النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
(٩) - بَابُ كَرَاهَةٍ قَوْلِ الْمُسْتَأْذِنِ: أَنَا، إِذَا قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ - حديث رقم (٥٦٢٣)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الاستئذان لمن أتى بيوت الناس، ولا يفاجئهم
بالدخول علیھم.
٢ - (ومنها): بيان أدب المستأذن عند استئذانه، وهو أن يذكر اسمه، لا
أن يقول: أنا، قال النوويّ: قال العلماء: إذا استأذن، فقيل له: من أنت؟ أو
من هذا؟ كُرِه أن يقول: أنا؛ لهذا الحديث، ولأنه لم يحصل بقوله: ((أنا))
فائدة، ولا زيادة، بل الإبهام باق، بل ينبغي أن يقول: فلان، باسمه، وإن
قال: ((أنا فلان)) فلا بأس، كما قالت أم هانئ ﴿ُّ حين استأذنت، فقال
النبيّ ◌َله: ((من هذه؟)) فقالت: أنا أم هانئ، ولا بأس بقوله: أنا أبو فلان، أو
القاضي فلان، أو الشيخ فلان، إذا لم يحصل التعريف بالاسم؛ لخفائه، وعليه
يُحْمَل حديث أم فلان، ومثله لأبي قتادة، وأبي هريرة، والأحسن في هذا أن
يقول: أنا فلان المعروف بكذا، والله أعلم. انتهى (١).
٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ كَّلُهُ: قول جابر به: استأذنت على
النبيّ ◌َ﴿، فقال: ((من هذا؟)) دليلٌ على جواز الاستئذان من غير ذِكر اسم
المستأذن، إلا أن الأحسن أن يذكر اسمه كما تقدَّم في حديث أبي موسى ﴿ته،
ولأن في ذكر اسمه إسقاط كلفة السؤال والجواب. وكراهة النبيّ صلّ قول جابر
في جوابه: ((أنا)) يَحْتَمِل أن يكون لذلك المعنى، ويَحْتَمِل أن يكون، لأن «أنا»
لا يحصل بها تعريف، وهو الأَولى، وقيل: إنما كَرِه ذلك لأنَّه دَقّ عليه الباب
على ما رُوي في غير كتاب مسلم، وفي هذا التأويل بُعْدٌ؛ لأنَّه إنما فُهِمت
الكراهة عنه من قوله: ((أنا، أنا))، ولم يذكر الدَّق، ولا نَّهه عليه، فكيف يُعْدَل
عما نَطَق به، وكرَّره مُنكِراً له، ويصار إلى ما لم يَجْرِ له ذكره؟! انتهى كلام
القرطبيّ كَُّ(٢)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
مشروعية
٤ - (ومنها): ما قاله ابن العربيّ كَّلُ: في حديث جابر
دَقّ الباب، ولم يقع في الحديث بيانٌ هل كان بآلة، أو بغير آلة؟، قال
الحافظ: وقد أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) من حديث أنس ظه: ((أن
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٥/١٤ - ١٣٦.
(٢) ((المفهم)) ٤٧٨/٥.

٤٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
أبواب رسول الله وَ ﴿ كانت تُقْرَع بالأظافير))، وأخرجه الحاكم في ((علوم
الحديث)) من حديث المغيرة بن شعبة ظه، وهذا محمول منهم على المبالغة
في الأدب، وهو حَسَنٌ لمن قَرُب محلّه من بابه، أما مَن بَعُدَ عن الباب بحيث
لا يبلغه صوت القرع بالظفر، فيستحبّ أن يقرع بما فوق ذلك بحَسَبه، وذكر
السهيليّ أن السبب في قرعهم بابه بالأظافير أن بابه لم يكن فيه حِلَقٌ، فلأجل
ذلك فعلوه، والذي يظهر أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك توقيراً، وإجلالاً، وأدباً،
قاله في ((الفتح)) (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٢٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ -
وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالَ يَحْبَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ،
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبِّ ◌َِِّ،
فَقَالَ: ((مَنْ هَذَا؟»، فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َلِ: ((أَنَا أَنَا)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وقد ذُكروا في السند الماضي، وقبل باب، ويحيى بن يحيى التميميّ
النسابوريّ تقدّم قريباً .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٢٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلِ،
ء
وَأَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ (ح)
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي
حَدِيثِهِمْ: كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ).
(١) ((الفتح)) ١٨٢/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٥٠).

٤٤٣
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ - حديث رقم (٥٦٢٦)
رجال هذه الأسانيد: ثمانية:
١ - (أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو القيسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩]
(ت٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم الأزديّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [٩]
(ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٥/٥٠.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ) بن الحكم الْعَبْديّ، أبو محمد النيسابوريّ،
ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) أو بعدها (خ مد ق) تقدم في ((المقدمة)) ٩٩/٦.
٤ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ)؛ يعني: الثلاثة، وهم: أبو عامر العقديّ،
ووهب بن جرير، وبهز بن أسد رووا هذا الحديث عن شعبة بسنده الماضي،
أعني عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله
[تنبيه]: رواية هؤلاء الثلاثة: أبي عامر الْعَقَديّ، ووهب بن جرير،
وبهز بن أسد عن شعبة لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٠) - (بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٢٦] (٢١٥٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، قَالًا: أَخْبَرَنَا
اللَّيْثُ - وَاللَّفْظُ لِيَحْبَى - (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ
سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَجُلاً الطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابٍ رَسُولِ اللّهَِِّ، وَمَعَ
رَسُولِ اللهِوَّهِ مِدْرَى، يَحُلُّكَ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِقَالَ: ((لَوْ أَعْلَمُ أَنََّكَ
تَنْظُرُ نِي (١) لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ))، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الِإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ»).
(١) وفي نسخة: ((تنتظرني)).

