النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
(٤) - بَابُ تَحْرِيمِ التَّسَمِّ بِمَلِك الأَمْلَاكِ، وَبِمَلِكِ الْمُلُوكِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٩٩)
العاقل، ولا يغترّ بكثرة القائلين من المتأخرين، فإن الحقّ ليس بالكثرة،
وإنما هو بدليله، وحجته، فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى
اَللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، فإذا رددناه إلى الكتاب فقد أثبته، ولم يأمر
بتأويله، وكذا إذا رددناه إلى الرسول و 18، فإن سننه الصحيحة مملوءة بإثبات
هذه الصفات، ولم يُنقل عنه وَّر حرف واحد في التأويل، مع أن مجالسه وَله
حينما حدّث بهذه الأحاديث مشتملة على الأعراب وغيرهم من الجهلة، فلو
كان التأويل صحيحاً لَمَا سكت النبيّ وَله عن بيانه لهؤلاء الأعراب،
ونحوهم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى
سواء السبيل.
وقوله: (عَلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال القسطلّانيّ تَخُّْ: التقييد بيوم القيامة
مع أن حُكمه في الدنيا كذلك؛ للإشعار بترتّب ما هو مسبَّب عنه، من إنزال
الهوان، وحلول العقاب. انتهى(١).
وقوله: (وَأَخْبَتُهُ)؛ أي: أشدّه خُبئاً، والخبث: هو الاسترذال، والخِسَّة،
والرَّداءة.
(وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ) قال القاري تَُّ: هو اسم تفضيل بُني للمفعول؛ أي:
أكثر من يُغضب عليه، ويُعاقب. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يجوز بناء اسم التفضيل من الفعل المبنيّ
للمفعول، هكذا نصّوا في كتب النحو، ولكن قيّده في ((حاشية الخضريّ)) بما
فيه خوف اللَّبس، فيُمنع، وأَمْنه بأن كان مجهولاً لزوماً، فيجوز، كأنت أزهى
من ديك، وأعنى بحاجتك، وكذا مع القرينة، كهو أشغل من ذات النحيين؛
أي: أكثر مشغوليّةً، وليس هذا من المجهول لزوماً، خلافاً لبدر الدين بن
مالك، بدليل قوله تعالى: ﴿شَغَلَتْنَآ أَمْوَلْنَا﴾ [الفتح: ١١]. انتهى(٢).
(١) راجع: ((هامش النسخة التركيّة)) ١٧٤/٦.
(٢) ((المرقاة)) ٥١٥/٨.
(٣) ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ٧٣/٢.

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
فيكون ((أغيظ)) هنا مما دلّت عليه القرينة؛ لأن المقام يدلّ على المقصود
كونه مَغِيظاً عليه، لا غائظاً على غيره، فصحّ بناء اسم التفضيل من المبنيّ
للمفعول؛ لِمَا ذُكر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ: قد وقع في هذه الرواية: ((وأغيظه)) معطوفاً على ((أخبثه))،
من الغيظ، فجاء مكرراً، فذهب بعض العلماء إلى أن ذلك وَهَمٌّ، والصواب:
أغنط - بالنون، والطاء المهملة؛ أي: أشدُّ، والغَنَط: شدة الكرب.
قال القرطبيّ: والصواب التمسك بالرِّواية، وتطريق الوهم إلى الأئمة
الحفاظ وَهَمِّ لا ينبغي المبادرة إليه، ما وُجد للكلام وجه، ويمكن أن يُحْمَل
على إفادة تكرار العقوبة على المسمى بهذا الاسم، وتعظيمها، كما قال تعالى
في حق اليهود: ﴿فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]؛ أي: بما يوجب
العقوبة بعد العقوبة، وكذلك فَعَل الله تعالى بهم، عاقبهم في الدنيا بأنواعٍ من
العقوبات، ولَعذاب الآخرة أشقُّ.
وحاصل هذا الحديث: أن المسمى بهذا الاسم قد انتهى من الكِبْر إلى
الغاية التي لا تنبغي لمخلوق، وأنه قد تعاطى ما هو خاصّ بالإله الحقّ؛ إذ لا
يَصْدُق هذا الاسم بالحقيقة إلا على الله تعالى، فعوقب على ذلك من الإذلال،
والإحساس، والاسترذال بما لم يعاقَب به أحدٌ من المخلوقين. انتهى(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: وأما قوله وَّير: ((أغيظ رجل على الله، وأغيظه عليه))،
فهكذا وقع في جميع النُّسخ بتكرير ((أغيظ))، قال القاضي: ليس تكريره وجهَ
الكلام، قال: وفيه وَهَمُ من بعض الرواة بتكريره، أو تغييره، قال: وقال بعض
الشيوخ: لعل أحدهما أغنط - بالنون، والطاء المهملة - أي: أشدّه عليه،
والغنط: شدة الكرب، والله أعلم. انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلِهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(١) «المفهم)) ٤٥٤/٥ - ٤٥٥.
(٢) (شرح النوويّ)) ١٤/ ١٢١.

٣٤٣
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠٠)
(٥) - (بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ)(١)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٠٠] (٢١٤٤) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،
عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ
الأَنْصَارِيِّ إِلَى رَسُولِ اللهِ لَّهِ حِينَ وُلِدَ وَرَسُولُ اللهِ نَّه فِ عَبَاءَةٍ يَهْنَأُ بَعِيراً لَهُ،
فَقَالَ: ((هَلْ مَعَكَ تَمْرٌ؟))، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ تَمَرَاتٍ، فَأَلْقَاهُنَّ فِي فِيهِ، فَلَاكَهُنَّ،
ثُمَّ فَغَرَ فَا الصَّبِيِّ، فَمَجَّهُ فِي فِيهِ، فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َتْ:
((حُبُّ الأَنْصَارِ التَّمْرَ))، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ) بن نصر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ
المعروف بالنَّرْسيّ، ثقةٌ، من كبار [١٠] (ت٦ أو ٢٣٧) (خ م د) تقدم في
((الإيمان)) ٢٢١/٢٧.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس
في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت١٦٧) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٣ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) ابن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات
سنة بضع و(١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم
الشهير، مات سنة (٢ أو٣٩) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَُّ، وهو (٤٣٠) من رباعيّات الكتاب، وأنه
مسلسل بالبصريين، وفيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وثابت ألزم أصحاب
أنس به له، صحبه أربعين سنة، وأنس هو الخادم المشهور خدم النبيّ وَّ عشر
سنين، ونال دعوته المباركة، وهو أحد المكثرين السبعة، كما سبق غير مرّة.
(١) هكذا ترجم القرطبيّ كثّفُ، وهي أولى من ترجمة النوويّ وغيره؛ لكونها مختصرةً
شاملةً، فتنبّه.

