النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ (٨) - بَابُ الاسْتِئْذَانِ - حديث رقم (٥٦١٦) فلم يوجد في ذلك الوقت، وجاء هو إلى عمر بنفسه في اليوم الثاني، والله تعالى أعلم. (فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي جِئْتُ أَمْسٍ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثاً، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، قَالَ: قَدْ سَمِعْنَاَ)، وقوله: (وَنَحْنُ حِينَئِذٍ عَلَى شُغْلٍ) جملة حاليّة؛ أي: على عمل يَشْغَلنا عن إجابتك، قال المجدّ كَُّ: الشغلّ، بالضّم، وبضمّتين، وبالفتح، وبفتحتين: ضدّ الفراغ، جمعه أشغالٌ، وشُغُولٌ. انتهى. وقال الفيّومِيّ كَثْتُهُ: شَغَلَهُ الأمر شَغْلاً، من باب نَفَعَ، فالأمر شَاغِلٌ، وهو مَشْغُولٌ، والاسم الشُّغُلُ، بضم الشين، وتضم الغين، وتسكن للتخفيف، وشُغِلْتُ به، بالبناء للمفعول: تَلَهَّيتُ به، قال الأزهريّ: واشْتَغَلَ بأمره، فهو مُشْتَغِلٌ؛ أي: بالبناء للفاعل، وقال ابن فارس: ولا يكادون يقولون: اشْتَغَلَ، وهو جائز؛ يعني: بالبناء للفاعل، ومن هنا قال بعضهم: اشْتَغَلَ بالبناء للمفعول، ولا يجوز بناؤه للفاعل؛ لأن الافتعال إن كان مطاوعاً فهو لازمٌ لا غيرُ، وإن كان غير مطاوع فلا بدّ أن يكون فيه معنى التعدي، نحو اكتسبتُ المالَ، واكتحلتُ، واختضبت: أي: كحلت عيني، وخضبت يدي، واشتغلتُ ليس بمطاوع، وليس فيه معنى التعدي. وأجيب بأنه في الأصل مطاوع لفعل هُجِر استعماله في فصيح الكلام، والأصل أَشْغَلْتُهُ، بالألف، فَاشْتَغَلَ، مثل: أحرقته، فاحترق، وأكملته، فاكتمل، وفيه معنى التعدي، فإنك تقول: اشْتَغَلْتُ بكذا، فالجارّ والمجرور في معنى المفعول، وقد نصّ الأزهريّ على استعمال مُشتَغِلٍ ومُشْتَغَلٌ. انتهى(١). وقد تقدّم أنه لا يقال: أشغله رباعيّاً، وادّعى ذلك المجد، فقد ردّوا عليه، وإنما يقال: شَغَلَه ثلاثيّاً، فتنبّه. (فَلَوْ مَا اسْتَأْذَنْتَ) ((لوما)) هنا أداة تحضيض، بمعنى ((هَلَّا))، كما قال في ((الخلاصة» : (لَوْلَا)) و((لَوْمًا)) يَلْزَمَانِ الابْتِدَا إِذَا امْتِنَاعاً بِوُجُودٍ عَقَدَا (أَلََّ)) ((أَلَ)) وَأَوْلِنْهَا الْفِعْلَا وَبِهِمَا التَّحْضِيضَ مِزْ و((هَلَّا)» (١) ((المصباح المنير)) ٣١٦/١. ٤٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب وَقَدْ يَلِيهَا اسْمٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ عُلِّقَ أَوْ بِظَاهِرٍ مُؤَخَّرٍ (حَتَّى يُؤْذَنَ لَكَ؟ قَالَ) أبو موسى (اسْتَأْذَنْتُ كَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِّ)؛ أي: إن هذا الذي فعلته امتثال لِمَا سمعته من النبيّ وَّ، حيث قال: ((إذا استأذن أحدكم، فإن أُذن، وإلا فليرجع)). (قَالَ) ظُهُ لَمّا ذكر له حديثه وَّل (فَوَ اللهِ لأُوجِعَنَّ ظَهْرََكَ، وَبَطْنَكَ)؛ أي: بالضرب تعزيراً، (أَوْ لَتَأْتِيَنَّ) ((أو)) هنا بمعنى ((إلّا))؛ أي: إلا أن تأتينّ، و((أن)) مضمرة بعدها وجوباً، والفعل منصوب محلّاً بها، مبنيّ لفظاً؛ لاتصاله بنون التوكيد، والله تعالى أعلم. (بِمَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا) الذي نسبته إليه ◌ِّ، ثم إن ظاهر كلام عمر ظه هذا تهديد لأبي موسى ظُه، وحقيقته زجر غيره؛ لأن مَن دون أبي موسى إذا رأى هذه القضيّة، أو سمعها، إن كان في قلبه مرض، وأراد أن يضع حديثاً لترويج مرامه الفاسد ينزجر، ويخاف، ولا يجترىء على وضع حدیث، وإلا فكيف يُظنّ في حقّ عمر أنه ظنّ في حقّ أبي موسى أنه وضع لمرامه حديثاً؟ بل هو أجلّ وأعلى عند عمر من ذلك، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ)؛ أي: بعدما جاء أبو موسى إلى مجلسه يطلب من يشهد له، (فَوَ اللهِ لَا يَقُومُ مَّعَكَ إِلَّا أَحْدَثْنَا سِنّاً)؛ أي: أصغرنا، وإنما قال أُبيّ se ذلك إشارةً إلى شهرة الحديث، حتى إن أصغرهم سمعه منه وَّ، وكأنه إنكار على عمر ظُه(١). (قُمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ)؛ يعني: الخدريّ، وإنما عيّنه؛ لكونه أصغرهم، (فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ هَذَا). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّل الكتاب قال: [٥٦١٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّل - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ أَبَا مُوسَى أَتَى بَابَ عُمَرَ، فَاسْتَأْذَنَ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاحِدَةٌ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: ثِنْتَانٍ، (١) ((شرح السنوسيّ)) ٤٢٦/٥. ٤٢٣ (٨) - بَابُ الإِسْتِذَانِ - حديث رقم (٥٦١٧) ثُمَّ اسْتَأْذَنَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: عُمَرُ: ثَلَاثٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتْبَعَهُ، فَرَدَّهُ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا شَيْئاً حَفِظْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَهَا، وَإِلَّ فَلَأَجْعَلَنَّكَ عِظَةً، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَتَّانَا، فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((الإِسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ(١))، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ - قَالَ - فَقُلْتُ: أَتَاكُمْ أَخُوكُمُ الْمُسْلِمُ، قَدْ أُفْزِعَ(٢) تَضْحَكُونَ، انْطَلِقْ، فَأَنَا شَرِيكُكَ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُو سَعِيدٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٢ - (بِشْرُ بْنُ مُفَضَّلٍ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ) بن مَسْلمة الأزديّ، ثمّ الطاحيّ، أبو مسلمة البصريّ القصير، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٦/٨٨. