النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١
(٣) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَغْبِيرِ الِاسْمِ الْقَبِيحِ إِلَى حَسَنٍ، وَتَغْسِرٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٥٩٤)
كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتْ جُوَيْرِيَةُ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
اسْمَهَا جُوَيْرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَرَّةَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي
عُمَرَ، عَنْ كُرَيْبٍ: قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ) القرشيّ مولاهم الكوفيّ،
ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في ((الطلاق)) ٣٦٥٩/١.
٢ - (كُرَيْبُ) بن أبي مسلم مولى ابن عبّاس، أبو رشدين المدنيّ، ثقةٌ
[٣] (ت٩٨) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٨٨/٢.
٣ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ◌َّ تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿ّ، وفي رواية ابن أبي عمر: ((قال: سمعت ابن
عبّاس))، (قَالَ: كَانَتْ جُوَيْرِيَةُ) بنت الحارث بن أبي ضِرَار الْخُزاعيّة، من بني
الْمُصْطَلِقِ، أم المؤمنين، سباها النبيّ ◌ِ﴿ في غزوة الْمُرَيسع، ثمّ تزوّجها،
وماتت سنة خمسين على الصحيح، وتقدّمت ترجمتها في ((الزكاة)) ٢٤٨٣/٥٠.
(اسْمُهَا بَرَّةَ) بفتح الموحّدة، وتشديد الراء، آخره تاء مربوطة، (فَحَوَّلَ)؛ أي:
غيّرِ (رَسُولُ اللهِ وَّهِ اسْمَهَا جُوَيْرِيَةَ) بضمّ أوله، تصغير جارية، وهي الشابّة من
الإماء، مأخوذة من الجارية التي هي السفينة، سُمّيت بذلك لجريها في البحر،
فسمّيت الأمة بها؛ لجريها مسخّرةً في أشغال مواليها(١).
[تنبيه]: إنما غيّر النبيّ وَ ﴿ اسم برّة؛ لأن فيه تزكية، قال القرطبيّ كَخَُّهُ:
إنما كان هذا الاسم يدلّ على التزكية؛ لأنَّه في أصله اسم عَلَمٌ لجميع خصال
البِرِّ، كما أن: ((فَجَارِ)) اسم عَلَمٌ للفجور، ولذلك قال النابغة الذبيانيّ [من
الکامل]:
إِنَّا اقتَسَمْنَا خُطَّتَيْنَا بَيْنَنَا فَحَمَلْتُ بَرَّةَ وَاحْتَمَلْتَ فَجَارٍ (٢)
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٩٨/١.
(٢) ((المفهم)) ٤٦٦/٥.
٣٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
قال الجامع عفا الله عنه: ((برّةُ))، و((فَجَارِ)) علمان من أعلام الأجناس،
فبرّة بمعنى البرّ، وفَجَار بمعنى الفجور، وعَلَم الجنس كعلم الشخص في
اللفظ، وكالنكرة في المعنى، وقد ذكر ابن مالك هذا في ((الخلاصة)) بقوله:
كَعَلَمْ الأَشْخَاصِ لَفْظاً وَهْوَ عَمّْ
وَوَضَعُوا لِبَعْضِ الاجْنَاسِ عَلَمْ
وَهَكَّذَا ثُعَالَةٌ لِلشَّعْلَبِ
مِنْ ذَاكَ أُمُّ عِرْيَطِ لِلْعَقْرَبِ
كَذَا فَجَارٍ عَلَمٌ لِلْفَجَرَةْ
وَمِثْلُهُ بَرَّةُ لِلْمَبَرَّةْ
(وَكَانَ) ◌َِّ (يَكْرَهُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ كُرْهاً بضمّ الكاف،
وفتحها: ضدّ أحبّ، (أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَرَّةَ) قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: وأما
تغييره رَّهِ بَرَّة فلوجهين:
أحدهما: أنه كان يَكره أن يقال: خرج من عند برَّة؛ إذ كانت المسمّاة
بهذا الاسم زوجته، وهي التي سمَّاها جويرية.
