دارابن الجوزي للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٥٧ الرمز البريدي: ٣٢٢٥٣ - الرقم الإضافي: ٨٤٠٦ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٣٨٨ تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com (٢) - بَابُ السُّحْرِ براه الرحمن الرحيم ليلة الخميس الثانية عشرة من شهر ربيع الثاني ٤/١٢/ ١٤٣٢ هـ بدأتُ كتابةَ أول الجزء السادس والثلاثين من شرح ((صحيح الإمام مسلم) المسمّى ((البحر المحيط النجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج، رحمه الله تعالى. (٢) - (بَابُ السِّحْرِ) مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في ضبط السحر، ومعناه: قال في ((القاموس))، و((شرحه)): ((السِّخْر)) - أي: بكسر السين، وسكون الحاء المهملتين -: كُلُّ ما لَطْف مأُخَذُه، ودَقَّ، والجمْع أسْحارٌ وسُحُورٌ، والفِعْلُ كمَنعَ. وقوله: ((إنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً)). قال أبو عُبَيْد: كأنّ مَعْنَاهُ - والله أعلم - أنَّه يَبْلُغ من ثَنائِه أنه يَمْدَحُ الإنسانَ، فَيَصْدُقُ فيه حتّى يَصْرِفَ قُلُوبَ السَّامِعين إليه؛ أَي: إلى قَوْله، ويَذُمُّه فيَصْدُقُ فيه حتَّى يَصْرِفَ قُلوبَهُم أيضاً عنه إلى قَولهِ الآخَرِ. فكأنه سَحَر السامعينَ بذلك. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ تَظُّْهُ: قال ابن فارس: ((السِّحْرُ)): إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخديعة، وسَحَرَهُ بكلامه: استماله برقّته، وحُسْن تركيبه، قال الإمام فخر الدين في ((التفسير)): ولفظ السِّحْرِ في عُرف الشرع مختصّ بكل أمر يَخْفَى سببه، ويُتَخَيَّل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، قال تعالى: ﴿يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِخْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾ [طه: ٦٦]. وإذا أُطلق ذُمّ فاعله، وقد يُستعمل مقيّداً فيما يُمدح ويُحمد، نحو قوله بَّهِ: ((إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً))؛ أي: (١) وذلك مع الأذان لصلاة العشاء ١٤٣٢/٤/١٢ هـ. (٢) ((تاج العروس)) ٢٩٢٨/١. ٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى إن بعض البيان سِحْرٌ؛ لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه، فيستميل القلوب كما تُستمال بِالسِّحْرِ، وقال بعضهم: لَمّا كان في البيان من إبداع التركيب، وغرابة التأليف ما يجذب السامع، ويخرجه إلى حدّ يكاد يشغله عن غيره شُبِّه بِالسِّحْرِ الحقيقيّ، وقيل: هو السِّحْرُ الحلال. انتھی (١). (المسألة الثانية): في أنواع السحر: قال الراغب الأصفهانيّ وغيره: السحر يُطلق على معانٍ: [أحدها]: ما لَطُف، ودَقّ، ومنه سَحَرت الصبيّ: خادعته، واستملته، وكلُّ من استمال شيئاً، فقد سحره، ومنه إطلاق الشعراء سِحْر العيون؛ لاستمالتها النفوس، ومنه قول الأطباء: الطبيعة ساحرة، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْخُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥]؛ أي: مصروفون عن المعرفة، ومنه حديث: ((إن من البيان لسحراً))، رواه البخاريّ. [الثاني]: ما يقع بخداع، وتخييلات، لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ، من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾، وقوله تعالى: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، ومن هناك سَمّوا موسى ساحراً، وقد يستعين في ذلك بما يكون فيه خاصيّة كالحَجَر الذي يجذب الحديد المسمى المغنطيس. [الثالث]: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ اَلْسِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. [الرابع]: ما يحصل بمخاطبة الكواكب، واستنزال روحانياتها بزعمهم، قال ابن حزم: ومنه ما يوجد من الطلسمات، كالطابَع المنقوش، فيه صورة عقرب، في وقت كون القمر في العقرب، فينفع إمساكه من لدغة العقرب، وكالْمُشاهَد ببعض بلاد الغرب، وهي سَرَقُسْطة، فإنها لا يدخلها ثعبان قط، إلا إن كان بغير إرادته، وقد يَجمع بعضهم بين الأمرين الأخيرين، كالاستعانة (١) ((المصباح المنير)) ٢٦٧/١ - ٢٦٨. ٧ (٢) - بَابُ السِّحْرِ بالشياطين، ومخاطبة الكواكب، فيكون ذلك أقوى بزعمهم، قال أبو بكر الرازيّ في ((الأحكام)) له: كان أهل بابل قوماً صابئين، يعبدون الكواكب السبعة، ويسمونها آلهة، ويعتقدون أنها الفعالة لكل ما في