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعةِ الْعَبْدِيّ الْعَوفيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦. و((أبو سعيد ظته)) ذُكر قبله. وقوله: (فَقَالَ عُمَرُ: وَاحِدَةٌ ... إلخ) خبر لمحذوف؛ أي: هذه مرّةٌ واحدة ... إلخ، قال ابن عبد البرّ تَُّهُ: في هذا الحديث من قول عمر: ((واحدة، اثنتان، ثلاث)) دليل على أن عمر ◌ُبه كان يعلم أن الاستئذان ثلاث، وقد رُوي في ذلك أيضاً عن عمر، عن النبيّ ◌َلون: ((الاستئذان ثلاث))، فدلّ ذلك على أن الذي جَهِله عمر من دعوى أبي موسى قوله: «فإن أُذِن لك، وإلا فارجع)) هذا لا غير، والله أعلم. انتهى(٣). وقوله: (فَأَتْبَعَهُ ... إلخ) بقطع الهمزة؛ أي: أرسل وراءه من يردّه إليه، يقال: أتبعت زيداً عَمْراً بالألف: إذا جعلته تابعاً له(٤). (١) وفي نسخة: ((ثلاثاً)). (٣) ((الاستذكار)) ٤٧٥/٨. (٢) وفي نسخة: ((فَزِعَ)). (٤) ((المصباح المنير)) ١/ ٧٢. ٤٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب وقوله: (فَهَا)؛ أي: فأحضر البيّنة، قال الفيّوميّ نَّثُهُ: وفي الحديث: ((إِلّا هَاءْ، وَهَاءْ)) بهمزة ساكنة على إرادة الوقف، ممدودٌ ومقصورٌ، والمولدون ينوّنون بغير همز، وإذا كان لمفرد مذكر قيل: هَاءَ بهمزة ممدودةٍ مفتوحةٍ، على معنى خُذْ، قال الشاعر [من الرجز]: تَمْزُجُ لِي مِنْ بُغْضِهَا السِّقَاءَ ثُمَّ تَقُولُ مِنْ بَعِيدٍ هَاءَ ومكسورةٍ على معنى هاتٍ، قال الشّاعر [من الخفيف]: مُولَعَاتٌ بِهَاءٍ هَاءٍ فَإِنْ شَفْ فَرَ (١) مَالٌ طَلَبْنَ مِنْكَ الخِلَاعَا وللاثنين هَاءَا، وللجمع هَاءُوا، بألف التثنية، وواو الجمع، وللمؤنثة هَاءِ، بهمزة مكسورة، وفي لغة أخرى للمؤنثة: هَائِي بياء بعد الهمزة، بمعنى هَاتِي، وهَاءَ، بهمزة، بمعنى هاك وزناً ومعنّى، وإذا كانت بمعنى الكاف دخلت الميم، فتقول للاثنين: هَا ؤُمَا، ولجمع المذكّر: هَاؤُمْ، وللمؤنث هَأْنَ بهمزة ساكنة، وإذا دخلت التاء، والكاف تعيَّن القصر، فيقال للمذكر: هَاتِ، وللمؤنثة: هَاتِي، وهَاتِيَا، وهَاتُوا، وهَاتِينَ، وهَاكَ، بفتح الكاف للمذكر، وبكسرها للمؤنثة، وهَاكُمَا، وهَاكُمْ، وهَاكُنَّ، فمعنى التاء: أعطني، ومعنى الكاف: خُذْ، ومعنى الحديث: يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ: هَاءِ؛ أي: هات ما في يدك، فيقول له: هَاءَ؛ أي: خذه، ويعطيه في وقته؛ لأنّه وُضِع للمناولة. (٢) انتھی(٢) . وقوله: (وَإِلَّا فَلَأَجْعَلَنَّكَ) هي ((إن)) الشرطيّة أُدغمت في ((لا)) النافية؛ أي: وإن لم تأت بالبيّنة ... إلخ. وقوله: (عِظَةً)؛ أي: عِبْرة لغيرك، وقال ابن الأثير تَّتُهُ: أي موعظةً وعبرةً لغيرك، من الوعظ، والهاء فيه عِوَضٌ من الواو المحذوفة. انتهى (٣). قال في ((العمدة)): كيف قال عمر لأبي موسى ﴿يا: ((أقم البينة، وإلا أوجعتك))، وفي رواية: ((فوالله لأُوجعنّ ظهرك وبطنك))، وفي رواية: ((لأجعلتك نكالاً))؟، مع أن أبا موسى كان عنده أميناً، ولهذا استعمله، وبعثه النبيّ وَل (١) يقال: شَفَرَ المالُ تشغيراً: قَلّ، وذهب. اهـ. ((القاموس)) ص٦٩٤. (٣) ((النهاية في غريب الأثر)» ص٦٢٥. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٤٤/٢. ٤٢٥ (٨) - بَابُ الإِسْتِتْذَانِ - حديث رقم (٥٦١٧) أيضاً، ساعياً، وعاملاً على بعض الصدقات، وهذه منزلة رفيعة في الثقة، والأمانة. وأجيب بأن هذا كله محمول على أن تقديره: لأفعلنّ بك هذا الوعيد إن بان أنك تعمَّدت كذباً. انتهى(١). وقوله: ((الاِسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ))) مبتدأ وخبره، ووقع في بعض النسخ بلفظ: (ثلاثاً)) بالنصب، فيكون خبراً لـ((يكون)) محذوفاً، وحذف ((كان)) مع اسمها لا يختصّ بالماضي، بل يجوز في المضارع أيضاً، كقولهم: ألا طعامَ، ولو تمرٌ؛ أي: ولو يكون عندكم تمرٌ، كما قدّره سيبويه، ذكره الخضريّ في ((حاشيته)) (٢). وقوله: (فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ) قال القرطبيّ كَُّهُ: إنما ضَحِكوا من جَزَع أبي موسى من تهديد عمر رُه، مع علمهم بأن ذلك لا يتمُّ منه؛ لأنَّ ما طلبه من البينة موجودة، ولأن عمر لم يكذِّبه، ولا مقصوده جَلْده، ولا إهانته، بل التغليظ، والحماية. انتهى (٣). وقال النوويّ تَخّْثُ: سبب ضَحِكهم التعجّب من فزع أبي موسى ( لضُوعِنْه، وذُعْره، وخوفه من العقوبة، مع أنهم قد أَمِنوا أن يناله عقوبة، أو غيرها؛ لقوة حجته، وسماعهم ما أُنكر عليه من النبيّ ◌َّر. انتهى(٤). وقوله: (قَدْ أُفْزِعَ) بضمّ الهمزة من الإفزاع رباعيّاً، وهو التخويف، ووقع في بعض النُّسخ: ((وقد فَزَع)) ثلاثيّاً، يقال: فَزِعَ منه فَزَعاً، فهو فَزِعٌ، من باب تَعِبَ: خاف، وأفزعته، وفزّعته، ففزعَ(٥). وقوله: (فَأَنَا شَرِيكُكَ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ) هو كناية عن كونه لا تناله العقوبة بوجه من الوجوه؛ لكون صادقاً محقّاً فيما قاله، حيث سمعه الأنصار من النبيّ ◌َّ، حتى صار أصغرهم يشهد له، فكأنه يؤكّد له أن