والثاني: لِمَا فيه من تزكية الإنسان نفسه، فهو مخالف لقوله تعالى: ﴿فَلاَ
تُرَّكُوَأْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَنََّ﴾ [النجم: ٣٢]، ويجري هذا المجرى في المنع،
ما قد كثر في هذه الدِّيار من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية؛ كزكيّ
الدِّين، ومحبي الدِّين، وما أشبه ذلك من الأسماء الجارية في هذه الأزمان التي
يُقْصَد بها المدح، والتزكية، لكن لمّا كثُرت قبائح المسمّين بهذه الأسماء في
هذا الزمان ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها، فصارت لا تفيد شيئاً من أصل
موضوعاتها، بل ربما يسبق منها في بعض المواضع، أو في بعض الأشخاص
نقيض موضوعها، فيصير الحال فيها كالحال في تسمية العرب: المهلكة
بالمفازة، والحقير بالجليل، تجمُّلاً بإطلاق الاسم مع القطع باستقباح المسمَّى.
ومن الأسماء ما غيَّره النبيّ بَّرِ مع حُسن معناه وصِدقه على مسمَّاه، لكن
مَنَع منه الشرع حمايةً واحتراماً لأسماء الله تعالى وصِفاته رَك عن أن يتسمَّى
أحد بها، ففي كتاب أبي داود عن هانئ بن يزيد: أنه لمّا وَفَد على رسول الله وَّهـ
المدينة مع قومه سمعهم يَكنُونه بأبي الْحَكَم، فدعاه رسول الله ◌َّ، فقال:
((إن الله رَ هو الْحَكَم، وإليه الْحُكْم، فلمَ تكثَّى أبا الحكم؟))، قال: إن قومي
إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال
رسول الله صلى: ((ما أحسن هذا))، قال: ((ما لك من الولد؟))، قال: لي شُريح،
٣٢٣
(٣) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَغْيِيرِ الاِسْمِ الْقَبِيحِ إِلَى حَسَنٍ، وَتَغْسِيرٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٥٩٤)
ومسلم، وعبد الله، قال: ((فمن أكبرهم؟)) قلت: شُريح، قال: ((فأنت أبو
شریح»(١).
وقد غيَّر اسم حكيم، وعزيز؛ لِمَا فيهما من التشبيه بأسماء الله تعالى.
انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(٢)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ كُرَيْبٍ: قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ)
بيّن فيه تصريح كريب بسماعه من ابن عبّاس ﴿ّ، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ها هذا من أفراد المصنّف دَخَذُهُ.
[تنبيه]: حديث ابن عبّاس ◌ُّ هذا أخرجه ابن خزيمة في (صحيحه))
مطوّلاً، فقال:
(٧٥٣) - أنا أبو طاهر، نا أبو بكر، نا يحيى بن حكيم، نا سفيان بن
عيينة (ح) وحدّثنا عبد الجبار بن العلاء، نا سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن،
وهو مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس قال: قالت جويرية بنت
الحارث - وكان اسمها بَرَّة، فحوّل النبيّ وَّ اسمها، وسمّاها جُويرية، وكَرِه أن
يقال: خرج من عند بَرّة - قالت: خرج النبيّ رَّر، وأنا في مصلاي، فرجع
حين تعالى النهار، وأنا فيه، فقال: ((لم تزالي في مصلاك منذ خرجتُ؟)) قلت:
نعم، قال: ((قد قلت أربع كلمات، ثلاث مرّات، لو وُزِنَّ بما قلتِ لوزنتهنّ:
سبحان الله، وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته))،
هذا حديث يحيى بن حكيم، وقال عبد الجبار، عن ابن عباس: أن النبيّ وَ ﴾
حين خرج إلى صلاة الصبح، وجويرية جالسة في المسجد، فذكر الحديث،
ولم يذكر ما قبل هذا من الكلام. انتهى (٣).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٩٤/٣] (٢١٤٠)، و(البخاريّ) في ((الأدب
(١) حديث صحيح، رواه أبو داود في ((سننه)) (٤٩٥٥).
(٢) ((المفهم)) ٤٦٥/٥ - ٤٦٦.
(٣) ((صحيح ابن خزيمة)) ٣٧٠/١.
٣٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
المفرد)) (٦٤٧)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (١٥٠٣)، و(النسائيّ) في ((عمل
اليوم والليلة)) (١٦١ و١٦٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٧٠/١)،
و(الحميديّ) في («مسنده)) (٢٣٢/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٨/١)،
و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان)) (٤٢٤/١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٩٥] (٢١٤١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
أَبِي مَيْمُونَةَ، سَمِعْتُ أَبَا رَافِعٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ
مُعَاذٍ، حَدَّثْنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَّةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنٍ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ زَيْنَبَ كَانَ(١) اسْمُهَا بَرَّةَ، فَقِيلَ: تُزَكِّي نَفْسَهَا، فَسَّمَّاهَا
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ زَيْتَبَ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِهَؤُلَاءِ دُونَ ابْنِ بَشَّارٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي
شَيْئَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ).