٣٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
شرح الحديث :
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَُّبه أنه (قَالَ: ذَهَبْتُ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن
سهل (الأَنْصَارِيِّ) المدنيّ، وُلد في عهد النبيّ ◌َِّ، ووثقه ابن سعد، مات سنة
(٨٤) بالمدينة، وقيل: استُشهد بفارس، تقدّمت ترجمته في ((الجهاد والسِّير))
٤٥٩٣/٢٤. (إِلَى رَسُولِ اللهِِّ حِينَ وُلِدَ) بالبناء للمفعول؛ أي: وقت ولادته،
(وَرَسُولُ اللهِ ﴿ فِي عَبَاءَةٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، و((العباءة))
معروفة، وهي ممدودة، يقال فيها: عباية بالياء، وجمع العباءة العباء. انتهى(١).
وقال في ((التاج)): العَباءُ كسحاب: كِساءٌ معروف، وهو ضَربٌ من
الأكْسِيَة، كذا في ((لسان العرب))، زاد الجوهريّ: فيه خُطوط، وقيل: هو الجُبة
من الصُّوف؛ كالعَباءةِ، قال الصرفيون: همزته عن ياء، وإنه يقال: عَباءة،
وعَبايَة، ولذلك ذكره الجوهريّ، والزُّبيديُّ في المعتلّ. انتهى(٢).
(يَهْنَأُ بَعِيراً لَهُ) بهمز آخره؛ أي: يَطْليه بالقَطِران، وهو الْهِنَاءُ بكسر الهاء،
والمدّ، يقال: هنأت البعير أهنأه، قاله النوويّ.
وقال في ((اللسان)): هَنَأَ الإِبِلَ يَهْنَؤُها - من باب فتح - ويَهْنِتُها - من باب
ضرب - ويَهْنُؤُها - من باب نصر - هَنْأَ، وهِنَاءَ: طلاها بالْهِنَاء، وهو الْقَطِران،
وقال الزجّاج: ولم نجد فيما لامه همزة فَعَلْتُ أَفْعُلُ إلا هَنَأْتُ أَهْنُؤُ، وقرأتُ
(٣)
أقْرُؤُ. انتهى(٣) .
(فَقَالَ) بَِّ ((هَلْ مَعَكَ تَمْرٌ؟))، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ تَمَرَاتٍ، فَأَلْقَاهُنَّ)؛
أي: رمى النبيّ ◌َ﴿ تلك التمرات (فِي فِيهِ) هو الفم لَمّا حُذفت منه المیم،
أُعرب بالحروف، كما قال في («الخلاصة)):
وَاجْرُرْ بِيَاءِ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ
مِنْ ذَاكَ (ذُو)) إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا و((الْفَمُ)) حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا
(فَلَاكَهُنَّ)؛ أي: مَضَغَهنّ، قال أهل اللغة: اللَّوْك: مُختصّ بمضغ الشيء
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/١٤.
(٣) ((لسان العرب)) ١٨٦/١.
(٢) ((تاج العروس)) ١٧٣/١.

٣٤٥
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠٠)
الصَّلْب، يقال: لاك اللُّقمة يلوكها لَوْكاً - من باب قال -: مضغها، ولاك
الفرسُ اللِّجَامَ: عَضَّ عليه(١).
(ثُمَّ فَغَرَ) بفتح الفاء، والغين المعجمة؛ أي: فتح ◌َّرِ (فَا الصَّبِيِّ)؛ أي:
فمه (فَمَجَّهُ)؛ أي: رماه، وطرحه، يقال: مجّ الرجل الماء مِنْ فيه مجّاً، من
باب نصر: رمى به. (فِي فِيهِ)؛ أي: في فم الصبيّ، (فَجَعَلَ)؛ أي: أخذ،
وشرع (الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهُ)؛ أي: يُحَرِّك لسانه؛ ليتتبع ما في فيه من آثار التمر،
والتلمظُ، واللَّمْظُ فِعل ذلك باللسان، يُقصد به فاعله تنقيةَ الفم من بقايا الطعام،
وكذلك ما على الشفتين، وأكثر ما يفعل ذلك في شيء يستطيبه، ويقال: تَلَمَّظ
يَتَلَمّظ تلمُّظاً، ولَمَظَ يَلْمُُ، بضم الميم، لَمْظاً بإسكانها - من باب نصر - ويقال
لذلك الشيء الباقي في الفم: لُمَاظّةٌ، بضم اللام، قاله النوويّ ◌َّتُهُ(٢).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((حُبُّ الأَنْصَارِ الثَّمْرَ))) قال النوويّ كَُّ: رُوي
بضم الحاء، وكسرها، فالكسر بمعنى المحبوب؛ كالذُّبْح بمعنى المذبوح،
وعلى هذا فالباء مرفوعة؛ أي: محبوبُ الأنصار التمرُ، وأما من ضم الحاء،
فهو مصدرٌ، وفي الباء على هذا وجهان: النصب، وهو الأشهر، والرفع، فمَن
نَصَب فتقديره: انظروا حُبَّ الأنصارِ التمرَ، فينصب التمر أيضاً، ومن رفع قال:
هو مبتدأ حُذف خبره؛ أي: حبُّ الأنصار التمرَ لازم، أو هكذا، أو عادةٌ من
صِغَرهم، والله أعلم. انتهى(٣).
(وَسَمَّاهُ)؛ أي: سمّى النبيّ ◌َ﴿ ذلك الصبيّ (عَبْدَ اللهِ) فيه استحباب
التسمية بهذا الاسم، وقد تقدّم قوله وَ له: «أحبّ الأسماء إلى الله عبد الله،
وعبد الرحمن))، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ه
المصنّف نَّلهُ .
هذا من أفراد
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/١٤، و((المصباح المنير)) ٥٦٠/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/١٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/١٤.