لا يناله شيء من العقوبة، والله تعالى أعلم. (١) ((عمدة القاري)) ١١/ ١٧٧. (٢) ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ١٦٧/١. (٣) («المفهم)) ٤٧٦/٥. (٥) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٧٢. (٤) (شرح النوويّ)) ١٤/ ١٣٣ - ١٣٤. ٤٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب (فَقَالَ: هَذَا)؛ أي: الذي وقوله: (فَأَتَاهُ)؛ أي: أتى أبو موسى عمر ﴾ جاء معي، (أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ يشهد لي بما رويته لك؛ لأنه سمع الحديث من النبيّ مَّ ر، كما سمعت منه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٦١٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، وَسَعِيدٍ بْنِ يَزِيدَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَا: سَمِعْنَاهُ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، بِمَعْنَى حَدِيثٍ بِشْرِ بْنِ مُفَضَّلِ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشِ) أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٤٢) (م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٠/٤٢. ٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، الفزاريّ مولاهم، يقال: كان اسمه مروان، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠. ٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٢٦٦/٤٠. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل أربعة أبواب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَا ... إلخ) ضمير التثنية في الموضعين للجريريّ، وسعيد بن يزيد، وأبو مسلمة في السند الأول هو سعيد بن يزيد في السند الثاني. [تنبيه]: رواية شعبة عن الجريريّ، وسعيد بن يزيد كلاهما عن أبي نضرة ساقها ابن الجعد ◌َّثُ في ((مسنده))، فقال: (١٤٤٧) - حدّثنا عليّ، أنا شعبة، عن سعيد الجريريّ، سمع أبا نضرة يحدِّث عن أبي سعيد الخدريّ قال: جاء أبو موسى يستأذن على عمر ثلاثاً، ٤٢٧ (٨) - بَابُ الإِسْتِتْذَانِ - حديث رقم (٥٦١٩) فلم يؤذن له، فرجع، فقال له عمر: لتأتينّ على ما قلت، أو لأفعلنّ بك، فأتى الأنصار، فقال: ألستم تعلمون أن النبيّ وَ ل﴿ قال: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له، فليرجع))؟ قال: فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، قال أبو سعید: فأتیته، فشهدت له. (١٤٤٨) - حدّثنا عليّ، أنا شعبة، عن سعيد بن يزيد، سمع أبا نضرة يحدِّث عن أبي سعيد، مثل ذلك. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٥٦١٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيْدٍ بْنٍ عُمَيْرٍ، أَنَّ أَبَا مُوسَى اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثاً،ً فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولاً، فَرَجَعَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ نَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنٍ قَيْسٍ؟ ائْذَنُوا لَهُ، فَدُعِيَ لَهُ(٢)، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا، قَالَ: لَتُقِيمَنَّ عَلَى هَذَا بَيِّئَةً، أَوْ لِأَفْعَلَنَّ، فَخَرَجَ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَصْغَرُنَا، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ بِهِ، أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ المعروف بالسمين، مروزيّ الأصل، صدوق فاضلٌ ربّما وَهِم [١٠] (ت٥ أو٢٣٦) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٤/١. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) تقدّم قريباً. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضِّلٌ، يدلّس ويرسل [٦] (ت١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣. (١) ((مسند ابن الجعد)) ٢١٨/١. (٢) وفي نسخة: ((فدُعي به)). ٤٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب ٥ - (عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، قاصّ أهل مكة، وُلد في عهد النبيّ ◌َِّ [٢] (ت٦٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٧٣. و((أبو موسى الأشعريّ ◌ُبه)) ذُكر قبله. وقوله: (اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثاً)؛ أي: طلب الإذن في الدخول عليه. وقوله: (فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولاً)؛ أي: وكأن عمر ◌َظُّه كان مشغولاً بأمر من أمور المسلمين. وقوله: (أَلَمْ نَسْمَعْ) بنون المتكلّم، هكذا في النسخة الهنديّة، ووقع في غيرها بلفظ: ((ألم تسمع)) بتاء الخطاب، ولعلّ الخطاب لشخص كان عند عمر ربه في ذلك الوقت، ولفظ البخاريّ: ((ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟))، بهمزة المتكلّم، والله تعالى أعلم. وقوله: (ائْذَنُوا لَهُ) هكذا النُّسخ بهمزة ساكنة قبل الذال، ويُروَى: ((إيذنوا له)) بياء بدل الهمزة، قال في ((العمدة)): أصله ائذنوا له بهمزتين، فلما ثقلتا، قُلبت الثانية ياءً؛ لكسرة ما قبلها. انتهى(١). وقوله: (فَدُعِيَ لَهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: طُلب عبد الله بن قيس أن يرجع لأجل عمر حيث أمَر بردّه عليه، وفي بعض النُّسخ: ((فدُعي به))، والأول أوضح. وقوله: (قَالَ: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا) فيه حَذْف تقديره: فبعث عمر وراءه، فحضر، فقال له: لِمَ رجعت؟ فقال: كنا نؤمر بذلك؛ أي: بالرجوع حين لم يؤذن للمستأذن. وقوله أيضاً: (إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا)؛ أي: بالرجوع إذا لم يؤذن لنا بعد الاستئذان ثلاثاً، قال في ((الفتح)): وفيه الدلالة على أن قول الصحابيّ: كنا نؤمر بكذا محمول على الرفع، ويَقْوَى ذلك إذا ساقه مساق الاستدلال، وفيه أن الصحابيّ الكبير القدر الشديد اللزوم لرسول الله وَ ﴿ قد يخفى عليه بعض أمره، ويسمعه من هو دونه، وادَّعَى بعضهم أنه يستفاد منه أن عمر كان لا يقبل الخبر من شخص واحد، وليس كذلك؛ لأن في بعض طرقه أن عمر قال: إني أحببت (١) ((عمدة القاري)) ١٧٦/١١. ٤٢٩ (٨) - بَابُ الإِسْتِْذَانِ - حديث رقم (٥٦١٩) أن أتثبت، وقد قَبِل عمر خبر الضحاك بن سفيان وحده في الدية، وغير ذلك. (١) انتھی(١). وقوله: (فَقَالُوا ... إلخ)؛ أي: قال الأنصار، قال النوويّ كَّتُهُ: إنما قال ذلك الأنصار إنكاراً على عمر ربه فيما قاله، إنه حديث مشهور بيننا، معروف عندنا، حتى إن أصغرنا يحفظه، وسمعه من رسول الله وَله . وقوله: (فَقَالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا ... إلخ)؛ أي: أَمْر الاستئذان ثلاثاً، وهذا اعتراف من عمر نظره، واعتذار مما وقع منه في حقّ أبي موسى ـه : وبيان لسبب كون الحديث المعروف بينهم خفيَ عليه. وقال القرطبيّ تَخْتُ: إنما قال عمر ظُبه هذا عاتباً على نفسه، وناسباً لها إلى التقصير، ثم بيَّن عذره بقوله: (أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ) زاد البخاري: ((يعني: الخروج إلى التجارة))؛ أي: شغلني عن هذا الحديث أمر التجارة والمعاملة في الأسواق، كما قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَّ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرٍ اللّهِ﴾ [المنافقون: ٩] قال البيضاويّ: لا يشغلكم تدبيرها، والاهتمام بها. وقال القرطبيّ تَّثُ: وألهاني: شَغَلني، والصَّفق: البيع، وسُمِّي بذلك؛ لأنهم كانوا يتواجبون البيع بالأيدي، فيُصَفِّق كل واحد منهم بيد صاحبه، ومنه قيل للبيعة: صفقة. انتهى (٢). وقال أبو عمر تَخَُّ في ((التمهيد)): وفي قوله: ((ألهاني الصفق بالأسواق)) دليل على أن طلب الدنيا يمنع من استفادة العلم، وأنه كلما ازداد المرء طلباً لها ازداد جهلاً، وقَلّ عمله، والله أعلم، ومن هذا قول أبي هريرة اته: ((أما إخواننا المهاجرون، فكان يَشْغَلهم الصفق بالأسواق، وأما إخواننا من الأنصار، فشَغَلتهم حوائطهم، ولَزِمت رسول الله وَّر على شِبَع بطني))، هذا وكان القوم عرباً في طبعهم الحفظ، وقلة النسيان، فكيف اليوم؟ وإذا كان القرآن الميَسَّر للذكر كالإبل المعَقَّلة، مَن تعاهدها أمسكها، فكيف بسائر (١) ((الفتح)) ٥١٧/٥، كتاب ((البيوع)) رقم (٢٠٦٢). (٢) ((المفهم)) ٤٧٦/٥ - ٤٧٧. ٤٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب العلوم؟ والله أسأله علماً نافعاً، وعملاً متقبلاً، ورزقاً واسعاً، لا شريك له. انتهى كلام أبي عمر تَظُّهُ(١). وقال في ((الفتح)): وأطلق عمر رضيبه على الاشتغال بالتجارة لَهْواً؛ لأنها ألهته عن طول ملازمته النبيّ وَ ل حتى سمع غيره منه ما لم يسمعه، ولم يقصد عمر تَرْك أصل الملازمة، وهي أمر نسبيّ، وكان احتياج عمر إلى الخروج للسوق من أجل الكسب لعياله، والتعفف عن الناس، وأما أبو هريرة فكان وحده، فلذلك أكثر ملازمته، وملازمةُ عمر للنبيّ وَّ لا تخفى، واللهو مطلقاً: ما يُلْهِي، سواءٌ كان حراماً، أو حلالاً، وفي الشرع ما يَحْرُم فقط. (٢) انتھی(٢) . وقد عقد البخاريّ تَظْتُهُ في ((كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة)) من ((صحيحه)): ((باب الحجة على من قال: إن أحكام النبيّ وَلو كانت ظاهرة، وما كان يغيب بعضهم عن مشاهد النبيّ وَّ، وأمور الإسلام)). قال في ((الفتح)): هذه الترجمة معقودة لبيان أن كثيراً من الأكابر، من الصحابة، كان يغيب عن بعض ما يقوله النبيّ وَلّر، أو يفعله من الأعمال التكليفية، فيستمرّ على ما كان اطَلَع عليه هو، إما على المنسوخ؛ لعدم اطلاعه على ناسخه، وإما على البراءة الأصلية، وإذا تقرر ذلك قامت الحجة على من قَدَّم عَمَلَ الصحابيّ الكبير، ولا سيما إذا كان قد وَلِي الحكم على رواية غيره متمسكاً بأن ذلك الكبير لولا أن عنده ما هو أقوى من تلك الرواية لَمَا خالفها، ويَرُدّه أن في اعتماد ذلك تَرْك المحقّق للمظنون. وقال ابن بطال: أراد الردّ على الرافضة، والخوارج الذين يزعمون أن أحكام النبيّ وَّرُ وسُننه منقولة عنه نقلَ تواتر، وأنه لا يجوز العمل بما لم يُنْقَل متواتراً، قال: وقولهم مردود بما صحّ أن الصحابة كان يأخذ بعضهم عن بعض، ورجع بعضهم إلى ما رواه غيره، وانعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد. (١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٠٢/٣. (٢) ((الفتح)) ٥١٧/٥، كتاب ((البيوع)) رقم (٢٠٦٢). ٤٣١ (٨) - بَابُ الإِسْتِدَانِ - حديث رقم (٥٦١٩) وقد عقد البيهقيّ في ((المدخل)): ((بابُ الدليل على أنه قد يَعْزُب على المتقدّم الصحبة الواسع العلم الذي يعلمه غيره)»، ثم ذكر حديث أبي بكر في الجدّة، وهو في ((الموطأ))، وحديث عمر في الاستئذان، وهو المذكور في هذا الباب، وحديث ابن مسعود في الرجل الذي عَقَد على امرأة، ثم طلقها، فأراد أن يتزوج أمها، فقال: لا بأس، وإجازته بيع الفضة المكسَّرَة بالصحيحة متفاضلاً، ثم رجوعه عن الأمرين معاً لَمّا سمع