رجال هذه الأسانيد: عشرة:
١ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ) اسم أبيه مَنِيع، أبو معاذ البصريّ، ثقةٌ رُمي
بالقدر [٤] (ت١٣١) (خ م د س ق) تقدم في ((الطهارة)) ٦٢٥/٢١.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العَنبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خ
م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٣ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧.
٤ - (أَبُو رَافِع) نُفيع الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ مشهور [٢]
(ع) تقدّم في ((شرحً المقدّمة)) جـ٢ ص٤٦٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﴿به تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
(١) وفي نسخة: ((كانت)).
٣٢٥
(٣) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَغْبِرِ الاِسْمِ الْقَبِيحِ إِلَى حَسَنٍ، وَتَغْسِرٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٥٩٥)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ (أَنَّ زَيْنَبَ كَانَ) ووقع في بعض النسخ: ((كانت))
بالتاء، والأول أَولى. (اسْمُهَا بَرَّةَ) - بفتح الموحدة، وتشديد الراء - قال في
((الفتح)): كذا في رواية محمد بن جعفر، وهو غندر، عن شعبة، ووافقه
جماعة، وقال عمرو بن مرزوق، عن شعبة بهذا السند، عن أبي هريرة: ((كان
اسم ميمونة بَرّةً»، أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)» عنه، والأول أكثر(١)،
وزينب هي بنت جَحْش، أو بنت أبي سلمة، والأُولى زوج النبيّ وَّ، والثانية
ربييته، وكل منهما كان اسمها أوّلاً بَرّة، فغيّرَه النبيّ وَّز، كذا قال ابن عبد البرّ،
وقصة زينب بنت جحش أخرجها مسلم، وأبو داود، في أثناء حديث عن زينب
بنت أم سلمة، قالت: سُمِّيت برةَ، فقال النبيّ وَله: ((لا تزكوا أنفسكم، فإن الله
أعلم بأهل البرّ منكم))، قالوا: ما نسمّيها؟ قال: ((سَمّوها زينب))، وفي بعض
روايات مسلم: ((وكان اسم زينب بنت جحش: برّة))، وقد أخرج الدارقطنيّ في
((المؤتلف)) بسند فيه ضعف أن زينب بنت جحش قالت: يا رسول الله اسمي
برّة، فلو غيّرته، فإن البرّة صغيرة، فقال: ((لو كان مسلماً لسمّيته باسم من
أسمائها، ولكن هو جحش، فالجحش أكبر من البرّة))، وقد وقع مثل ذلك
لجويرية بنت الحارث أم المؤمنين، فأخرج مسلم، وأبو داود، والبخاريّ في
((الأدب المفرد)) عن ابن عباس، قال: ((كان اسم جويرية بنت الحارث برّة،
فحوّل النبيّ وَ﴿ اسمها، فسمّاها جويرية، كَرِه أن يقال: خرج من عند برة)).
(٢) .
انتھی
(فَقِيلَ: تُزَكِّي نَفْسَهَا) يقال: زَّى الرجلُ نفسَه: إذا وصفها، وأثنى
عليها(٣)، وذلك لأن لفظة ((برّة)) مشتقة من البرّ، وكذلك وقع في قصة جُويرية
السابقة: ((كَرِه أن يقال: خرج من عند بَرّة))، وقال في قصّة زينب: ((الله أعلم
بأهل البرّ منكم)). (فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللهِ﴿ِ زَيْنَبَ) قال في ((القاموس))،
(١) وقع في نسخة ((الفتح)) بلفظ: ((أكبر))، والظاهر أنه تصحيف، والله تعالى أعلم.
(٢) ((الفتح)) ٦٩/١٤ - ٧٠، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٩٢).
(٣) ((لسان العرب)) ٣٥٨/١٤.