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٠٠/٥ و٥٦٠١ و٥٦٠٢] (٢١٤٤)، ويأتي
مطوّلاً في ((كتاب فضائل الصحابة)) برقم (٢١٤٤)، و(البخاريّ) في ((الأدب
المفرد)) (١٢٥٤)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٩٥١)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١٧٥/٣ و٢١٢ و٢٨٧ - ٢٨٨)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٠٥٦)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٤٥٣١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٥/٩)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب تحنيك المولود عند ولادته، قال النوويّ كَّتُهُ:
وهو سُنَّة بالإجماع، كما سبق.
٢ - (ومنها): أن يحنّكه صالحٌ من رجل، أو امرأة، وأما قول النوويّ:
ومنها: التبرك بآثار الصالحين، وريقهم، وكلِّ شيء منهم، فمحلّ نظر، فإن
ذلك لم يُنقل عن الصحابة ﴿ه، والتابعين، مع أنهم يرون فضل أبي بكر بنظُه،
وسائر الصحابة، فلم يثبت التبرّك بآثارهم، وريقهم، وكلّ شيء منهم، فالظاهر
أنه خاصّ بالنبيّ ◌َّه، فتأمله حقّ التأمل، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): كون التحنيك بتمر، وهو مستحبّ، ولو حُنِّك بغيره حصل
التحنيك، ولكن التمر أفضل.
٤ - (ومنها): جواز لبس العباءة.
٥ - (ومنها): التواضع، وتعاطي الكبير أشغاله، وأنه لا ينقص ذلك
مروءته .
٦ - (ومنها): استحباب التسمية بعبد الله.
٧ - (ومنها): استحباب تفويض تسميته إلى صالح، فيختار له اسماً
يرتضيه .
٨ - (ومنها): جواز تسميته يوم ولادته، والله أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٠١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،
أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْذٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ لأَبِي طَلْحَةَ

٣٤٧
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠١)
يَشْتَكِي، فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ، فَقُبِضَ الصَّبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: مَا فَعَلَ
ابْنِي؟، قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هُوَ أَسْكَنُ مِمَّا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ، فَتَعَشَّى، ثُمَّ
أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فَّرَغَ قَالَتْ: وَارُوا الصَّبِيَّ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَنَى
رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ((أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِْ
لَهُمَا))، فَوَلَدَتْ غُلَاماً، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبِيَّ ◌َِِّ، فَأَتَى
بِهِ النَّبِيَّ ◌َهِ، وَبَعَثَتْ مَعَهُ بِثَمَرَاتٍ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ◌َ، فَقَالَ: ((أَمَعَهُ شَيْءٌ؟»،
قَالُوا: نَعَمْ، تَمَرَاتٌ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ فِيهِ، فَجَعَلَهَا فِي
فِي الصَّبِيِّ، ثُمَّ حَنَّكَهُ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ
عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦.
٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فاضلٌ [٥] (ت١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٣.
٣ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو: أنس بن سيرين الأنصاريّ، أبو موسى، وقيل:
أبو حمزة، وقيل: أبو عبد الله البصريّ، أبو محمد، ثقةٌ [٣] (ت١١٨) وقيل:
(١٢٠) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٤٧/ ١٤٩٤.
وقيل: (ابن سيرين) هنا هو: محمد بن سيرين، والصواب الأول، كما
يأتي قريباً .
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه
أنس ظُه، تقدّم القول فيه في الحديث الماضي.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) تقدّم أن الصواب هنا هو أنس بن سيرين، لا محمد بن

٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
سيرين كما ذهب إليه بعض الشرّاح(١)، قال النوويّ في ((شرحه)): قوله: ((عن
ابن سيرين)) هكذا وقع في مسلم: ((ابن سيرين)) مهملاً، وفي رواية البخاريّ هذا
الحديث: ((عن أنس بن سيرين)). انتهى (٢).
والحاصل أن المهمل هنا هو أنس لا محمد، كما بيّنه الحافظ المزّيّ تَخْلُهُ
في ((تحفته))، فإنه أورد هذا الحديث من رواية يزيد بن هارون عن ابن عون في
ترجمة أنس بن سيرين، ولم يتعقّبه الحافظ في ((نكته))، بل كتب ما يؤيّده(٣)،
وأما رواية ابن أبي عديّ التي سبقت عند مسلم [٥٥٤٢/٢٩] (٢١١٩)، وكذا
رواية حمّاد بن مسعدة، كما في السند الآتي بعد هذا الحديث - كلاهما عن
ابن عون - فهي عن محمد بن سيرين، كما صرّح به مسلم في الموضعين، وكذا
صرّح به المزيّ حيث أورد هاتين الروايتين في ترجمة محمد بن سيرين.
والحاصل أن الصحيح أن رواية يزيد بن هارون عن ابن عون، هي عن
أنس بن سيرين، وأما رواية ابن أبي عديّ، وحمّاد بن مسعدة كلاهما عن ابن
عون فهي عن محمد بن سيرين، والله تعالى أعلم.
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَّبُهُ أنه (قَالَ: كَانَ ابْنٌ لأَّبِي طَلْحَةً) زيد بن سهل بن
الأسود بن حرام الأنصاريّ النجّاريّ، مشهور بكنيته، من كبار الصحابة
ـة ،
شهد بدراً، وما بعدها، ومات سنة (٣٤)، وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في
تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٠.
[تنبيه]: الابن المذكور هو أبو عمير الذي كان النبيّ وَطهو يمازحه، ويقول
(١) هو: الشيخ الهرريّ. راجع: ((شرحه)) ٤٣/٢٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٥/١٤.
(٣) وأما قول الحافظ في ((النكت)): لم يقع ابن سيرين في رواية حمّاد بن مسعدة
مسمّى، بخلاف رواية ابن أبي عديّ، فسمّاه فيها محمداً. انتهى. ففيه نظر لا
يخفى، فإن النُّسخ التي بين أيدينا من ((صحيح مسلم)) كلها متّفقة على تسميته
محمداً في روايتي ابن أبي عديّ، وحماد بن مسعدة، وإنما لم يُسمَّ في رواية
يزيد بن هارون هذه، ولعله التبست عليه هذه الرواية بروايتيهما.
والحاصل: أن نُسخ مسلم فيها تسميته محمداً في روايتي ابن أبي عديّ، وحماد بن
مسعدة، بخلاف رواية يزيد بن هارون، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.