٤٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
رجال هذين الإسنادين: ستة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْتَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل حديث.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن مهاجر التجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبت
[١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ مولاهم، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٤ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة
الفقيه الحافظ المجمع على ثقته وجلالته [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ١ ص٣٤٨.
٦ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ◌َّا، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣١٣/٥٠.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف رَخْذَثُ، وهو (٤٣٣) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ
السَّاعِدِيَّ) ◌َا (أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَجُلاً) قيل: هو الحكم بن أبي العاص بن أمية،
والد مروان، وقيل: سعد غير منسوب، قاله في ((الفتح)) في (كتاب اللباس))(١)،
وقال في ((كتاب الديات)): وهذا الرجل لم أعرف اسمه صريحاً، لكن نَقَل ابن
بشكوال عن أبي الحسن بن الغيث أنه الحكم بن أبي العاص بن أمية، والد
مروان، ولم يذكر مستنداً لذلك.
ووجدت في ((كتاب مكة)) للفاكهيّ من طريق أبي سفيان، عن الزهريّ،
وعطاء الْخُرَسانيّ: ((أن أصحاب رسول الله وَ * دخلوا عليه، وهو يلعن
(١) ((الفتح)) ١٤/ ٤٣٧ رقم (٥٩٢٤).

٤٤٥
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ - حديث رقم (٥٦٢٦)
الحكم بن أبي العاص، وهو يقول: اطَّلَع عليّ، وأنا مع زوجتي فلانة، فكلح
في وجهي))، وهذا ليس صريحاً في المقصود هنا.
ووقع في ((سنن أبي داود)) من طريق هُزيل بن شُرَحبيل: ((قال: جاء
سعد، فوقف على باب النبيّ ◌َ﴾، فقام يستأذن على الباب، فقال: هكذا
عنك، فإنما الاستئذان من أجل البصر))، وهذا أقرب إلى أن يُفَسَّر به المبهم
الذي في حديث الباب، ولم يُنْسَب سعد هذا في رواية أبي داود، ووقع في
رواية الطبرانيّ أنه سعد بن عُبادة، والله أعلم. انتهى(١).
(الطَّلَعَ)؛ أي: نظر من عُلْو (فِي جُحْرٍ) - بضم الجيم، وسكون الحاء
المهملة -: هي الخرق، وقال القرطبيّ كَُّ: الْجُحْرُ: واحد الْجِحَرة، وهي
مكامن الوحش، ولَمّا كانت نقباً في الأرض سُمّي بذلك النقب في الباب، وفي
الحائط، وغير ذلك. انتهى (٢).
وقوله: (فِي بَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ) متعلّق بصفة لـ((جُحْرٍ))؛ أي: كائنٍ في
جُحْر، وقوله: (وَمَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ مِدْرَى) جملة حاليّة من الفاعل، و((المدرى))
- بكسر الميم، وسكون الدال المهملة، وبالقصر - هي حديدة يُسَوَّى بها شعر
الرأس، وقيل: هو شبه الْمُشط، وقيل: هي أعواد تُحَدَّد تُجعل شبه الْمُشط،
وقيل: هو عُود تُسَوِّي به المرأة شعرها، وجَمْعه المَدَارِي، ويقال في الواحد:
مِدراة أيضاً، ومِدراية أيضاً، ويقال: تَدَرّيتُ بالْمِدَرَى، قاله النوويّ ◌َقْذَهُمُ(٣).
وقال القرطبيّ تَُّهُ: الْمِدَرَى بالدال المهملة: واحد الْمَدَارِي، قال
ثابت: هي الأمشاط، وفي هذا التفسير تسامح، وأوضح منه، وأصحّ، قول
النضر بن شُميل، وابن كيسان: إنَّه عُودٌ، أو عاجٌ تَنْشُر به المرأة شعرها،
وتُجعِّده، قال امرؤ القيس [من الطويل]:
تَضِلُّ الْمَدَارِي فِي مُثَنَّى وَمُرْسَلٍ
غَدائِرُهُ مُسْتَشْزِرات إلى العُلا
ومؤنثه: مدراة، وقد عبّر عنه في الرواية الأخرى: بِمِشْقَص، وبمشاقص،
وقد قلنا: إن المشقص نَصْلٌ عريض، وقيل: هو السِّكين، فَيَحْتَمِل أن يكون
(١) ((الفتح)) ٩٩/١٦ - ١٠٠، كتاب ((الديات)) رقم (٦٩٠١).
(٢) ((المفهم)) ٤٧٩/٥.
(٣) (شرح النوويّ)) ١٢٧/١٤ - ١٣٦.