٣٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
و(شرحه)): زَنِبَ كَفَرِح يَزْنَب زَنَباً؛ أَي: سَمِن. والزَّنَبُ: السِّمَنُ. والأَزْنَبُ:
السَّمِين، وبه سُمِّيَت المَرْأَةِ زَيْنَب، قال سِيبَوَيْه: هو فَيْعَل، واليَاءُ زَائِدَةٌ، أَو مِنْ
زُنَابَى العَقْرَب، وزُنَابَتُها كِلْتَاهُما، لزُبَانَاهَا: إِبْرَتها التي تَلْدَغْ بِهَا فَيْعَل، أَو مِنَ
الزَّينَبِ لشَجَرِ حَسَنِ المَنْظَرِ، طَيِّبِ الرَّائِحَة، وَاحدتُه زَيْنَة، قاله ابْنُ الأَعْرَابِيّ،
أَو أَضَلُهَا زِيْنُ أَبِ حُذِفَتِ الأَلِفُ؛ لكَثْرَةِ الاسْتِعمَال، وَزَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَة كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ يَدْعُوهَا زُنَابَ بالضَّمِّ. انتهى (١).
وقوله: (وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِهَؤُلَاءِ دُونَ ابْنِ بَشَّارٍ)؛ يعني: أن اللفظ المذكور
لشيوخه الثلاثة: ابن أبي شيبة، وابن المثنّى، وعبيد الله بن معاذ، وليس
لمحمد بن بشّار، هكذا قال مسلم تخّثُ، لكن الحديث وقع من رواية ابن بشّار
عند البيهقيّ بلفظهم، فقال في ((السنن الكبرى)):
(١٩٠٩٩) - أخبرنا أبو بكر بن فُورك، أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا
يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا شعبة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ
أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن
جعفر، ثنا شعبة، عن عطاء بن أبي ميمونة، قال: سمعت أبا رافع، يحدّث عن
أبي هريرة به: ((أن زينب كان اسمها برّة، فقيل: تزكّ نفسها، فسمّاها
رسول الله (﴾﴾ زینب)).
قال: لفظ حديث محمد بن جعفر، رواه البخاريّ في ((الصحيح)) عن
صدقة بن الفضل، عن محمد، ورواه مسلم عن ابن بشار وغيره. انتهى.
فقد صرّح البيهقيّ كَّلُ أن هذا السياق هو لابن بشّار عن محمد بن
جعفر، وهو نفس سياق المشايخ الآخرين، ولعلّ مسلماً كَذَتُهُ رواه بما يخالف
ألفاظهم، فإنه إمام محقّق له اطلاع واسع على اختلاف ألفاظ الشيوخ، والله
تعالى أعلم.
وقوله: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ) غرض
مسلم بهذا بيان أن رواية ابن المثنّى، وابن بشّار بلفظ: ((حدّثنا محمد بن
جعفر، حدّثنا شعبة))، فصرّحا بتحديث شعبة لهما، وأما ابن أبي شيبة، فقال:
(١) ((تاج العروس)) ١/ ٥٦٤ _ ٥٦٥.
٣٢٧
(٣) - بَابُ اسْتِحْبَابِ تَغْبِيرِ الِاسْمِ الْقَبِيحِ إِلَى حَسَنٍ، وَتَغْسِيرٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٥٩٦)
((حدّثنا محمد بن جعفر، عن شعبة))، فقال: ((عن)) بدل ((حدّثنا))، وهذا من
تدقيق مسلم نَّتُهُ، وشدّة عنايته ببيان اخلاف ألفاظ الشيوخ، وهو الذي امتاز
به، وقُدّم على كثير من المحدثين، ولذا اعتمده كثير من العلماء في نقل سياق
الحديث؛ لِمَا ذُكر، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٩٥/٣] (٢١٤١)، و(البخاريّ) في ((الأدب))
(٦١٩٢)، و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (٣٧٣٢)، و(أحمد) في («مسنده» (٤٣٠/٢
و٤٥٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٧/٩)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٩٦] (٢١٤٢) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ
يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرِ،
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، حَدَّثَتْنِي زَيْئَبُ بِنْتُ أُمَّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كَانَ
اسْمِي بَرَّةَ، فَسَمَّانِي رَسُولُ اللهِ وَهِ زَيْتَبَ، قَالَتْ: وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ زَيْنَبُ بِنْتُ
جَحْشٍ، وَاسْمُهَا بَرَّةُ، فَسَمَّاهَا زَيْنَبَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام
مرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثمّ الكوفيّ، صدوقٌ عارف
بالمغازي، ورُمي برأي الخوارج [٦] (ت١٥١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦٤/ ٣٦١.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ) القرشيّ العامريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات
في حدود (١٢٠) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٢٣/ ٧٩٧.