٣٤٩
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠١)
له: ((يا أبا عُمير ما فَعَلَ النُّغَير))، بَيَّن ذلك ابن حبان في روايته من طريق
عُمارة بن زاذان، عن ثابت، وزاد من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت في
أوله قِصَّةَ تزويج أم سليم بأبي طلحة بشرط أن يُسلم، وقال فيه: فحَمَلت،
فولدت غلاماً صبيحاً، فكان أبو طلحة يحبه حبّاً شديداً، فعاش حتى تحرّك،
فمَرِض، فحَزِن أبو طلحة عليه حزناً شديداً، حتى تضعضع، وأبو طلحة يغدو،
ويروح على رسول الله وَّهِ، فراح روحةً، فمات الصبيّ. فأفادت هذه الرواية
تسمية امرأة أبي طلحة، قاله في ((الفتح))(١).
[تنبيه آخر]: أخرج هذا الحديث مسلم هنا من رواية محمد بن سيرين،
عن أنس، وسيأتي له في ((كتاب الفضائل)) من رواية سليمان بن المغيرة، عن
ثابت، عن أنس، وأخرجه البخاريّ من رواية ابن عيينة، عن إسحاق بن
عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، وأخرجه الإسماعيليّ من طريق عبد الله بن
عبد الله بن أبي طلحة، وهو أخو إسحاق المذكور، عن أنس، وأخرجه
محمد بن سعد من طريق حميد الطويل عن أنس، وفي رواية بعضهم ما ليس
في رواية بعض، وسيأتي ما في كلِّ من فائدة زائدة، كما حقّقه الحافظ تَُّهُ في
((الفتح)) - إن شاء الله تعالى. (يَشْتَكِي) قال القرطبيّ ◌َُّهُ: أي: أصابه ما
يُشتكى منه، وهو المرض، لا أنه صدرت عنه شکوی، هذا أصله، لكنَّه قد کَثُر
(٢)
تسمية المرض بذلك. انتهى
ولفظ البخاريّ: ((اشتكى ابن لأبي طلحة))؛ أي: مَرِض، وليس المراد أنه
صدرت منه شكوى، لكن لَمّا كان الأصل أن المريض يحصل منه ذلك استُعْمِل
في كل مرض لكل مريض (٣). (فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ)؛ أي: من البيت إلى النبيّ وَّـ،
ولفظ البخاريّ: ((وأبو طلحة خارجٌ))؛ أي: خارج البيت عند النبيّ وَّر في أواخر
النهار، وفي رواية الإسماعيليّ: ((كان لأبي طلحة ولد، فتُؤُنّي، فأرسلت أم سليم
أنساً يدعو أبا طلحة، وأمرته أن لا يخبره بوفاة ابنه، وكان أبو طلحة صائماً)).
(١) ((الفتح)) ٥٧/٤، كتاب ((الجنائز)) رقم (١٣٠١).
(٢) ((المفهم)) ٤٦٧/٥.
(٣) ((الفتح)) ٥٧/٤، كتاب ((الجنائز)) رقم (١٣٠١).

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
(فَقُبِضَ) بالبناء للمفعول؛ أي: مات (الصَّبِيُّ) وفي رواية للبخاريّ: ((فلمّا
رأت امرأته أنه قد مات هيّأت شيئاً، ونَحّته في جانب البيت))، قال
الكرمانيّ كَُّ: قوله: ((هيّأت شيئاً))؛ أي: أعدّت طعاماً لأبي طلحة،
وأصلحته، وقيل: هيأت حالها، وتزينت، قال الحافظ: بل الصواب أن المراد
أنها هيأت أمر الصبيّ، بأن غسلته، وكفّنته، كما ورد في بعض طرقه صريحاً،
ففي رواية أبو داود الطيالسيّ عن مشايخه، عن ثابت: ((فهيأت الصبيّ))، وفي
رواية حُميد، عند ابن سعد: «فتُوُفّي الغلام، فهيأت أم سليم أمره))، وفي رواية
عُمارة بن زاذان، عن ثابت: ((فهلك الصبيّ، فقامت أم سليم، فغسلته، وكفنته،
وحنّطته، وسَجَّت عليه ثوباً)).
وقوله: ((ونحّته في جانب البيت))؛ أي: جعلته في جانب البيت، وفي
رواية جعفر، عن ثابت: ((فجعلته في مِخْدَعها))(١).
(فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِي؟) وفي رواية البخاريّ: (كيف
الغلام؟)) (قَالَتْ أُمُّ سُلَيْم: هُوَ أَسْكَنُ مِمَّا كَانَ) قال القرطبيّ تَظَُّهُ: هذا من
المعاريض المغنية عن الكذب؛ فإنَّها أوهمته أن الصبيّ سكن ما كان به، بلفظٍ
يصلح إطلاقه لِمَا عندها من موته، ولِمَا فهمه أبو طلحة، من سكون مرضه،
وهذا كل لئلا تفاجئه بالإعلام بالمصيبة، فيتنغَّص عليه عيشه، ويتكدّر عليه
وقته، فلما حصلت راحته من تعبه، وطاب عيشه بإصابة لذَّته التي ارتجت
بسببها أن يكون لهما ◌ِوَض، وخَلَفٌ مما فاته عرَّفته بذلك، فبلَّغها الله أمنيَّتها،
وأصلح ذريَّتها. انتهى(٢) .
وفي رواية البخاريّ: ((قال: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد
استراح، وظنّ أبو طلحة أنها صادقةٌ))، وقولها: ((وأرجو)).
وقولها: ((هدأت)) بالهمز؛ أي: سكنت، و((نفسه)) بسكون الفاء،
والمعنى: أن النفس كانت قَلِقَةً مُنزعجةً بعارض المرض، فسكنت بالموت،
وظن أبو طلحة أن مرادها أنها سكنت بالنوم؛ لوجود العافية، وفي رواية أبي
(١) ((الفتح)) ٥٧/٤ - ٥٨، كتاب ((الجنائز)) رقم (١٣٠١).
(٢) ((المفهم)) ٤٦٧/٥.