العالم، وعملوا أوثاناً على أسمائها، ولكل واحد هيكل، فيه صنمه، يُتقرّب إليه بما يوافقه بزعمهم، من أدعية، وبَخور، وهم الذين بُعث إليهم إبراهيم علا، وكانت علومهم أحكام النجوم، ومع ذلك فكان السحرة منهم يستعملون سائر وجوه السحر، وينسبونها إلى فعل الكواكب؛ لئلا يُبْحَث عنها، ويَنكشف تمويههم. انتھی. [تنبيه]: السحر يُطلَق، ويراد به الآلة التي يُسحر بها، ويطلق ويراد به فعل الساحر، والآلة تارةً تكون معنى من المعاني فقط؛ كالرُّقَى، والنفث في العُقَد، وتارةً تكون بالمحسوسات؛ كتصوير الصورة على صورة المسحور، وتارةً بجمع الأمرين الحسيّ والمعنويّ، وهو أبلغ، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في السحر: (اعلم) أنه اختُلِف في السحر، فقيل: هو تخييل فقط، ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبي جعفر الاسترباذيّ من الشافعية، وأبي بكر الرازيّ من الحنفية، وابن حزم الظاهريّ، وطائفة، قال النوويّ: والصحيح أن له حقيقةً، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسُّنَّة الصحيحة المشهورة. انتھی. لكن محل النزاع: هل يقع بالسحر انقلاب عين، أو لا؟ فمن قال: إنه تخييل فقط مَنَع ذلك، ومن قال: إن له حقيقةً، اختلفوا هل له تأثير فقط، بحيث يغير المزاج، فيكون نوعاً من الأمراض، أو ينتهي إلى الإحالة، بحيث يصير الجماد حيواناً مثلاً، وعكسه؟ فالذي عليه الجمهور هو الأول، وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني، فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلَّم، وإن كان بالنظر إلى الواقع، فهو محل الخلاف، فإن كثيراً ممن يَدَّعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه . ونقل الخطابيّ أن قوماً أنكروا السحر مطلقاً، وكأنه عني القائلين بأنه تخييل فقط، وإلا فهي مكابرة. ٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى وقال المازريّ: جمهور العلماء على إثبات السحر، وأن له حقيقةً، ونَفَى بعضهم حقيقته، وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة، وهو مردود؛ لورود النقل بإثبات السحر، ولأن العقل لا يُنكر أن الله قد يخرق العادة عند نُطق الساحر بكلام ملفَّق، أو تركيب أجسام، أو مزج بين قُوّى على ترتيب مخصوص، ونظير ذلك ما يقع من حُذاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض، حتى ينقلب الضارّ منها بمفرده بالتركيب نافعاً، وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكر الله تعالى في قوله: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه٤ِ﴾ [البقرة: ١٠٢]؛ لكون المقام مقام تهويل، فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لَذَكره. قال المازريّ(١): والصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، قال: والآية ليست نصّاً في منع الزيادة، ولو قلنا: إنها ظاهرة في ذلك. انتهى، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في الفرق بين السحر، والمعجزة، والكرامة: (اعلم): أن السحر - كما قال المازريّ - يكون بمعاناة أقوال، وأفعال، حتى يتمّ للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، بل إنما تقع غالباً اتّفاقاً، وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدِّي، ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق، وأن الكرامة لا تظهر على فاسق، ونقل النوويّ في زيادات ((الروضة)) عن المتوليّ نحو ذلك، وينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه، فإن كان متمسِّكاً بالشريعة، متجنِّباً للموبقات، فالذي يظهر على يده من الخوارق كرامة، وإلا فهو سحر؛ لأنه ينشأ عن أحد أنواعه؛ كإعانة الشياطين، ذكره في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الخامسة): قال الإمام البخاريّ تَخْلُهُ في ((صحيحه)): ((باب السحر))، وقول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَ تَكْفُرُّ فَيَتَعَلَّمُونَ (١) ((المعلم)) ٩٤/٣. (٢) ((الفتح)) ١٩٨/١٣ - ٢٠٠، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٣). ٩ (٢) - بَابُ السُّحْرِ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ وَيَنَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمَّ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ أَشْتَرَّئُهُ مَا لَهُ فِ اَلْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ وَلَبِْسَ مَا شَرَوْا