٤ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ) بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، ربيبة
النبيّ وَّل، ماتت سنة (٧٣) (ع) تقدمت في ((الحيض)) ٦٨٩/٢.
٣٢٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
والباقون ذُكروا في الأبواب الثلاثة الماضية، وشرح الحديث يأتي بعده،
أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ، والله تعالى أعلم.
[٥٥٩٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا
اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمَّيْتُ
ابْنَتِي بَرَّةَ، فَقَالَتْ لِي زَيْئَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ نَهَى عَنْ هَذَا
الِاسْم، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((لَا تُزَكُوا أَنْفُسَكُمُ، اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلٍ
الْبِرِّ مِنْكُمْ))، فَقَالُوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: ((سَمُّوهَا زَيْنَبَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ،
لقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧َ) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل
[٥] (ت١٢٨) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ) أنه (قَالَ: سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ، فَقَالَتْ لِي
زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهُ نَهَى عَنْ
هَذَا الإِسْمِ)؛ أي: عن التسمّي ببرّة، (وَسُمِّيتُ) بضمّ أوله، وتشديد الميم،
وتُخفّف،َ قال في ((القاموس))، و((شرحه)): وقد سَمّاه فلاناً، وسَمّاه به
بمعنّى؛ أي: جعله اسماً له، وعَلَماً عليه، قال سيبويه: والأصل الباء؛ لأنه
كقولك: عَرّفته بهذه العلامة، وأوضحته بها، ويقال: أسماه إياه، وأنشد عن
بعضهم :
وَاللَّهُ أَسْمَاكَ سُمَاً مَبَارَكاً
وأسمى به كذلك، نقله ابن سِيدَهْ، وسَمَاه إيّاه يَسْمُوهُ، وسما به يَسْمُو،
٣٢٩
(٣) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَغْسِيرِ الاِسْمِ الْقَبِيحِ إِلَى حَسَنٍ، وَتَغْبِيرٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٥٩٧)
الأول - يعني: سَمَاه إيّاه بالتخفيف - عن ثعلب، لم يَحكه غيره. انتهى (١).
وهو هنا مبنيّ للمفعول، ونائب فاعله التاء، وهو المفعول الأول،
وقولها: (بَرَّةَ) هو المفعول الثاني، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ) مبيّناً سبب نهيه عن
التسمّي ببرّة: ((لَا تُزَكَّوا أَنْفُسَكُمُ)؛ أي: لا تمدحوها، وتشكروها، وتَمُنُّوا
(٢)
بأعمالكم(٢).
وقوله: (اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِّ)؛ أي: الطاعة، (مِنْكُمْ))) تعليل للنهي عن
تزكية النفس.
(فَقَالُوا)؛ أي: أهلها، (بِمَ نُسَمِّهَا؟)؛ أي: بأيّ اسم غير هذا نسميها؟
(قَالَ) ◌ِ (سَمُّوهَا زَيْنَبَ))) تقدّم قريباً معنى زينب، فلا تغفل، والله تعالى وليّ
التوفيق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زينب بنت أم سلمة ﴿ هذا من أفراد
المصنّف نَخْذُهُ .
[تنبيه]: انتقد الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد تخلّفُ هذا الإسناد في
رسالة له كتب فيها العلل التي في ((صحيح مسلم))، فقال: (٢٦) - ووجدت فيه
- يعني: ((صحيح مسلم)) ــ لأبي النضر هاشم بن القاسم، عن الليث، عن
يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سميت ابنتي بَرّة،
فقالت لي زينب ابنة أبي سلمة: إن رسول الله وَيُ نهى عن هذا.
قال أبو الفضل: وهذا الحديث بين يزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن
عمرو بن عطاء في إسناده محمد بن إسحاق، كذلك رواه المصريّون. أخبرنا
أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن يزيد بن أبي
حبيب، عن محمد بن إسحاق. انتهى كلام أبي الفضل تَقَّتُ(٣).
وقد ذكر الحافظ رشيد الدين العطار كلام أبي الفضل المذكور، فقال:
(١) (تاج العروس)) ٨٤٣٩/١.
(٢) (تفسير ابن كثير)) ٢٥٨/٤.
(٣) تقدّم هذا في مقدّمة ((شرح المقدّمة)) ١٥١/١، وإنما أعدته لطول العهد به، فتنبّه.