٣٥١
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠١)
ذرّ: ((هَدَأْ نَفَسُهُ))، بفتح الفاء؛ أي: سكن؛ لأن المريض يكون نَفَسه عالياً، فإذا
زال مرضه سكن، وكذا إذا مات، ووقع في رواية أنس بن سيرين: ((هو أسكن
ما كان))، ونحوه في رواية جعفر، عن ثابت، وفي رواية معمر، عن ثابت:
((أمسى هادئاً))، وفي رواية حميد: ((بخيرٍ ما كان))، ومعانيها متقاربة.
وقولها: ((وأرجو أن يكون قد استراح)) لم تجزم بذلك على سبيل الأدب،
ويَحْتَمِل أنها لم تكن علمت أن الطفل لا عذاب عليه، ففوَّضت الأمر إلى الله
تعالی، مع وجود رجائها بأنه استراح من نكد الدنیا .
وقوله: وظنّ أبو طلحة أنها صادقة))؛ أي: بالنسبة إلى ما فهمه من
كلامها، وإلا فهي صادقة بالنسبة إلى ما أرادت، قاله في ((الفتح))(١).
(فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ، فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا)؛ أي: جامعها، وفي رواية
عبد الله: ((ثم تعرّضت له، فأصاب منها))، وفي رواية حماد، عن ثابت: ((ثم
تطيَّبت))، زاد جعفر، عن ثابت: ((فتعرّضت له، حتى وقع بها))، وفي رواية
سليمان، عن ثابت: ((ثم تصنّعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع
بها))، وفي رواية ابن عيينة، عن إسحاق: ((فبات، فلما أصبح اغتسل))، وهو
كناية عن الجماع؛ لأن الغُسل إنما يكون في الغالب منه.
(فَلَمَّا فَرَغَ)؛ أي: من حاجته، (قَالَتْ: وَارُوا الصَّبِيَّ)؛ أي: ادفنوه، وهو
أمرٌ من مواراة الشيء، مسندٌ لواو الجماعة، يقال: واراه يواريه مواراةً: إذا
ستره، وغطّاه(٢).
وفي رواية للبخاريّ: ((فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات))، وسيأتي
لمسلم في ((كتاب الفضائل)) من رواية سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن
أنس: ((فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوماً أعاروا أهل بيت عاريةً،
فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، فغضب،
وقال: تركتني حتى تلطخت، ثم أخبرتني بابني))، وفي رواية عبد الله بن أبي
طلحة: ((فقالت: يا أبا طلحة أرأيت قوماً أعاروا متاعاً، ثم بدا لهم فيه،
(١) ((الفتح)) ٥٨/٤، كتاب ((الجنائز)) رقم (١٣٠١).
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٥٦/٢.

٣٥٢
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
فأخذوه، فكأنهم وَجَدوا في أنفسهم))، زاد حماد في روايته، عن ثابت: ((فأبوا
أن يردّوها، فقال أبو طلحة: ليس لهم ذلك، إن العارية مؤداةٌ إلى أهلها - ثم
اتفقا - فقالت: إن الله أعارنا فلاناً، ثم أخذه منا - زاد حماد - فاسترجع)).
(فَلَمَّا أَصْبَحَ)؛ أي: دخل في الصباح، (أَبُو طَلْحَةَ) ◌َّهُ (أَتَّى
رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَأَخْبَرَهُ) وفي رواية البخاريّ: ((فصلّى مع النبيّ ◌َِّ، ثم أخبره
بما كان منهما))، (فَقَالَ) وَ ((أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟))) استفهام محذوف الأداة،
والعين ساكنة، من الإعراس، وهو الوطء، يقال: أعرس بأهله: إذا غشيها،
ووقع في رواية الأصيليّ: ((أَعَرَّستم)) بفتح العين، وتشديد الراء، وقال عياض:
هو غلط؛ لأن التعريس النزول في آخر الليل، ورُدّ عليه بأنه لغة يقال: أعرس،
وعَرَّس: إذا دخل بأهله، والأفصح أعرس، قال ابن التيميّ في ((كتاب التحرير))
في شرح مسلم له: وهذا السؤال للتعجب من صُنعهما، وصبرهما، وسروره
بحسن رضائها بقضاء الله تعالى، قاله في ((العمدة))، والفتح)»(١).
(قَالَ) أبو طلحة (نَعَمْ) أعرسنا، (قَالَ) ◌ِ ((اللَّهُمَّ بَارِْكُ لَهُمَا) وفي
الرواية الآتية في ((الفضائل)): ((بارك الله لكما في غابر ليلتكما))؛ أي: في
ليلتكما الماضية، وفي رواية البخاريّ: (لعلّ الله أن يبارك لكما في ليلتكما))،
قال في ((الفتح)): ولا تعارض بينهما، فيُجمع بأنه دعا بذلك، ورجا إجابة
دعائه، ولم تختلف الرواة عن ثابت، وكذا عن حميد في أنه قال: ((بارك الله
لكما في ليلتكما))، وتبيّن من الرواية الأولى أن المراد بهذا الدعاءُ، وإن كان
لفظه لفظ الخبر.
[تنبيه]: زاد في رواية ابن عيينة عند البخاريّ: ((قال سفيان: فقال رجل
من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد كلّهم قد قرأ القرآن)).
وقوله: ((فقال رجل من الأنصار ... إلخ)) هو عَبَاية بن رفاعة؛ لِمَا
أخرجه سعيد بن منصور، ومسدّد، وابن سعد، والبيهقيّ في ((الدلائل)) كلهم من
طريق سعيد بن مسروق، عن عَبَاية بن رفاعة، قال: كانت أم أنس تحت أبي
طلحة، فذكر القصّة شبيهة بسياق ثابت، عن أنس، وقال في آخره: فولدت له
(١) ((عمدة القاري)) ٨٥/٢١، و((الفتح)) ٤٠٢/١٢، كتاب ((العقيقة)) رقم (٥٤٧٠).