٤٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
هذا الْمِدَرى من حديد، فكما يُعْمَل من عاج، وعُود، يجوز أن يُعْمَل من
حديد، أو يكون شبَّهه بالسِّكين. انتهى(١) .
وقال في ((الفتح)): والمدرى بكسر الميم، وسكون المهملة: عُودٌ تُدخله
المرأة في رأسها؛ لتَضُمّ بعض شعرها إلى بعض، وهو يشبه الْمِسَلَّةِ(٢)، يقال:
مَدَرَت المرأةُ: سَرَّحَتْ شعرها، وقيل: مُشْطٌّ له أسنان يَسيرةٌ، وقال الأصمعيّ،
وأبو عبيد: هو الْمُشط، وقال الجوهريّ: أصل الْمِدَرَى: القرن، وكذلك
الْمِدراة، وقيل: هو عُود، أو حديدة كالْخِلال، لها رأس محدَّد، وقيل: خشبة
على شكل شيء من أسنان المشط، ولها ساعدٌ، جَرَت عادة الكبير أن يَحُكّ
بها ما لا تصل إليه يده من جسده، ويُسَرِّح بها الشعر الملبَّد من لا يحضره
المشط، وقد ورد في حديث لعائشة لِمَا يدلّ على أن الْمِذْرَى غير المشط،
أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) عنها، قالت: ((خمسٌ لم يكن النبيّ وَّهُ يَدَعُهُنّ
في سفر، ولا حضر: المرآة، والْمُكْحُلة، والْمُشْطُ، والْمِدْرَى، والسواك))، وفي
إسناده أبو أمية بن يعلى، وهو ضعيف، وأخرجه ابن عديّ من وجه آخر ضعيف
أيضاً، وأخرجه الطبرانيّ في ((مسند الشاميين)) من وجه آخر، عن عائشة
أقوى من هذا، لكن فيه: ((قارورة دُهْن)) بدل المدری.
وأخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) من وجه آخر عن عائشة: ((كان لا يفارق
رسول الله ◌َ﴿ سواكه، ومشطه، وكان ينظر في المرآة إذا سَرَّح لحيته))، وفيه
سليمان بن أرقم، وهو ضعيف.
وله شاهد من مرسل خالد بن معدان، أخرجه ابن سعد.
قال الحافظ: وقرأت بخط الحافظ اليعمريّ عن علماء الحجاز: ((الْمِدَرَى
تُطلق على نوعين: أحدهما صغير، يُتَّخَذ من آبنوس، أو عاج، أو حديد،
يكون طول الْمِسَلّة يُتَّخَذ لِفَرْق الشعر فقط، وهو مستدير الرأس، على هيئة نَصْل
السيف بقبضة، وهذه صفته(٣)، ثانيهما: كبيرٌ، وهو عُودٌ مخروط من آبنوس،
(١) ((المفهم)) ٤٧٩/٥.
(٢) الْمِسلّة بكسر الميم: مِخيط كبيرٌ، جمعه الْمَسَالّ.
(٣) كتب هنا هيئته ولم أستطع كتابتها !.

٤٤٧
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ - حديث رقم (٥٦٢٦)
أو غيره، وفي رأسه قطعة منحوتة في قدر الكفّ، ولها مثل الأصابع، أولاهنّ
معوجَّةٌ، مثل حلقة الإبهام المستعمل للتسريح، ويَحُكّ الرأس، والجسد، وهذه
صفته. انتهى ملخصاً .
وقوله: (يَحُكَ بِهِ رَأْسَهُ) جملة في محلّ رفع صفة لـ((مِذْرَى))، يقال: حكّ
الشيءَ حكّاً، من باب نصر: إذا قشره (١)، وفي الرواية التالية: ((يُرجّل به
رأسه))، قال النوويّ كَُّ: لا تنافي بين الروايتين، فكان يحكّ به، ويُرجّل به،
وترجيل الشعر: تسريحه، ومَشْطه(٢).
(فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ قَالَ: ((لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي) قال النوويّ ◌َُّ:
وقع في أكثر النُّسخ، أو كثير منها، بلفظ: ((تنتظرني))، وفي بعضها: ((تنظرني))
بحذف التاء الثانية، قال القاضي: الأول رواية الجمهور، قال: والصواب
الثاني، ويُحْمَل الأول عليه. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي في معظم نُسخ البخاريّ بلفظ: ((تنتظر))،
قال في ((الفتح)): قوله: ((تنتظر)) كذا لهم، وللكشميهنيّ: ((تنظر))، وهي أولى،
والأخرى بمعناها، وللإسماعيليّ: ((لو عَلِمت أنك تَطَّلع عليّ)). (لَطَعَنْتُ بِهِ)؛
أي: بذلك الْمِدَرَى (فِي عَيْنِكَ))) هكذا بالإفراد، وهو كذلك عند البخاريّ في
رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي، والسرخسيّ: ((في عينيك)) بالتثنية.
قال الحافظ نَخْذَتُهُ: وهذا مما يُقَوِّي تعدد القصّة؛ لأنه في حديث أنس جزم
بأنه اطَّلَع، وأراد أن يطعنه، وفي حديث سهل عَلَّق طعنه على نظره. انتهى(٤)
.
(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الٍإِذْنُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: إنما
شرع الله الاستئذان (مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ))) بفتحتين: أي: الرؤية، وفي رواية البخاريّ:
((من قِبَل الأبصار))، و((قِبَلٍ)) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: أي: من جهة،
و((الأبصار)) بفتح أوله، جمع بَصَر، وبكسره مصدر أبصر، قاله في ((الفتح)) (٥).
(١) ((المصباح المنير)) ١٤٥/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٣٧.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٣٧.
(٤) ((الفتح)) ١٠٠/١٦ - ١٠١، كتاب ((الديات)) رقم (٦٩٠٠).
(٥) ((الفتح)) ٩٩/١٦ - ١٠٠ كتاب ((الديات)) رقم (٦٩٠١).