من غيره من الصحابة النهي عنهما، وأشياء غير ذلك، وذكر فيه حديث البراء: ((ليس كلِّنا كان يسمع الحديث من النبيّ وَ ﴿، كانت لنا صنعةٌ، وأشغالٌ، ولكن كان الناس لا يكذبون، فيحدِّث الشاهد الغائب))، وسنده ضعيف، وكذا حديث أنس: ((ما كلّ ما نحدثكم عن رسول الله وَ﴿ سمعناه، ولكن لم يكذب بعضنا بعضاً))، ثم سَرَد ما رواه صحابيّ عن صحابيّ، مما وقع في ((الصحيحين))، وقال: في هذا دلالة على إتقانهم في الرواية، وفيه أبين الحجة، وأوضح الدلالة على تثبيت خبر الواحد، وأن بعض السنن كان يخفى عن بعضهم، وأن الشاهد منهم كان يُبَلِّغ الغائب ما شَهِد، وأن الغائب كان يقبله ممن حدَّثه، ويعتمده، ويعمل به. قال الحافظ: خبر الواحد في الاصطلاح خلاف المتواتر، سواء كان من رواية شخص واحد، أو أكثر، وهو المراد بما وقع فيه الاختلاف، ويدخل فيه خبر الشخص الواحد دخولاً أوّليّاً، ولا يَرِد على من عَمِل به ما وقع في حديث الباب من طلب عمر من أبي موسى ظها البينة على حديث الاستئذان، فإنه لم يَخْرُج مع شهادة أبي سعيد له وغيره عن كونه خبر واحد، وإنما طلب عمر من أبي موسى البينة؛ للاحتياط، وإلا فقد قَبِل عُمر حديث عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس، وحديثه في الطاعون، وحديث عمرو بن حزم في التسوية بين الأصابع في الدية، وحديث الضحاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها، وحديث سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين، إلى غير ذلك، وفي ((صحيح البخاريّ)) من حديث عمر ظُله أنه كان يتناوب النزول على النبيّ ◌َّ هو ورجل من الأنصار، فينزل هذا يوماً، وهذا يوماً، ويخبر كل منهما الآخر بما غاب عنه، وكان غرضه بذلك تحصيل ما يقوم بحاله، وحال عياله؛ ليستغني عن الاحتياج لغيره، وليتقوى على ما هو بصدده من الجهاد. ٤٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب وفيه أنه لا يشترط على من أمكنته المشافهة أن يعتمدها، ولا يكتفي بالواسطة؛ لثبوت ذلك من فعل الصحابة ﴿ه في عهد النبيّ وَّ بغير نكير. انتهى ما ذكره في ((الفتح))(١)، وهو بحث نفيسٌ ومفيد جدّاً، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٢٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم (ح) وَحَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ - يَعْنِي: ابْنَ شُمَيْلٍ - قَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ النَّضْرِ: أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالأَسَّوَاقِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو عَاصِم) الضحّاك بن مخلد النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٢) أو بعدها (عَ) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٣ - (حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ) الْخُزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٤) (خ م د ت س) تقدم في ((الصيام)) ٢٦١٩/١٧. ٤ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) أبو الحسن النحويّ البصريّ، ثم المروزيّ، تقدّم قريباً . و((ابن جريج)) ذکر قبله. [تنبيه]: رواية أبي عاصم، عن ابن جُريج ساقها البزّار ◌َكْثُ في ((مسنده))، فقال : (٣٠٢٤) - حدّثنا عمرو بن عليّ قال: أخبرنا أبو عاصم قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: أخبرني عُبيد بن عُمير، أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثاً، فلم يؤذن له، وكان مشغولاً، فلما فرغ قال: ألم أسمع عبد الله بن قيس؟، ائذنوا له، قيل: رجع، قال: ادعوه، فقال: كنا نؤمر (١) ((الفتح)) ٢٤٤/١٧ - ٢٤٧، كتاب ((الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة)) رقم (٧٣٥٣). ٤٣٣ (٨) - بَابُ الإِسْتِْذَانِ - حديث رقم (٥٦٢١) بذلك، قال: لنأتينّ على ذلك بالبينة، قال: فانطلق إلى مجلس من مجالس الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا أبو سعيد الخدريّ، فشهد له، فقال عمر: أَخَفِيَ عليّ هذا من أمر رسول الله وَلاه؟ ألهاني الصفق بالأسواق، ولكني سَلْني ما شئت، ولا تستأذن. قال البزّار: ولا نعلم رَوَى عُبيد بن عُمير عن أبي موسى إلا هذا الحدیث. انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ولكني سلني ما شئت ... إلخ)) هذه الزيادة ليست في الروايات المشهورة، والظاهر أنها شاذّة، والله تعالى أعلم. وأما رواية النضر بن شُميل عن ابن جريج، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٢١] (٢١٥٤) - (حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ أَبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، هَذَا أَبُو مُوسَى، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، هَذَا الأَشْعَرِيُّ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ، رُدُّوا عَلَيَّ، فَجَاءَ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى مَا رَذَّكَ؟ كُنَّا فِي شُغْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((الاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ))، قَالَ: لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبَيَِّةٍ، وَإِلَّا فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ، فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى، قَالَ عُمَرُ: إِنْ وَجَدَ بَيِّئَةً تَجِدُوهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ عَشِيَّةً، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً فَلَمْ تَجِدُوهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ بِالْعَشِيِّ وَجَدُوهُ، قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى مَا تَقُولُ؟ أَقَدْ وَجَدْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أُبِيُّ بْنَ كَعْبٍ، قَالَ: عَدْلٌ، قَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ ذَلِكَ، يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَلَا تَكُونَنَّ عَذَاباً عَلَى أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئاً، فَأَحْبَيْتُ أَنْ أَتَبَّتَ). (١) ((مسند البزار)) ٤١/٨ - ٤٢. ٤٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت١٩٢) في ربيع الأول (ع) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٣٦/٢٦. ٢ - (طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى) بن طلحة بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ يُخطىء [٦] (ت١٤٨) (م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ٨٥٨/٨. ٣ - (أَبُو بُرْدَةَ) عامر، وقيل: الحارث بن عبد الله بن قيس الأشعريّ الكوفيّ، تقدّم قريباً. والباقيان ذُكرا قبله. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) عبد الله بن قيس ◌َظُه، أنه (قَالَ: جَاءَ أَبُو مُوسَى) هذا فيه التفات؛ إذ الأصل أن يقول: جئت، ويَحْتَمل أن يكون فاعل ((قال)) ضمير أبي بردة؛ أي: قال أبو بردة: جاء أبو موسى ... إلخ، والأول (فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أوضح، والله تعالى أعلم. (إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ) صرّح باسمه حتى يَعلم المستأذَن عليه، ففيه أنه ينبغي في الاستئذان أن يصرّح بما يُعرف به، من اسم، أو غيره، ولا يكتفي بالسلام فقط؛ لأن صوت المستأذِن يمكن أن لا يكون معروفاً عند صاحب البيت، والله تعالى أعلم. (فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ) بالبناء للفاعل؛ أي: لم يأذن عمر لأبي موسى ( وفي بعض النسخ: ((فلم يُؤذن له))، بالبناء للمفعول (فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، هَذَا أَبُو مُوسَى)؛ أي: مصرّحاً بكنيته، ثم قال: (السَّلامُ عَلَيْكُمْ، هَذَا الأَشْعَرِيُّ) مصرّحاً بنسبه، قال القاضي عياض تَُّهُ: خالف بين ألفاظ الإخبار عن نفسه طلباً للتعريف؛ لئلا يكون جُهل الأول، فيعرف الثاني، وكنى نفسه لعله ظنّ أن به يُعرف. انتهى(١). (ثُمَّ) لَمّا لم يؤذن له بعد هذه التصريحات (انْصَرَفَ)؛ أي: رجع إلى حاجته، (فَقَالَ) عمر رَله بعد أن قال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ (١) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٣٠. ٤٣٥ (٨) - بَابُ الإِسْتِثْذَانِ - حديث رقم (٥٦٢١) فقيل له: رجع، فقال: (رُدُّوا عَلَيَّ)؛ أي: أبا موسى، (رُدُّوا عَلَيَّ) كرّره للتأكيد، (فَجَاءَ) أبو موسى، وتقدّم أنه إنما جاء في اليوم الثاني، (فَقَّالَ) عمر ◌َه (يَا أَبَا مُوسَى مَا رَدَّكَ؟) ((ما)) استفهاميّة للإنكار؛ أي: أيّ شيء حمل على الرجوع دون أن تدخل عليّ؟ ثم ذكر له عذره في عدم تنبّهه لاستئذانه، فقال: (كُنَّا فِي شُغْل)؛ أي: عَمّلٍ يَشْغَلنا عن التفرّغ لإجابتك. (قَالَ) أبو موسى ◌َُّهُ (سَمِعْتُ رَسُوَّلَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((الاِسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ)؛ أي: ثلاث من المرّات، (فَإِنْ أُذِنَ لَكَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أذِن لك المستأذَن عليه، فادخل (وَإِلَّا)؛ أي: وإن لم يؤذن لك (فَارْجِعْ))) ففيه وجوب الرجوع بعد الثلاث، وعدم الزيادة عليها. (قَالَ) . (لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا) الذي ادّعيت سماعه من النبيّ وَّهِ (بِبَيِّنَةٍ، وَإِلَّا)؛ عمر مضيعة أي: وإن لم تأت بالبيّنة (فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ)؛ أي: فعلت بك ما يكون نكالاً، وهذا في معنى قوله في الرواية الأخرى: ((أقم البيّنة، وإلا أوجعتك))، وفي الرواية الأخرى: ((والله لأوجعنّ ظهرك وبطنك، أو لتأتينّ بمن يشهد))، وفي رواية: ((لأجعلنك نكالاً))، وقد تقدّم أن هذا كلّه محمولٌ على تقدير: لأفعلنّ بك هذا الوعيد إن ظهر منك تعمّد الكذب، ولم يظهر، ولله الحمد. (فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى) ◌َبه إلى مجلس الأنصار يطلب من يشهد له. (قَالَ عُمَرُ) ◌َتُه (إِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ عَشِيَّةً) قال الفيّومِيّ تَظْتُهُ: العَشِيُّ قيل: ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه يقال للظهر والعصر: صَلاتَا العَشِيِّ، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: العَشِيُّ من الزوال إلى الصباح، وقيل: العَشِيُّ، والعِشَاءُ من صلاة المغرب إلى العتمة، وعليه قول ابن فارس: العِشَاءَانِ: المغرب والعتمة، قال ابن الأنباريّ: العَشِيَّةُ مؤنثةٌ، وربما ذَكَّرتها العربُ على معنى العشيّ، وقال بعضهم: العَشِيَّةُ واحدة، جَمْعها عَشِيٍّ، والعِشَاءُ بالكسر والمدّ: أول ظلام الليل. انتهى (١). (وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَيِّئَةً فَلَمْ تَجِدُوهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ بِالْعَشِيِّ) (أَنْ)) بعد ((لَمّا)) زائدة (٢)، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَغَّآ أَنْ جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سَِّ بِهِمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٣٣]. (١) ((المصباح المنير)) ٤١٢/٢. (٢) راجع: ((مغني اللبيب)) ٧٥/١. ٤٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب وقوله: (جَاءَ بِالْعَشِيِّ) الظاهر أن الباء زائدة؛ أي: جاء وقت العشيّ، ويحتمل أن تكون بمعنى ((في))؛ أي: لما جاء عمر رَظُه إلى المسجد في وقت العشيّ، (وَجَدُوهُ)؛ أي: وجدوا أبا موسى في المسجد. (قَالَ) عمر (يَا أَبَا مُوسَى مَا تَقُولُ؟