٣٥٣
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠١)
غلاماً، قال عباية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين كلهم قد خَتَم القرآن.
وأفادت هذه الرواية أن في رواية سفيان تجوّزاً في قوله: ((لهما))؛ لأن
ظاهره أنه مِنْ ولدهما بغير واسطة، وإنما المراد: من أولاد ولدهما المدعوّ له
بالبركة، وهو عبد الله بن أبي طلحة.
ووقع في رواية سفيان: ((تسعة))، وفي هذه سبعة، فلعل في أحدهما
تصحيفاً، أو المراد بالسبعة: مَن خَتَم القرآن كله، وبالتسعة: من قرأ معظمه.
وله من الولد فيما ذكر ابن سعد وغيره من أهل العلم بالأنساب:
إسحاق، وإسماعيل، وعبد الله، ويعقوب، وعُمر، والقاسم، وعُمارة،
وإبراهيم، وعُمير، وزيد، ومحمد، وأربع من البنات، قاله في ((الفتح))(١).
(فَوَلَدَتْ غُلَاماً) هو عبد الله، (فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ) وتقدّم في ((باب جواز
وسم الحيوان)) أن الآمرة لأنس هي أمه، ولفظه: ((لَمّا وَلَدت أم سليم قالت
لي: يا أنس انظر هذا الغلام، فلا يُصيبنّ شيئاً، حتى تغدو به إلى النبيّ ◌َلمار
يحنكه، قال: فغدوت، فإذا هو في الحائط، وعليه خميصة جَوْنيّة، وهو يَسِم
الظهر الذي قَدِمَ عليه في الفتح)).
ويُجمع بأن كلّ منهما أَمَره بذلك، والله تعالى أعلم.
(احْمِلْهُ)؛ أي: الغلام، (حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبِيَّ ◌ََّ)؛ أي: ليحنّكه، (فَأَتَى بِهِ)
بالبناء للفاعل؛ أي: جاء أنس بذلك الغلام (النَّبِيَّ وَّهِ، وَبَعَثَتْ) أم سليم، وهذا
يدلّ على أنها أيضاً أمرته بالذهاب إليه وَليهِ، (مَعَهُ)؛ أي: مع الغلام، أو مع
أنس، (بِتَمَرَاتٍ) وفي الرواية الآتية في ((الفضائل)): ((ودعا رسول الله وَّه بعجوة
من عجوة المدينة، فلاكها في فيه حتى ذابت، ثمّ قذفها في في الصبيّ، فجعل
الصبيّ يتلمّظها)) (فَأَخَذَهُ)؛ أي: الغلام (النَّبِيُّ ◌َ، فَقَالَ) وَ (أَمَعَهُ شَيْءٌ؟»)؛
أي: مما يُحنّك به، (قَالُوا)؛ أي: أنس ومن حضر الواقعة، (نَعَمْ، تَمَرَاتٌ)؛
أي: معه تمرات، (فَأَخَذَهَا)؛ أي: التمرات، (النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ
فِيهِ) وَ﴿ ﴿فَجَعَلَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ، ثُمَّ حَتَّكَهُ) والتحنيك: مضْغ الشيء، ووضْعه في
فم الصبيّ، ودلك حَنَكه به، يُصْنَع ذلك بالصبيّ؛ لِيَتَمَرَّن على الأكل، ويَقْوَى
(١) (الفتح)) ٥٩/٤، كتاب ((الجنائز)) رقم (١٣٠١).

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
عليه، وينبغي عند التحنيك أن يفتح فاه، حتى ينزل جِوفَهُ، وأَولاه التمر، فإن لم
يتيّسر تمر فرُطَبٌ، وإلا فشيء حُلْوٌ، وعسل النحل أَولى من غيره، ثم ما لم تمسّه
نار، كما في نظيره مما يُفْطِرِ الصائم عليه، قاله في (الفتح)) (١).
(وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ)؛ أي: سمّى النبيّ وَّ ذلك الغلام عبد الله، والله تعالى
أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
(المسألة الثانية): في تخريجه:
، هذا متّفقٌ عليه.
ضوعنه
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٠١/٥ و٥٦٠٢] (٢١٤٤)، و(البخاريّ) في
((العقيقة)) (٥٤٧٠) و((اللباس)) (٥٨٢٤)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٩٥١)،
و(النسائيّ) في ((النكاح)) (١١٤/٦)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٠٥٦)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٠٤١٧)، و(أحمد) في «مسنده)) (١٠٥/٣ -
١٠٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٥٣٢ و٧١٨٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(٢٧٢/٢٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٢٨٣)، و(ابن سعد) في ((الطبقات))
(٤٣١/٨ - ٤٣٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٥/٤ - ٦٦ و٣٠٥/٩)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب تحنيك المولود عند ولادته، وحَمْله إلى صالحٍ
یحنكه.
قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: وأحاديث هذا الباب كلها متواردة على أن إخراج
الصغار عند ولادتهم للنبيّ ◌َّ، وتحنيكهم بالتمر كان سُنَّةً معروفةً معمولاً بها،
فلا ينبغي أن يُعْدَل عن ذلك؛ اقتداءً بالنبيّ وَّرَ، واغتناماً لبركة الصالحين،
ودعائهم. انتهى (٢).
(١) ((الفتح)) ٤٠٠/١٢، كتاب ((العقيقة)) رقم (٥٤٧٠).
(٢) ((المفهم)) ٤٦٨/٥.