بِهِ، أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٠٢]. قال في ((الفتح)) في شرح هذا الموضع: قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَغَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ﴾ الآية)): في هذه الآية بيان أصل السحر الذي يعمل به اليهود، ثم هو مما وضعته الشياطين على سليمان بن داود لِلسَّاهِ ومما أُنزل على هاروت وماروت بأرض بابل، والثاني متقدم العهد على الأول؛ لأن قصة هاروت وماروت كانت من قبل زمن نوح معظلّل على ما ذكر ابن إسحاق وغيره، وكان السحر موجوداً في زمن نوح علا إذ أخبر الله عن قوم نوح أنهم زعموا أنه ساحر، وكان السحر أيضاً فاشياً في قوم فرعون، وكل ذلك قبل سليمان، واختُلِف في المراد بالآية: فقيل: إن سليمان كان جَمَعَ كُتُب السحر والكهانة، فدفنها تحت کرسیه، فلم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسيّ، فلما مات سليمان، وذهب العلماء الذين يعرفون الأمر جاءهم شيطان في صورة إنسان، فقال لليهود: هل أدلكم على كنز لا نظير له؟ قالوا: نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسيّ، فحفروا، وهو متنجِّ عنهم، فوجدوا تلك الكتب، فقال لهم: إن سليمان كان يضبط الإنس والجن بهذا، ففشا فيهم أن سليمان كان ساحراً، فلما نزل القرآن بذكر سليمان في الأنبياء أنكرت اليهود ذلك، وقالوا: إنما كان ساحراً، فنزلت هذه الآية. أخرجه الطبريّ وغيره عن السديّ، ومن طريق سعيد بن جبير بسند صحيح نحوه، ومن طريق عمران بن الحارث عن ابن عباس موصولاً بمعناه. وأخرج من طريق الربيع بن أنس نحوه، ولكن قال: إن الشياطين هي التي کتبت گُتُب السحر، ودفنتها تحت کرسیه، ثم لما مات سلیمان استخرجته، وقالوا: هذا العلم الذي كان سليمان يكتمه الناس. وأخرجه من طريق محمد بن إسحاق، وزاد: أنهم نقشوا خاتماً على نقش خاتم سليمان، وختموا به الكتاب، وكتبوا عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخياء الصديق للملك سليمان بن داود، من ذخائر كنوز العلم، ثم دفنوه، فذكر نحو ما تقدم. ١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى وأخرج من طريق العَوْفيّ عن ابن عباس نحو ما تقدم عن السديّ، ولكن قال: إنهم لمّا وجدوا الكتب قالوا: هذا مما أنزل الله على سليمان، فأخفاه منا. وأخرج بسند صحيح عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: انطلقت الشياطين في الأيام التي ابتُلِيَ فيها سليمان، فكَتَبَتْ كتباً فيها سحر، وكُفر، ثم دفنتها تحت كرسيه، ثم أخرجوها بعده، فقرؤوها على الناس. ومُلَخَّص ما ذُكر في تفسير هذه الآية أن المحكيّ عنهم أنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين هم أهل الكتاب؛ إذ تقدم قبل ذلك في الآيات إيضاح ذلك، والجملة معطوفة على مجموع الجمل السابقة، من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ﴾ إلى آخر الآية، و﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا تَنْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ موصولة على الصواب، وغَلِطَ من قال: إنها نافية؛ لأن نَظْم الكلام يأباه، و﴿نَتْلُواْ﴾ لفظه مضارع، لكن هو واقع موقع الماضي، وهو استعمال شائع، ومعنى ﴿تَثْلُواْ﴾ تتقوّل، ولذلك عدّاه بـ((على))، وقيل: معناه: تتّبع، أو تقرأ، ويحتاج إلى تقدير، قيل: هو تقرأ على زمان ملك سليمان. وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ﴾: ﴿مَا﴾ نافية جزماً. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُوا﴾ هذه الواو عاطفة لجملة الاستدراك على ما قبلها . وقوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾: ﴿النَّاسِ﴾ مفعول أول، و﴿السِّحْرٌ﴾ مفعول ثان، والجملة حال من فاعل ﴿كَفَرُواْ﴾؛ أي: كفروا معلِّمين، وقيل: هي بدل من ﴿كَفَرُواْ﴾، وقيل: استئنافية، وهذا على إعادة ضمير ﴿يَعْلَمُونَ﴾ على الشياطين، ويَحْتَمِل عوده على ﴿الَّذِينَ أَتُّبِعُوا﴾، فيكون حالاً من فاعل ﴿أَتَّبَعُواْ﴾، أو استئنافاً . ﴾ موصولة، ومحلها النصب عطفاً على وقوله: ﴿وَمَا أُنزِلََ ﴿السِّحْرَ﴾، والتقدير: يعلّمون الناس السحر، والْمُنْزَلَ على الملكين، وقيل: الجرّ عطفاً على ﴿مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾؛ أي: تقوّلاً على ملك سليمان، وعلى ما أُنزل، وقيل: بل هي نافية عطفاً على ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ﴾، والمعنى: ولم يَنزِل على