٤٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
فمعنى: ((إنما جُعل الإذن من أجل البصر)): أي: إنما شُرع الاستئذان من
أجل رؤية البصر؛ لأن المستأذِنَ لو دخل بغير إذنٍ لرأى بعض ما يَكرَه من
يدخل إليه أن يطلع عليه، وقد ورد التصريح بذلك فيما أخرجه البخاريّ في
((الأدب المفرد))، وأبو داود، والترمذيّ، وحسّنه من حديث ثوبان ◌ُه رفعه:
((لا يَحِلّ لامرىء مسلم أن ينظر إلى جوف بيتٍ حتى يستأذن، فإن فَعَل فقد
دخل))؛ أي: صار في حكم الداخل، وللأَوَّلَين من حديث أبي هريرة ◌َُّه بسند
حسن، رفعه: ((إذا دخل البصر، فلا إذن))، وأخرج البخاريّ أيضاً، عن
عمر رَّه من قوله: ((مَن ملأ عينه من قاع بيتٍ قبل أن يؤذن له، فقد فَسَقَ))،
ذكره في ((الفتح))(١).
وذكر أيضاً: أنه وقع عند أبي داود سبب آخرُ من حديث سعد - كذا عنده
مبهمٌ - وهو عند الطبرانيّ عن سعد بن عُبادة: جاء رجل، فقام على باب
النبيّ ◌َ﴿ يستأذن مستقبل الباب، فقال له: ((هكذا عنك، فإنما الاستئذان من
أجل النظر))، وأخرج أبو داود بسند قويّ من حديث ابن عباس حظًا: ((كان
الناس ليس لبيوتهم ستورٌ، فأمرهم الله بالاستئذان، ثم جاء الله بالخير، فلم أر
أحداً يعمل بذلك))، قال ابن عبد البرّ: أظنهم اكتَفَوا بقرع الباب.
وله من حديث عبد الله بن بُسْر ◌َظُه: ((كان رسول الله ◌َ﴿ إذا أتى باب
قوم لم يستقبل الباب، من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن، أو الأيسر،
وذلك أن الدُّور لم يكن عليها ستور)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد الساعديّ ◌َ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٢٦/١٠ و٥٦٢٧ و٥٦٢٨] (٢١٥٦)،
و(البخاريّ) في ((اللباس)) (٥٩٢٤) و((الاستئذان)) (٦٢٤١ و٦٩٠١) وفي
(١) ((الفتح)) ١٦٣/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤١).
(٢) ((الفتح)) ١٦٤/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤١).

٤٤٩
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ - حديث رقم (٥٦٢٦)
(الأدب المفرد)) (١٠٧٠)، و(الترمذيّ) في ((الاستئذان)) (٢٧٠٩)، و(النسائيّ)
في ((القسامة)) (٦٠/٨ - ٦١)، و((الكبرى)) (٧٠٦٤)، و(الشافعيّ) في ((مسنده))
(١٠١/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٤٣١)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٧٥٦/٨)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٤١٢/٢)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٣٠/٥ و٥٣٣٤ و٥٣٣٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٩٨/٢ -
١٩٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٦٦٠ و٥٦٦١ و٥٦٦٢ و٥٦٦٤ و٥٦٦٥
و٥٦٦٦ و٥٦٦٧ و٥٦٦٩ و٥٦٧٠ و٥٦٧١ و٥٦٧٢ و٥٦٧٣)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٥٨٠٩ و٦٠٠١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٥٠٠/١٣)،
و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٤٠٤/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨/
٣٣٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٥٦٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
١ - (منها): بيان استحباب إبقاء شعر الرأس، وتربيته، واتخاذ آلة يزيل
بها عنه الهواءّ، ويَحُُ بها؛ لدفع الوسخ، أو القمل.
٢ - (ومنها): بيان استحباب إصلاح الشعر، وإكرامه، كما قال ◌َ له: ((من
كانت له ◌ُمَّةٌ، فليُكرمها))(٢)، ولكن لا ينتهي بذلك إلى أن يخرُج إلى الترفّه،
ـه، حيث قال:
والسرَف المنهيّ عنه بقوله: ﴿ فيما رواه عنه فَضَالة بن عُبید .
(نهانا رسول الله وَل﴿ عن كثير من الإرفاه، وأمرنا أن نحتفي أحياناً))(٣)، قاله
القرطبيّ تَظْذُ(٤).
٣ - (ومنها): أن فيه مشروعيةَ الاستئذان على من يكون في بيتٍ مُغلَق
الباب.
٤ - (ومنها): تحريم التطلّع على من كان داخل بيت مغلَق من خلل الباب.
(١) المراد فوائد أحاديث الباب، لا خصوص السياق المذكور في هذه الرواية، فتنبّه.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود وغيره، من حديث أبي هريرة ظه بلفظ: ((من
كان له شعر، فليُكرمه)).
(٣) حديث صحيح، أخرجه النسائيّ (٥٠٦٠).
(٤) ((المفهم)) ٤٨٠/٥.

٤٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
٥ - (ومنها): استحباب الامتشاط، وجواز استعمال الْمِدَرى، قال
النوويّ: قال العلماء: الترجيل مستحبّ للنساء مطلقاً، وللرجل بشرط أن لا
يفعله كلّ يومٍ، أو كلّ يومين، ونحو ذلك، بل بحيث يخفّ الأول.
(١)
انتھی
٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز رمي من يتجسس، ولو لم يندفع
بالشيء الخفيف جاز بالثقيل، وأنه إن أصيبت نفسه، أو بعضه فهو هَدَرٌ، وبهذا
قال الجمهور، وخالف المالكيّة، فقالوا: لا يجوز ذلك، وما قاله الجمهور هو
الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن
شاء الله تعالى -.
٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخّلُ: قوله: ((إنما جُعل الاستئذان من أجل
البصر)»: فيه دليل على صحة التعليل القياسيّ، فهو حجة للجمهور على نفاة
القياس. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): واستُدِلّ بقوله: ((من أجل البصر)) على مشروعية
القياس، والعلل، فإنه دلّ على أن التحريم والتحليل يتعلق بأشياء، متى وُجدت
في شيء وجب الحكم عليه، فمن أوجب الاستئذان بهذا الحديث، وأعرض
عن المعنى الذي لأجله شُرِع لم يعمل بمقتضى الحديث. انتهى (٣).
٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن المرء لا يَحتاج في دخول منزله إلى
الاستئذان؛ لِفَقْد العلة التي شُرع لأجلها الاستئذان، نعم لو احتَمَلَ أن يتجدد
فیه ما يحتاج معه إلیه شُرع له.
٩ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أنه يُشْرَع الاستئذان على كل أحد حتى
المحارم؛ لئلا تكون منكشفة العورة، وقد أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)»
عن نافع: ((كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحُلُم لم يدخل عليه إلا بإذن))،
ومن طريق علقمة: ((جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: أستأذن على أمي؟
(١) ((شرح النووي)) ١٤/ ١٣٧.
(٢) ((المفهم)) ٤٨٠/٥.
(٣) ((الفتح)) ١٦٥/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤١).