٣٥٥
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠١)
قال الجامع عفا الله عنه: لكن قياس غيره ﴿ عليه في هذا محلّ نظر؛
ـّ لم يفعلوه مع أكابرهم؛ كالصدّيق، والفاروق، وغيرهما
لأن الصحابة
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): استحباب التسمية يوم ولادته.
٣ - (ومنها): تفويض التسمية إلى الصالحين.
٤ - (ومنها): منقبة أم سليم رؤيا، من عظيم صبرها، وحسن رضائها
بالقضاء، وجزالة عقلها في إخفائها موته عن أبيه في أول الليل؛ ليبيت
مستريحاً .
وقال القرطبيّ تَخّْلهُ: هذا الحديث يدل على فضل أم سُليم ◌َّا، وتثبُّتها،
وصبرها عند الصدمة الأولى، وكمال عقلها، وحسن تبعّلها لزوجها .
٥ - (ومنها): جواز الأخذ بالشدّة، وترك الرخصة، مع القدرة عليها،
والتسلية عن المصائب.
٦ - (ومنها): تزيّن المرأة لزوجها، وتعرّضها لطلب الجماع منه،
واجتهادها في عمل مصالحه.
٧ - (ومنها): مشروعية المعاريض الموهمة، إذا دعت الضرورة إليها،
وشَرْط جوازها أن لا تُبطل حقّاً لمسلم، وكان الحامل لأم سليم على ذلك
المبالغة في الصبر، والتسليم لأمر الله تعالى، ورجاء إخلافه عليها ما فات
منها؛ إذ لو أعلمت أبا طلحة بالأمر في أول الحال تنكد عليه وقته، ولم تبلغ
الغرض الذي أرادته، فلمّا عَلِم الله صدق نيّتها بلّغها مُناها، وأصلح لها
ذريتها .
٨ - (ومنها): إجابة دعاء رسول الله وَللر في حقهما، حيث حملت
بعبد الله بن أبي طلحة، وجاء من عبد الله عشرة صالحون، علماء
قال القرطبيّ تَخُّْ: وفي هذا الحديث ما يدلُّ على إجابة دعوة النبيّ وَّر،
وعلى عِظَم مكانته، وكرامته عند الله تعالى، وكم له منها، وكم! حتى قد حصل
بذلك العلم القطعي، واليقين الضروريّ، وذلك أنه لمّا دعا لأم سليم، وزوجها
ولدت له من ذلك الغشيان عبد الله، وكان من أفاضل الصحابة ﴿ه، ثمَّ وُلد له
عدَّة من الفضلاء، الفقهاء العلماء: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وإخوته

٣٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
العشرة، كما هو مذكور في ((الاستيعاب)). انتهى(١).
٩ - (ومنها): أن من ترك لله شيئاً عوّضه الله خيراً منه، وبيان حال أم
سليم من التجلّد، وجودة الرأي، وقوة العزم وقد صحّ أنها كانت تشهد القتال،
وتقوم بخدمة المجاهدين، إلى غير ذلك مما انفردت به عن معظم النسوة، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٠٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا
ابْنُ عَوْذٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسِ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، نَحْوَ حَدِيثٍ يَزِيدَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قبل باب.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ) التيميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٢)
(ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١٤٠/٥١.
٣ - (مُحَمَّدٌ) بن سيرين الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ عابدٌ، كبير القَدْر [٣] (١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (نَحْوَ حَدِيثٍ يَزِيدَ)؛ يعني: أن حديث حمّاد بن مسعد عن ابن
عون نحوُ حدیث یزید بن هارون عنه.
[تنبيه]: رواية حماد بن مسعد عن ابن عون هذه لم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٠٣] (٢١٤٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ
الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَبِي مُوسَى، قَالَ: وُلِدَ لِي غُلَامٌ، فَأَتْتُ بِهِ النَّبِيَّ وَِّ، فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَنَّكَهُ
بِتَمْرَةٍ).
(١) ((المفهم)) ٤٦٧/٥ - ٤٦٨.

٣٥٧
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠٣)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ) أبو عامر الكوفي، صدوق [١٠] تقدم في
((المقدمة)) ٥١/٦.
٢ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُردة الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
٣ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، اسمه عامر، أو الحارث، ثقةٌ
[٣] (ت١٠٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
٤ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ
الشهير، مات سنة (٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦.
والباقون ذكروا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَُّ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم،
وأنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه رواية الراوي عن جدّه، عن
ذو مناقب جمّة.
أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة
شرح الحديث:
(عَنْ بُرَيْدٍ) - بالموحّدة، والراء، مصغّراً - ابن عبد الله بن أبي بُردة،
يروي عن جدّه أبي بُردة، عن أبي موسى الأشعريّ نسخة. (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ)
عامر، أو الحارث، وقيل: اسمه كنيته. (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس
الأشعريّ ◌َّهِ أنه (قَالَ: وُلِدَ) بالبناء للمفعول، (لِي غُلَامٌ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ وَّل
فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ) قال في ((الفتح)): إبراهيم هذا ذكره جماعة في الصحابة؛ لِمَا
وقع في هذا الحديث، وذلك يقتضي أن تكون له رواية، وقد ذكره ابن حبان
في الصحابة، وقال: لم يسمع من النبيّ وَلي شيئاً، ثم ذكره في ثقات التابعين،
وليس ذلك تناقضاً منه، بل هو بالاعتبارين. انتهى(١).
(وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ) قال في ((الفتح)): فيه إشعار بأنه أسرع بإحضاره إلى
النبيّ ێے، وأن تحنیکە کان بعد تسميته.
(١) ((الفتح)» ٤٠٠/١٢ - ٤٠١، رقم (٤٥٦٧).