الملكين إباحة السحر، وهذان الإعرابان ينبنيان على ما جاء في تفسير الآية عن البعض، والجمهور على خلافه، وأنها موصولة، ورَدّ الزجّاج ١١ (٢) - بابُ السِّحْرِ على الأخفش دعواه أنها نافية، وقال: الذي جاء في الحديث، والتفسير أَولى. وقوله: ﴿بِبَابِلَ﴾ متعلق ب﴿مَآ أَنَزَلَ﴾؛ أي: في بابل، والجمهور على فتح لام الملكين، وقُرئ بكسرها، وهاروت وماروت بدل من الملكين، وَجُرّا بالفتحة، أو عَظْف بيان، وقيل: بل هما بدل من الناس، وهو بعيد، وقيل: من الشياطين، على أن هاروت وماروت اسمان لقبيلتين من الجنّ، وهو ضعيف. وقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ بالتشديد من التعليم، وقرئ في الشاذّ بسكون العين، من الإعلام، بناءً على أن التضعيف يتعاقب مع الهمزة، وذلك أن الملكين لا يُعَلِّمان الناسَ السحرَ، بل يُعْلمانهم به، وينهيانهم عنه، والأول أشهر. وقد قال عليّ: الملكان يعلمان تعليم إنذار، لا تعليم طلب. وفي إيراد البخاريّ هذه الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر؛ لقوله فيها: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ اَلْسِّحْرَ﴾، فإن ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفر، وكذا قوله في الآية على لسان الملكين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَهُ فَلَ تَكْفُرْ﴾، فإن فيه إشارةً إلى أن تعلّم السحر كفر، فيكون العمل به كفراً، قال الحافظ: وهذا كله واضح على ما قررته من العمل ببعض أنواعه، وقد زعم بعضهم أن السحر لا يصح إلا بذلك، وعلى هذا فتسمية ما عدا ذلك سحراً مجاز، كإطلاق السحر على القول البليغ. وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن من حديث ابن عمر، في ((مسند أحمد))، وأطنب الطبريّ في إيراد طرقها، بحيث يقضي بمجموعها على أن للقصة أصلاً، خلافاً لمن زعم بطلانها؛ كعياض، ومن تبعه، ومُحَصّلها أن الله رَكَّب الشهوة في ملكين من الملائكة اختباراً لهما، وأمرهما أن يحكما في الأرض، فنزلا على صورة البشر، وحكما بالعدل مدةً، ثم افتُتِنا بامرأة جميلة، فعوقبا بسبب ذلك، بأن حُبِسا في بئر ببابل منكسين، وابتليا بالنطق بعلم السحر، فصار يقصدهما من يطلب ذلك، فلا ينطقان بحضرة أحد، حتى يُحَذِّراه، وينهياه، فإذا أصرّ تكلما بذلك ليتعلم منهما ذلك، وهما قد عرفا ذلك، فيتعلم منهما ما قصّ الله عنهما، والله أعلم. انتهى(١). (١) ((الفتح)) ٢٠١/١٣ - ٢٠٤، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٣). ١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٩١] (٢١٨٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَهُودِيٌّ، مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ، يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَم، قَالَتْ: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ، أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ، دَعَا رَسُولُ اللهِوَهِ، ثُمَّ دَهَا، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتٍ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، جَاءَنِي رَجُلَانٍ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِيٍ، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ، أَوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِيٍ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ، وَمُشَاطَةٍ، قَالَ: وَجُبٌّ(١) طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِثْرِ ذِي أَرْوَانَ»، قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ وَهـ فِي أَنَاسِ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟، قَالَ: ((لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرَأْ، فَأَمَرْتُ بِهَا، فَدُفِنَتْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الهَمْداني الكوفي، ثقة حافظ [١٠] تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٢ - (ابنُ نُمَيْرٍ) عبد الله بن نُمير الهمداني الكوفي، ثقة حافظ، من كبار [٩] تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (هِشَامُ) بنُ عروة، أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، ربما دلَّس [٥] تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور، [٣] تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٠٧. ٥ - (عائشةُ) أم المؤمنين ﴿ُنا، تقدمت