٤٥١
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ - حديث رقم (٥٦٢٧)
فقال: ما على كل أحيانها تريد أن تراها))، ومن طريق مسلم بن نُذير - بالنون،
مصغراً -: ((سأل رجل حذيفة ظه: أستأذن على أمي؟ قال: إن لم تستأذن
عليها رأيت ما تكره))، ومن طريق موسى بن طلحة: ((دخلت مع أبي على أمي،
فدخل، واتّبعته، فدفع في صدري، وقال: تدخل بغير إذنٍ؟))، ومن طريق
عطاء: ((سألت ابن عباس: أستأذن على أختي؟ قال: نعم، قلت: إنها في
حجري، قال: أتحب أن تراها عريانة))، وأسانيد هذه الآثار كلها صحيحة،
وذَكَر الأصوليون هذا الحديث مثالاً للتنصيص على العلة التي هي أحد أركان
القياس، قاله في ((الفتح))(١).
١٠ - (ومنها): أن النسائيّ تَخْتُهُ احتجّ بهذا الحديث على جواز أخذ
الإنسان حقّه ممن ظلمه، دون أن يسألَ الإمام؛ وذلك لأن الشارع أَذِن في فقأ
عين من اطّلع في بيت قوم بغير إذنهم، ولم يشرط في ذلك أن يأذن له الإمام،
وهو المذهب الحقّ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسائل المذكورة في شرح
حديث أبي هريرة رَظُّه الآتي آخر الباب - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٢٧] (.) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَجُلاً الطَّلَعَ مِنْ
مُحْرٍ فِي بَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَمَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ مِدْرَى، يُرَجِّلُ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ
لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ طَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جَعَلَ اللهُ الِإِذْنَ
مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله الحافظ المصريّ، تقدّم قبل باب.
(١) ((الفتح)) ١٦٥/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤١).

٤٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ،
ثقةٌ ثبتٌ من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (يُرَجِّلُ بِهِ رَأْسَهُ)؛ أي: يسرّحه به، والترجيل تسريح الشعر،
ومَشْطه.
وقوله: (لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ طَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ) هكذا بالإفراد، وفي
رواية عند البخاريّ: ((في عينيك)) بالتثنية، قال في ((الفتح)): وهذا مما يقوّي
تعدد القصّة؛ لأنه في حديث أنس به جزم بأنه اطّلع، وأراد أن يطعنه، وفي
حديث سهل ◌ّه علّق طعنه على نَظَرَه. انتهى.
قال أبو العبّاس القرطبيّ تَخُّْهُ: يمكن أن يُحْمَل حديث سهل، وأنس
على أن الذي همّ به النبيّ وَّهِ من طعن الْمُطّلع على الخصوص ببيت النبيّ وَّ؛
لِعِظَم حرمته، وحرمة أهل بيته، غير أن حديث أبي هريرة له يقتضي إباحة
ذلك عامّة في بيته، وبيت غيره، فإنه قال فيه: ((من اطّلَعَ في بيت قوم بغير
إذنهم، فقد حلّ لهم أن يفقؤوا عينه))، فإذاً هذا الحكم ليس مخصوصاً به.
انتهى كلام القرطبيّ كَّتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قرره القرطبيّ تَخَّلُهُ أخيراً من
عدم كونه مخصوصاً بالنبيّ ◌َ ﴿ هو الحقّ؛ لحديث أبي هريرة طلبه المذكور،
فإنه نصّ في ذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إِنَّمَا جَعَلَ اللهُ الِإِذْنَ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ)؛ أي: إنما شَرع الله تعالى
الاستئذان من أجل رؤية البصر، قال النوويّ كَّلُهُ: معناه: أن الاستئذان
مشروعٌ، ومأمور به، وإنما جُعل لئلا يقع البصر على الحرام، فلا يحل لأحد
أن ينظر في جُحْر باب، ولا غيره، مما هو مُتَعَرِّض فيه لوقوع بصره على امرأة
(٢)
أجنبية. انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
(١) ((المفهم)) ٤٨١/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٣٧.

٤٥٣
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ - حديث رقم (٥٦٢٨)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٢٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ
الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَيُونُسَ).
رجال هذه الأسانيد: عشرة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٤٧) (خت م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزیل الیمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ع) (١٥٤) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ ساقها البخاريّ كَّلُ في
((صحيحه))، فقال:
(٥٨٨٧) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، قال الزهريّ: حفظته
كما أنك ها هنا، عن سهل بن سعد، قال: ((اطّلَع رجل من جُحْر في حُجَر
النبيّ ◌َّه، ومع النبيّ وَ ﴿ مِذْرَى يَحُكّ به رأسه، فقال: لو أعلم أنك تنظر،
لطعنت به في عينك، إنما جُعِل الاستئذان من أجل البصر)). انتهى(١).
ورواية معمر عن الزهريّ ساقها البيهقيّ كَُّ في ((الكبرى))، فقال:
(١٧٤٣٠) - أخبرنا أبو الحسين بن بشران ببغداد، أنبأ إسماعيل بن محمد
الصفّار، ثنا أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن الزهريّ، عن
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٣٠٤/٥.