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث ما نصّه: ((ودعا له
بالبركة، ودفعه إليّ، وكان أكبر ولد أبي موسى)). انتهى.
وقوله: ((وكان أكبر ولد أبي موسى)) هذا يُشعر بأن أبا موسى ◌ُنِي قبل أن
يولد له، وإلا فلو كان الأمر على غير ذلك لَكُنِّي بابنه إبراهيم المذكور، ولم
يُنقل أنه كان يكنى أبا إبراهيم، قاله في (الفتح))(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َظ ◌ُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٠٣/٥] (٢١٤٥)، و(البخاريّ) في ((العقيقة))
(٥٤٦٧) و((الأدب)) (٦١٩٨)، وفي ((الأدب المفرد)) (٢٩٢/١)، و(أحمد) في
(مسنده) (٣٩٩/٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٧/٥)، و(أبو يعلى) في
(مسنده)) (٣٠٢/١٣)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (١٠٧/٤)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٣٠٥/٩) و((شُعَب الإيمان)) (٣٩٠/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب التحنيك وغيره مما سبق في حديث أنس
ـته
٢ - (ومنها): جواز التسمية بأسماء الأنبياء لّولا وقد سبقت المسألة،
وذكرنا أن الجماهير على ذلك.
٣ - (ومنها): أن قوله وَاليقول: ((أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله،
وعبد الرحمن)) ليس بمانع من التسمية بغيرهما، ولذا سَمَّى النبيّ ◌ََّ ابنَ أبي
أسيد المذكور بعد هذا المنذرَ، قاله النوويّ تَقَّهُ(٢).
٤ - (ومنها): جواز التسمية يوم الولادة، قال في ((الفتح)): فيه تعجيل
تسمية المولود، ولا يُنتظر بها إلى السابع، وأما ما رواه أصحاب ((السنن))
الثلاثة من حديث الحسن، عن سَمُرة في حديث العقيقة: ((تُذبح عنه يوم
(١) ((الفتح)) ٧٤/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٩٨).
(٢) ((شرح النوويّ) ١٢٥/١٤ - ١٢٦.

٣٥٩
(٥) - بَابُ تَسْمِيَةِ الصَّغِيرِ، وَتَحْنِيكِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ - حديث رقم (٥٦٠٤)
السابع، ويُسَمَّى))، فقد اختلف في هذه اللفظة، هل هي يُسَمَّى، أو يُدَمَّى بالدال
بدل السین؟
قال: ويدلّ على أن التسمية لا تختص بالسابع ما ثبت في حديث أبي
أسيد، أنه أتى النبيّ وَ ﴿ بابنه حين وُلد، فسمّاه المنذر، وما أخرجه مسلم من
حديث ثابت، عن أنس، رفعه: ((قال: وُلد لي الليلة غلامٌ، فسمّيته باسم أبي
إبراهيم، ثم دفعه إلى أم سيف ... )) الحديث.
قال البيهقيّ: تسمية المولود حين يولد أصحّ من الأحاديث في تسميته يوم
السابع.
قال الحافظ: وقد ورد فيه غير ما ذُكر، ففي البزار، وصحيحي ابن حبان
والحاكم، بسند صحيح، عن عائشة ﴿ّا قالت: ((عَقَّ رسول اللهِ وَ ◌ّهِ عن
الحسن، والحسين، يوم السابع، وسمّاهما)). وللترمذيّ من طريق عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أمرني رسول الله وَله بتسمية المولود السابعه، وهذا
من الأحاديث التي يتعيَّن فيها أن الجدّ هو الصحابيّ، لا جدّ عمرو الحقيقيّ
محمد بن عبد الله بن عمرو.
وفي الباب عن ابن عباس: ((قال: سبعة من السُّنَّة في الصبيّ يوم السابع،
يُسَمَّى، ويُخْتَن، ويماط عنه الأذى، وتُثقَب أُذُنه، ويُعَقّ عنه، ويُحلق رأسه،
ويلطّخ من عقيقته، ويُتصدَّق بوزن شعر رأسه ذهباً، أو فضّةً))، أخرجه الطبرانيّ
في ((الأوسط))، وفي سنده ضعف.
وفيه أيضاً عن ابن عمر، رفعه: ((إذا كان يوم السابع للمولود، فأهريقوا
عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى، وسَمُّوه))، وسنده حسن. انتهى(١)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٠٤] (٢١٤٦) - (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ
- يَعْنِي: ابْنَ إِسْحَاقَ - أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُّ الزُّبَيْرِ، وَفَاطِمَةُ
(١) ((الفتح)) ١٢/ ٤٠١، كتاب ((العقيقة)) رقم (٥٤٦٧).

٣٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
بِنْتُ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُمَا قَالَا: خَرَجَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، حِينَ هَاجَرَتْ،
وَهِيّ حُبْلَى بِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَدِمَتْ قُبَاءَ، فَنُفِسَتْ بِعَبْدِ اللهِ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ خَرَجَتْ
حِينَ نُفِسَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ لِيُحَنِّكَهُ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنْهَا، فَوَضَعَهُ فِي
حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَكَثْنَا سَاعَةً، فَلْتَمِسُهَا قَبْلَ أَنْ نَجِدَهَا،
فَمَضَغَهَا، ثُمَّ بَصَقَهَا فِي فِيهِ، فَإِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ بَطْنَهُ لَرِيقُ رَسُولِ اللهِ وَرَ، ثُمَّ
قَالَتْ أَسْمَاءُ: ثُمَّ مَسَحَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ، ثُمَّ جَاءَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ
سِنِينَ، أَوْ ثَمَانٍ؛ لِيُبَايِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ الزُّبَيْرُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ عَلـ
حِينَ رَآهُ مُقْبِلاً إِلَيْهِ، ثُمَّ بَايَعَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِح) البغداديّ الْقَنْطَريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦.
٢ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ،
ثمّ الدمشقيّ، ثقةٌ رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت١٨٩) (خ م د س ق)
تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤١٨/٣٤.
٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) المدنيّ، تقدّم قريباً .
٤ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ) زوجة هشام الراوي عنها، تقدّمت
أيضاً قريباً .
٦ - (أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ◌ُِّهَا، تقدّمت أيضاً قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من هشام، وأنه
مسلسلٌ بالتحديث والإخبار، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيين، والراوي عن
أبيه، وزوجته، كلاهما عن أسماء، وهي جدّة هشام، وفاطمة، وأم عروة.
شرح الحديث:
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أنه قال: (حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) هو أبوه، (وَفَاطِمَةُ