في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣١٥. (١) وفي نسخة: ((وجفّ)). ١٣ (٢) - بَابُ السِّحْرِ - حديث رقم (٥٦٩١) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف كَّلُ، وأن شيخه أحد التسعة الذين روی عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة أعلم نساء الأمة، ومن المكثرين السبعة شرح الحديث: (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير، قال في ((الفتح)): قوله: ((عن أبيه)) وقع في رواية يحيى القطان عن هشام: حدّثني أبي، وسيأتي في رواية ابن عيينة، عن ابن جريج: ((حدّثني آل عروة))، ووقع في رواية الحميديّ، عن سفيان، عن ابن جريج: ((حدّثني بعض آل عروة، عن عروة))، وظاهره أن غير هشام أيضاً حدَّث به عن عروة، وقد رواه غير عروة عن عائشة، كما سابيّنه، وجاء أيضاً من حدَّيث ابن عباس، وزيد بن أرقم، وغيرهما. انتهى(١). (عَنْ عَائِشَةَ) ﴿َّا أنها (قَالَتْ: سَحَرَ) تقدّم أنه من باب منع، (رَسُولَ اللهِ ﴿ يَهُودِيٌّ) مرفوع على الفاعليّة، و((رسولَ)) مفعول مقدّم عليه؛ أي: رجل منسوب إلى يهود القبيلة المعروفة، يقال: هو يهودُ غير منصرف؛ للعَلَميّة وزن الفعل، ويجوز دخول الألف واللام، فيقال: اليهود، وعلى هذا فلا يمتنع التنوين؛ لأنه نُقل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء، قاله الفيّوميّ (٢). (مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ) بزاي قبل الراء، مصغّراً، قال في ((القاموس))، و((شرحه)): وبَنُو زُرَيْقٍ: خلقٌ من الأنصارِ، والنِّسْبَةُ إليهم زُرَقِيٌّ، كجُهَنِيٌّ، وهم: بَنُو زُرَيْقِ بنِ عامِرٍ بِنِ زُرَيْق بنِ عَبْد حارِثَةَ بن مالكِ بن غَضْبِ الخَزْرَجِيّ، إليه يَرْجعُ كل زُرَقِيٍّ، ما خلا زُرَيْقَ ثَعْلَبَةِ طَيِّيٍ، وأَخُوه بَياضةُ بن عامِرٍ بن زُرَيْقٍ، وقد يُقال لهم: زُرَقِيُّونَ أيضاً، وهم بالبياضِيِّينَ أَفْعَدُ في العَزْوَةِ، قالهُ الشَّرِيفُ الجَوّانِيُّ في المُقَدّمَةِ الفاضِلِيّة. انتهى (٣). (١) ((الفتح)) ٢٠٥/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٣). (٢) ((المصباح المنير)) ٦٤٢/٢. (٣) (تاج العروس)) ٦٣٥٥/١. ١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى (يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ) بفتح اللام، وكسر الموحدة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم مهملة، (ابْنُ الأَعْصَم) - بوزن أحمر، بمهملتين - ووقع في رواية ابن عيينة عند البخاريّ: ((رجلٌ منَ بني زُريق، حليف اليهود، وكان منافقاً))، ويُجمع بينهما بأن من أطلق أنه يهوديّ نظر إلى ما في نفس الأمر، ومن أطلق عليه منافقاً نظر إلى ظاهر أمره. وقال ابن الجوزيّ: هذا يدل على أنه كان أسلم نفاقاً، وهو واضح، وقد حَكَى عياض في ((الشفاء)) أنه كان أسلم، ويَحْتَمِل أن يكون قيل له: يهوديّ؛ لكونه كان من حلفائهم، لا أنه كان على دينهم، وبنو زُريق بطن من الأنصار مشهور، من الخزرج، وكان بين كثير من الأنصار، وبين كثير من اليهود قبل الإسلام حِلْفٌ، وإخاء، ووُدّ، فلما جاء الإسلام، ودخل الأنصار فيه تبرؤوا منهم (١) . [تنبيه]: قد بَيّن الواقديّ السَّنة التي وقع فيها السحر للنبيّ وَّ، أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم مرسلاً، قال: لما رجع رسول الله وَلا قه من الحديبية في ذي الحجة، ودخل المحرَّم من سنة سبع جاءت رؤساء اليهود إلى ◌َبِيد بن الأعصم، وكان حليفاً في بني زريق، وكان ساحراً، فقالوا له: يا أبا الأعصم أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمداً، فلم نصنع شيئاً، ونحن نجعل لك جُعْلاً على أن تسحره لنا سحراً ینکؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانیر. ووقع في رواية أبي ضمرة، عند الإسماعيليّ: فأقام أربعين ليلةً، وفي رواية وهيب، عن هشام عند أحمد: ستة أشهر. ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه، والأربعين يوماً من استحكامه، وقال السهيليّ: لم أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث النبيّ وَّر فيها في السحر، حتى ظَفِرت به في ((جامع معمر)) عن الزهريّ أنه لبث ستة أشهر، قال الحافظ: كذا قال، وقد وجدناه موصولاً بإسناد الصحيح، فهو المعتمد. (قَالَتْ: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وَمَا يَفْعَلُهُ) قال المازريّ ◌َُّ(٢): أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يَحُطّ (١) ((الفتح)) ٢٠٥/١٣ - ٢٠٦، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٣). (٢) ((المعلم)) ٩٣/٣. ١٥ (٢) - بَابُ السِّحْرِ - حديث رقم (٥٦٩١) منصب النبوة، ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدَّى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا يُعْدِم الثقة بما شرعوه من الشرائع؛ إذ يَحْتَمِل على هذا أن يُخَيَّل إليه أنه يرى جبريل، وليس هو ثَمَّ، وأنه يوحَى إليه بشيء، ولم يوح إليه بشيء، قال المازريّ: وهذا كله مردود؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبيّ وَّ فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطلٌ، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يُبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عُرْضة لِمَا يعترض البشر، كالأمراض، فغير بعيد أن يُخَيَّل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين، قال: وقد قال بعض الناس: إن المراد بالحديث أنه كان ◌َّ يخيل إليه أنه وطىء زوجاته، ولم يكن وطأهن، وهذا كثيراً ما يقع تخيله للإنسان في المنام، فلا يبعد أن يُخَيَّل إليه في اليقظة . قال الحافظ: وهذا قد ورد صريحاً في رواية ابن عيينة عند البخاريّ، ولفظه: ((حتى كان يَرَى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهنّ))، وفي رواية الحميديّ: ((أنه يأتي أهله، ولا يأتيهم))، قال الداوديّ: ((يُرَى)) بضم أوله؛ أي: يَظُنّ، وقال ابن التين: ضبطت (يَرَى)) بفتح أوله، قال الحافظ: وهو من الرأي، لا من الرؤية، فيرجع إلى معنى الظنّ. وفي مرسل يحيى بن يعمر، عند عبد الرزاق: ((سُحِر النبيّ ◌َّ عن عائشة، حتى أنكر بصره))، وعنده في مرسل سعيد بن المسيِّب: ((حتى كاد يُنكر بصره))، قال عياض(١): فظهر بهذا أن السحر إنما تسلّط على جسده، وظواهر جوارحه، لا على تمييزه، ومعتقده. ووقع في مرسل عبد الرحمن بن كعب، عند ابن سعد: ((فقالت أخت لبيد بن الأعصم: إن يكن نبيّاً، فسيُخْبَر، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يذهب عقله))، قال الحافظ: فوقع الشق الأول، كما في هذا الحديث الصحيح. وقد قال بعض العلماء: لا يلزم من أنه كان يظنّ أنه فعل الشيء، ولم (١) ((إكمال المعلم)) ٨٨/٧. ١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر، ولا يثبت، فلا يبقى على هذا للملحد حجة. وقال عياض ◌َخْذَُّ(١): يَحْتَمِل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه، ما أَلِفه من سابق عادته من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فَتَرَ عن ذلك، كما هو شأن المعقود، ويكون قوله في الرواية الأخرى: «حتى كاد ينكر بصره))؛ أي: صار كالذي أنكر بصره بحيث أنه إذا رأى الشيء يُخَيَّل إليه أنه على غير صفته، فإذا تأمله عرف حقيقته، ويؤيد جميع ما تقدم أنه لم يُنقل عنه في خبر من الأخبار أنه قال قولاً، فكان بخلاف ما أخبر به. وقال المهلَّب ◌َُّهُ(٢): صون النبيّ وَّه من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده، فقد مضى في ((الصحيح)) أن شيطاناً أراد أن يُفسد عليه صلاته، فأمكنه الله منه، فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يُدخل نقصاً على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض، من ضعف عن الكلام، أو عجز عن بعض الفعل، أو حدوث تخيل لا يستمرّ، بل يزول، ويُبطل الله كيد الشياطين. واستَدَلّ ابنُ القصار على أن الذي أصابه كان من جنس المرض بقوله في آخر الحديث: ((أما أنا، فقد شفاني الله))، وفي الاستدلال بذلك نظر، لكن يؤيد المدَّعَى أن في رواية عمرة عن عائشة، عند البيهقيّ في ((الدلائل)): ((فكان يدور، ولا يدري ما وجعه؟)) وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد: ((مَرِض النبيّ وَل﴿، وأُخِذ عن النساء، والطعام، والشراب، فهبط عليه ملكان ... )) الحدیث. (حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمِ، أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ) وذات بالنصب ويجوز الرفع، ثم قيل: إنها مقحمة، وقيل: بل هي من إضافة الشيء لنفسه، على رأي من يُجيزه. [تنبيه]: قوله: ((أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ)) شكّ من الراوي، قال الحافظ: وأظنه من البخاريّ؛ لأنه أخرجه في ((صفة إبليس)) من ((بدء الخلق))، فقال: ((حتى كان (١) ((إكمال المعلم)» ٨٨/٧. (٢) راجع: ((شرح البخاريّ)) لابن بطال ٣٥٩/٥. ١٧ (٢) - بَابُ السِّحْرِ - حديث رقم (٥٦٩١) ذات يوم))، ولم يشكّ، ثم ظهر لي أن الشك فيه من عيسى بن يونس، وأن إسحاق بن راهويه أخرجه في ((مسنده)) عنه على الشكّ، ومن طريقه أخرجه أبو نعيم، فيُحمَل الجزم الماضي على أن إبراهيم بن موسى شيخ البخاريّ حدثه به تارةً بالجزم، وتارةً بالشكّ، ويؤيده ما سأذكره من الاختلاف عنه، وهذا من نوادر ما وقع في البخاريّ أن يُخرج الحديث تامّاً بإسناد واحد بلفظين، ووقع في رواية أبي أسامة الآتية قريباً: ((ذات يوم)) بغير شك. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ من نسبة الشكّ إلى عيسى بن يونس، محلّ نظر، فقد أخرجه مسلم هنا عن عبد الله بن نمير بالشكّ أيضاً، فالذي يظهر أن الشكّ من هشام، لا من عيسى، والله تعالى أعلم. (دَهَا رَسُولُ اللهِهِ، ثُمَّ دَهَا، ثُمَّ دَعَا) هذا هديه ◌َل﴿ من أنه يكرّر الدعاء ثلاث مرّات، قال النوويّ كَّلُ: فيه استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهات، وتكريره، والالتجاء إلى الله تعالى في دفع ذلك(٢). وقال الحافظ: سلك النبيّ وَّهر في هذه القصة مسلكي التفويض، وتعاطي الأسباب، ففي أول الأمر فَوَّض، وسَلَّم لأمر ربه، فاحتسب الأجر في صبره على بلائه، ثم لمّا تمادى ذلك، وخَشِي من تماديه أن يُضعفه عن فنون عبادته، جنح إلى التداوي، ثم إلى الدعاء، وكلّ من المقامين غاية في الكمال. انتهى(٣) وفي رواية البخاريّ: ((وهو عندي، لكنه دعا، ودعا))، قال الكرمانيّ كَّلُ: يَحْتَمِل أن يكون هذا الاستدراك من قولها: ((عندي))؛ أي: لم يكن مشتغلاً بي، بل اشتغل بالدعاء، ويَحْتَمِل أن يكون من التخيُّل؛ أي: كان السحر أضرَّه في بدنه، لا في عقله، وفَهْمه، بحيث إنه توجه إلى الله، ودعا على الوضع الصحيح، والقانون المستقيم. انتهى(٤). (١) ((الفتح)) ٢٠٨/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٣). (٢) (شرح النوويّ)) ١٤/ ١٧٥ - ١٧٦. (٣) ((الفتح)) ٢٠٨/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٣). (٤) (شرح البخاريّ)) للكرمانيّ ٣٧/٢١ - ٣٨. ١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى (ثُمَّ قَالَ) وَلِ: ((يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ) بفتح العين المهملة، قال: شَعَرت بالشيء شُعوراً، من باب قَعَدَ، وشِعْراً، وشِعْرَةً بكسرهما: عَلِمْت به، قاله الفيّوميّ(١)، وقال المجد: شَعَرَ به، كنصر، وكَرُم شِعْراً وشَعْراً، وشعرةً مثلَّثةً، وشِعْرَى: عَلِمَ به، وفَطِنَ لَهُ، وعَقَلَهُ. انتهى(٢)، فدلّ على أن فِعْله من بابي نصر، وکرُم، فتنبّه. (أَنَّ اللهَ) بفتح همزة ((أَنّ))؛ لوقوعها مفعولاً لـ((شَعَرتِ))، (أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ) وفي رواية الحميديّ: ((أفتاني في أمر استفتيته فيه))؛ أي: أجابني فيما دعوته، فأَطلق على الدعاء استفتاءً؛ لأن الداعي طالب، والمجيب مُفْتٍ، أو المعنى: أجابني بما سألته عنه؛ لأن دعاءه كان أن يُطْلِعه الله على حقيقة ما هو فيه؛ لِمَا اشْتَبَهَ عليه من الأمر، ووقع في رواية عمرة، عن عائشة: ((أن الله أنبأني بمرضي))؛ أي: أخبرني، وقوله: (جَاءَنِي رَجُلَانٍ) تفسير لِمَا أفتاه به، ووقع في رواية أبي أسامة: ((قلت: وما ذاك؟ قال: أتاني رجلان))، ووقع في رواية معمر، عند أحمد، ومرجأ بن رجاء، عند الطبرانيّ كلاهما عن هشام: ((أتاني ملكان))، وسمّاهما ابن سعد في رواية منقطعة: ((جبريل، وميكائيل)). (فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ) قال الحافظ تَُّ: لم يقع لي أيهما قعد عند رأسه، لكنني أظنه جبريل؛ لخصوصيته به منَّالا. ثم وجدت في (السيرة)) للدمياطي الجزم بأنه جبريل، قال: لأنه أفضل، ثم وجدت في حديث زيد بن أرقم عند النسائيّ، وابن سعد، وصححه الحاكم، وعبد بن حميد: (سَحَر النبيَّ ◌َّهِ رجلٌ من اليهود، فاشتكى لذلك أياماً، فأتاه جبريل، فقال: إن رجلاً من اليهود سَحَرك، عَقَد لك عَقْداً في بئر كذا))، فدَلّ مجموع الطرق على أن المسؤول هو جبريل، والسائل ميكائيل. انتهى(٣). (فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ، أَو) قال (الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي) فـ((أو)) للشّكّ من الراوي، وفي رواية البخاريّ: ((فقال أحدهما (١) ((المصباح المنير)) ٣١٥/١. (٢) ((القاموس المحيط)) ص٦٨٩ - ٦٩٠. (٣) ((الفتح)) ٢٠٩/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٦٣). ١٩ (٢) - بَابُ السِّحْرِ - حديث رقم (٥٦٩١) لصاحبه))، وفي رواية ابن عيينة عنده: ((فقال الذي عند رأسي للآخر))، وفي رواية الحميديّ: ((فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي))، قال الحافظ: وكأنها أصوب، وكذا هو في حديث ابن عباس، عند البيهقيّ. (مَا وَجَعُ الرَّجُلٍ؟) قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، وفي رواية ابن عيينة: ((ما بال الرجل؟))