٤٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
سهل بن سعد الساعديّ: ((أن رجلاً اطَّلَع على النبيّ وََّ من ◌ِتْر الْحُجْرة، وفي
يد النبيّ وَ﴿ مِذْرَى، فقال له: لو أعلم أن هذا ينظرني حتى آتيه، لطعنت
بالمدرَى في عينه، وهل جُعل الاستئذان إلا من أجل البصر؟)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٢٩] (٢١٥٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ
حُسَيْنِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْبَى، وَأَبِي كَامِلٍ - قَالَ يَحْبَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ،
ء
أَنَّ رَجُلاًّ اطَلَعَ مِنْ بَعْضٍ حُجَرِ النَّبِيِّ ◌َّهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ، أَوْ مَشَاقِصَ، فَكَأَنِّي
أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ يَخْتِلُهُ لِيَطْعُنَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن أنس بن مالك، أبو معاذ الأنصاريّ
البصريّ، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠/ ٢٦٧.
٣ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَُه، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو (٤٣٤) من رباعيّات الكتاب، وأنه
مسلسلٌ بالبصريين، سوى يحيى، فنيسابوريّ، وقتيبة، فبغلانيّ، وفيه رواية
الراوي عن جدّه، فأنس ◌َظُه جدّ لعبيد الله، وفيه أنس ظُه من المكثرين
السبعة، ومن المعمّرين، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة.
شرح الحديث:
(أَنَّ
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) بن أنس (عَنْ) جدّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكِ)
رطُالنه
رَجُلاً) لا يُعرف، وقد تقدّم بیان البحث في ذلك في شرح حديث سهل
(١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٣٣٨/٨.

٤٥٥
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ - حديث رقم (٥٦٢٩)
الماضي. (الطَّلَعَ مِنْ بَعْضٍ حُجَرِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿) - بضم المهملة، وفتح الجيم -:
جَمْع حُجْرة - بضمّ، فسكون - وهي ناحية البيت، وأما الْجُحْرة المذكورة في
حديث سهل الماضي، فهي - بضم الجيم، وسكون الحاء المهملة - وهو: كلُّ
تُقْبٍ مستديرٍ في أرض، أو حائط، وأصلها مكامن الوحش(١).
وقوله: (فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ، أَوْ مَشَاقِصَ) شكّ من الراوي، هل قال شيخه
بالإفراد، أو بالجمع؟ و((الْمِشْقَصُ)) - بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة،
فقاف، فصاد مهملة - هو: سهم فيه نَصْلٌ عريضٌ(٢)، وقال في ((الفتح)): نَصْلُ
السهم إذا كان طويلاً، غير عريض، وقال أيضاً: وقوله في الخبر الآخر:
((مِذْرَى)) قد يخالفه، فيُحمل على تعدّد القصّة، ويَحْتَمِل أن رأس الْمِدْرَة كان
محدّداً، فأشبه النصل. انتهى(٣).
قال أنس ◌َّه (فَكَأَنّي أَنْظُرُ) الآن (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلَّهِ يَخْتِلُهُ) - بفتح
أوله، وسكون الخاء المعجمة، وضمّ التاء المثناة، وكسرها -: أي: يُغفّله،
قال المجد نَظّلُ: خَتَله يَخْتِله - من باب ضرب - ويَخْتُله - من باب نصر -
خَتْلاً، وخَتَلاناً: خَدَعه. انتهى (٤).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((يختله)) - بفتح أوله، وسكون الخاء المعجمة،
بعدها مثناة مكسورة(٥)، ثم لام ــ من الْخَتْل، بفتح أوله، وسكون ثانيه، وهو
الإصابة على غفلة. انتهى (٦).
(لِيَطْعُنَهُ) بفتح أوله، وفتح ثالثه، وضمّها، من بابي مَنَعَ ونَصَرَ (٧)؛ أي:
ليضربه، أفاده المجد تَخّْثُهُ، قال في ((الفتح)): قوله: ((ليطعنه)) بضم العين
(١) راجع: ((الفتح)) ١٦٤/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤١).
(٢) ((المصباح المنير)) ٣١٩/١.
(٣) ((الفتح)) ١٠٠/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٩٠٠).
(٤) ((القاموس المحيط)) ص٣٤٩.
(٥) تقدّم عن ((القاموس)) أنه بكسر التاء، وضمّها، من بابي ضرب، ونصر، فتنبّه.
(٦) ((الفتح)) ١٠٠/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٩٠٠).
(٧) ((القاموس المحيط)) ص٨٠٣.