، أَقَدْ وَجَدْتَ؟)؛ أي: من يشهد لك على ما قلت؟ (قَالَ) أبو موسى (نَعَمْ) وجدت (أَبَيُّ بْنَ كَعْبٍ) ◌َبه، فإنه يشهد لي. (قَالَ) عمرٍ رَُّ (عَدْلٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هو عدلَّ مقبول الشهادة. (قَالَ) عمر (يَا أَبَا الطَّفَيْلِ) كنية أُبِيّ ◌َهِ (مَا يَقُولُ هَذَا؟)؛ أي: أبو موسى، (قَالَ) أُبِيّ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلهم يَقُولُ ذَلِكَ)؛ أي: ما قال لك أبو موسى من قوله ◌َّ: ((الاستئذان ثلاث)). قال الجامع عفا الله عنه: هذه الرواية تخالف ما سبق من أن الذي شهد لأبي موسى هو أبو سعيد، لا أُبيّ بن كعب، قال في ((الفتح)) بعد أن ذكر رواية مسلم هذه ما نصّه: هكذا وقع في هذه الطريق، وطلحة بن يحيى فيه ضعف، ورواية الأكثر أولى أن تكون محفوظة، ويمكن الجمع بأن أُبيّ بن كعب جاء بعد أن شهد أبو سعيد. انتهى(١). قال الجامع: والجمع المذكور أَولى من تضعيف الرواية، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَلَا تَكُونَنَّ عَذَاباً عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَّ) قال النوويّ تَخْلُهُ: معنى كلام أُبَيّ بن كعب ◌َظ ◌ُبه هذا الإنكار على عمر بنظُّه في إنكاره الحديث المشهور. وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: وقول أبيّ لعمر بن الخطاب ﴿ه: ((لا تكوننّ عذاباً على أصحاب رسول الله (وَ ل﴿)) يدلُّ على ما كانوا عليه من القوَّة في دين الله، وعلى قول الحقّ، ومن قبوله، والعمل به، فإنَّ أُبيّاً أنكر على عمر تهديده لأبي موسى ◌ِّه، فقام بما عليه من الحقّ، ولمّا تحقق عمر الحقَّ قَبِلَه، واعتذر عما صدر عنه، رضي الله عنهم أجمعين(٢). (١) ((الفتح)) ١٤/ ١٧٠، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤٥). (٢) «المفهم)) ٤٧٧/٥. ٤٣٧ (٨) - بَابُ الإِسْتِثْذَانِ - حديث رقم (٥٦٢٢) (قَالَ) عمر ◌َّهُ متعجّباً لإنكارهم عليه ذلك: (سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئاً، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَبَّتَ) معنى كلامه تعظُبه أنه ما طلب البيّنة من أبي موسى إلا للتثبّت فقط، لا لردّ حديثه، فربّما ينسى الإنسان، أو يُخطىء، فيزيد، وينقص مع کونه صادقاً في حديثه، فاستثبت لذلك. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٢٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبَانٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِوََّ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَلَا تَكُنْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ عَذَاباً عَلَى أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَمَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبَانٍ) بن صالح بن عُمير الأمويّ مولاهم، ويقال له: الجعفيّ نسبة إلى خاله حسين بن عليّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مُشْكُدانة - بضمّ الميم، والكاف، بينهما شين معجمة ساكنة، وبعد الألف نون - وهو بالفارسيّة وِعَاء المسك، صدوقٌ فيه تشيّع [١٠] (ت٢٣٩) (م د ت) تقدم في ((الاستسقاء)) ٢٠٨٨/٥. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ هَاشِم) بن الْبَرِيد الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع، من صغار [٨] (ت١٨٠) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((الرضاع)) ٣٥٦٩/١. و(طلحة بن یحیی)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عليّ بن هاشم عن طلحة بن يحيى هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . ٤٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب (٩) - (بَابُ كَرَاهَةٍ قَوْلِ الْمُسْتَأْذِنِ: أَنَا، إِذَا قِيلَ: مَنْ هَذَا؟) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٢٣] (٢١٥٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ، فَدَعَوْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِ: ((مَنْ هَذَا؟»، قُلْتُ: أَنَا، قَالَ: فَخَرَجَ، وَهُوَ يَقُولُ: ((أَنَا أَنَا))). رجال هذا الإسناد: خمسة : وكلّهم تقدّموا قريباً. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) وفي رواية الإسماعيليّ عن أحمد بن محمد بن منصور وغيره عن عليّ بن الجعد، عن شعبة: ((أخبرني محمد بن المنكدر، عن جابر)) (١). (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿ أنه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وََّ) وفي الرواية التالية: ((استأذنت على النبيّ وَّ))، وزاد في رواية البخاريّ: ((في دَين كان على أبي))، (فَدَعَوْتُ) هكذا النُّسخ بحذف المفعول؛ أي: دعوته بََّ، أو دعوت من في البيت، وفي رواية البخاريّ: ((فدققت الباب))، قال في ((الفتح)): قوله: ((فدققت)) بقافين للأكثر، وللمستملي، والسرخسيّ: ((فدفعت)) بفاء، وعين مهملة، وفي رواية الإسماعيليّ: ((فضربت الباب))، وهي تؤيد رواية: ((فدققت)) بالقافين، وله من وجه آخر، وهي عند مسلم: ((استأذنت على النبيّ وَّر))، ولمسلم في أخرى: ((دعوت النبيّ وَلاَ)(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا عزا في ((الفتح)) إلى مسلم بلفظ: ((فدعوت النبيّ وَّ﴾))، لكن النُّسخ التي عندنا كلها ليس فيها ((النبيّ ◌َّ))، بل هي بحذف المفعول، فتنبّه. (١) ((الفتح)) ١٤/ ١٨٠، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٥٠). (٢) ((الفتح)) ١٨٠/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٥٠). ٤٣٩ (٩) - بَابُ كَرَاهَةٍ قَوْلِ الْمُسْتَأْذِنِ: أَنَا، إِذَا قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ - حديث رقم (٥٦٢٣) (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((مَنْ هَذَا؟)؛ أي: الذي يدعو، أو يدقّ الباب، (قُلْتُ: أَنَا) مبتدأ ◌ُحُذف خبره لدلالة السؤال عليه؛ أي: أنا الداعي، قال في (الخلاصة)» : وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا تَقُولُ ((زَيْدٌ)) بَعْدَ «مَنْ عِنْدَكُمَا)) (قَالَ) جابر ◌َظُهُ: (فَخَرَجَ) بَّهِ (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة من الفاعل، ((أَنَا أَنَا))) مكرّراً لتأكيد الإنكار، زاد في الرواية الآتية: ((كأنه كره ذلك))، وفي رواية البخاريّ: ((كأنه كرهها))، ولأبي داود الطيالسيّ في ((مسنده)) عن شعبة: («كَرِه ذلك)) بالجزم. قال المهلّب: إنما كره قول أنا؛ لأنه ليس فيه بيان إلا إن كان المستأذِن ممن يَعْرِف المستأذَنُ عليه صوته، ولا يلتبس بغيره، والغالب الالتباس، وقيل: إنما كَرِه ذلك؛ لأن جابراً لم يستأذن بلفظ السلام، وفيه نظر؛ لأنه ليس في سياق حديث جابر أنه طلب الدخول، وإنما جاء في حاجته، فدقّ الباب؛ ليَعْلَم النبيّ ێ بمجيئه، فلذلك خرج له. وقال الداوديّ: إنما كرهه؛ لأنه أجابه بغير ما سأله عنه؛ لأنه لمّا ضَرَب الباب عَرَف أنّ ثَمّ ضارباً، فلما قال: أنا، كأنه أعلمه أنّ ثَمّ ضارباً، فلم يزده على ما عَرَف من ضرب الباب، قال: وكان هذا قبل نزول آية الاستئذان. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه لا تنافي بين القصّة وبين ما دلت عليه الآية، ولعله رأى أن الاستئذان ينوب عن ضرب الباب، وفيه نظر؛ لأن الداخل قد يكون لا يسمع الصوت بمجرده، فيحتاج إلى ضرب الباب؛ ليبلغه صوت الدَّقّ، فيقرب، أو يخرج، فيستأذن عليه حينئذ، وكلامه الأول سبقه إليه الخطابيّ، فقال: قوله: أنا، لا يتضمن الجواب، ولا يفيد العلم بما استعلمه، وكان حقّ الجواب أن يقول: أنا جابر؛ ليقع تعريف الاسم الذي وقعت المسألة عنه. وقد أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وصححه الحاكم، من حديث بريدة : ((أن النبيّ وَ﴿ أَتَى المسجد، وأبو موسى يقرأ، قال: فجئت، فقال: من هذا؟ قلت: أنا بُريدة)). وتقدم حديث أم هانئ ◌ُها: ((جئت إلى النبيّ وَّ، فقلت: أنا أم هانئ ... )) الحديث في صلاة الضحى. ٤٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب قال النوويّ: إذا لم يقع التعريف إلا بأن يَكْني المرء نفسه لم يُكره ذلك، وكذا لا بأس أن يقول: أنا الشيخ فلان، أو القارئ فلان، أو القاضي فلان، إذا لم يحصل التمييز إلا بذلك. وذكر ابن الجوزيّ أن السبب في كراهة قول: أنا، أن فيها نوعاً من الكِبر، كأن قائلها يقول: أنا الذي لا أحتاج أذكر اسمي، ولا نسبي. وتعقبه مغلطاي بأن هذا لا يتأتى في حقّ جابر في مثل هذا المقام. وأجيب بأنه ولو كان كذلك فلا يمنع من تعليمه ذلك؛ لئلا يستمرّ عليه، ويعتاده، والله أعلم (١) . [فائدة]: ومن طريف ما يُحكَى في هذا الباب أن الزمخشريّ استأذن عليه نحويّ، فسأله عن اسمه، فقال: عمر، وكان هذا الجواب المختصر غير مفيد للتعريف، فقال الزمخشريّ: انصرف، فقال المستأذن: إن عمر لا ينصرف، فأجاب الزمخشريّ: إذا نُكّر صُرف(٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله (المسألة الثانية): في تخريجه: ! هذا متّفقٌ عليه . أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٢٣/٩ و٥٦٢٤ و٥٦٢٥] (٢١٥٥)، و(البخاريّ) في ((الاستئذان)) (٦٢٥٠) وفي ((الأدب المفرد)) (١٠٨٦)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥١٨٧)، و(الترمذيّ) في ((الاستئذان)) (٢٧١١)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٣٢٦)، و(ابن ماجه) في ((الآداب)) (٣٧٠٩)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٧١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٨/٣ و٣٢٠ و٣٦٣)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٢٥١/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٨٠٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٠/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٣٢٣ و٣٣٢٤)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ١٨٠/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٥٠). (٢) ((الفتح)) ١٨٠/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٥٠). راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٢٣٦/٤.