، وفي حديث ابن عباس عند البيهقيّ: ((ما ترى؟))، وفيه إشارة إلى أن ذلك وقع في المنام؛ إذ لو جاءا إليه في اليقظة لخاطباه، وسألاه، ويَحْتَمِل أن يكون كان بصفة النائم، وهو يقظان، فتخاطبا، وهو يسمع، وأطلق في رواية عمرة، عن عائشة أنه كان نائماً، وكذا في رواية ابن عيينة عند الإسماعيليّ: ((فانتبه من نومه ذات يوم))، قال الحافظ: وهو محمول على ما ذكرتُ، وعلى تقدير حَمْلها على الحقيقة، فرؤيا الأنبياء وحيٍّ، ووقع في حديث ابن عباس عند ابن سعد بسند ضعيف جدّاً: ((فهبط عليه ملكان، وهو بين النائم واليقظان)). (قَالَ) الملك المسؤول: (مَطْبُوبٌ)؛ أي: هو مسحورٌ(١)، يقال: طُبّ الرجلُ بالضم: إذا سُحِر، يقال: كَنَوْا عن السحر بالطبّ تفاؤلاً، كما قالوا اللَّديغ: سَلِيم، وقال ابن الأنباريّ: الطبّ من الأضداد، يقال لعلاج الداء: طِبّ، والسحرُ من الداء، ويقال له: طِبّ، وأخرج أبو عبيد من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى: ((قال: احتجم النبيّ ◌َ﴿ على رأسه بقرن حين طُبّ))، قال أبو عبيد تَّثُ: يعني سُحِرَ. قال ابن القيم تَخّْثُ: بَنَّى النبيُّ وَ﴿ الأمر أوّلاً على أنه مَرِضَ، وأنه عن مادّة مالت إلى الدماغ، وغلبت على البطن المقدَّم منه، فغيرت مزاجه، فرأى استعمال الحجامة لذلك مناسباً، فلمّا أوحي إليه أنه سُحِر عدل إلى العلاج (١) قال الأصفهانيّ في ((دلائله)): المطبوب: المسحور، وجُفُّ طلعة؛ أي: وعاء ثمر النخلة، والمشاقة: ما يُفتل منه الخيوط، والرعوفة: حجر يجلس عليه الذي يدخل البئر، فيغرف الماء منها في الدلو، واللغة المعروفة: راعوفة، بألف، ونقاعة الحناء: ما ينقع فيه الحناء، فيتغير لونه، وقول عائشة ﴿: ((فهلا تنشّرتَ؟)) من النُّشرة: أي: هلا حللت السحر الذي سُحِرت بعلاج، أو مداواة. انتهى. ((دلائل النبوة)) الأصبهانيّ كفته ١/ ١٧٠. ٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى المناسب له، وهو استخراجه، قال: ويَحْتَمِل أن مادّة السحر انتهت إلى إحدى قوى الرأس، حتى صار يُخَيَّل إليه ما ذُكِر، فإن السحر قد يكون من تأثير الأرواح الخبيثة، وقد يكون من انفعال الطبيعة، وهو أشدّ السحر، واستعمال الحجامة لهذا الثاني نافع؛ لأنه إذا هَيَّجَ الأخلاط، وظهر أثره في عضو، كان استفراغ المادّة الخبيثة نافعاً في ذلك. وقال القرطبيّ كَّهُ: إنما قيل للسحر طِبّ؛ لأن أصل الطبّ الْحِذْق بالشيء، والتفطن له، فلما كان كلّ من علاج المرض والسحر، إنما يتأتى عن فِظنة، وحِذْق أُطلق على كل منهما هذا الاسم. انتهى(١). (قَالَ) السائل: (مَنْ طَبَّهُ؟)؛ أي: من الذي سحره بَّ؟ (قَالَ) المسؤول (لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، قَالَ) السائل: (فِي أَيِّ شَيْءٍ؟) طبّه (قَالَ) المسؤول: (فِي مُشْطٍ) بضم الميمَ، ويجوز كسرها، أثبته أبو عبيد، وأنكره أبو زيد، وبالسكون فيهما، وقد يضم ثانيه، مع ضم أوله فقط، وهو الآلة المعروفة التي يُسَرَّح بها شعر الرأس واللحية، وهذا هو المشهور، ويُطلق المشط بالاشتراك على أشياء أخرى، منها العظم العريض في الكتف، وسُلاميات ظهرِ القدم، ونبت صغير، يقال له: مشط الذنب. قال القرطبيّ تَخُّْ: يَحْتَمِل أن يكون الذي سُحِر فيه النبيّ ◌َ في أحد هذه الأربع، قال الحافظ: وفاته آلةٌ لها أسنان، وفيها هِرَاوة يُقبض عليها، ويغطى بها الإناءة، قال ابن سيده في ((المحكم)): إنها تسمى المشط، والمشط أيضاً سمة من سمات البعير، تكون في العين، والفخذ، ومع ذلك فالمراد بالمشط هنا هو الأول، فقد وقع في رواية عمرة، عن عائشة: ((فإذا فيها مشط رسول الله ﴿، ومن مراطة رأسه))، وفي حديث ابن عباس: ((من شعر رأسه، ومن أسنان مشطه))، وفي مرسل عمر بن الحكم: ((فَعَمَد إلى مشط، وما مشط من الرأس، من شعر، فعقد بذلك عَقْداً)). (وَمُشَاطَةٍ) بضم الميم: ما يخرج من الشعر إذا مُشِط، ولا اختلاف فيه بين أهل اللغة، قال ابن قتيبة: المشاطة ما يخرج من الشعر الذي سقط من (١) «المفهم)) ٥٧١/٥.