٤٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
المهملة، بناءً على المشهور أن الطعن بالفعل بضم العين، وبالقول بفتحها،
وقد قيل: هما سواءٌ، زاد أبو الربيع الزهرانيّ عن حماد عند مسلم (١):
((فذهب، أو لحقه، فأخطأ))، وفي رواية عاصم بن عليّ عن حماد، عند أبي
نعيم: ((فما أدري، أَذَهب، أو كيف صنع؟))(٢) .
وفيه جواز طعن عين الإنسان الذي يطّلع في بيوت الناس بغير إذنهم،
وسيأتي تمام البحث فيه في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - وهو
مخصوص بمن تعمّد النظر، وأما من وقع ذلك منه عن غير قصد، فلا حرج
عليه، ففي حديث جرير ظُه الآتي في الباب التالي: ((أنه قال: سألت
رسول الله وَ ﴿ عن نظر الفُجاءة، فأمرني أن أصرف بصري))، وقال لعليّ
((لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأُولى، وليست لك الثانية))، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٢٩/١٠] (٢١٥٧)، و(البخاريّ) في
(الاستئذان)) (٦٢٤٢) و((الديات)) (٦٨٨٩ و٦٩٠٠)، و(أبو داود) في ((الأدب))
(٥١٧١)، و(الترمذيّ) في ((الاستئذان)) (٢٧٠٨)، و(النسائيّ) في ((القسامة))
(٤٨٦٠) و((الكبرى)) (٧٠٦٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٨/٣ و١٢٥ و١٧٨
و٢٣٩ و٢٤٢)، وفوائد الحديث تقدّمت في شرح حديث سهل نظُّته، وسيأتي
اختلاف العلماء في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَقُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٣٠] (٢١٥٨) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: ((مَنِ الطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ
إِذْنِهِمْ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَنُوا عَيْنَهُ»).
(١) هكذا عزا في ((الفتح)) إلى مسلم بهذا اللفظ، وليُنظر أين أخرجه مسلم؟؟؟ !!!.
(٢) ((الفتح)) ١٠٠/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٩٠٠).

٤٥٧
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ - حديث رقم (٥٦٣٠)
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الإسناد نفسه قريباً برقم [٣٣]
٥٥٧٠] (٢١٢٨) فلا حاجة إلى إعادته، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد،
و(سُهيل)) هو: ابن أبي صالح ذكوان السمّان.
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ ◌ِهِ) أنه (قَالَ: ((مَن) - بفتح الميم -
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
شرطيّة مبتدأ، وقد اختلف النحاة في خبرها، فقيل: فعلُ شرطها، وقيل:
جوابها، وقيل: هما معاً، وقيل: لا خبر لها؛ استغناء بجوابها. (الطَّلَعَ) بالبناء
للفاعل، (فِي بَيْتِ قَوْم بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ) احترز به عما لو أُذن له بالاطلاع فلا جناح
عليه، (فَقَدْ حَلَّ لَهُمْأَ لأهل البيت، (أَنْ يَفْقَنُوا عَيْنَهُ)))؛ أي: يقلعوها، قال
المجد تَقْذله: فقأ العين، والْبَثْرةَ، ونحوهما، كمَنَعَ: كسَرَها، أو قَلَعها، أو
بَخَقَها، كفقّأها، فانفقأت، وتفقأت. انتهى(١).
وفي الرواية التالية: (لَوْ أَنَّ رَجُلاً اطَلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ،
فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحِ))، ولفظ البخاريّ: ((لم يكن عليك
جُناح))، والمراد بالجناح هنا: الحرج، وقد أخرجه ابن أبي عاصم من وجه
آخر، عن ابن عيينة، بلفظ: ((ما كان عليك من حرج))، ومن طريق ابن
عجلان، عن أبيه، عن الزهريّ، عن أبي هريرة: ((ما كان عليك من ذلك من
شیء)).
وفي قوله في هذه الرواية: ((فقد حلّ لهم أن يفقوا عينه)) رَدُّ على من
حمل الجُناح في الرواية الثانية على الإثم، ورَتَّب على ذلك وجوب الدية؛ إذ
لا يلزم من رفع الإثم رفعها؛ لأن وجوب الدية من خطاب الوضع، ووجه
الدلالة أن إثبات الحلّ يمنع ثبوت القصاص والدية.
وورد من وجه آخر عن أبي هريرة، أصرح من هذا، عند أحمد، وابن
أبي عاصم، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والبيهقيّ، كلهم من رواية بَشِير بن
نَهِيك، عنه، بلفظ: ((من اطّلَع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقؤا عينه، فلا دية،
(١) ((القاموس المحيط)) ص ١٠٠٤.

٤٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
ولا قصاص))، وفي رواية من هذا الوجه: ((فهو هَدَرُ))، قاله في ((الفتح)) (١)،
والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٣٠/١٠ و٥٦٣١] (٢١٥٨)، و(البخاريّ) في
((الديات)) (٦٨٨٨ و٦٩٠٢) وفي ((الأدب المفرد)) (١٠٦٨)، و(أبو داود) في
(الأدب)) (٥١٧٢)، و(النسائيّ) في ((القسامة)) (٦١/٨) و((الكبرى)) (٢٤٧/٤)،
و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٠١/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٤٣٣)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧٥٨/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٣/٢
و٢٦٦ و٤١٤ و٥٢٧)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٧٨٩ و٧٩١)، و(ابن
حبّان في (صحيحه)) (٦٠٠٢ و٦٠٠٣ و٦٠٠٤)، و(الطبرانيّ) في ((الصغير))
(١٦٩) و((الأوسط)) (٢٠٣٧)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٤٠٣/١ -
٤٠٤)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٩٩/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨/
٣٣٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٥٦٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن رمى إنساناً يتجسس على
بيته، فقتله:
استدلّ الجمهور بهذا الحديث على جواز رمي من يتجسّس، ولو لم يندفع
بالشيء الخفيف جاز بالثقيل، وأنه إذا أصيبت نفسه، أو بعضه فهو هَدَرٌ.
وذهبت المالكية إلى وجوب القصاص، وأنه لا يجوز قَصْد العين، ولا
غيرها، واعتلوا بأن المعصية، لا تُدفع بالمعصية.
وأجاب الجمهور بأن المأذون فيه، إذا ثبت الإذن، لا يسمى معصية،
وإن كان الفعل، لو تجرد عن هذا السبب يُعَدُّ معصية، وقد اتفقوا على جواز
(١) (الفتح)) ١٠١/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٩٠٢).

٤٥٩
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ - حديث رقم (٥٦٣٠)
دفع الصائل، ولو أتى على نفس المدفوع، وهو بغير السبب المذكور معصية،
فهذا ملحَق به، مع ثبوت النص فيه.
وأجابوا عن الحديث بأنه ورد على سبيل التغليظ، والإرهاب، ووافق
الجمهورَ منهم ابنُ نافع، وقال يحيى بن عمر منهم: لعل مالكاً لم يبلغه الخبر.
وقال القرطبي في ((المفهم)): ما كان ◌َّ﴿ بالذي يَهُمُّ أن يفعل ما لا
يجوز، أو يؤدي إلى ما لا يجوز، والحمل على رفع الإثم، لا يتم مع وجود
النص، برفع الحرج، ولیس مع النص قیاس.
واعتَلَّ بعضُ المالكية أيضاً بالإجماع على أن من قصد النظر إلى عورة
الآخر ظاهراً أن ذلك لا يبيح فقء عينه، ولا سقوط ضمانها عمن فقأها، فكذا
إذا كان المنظور في بيته، وتجسس الناظر إلى ذلك. ونازع القرطبيّ في ثبوت
هذا الإجماع، وقال: إن الخبر يتناول كل مُطَّلِع، قال: وإذا تناول المطلعَ في
البيت مع المظنة، فتناؤُله المحقَّق أولى.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن التطلع إلى ما في داخل البيت لم ينحصر
في النظر إلى شيء معيَّن كعورة الرجل مثلاً، بل يشمل استكشاف الحريم وما
يقصد صاحب البيت سَتْره من الأمور التي لا يحبّ اطلاع كل أحد عليها، ومن
ثم ثبت النهي عن التجسُّس، والوعيدُ عليه؛ حسماً لمواد ذلك، فلو ثبت
الإجماع الْمُدَّعَى لم يستلزم رَدّ هذا الحكمَ الخاصَّ، ومن المعلوم أن العاقل
يشتدّ عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته، وابنته، ونحو ذلك، وكذا في حالة
ملاعبته أهله أشدّ مما لو رأى الأجنبي ذَكَرَه منكشفاً، والذي ألزمه القرطبيّ
صحيح في حق من يروم النظر، فيدفعه المنظور إليه، وفي وجه للشافعية لا
يُشرَع في هذه الصورة.
وهل يشترط الإنذار قبل الرمي؟ وجهان: قيل: يشترط كدفع الصائل،
وأصحهما لا؛ لقوله في الحديث: ((يَخْتِلُهُ بذلك))، وفي حكم المتطلع من خَلَل
بابِ الناظرُ من كوّة من الدار، وكذا من وقف في الشارع، فنظر إلى حريم
غيره، أو إلى شيء في دار غيره، وقيل: المنع مختص بمن كان في مُلك
المنظور إليه.
وهل يلحق الاستماع بالنظر؟ وجهان: الأصح لا؛ لأن النظر إلى العورة

٤٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
أشدّ من استماع ذِكْرِها، وشرط القياس المساواة، أو أولوية المقيس، وهنا
بالعكس. انتهى كلام الحافظ تَقَّهُ(١).
وقال الشوكانيّ كََّتُهُ: قد استَدَلّ بأحاديث الباب مَن قال: إن من قصد
النظر إلى مكان لا يجوز له الدخول إليه بغير إذن جاز للمنظور إلى مكانه أن
يفقأ عينه، ولا قصاص عليه، ولا دية؛ للتصريح بذلك في الحديث الآخر حيث
قال: ((فلا دية، ولا قصاص))، وقال أيضاً: ((فقد حَلّ لهم أن يفقؤوا عینه))،
ومقتضى الحلّ أنه لا يَضْمَن، ولا يُقْتَصّ منه، وقال أيضاً: ((ما كان عليك من
جناح))، وإيجاب القصاص، أو الدية جناح، ولأن قوله وبَّفي الماضي: ((لو أعلم
أنك تنظر طعنت به في عينك)) يدُلّ على الجواز، وقد ذهب إلى مقتضى هذه
الأحاديث جماعة من العلماء، منهم الشافعيّ كَّتُهُ.
وخالفت المالكية هذه الأحاديث، فقالت: إذا فعل صاحب المكان بمن
اطَلَع عليه ما أَذِن به النبيّ وَّه وجب عليه القصاص، أو الدية، وساعدهم على
ذلك جماعة من العلماء، وغاية ما عَوَّلوا عليه قولهم: إن المعاصي لا تُدْفَع
بمثلها، وهذا من الغرائب التي يتعجب المنصف من الإقدام على التمسك
بمثلها في مقابلة تلك الأحاديث الصحيحة، فإن كل عالم يَعلم أن ما أَذِن فيه
الشارع ليس بمعصية، فكيف يُجعل فقء عين المطَّلِع من باب مقابلة المعاصي
بمثلها؟
ومن جملة ما عَوَّلوا عليه قولهم: إن الحديث وارد على سبيل التغليظ
والإرهاب.
ويجاب عنه بالمنع، والسندُ أن ظاهر ما بلغنا عنه وَل ◌ّ محمول على
التشريع إلا لقرينة تدلّ على إرادة المبالغة.
وقد تخلّص بعضهم عن الحديث بأنه مؤوَّل بالإجماع على أن من قصد
النظر إلى عورة غيره لم يكن ذلك مبيحاً لفقء عينه، ولا سقوط ضمانها .
ويجاب أوّلاً بمنع الإجماع، وقد نازع القرطبيّ في ثبوته، وقال: إن
الحديث يتناول كل مطّلع، قال: لأن الحديث المذكور إنما هو لمظنة الاطلاع
(١) ((الفتح)) ١٠٢/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٩٠٢).