٣٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
وذكر بعض الحفاظ(١) أنه قد سقط من هذا الإسناد رجل بين يزيد ومحمد بن
عمرو، وهو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبيّ، قال: كذلك رواه المصريون
- يعني: عن الليث -.
قلت(٢): وقد وجدته كما قال من حديث غير واحد من أهل مصر، منهم
يحيى بن بكير، وعيسى بن حماد زُغْبة، وأخرجه أبو داود في ((سننه)) عن
عيسى بن حماد، عن الليث كذلك، وأثبت في إسناده محمد بن إسحاق.
وذكر بعض العلماء أن غسان بن الربيع الكوفيّ رواه عن الليث كذلك
أيضاً .
وهذا إنما أورده مسلم بهذا الإسناد استشهاداً، وإلا فقد أورده قبل هذا
بإسناد متّصل، فرواه من غير وجه عن الوليد بن كثير المخزوميّ المدنيّ، قال:
حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء، عن زينب بنت أبي سلمة رضيثنا، وهذا متصل،
لا شك فيه، فإن ثبت انقطاعه من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن
عمرو، فقد بيّنا أنه متصل في الكتاب من حديث الوليد بن كثير، عن محمد بن
عمرو، وبالله التوفيق.
قال: وقد رأيت في بعض النُّسخ من (كتاب الأطراف))(٣) لأبي مسعود
الدمشقيّ أن مسلماً أخرج هذا الحديث عن عمرو الناقد، عن هاشم بن
القاسم، عن الليث، عن يزيد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو،
(١) يعني به: الحافظ أبا الفضل المذكور.
(٢) القائل هو: الرشيد العطّار، فتنبه.
(٣) وكذا هو عند الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)) ٣٢٤/١١، نَسَبه
لمسلم في ((صحيحه))، حيث أورد فيها: (( ... عن يزيد بن أبي حبيب، عن
محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار ... )) الحديث. وقد علّق عليه المحقّق بقوله:
(كذا وقع هذا الإسناد في أصل (س) وليس في شيء مما في النُّسخ الحاضرة عندنا
من ((صحيح مسلم)) ما ذكره، وإنما فيه: ((عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن
عمرو بن عطاء)) بدون واسطة محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار بينهما. والله
أعلم. انتهى.
وهذا يرجّح ما قاله الحافظ الرشيد العطار هنا من أنه لعله كان في أصل مسلم،
وسقط من بعض النسخ ذكر ابن إسحاق. والله تعالى أعلم.
٣٣١
(٤) - بَابُ تَحْرِيمِ التَّسَمِّ بِمَلِكِ الأَمْلَاكِ، وَبِمَلِكِ الْمُلُوكِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٩٨)
كما رواه المصريون عن الليث، فلعله كذلك في أصل مسلم، وسقط من بعض
النُّسخ ذكر ابن إسحاق، والله رحمك أعلم. انتهى كلام الحافظ رشيد الدين
العطّار تَخْذَهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الراجح ذِكر محمد بن
إسحاق في هذا السند بين يزيد بن أبي حبيب، وبين محمد بن عمرو بن عطاء،
والظاهر أن هذا هو صنيع مسلم، وإنما سقط من بعض النسّاخ، كما أشار إليه
العطار؛ لأن أبا مسعود الدمشقيّ عزاه في ((أطرافه)) كذلك لمسلم، وكذا
الحافظ أبو الحجّاج المزّي في («تحفته)) ٣٢٤/١١، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٩٦/٣ و٥٥٩٧] (٢١٤٢)، و(البخاريّ) في
((الأدب المفرد)) (٨٢١)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٩٥٣)، و(ابن راهويه) في
(مسنده)) (٩٣/٤)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٢٢/٦)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٧/٩)، والله تعالى أعلم.
(٤) - (بَابُ تَحْرِيمِ التَّسَمِّي بِمَلِكِ الأَمْلَاكِ، وَبِمَلِكِ الْمُلُوكِ،
وَنَحْوِ ذَلِكَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٩٨] (٢١٤٣) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَشِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ،
وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ - وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ - قَالَ الأَشْعَنِيُّ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((إِنَّ أَخْتَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ))، زَادَ ابْنُ أَبِي
شَيْئَةَ فِي رِوَايَتِهِ: (لَا مَالِكَ إِلَّ اللهُ رَنَ))، قَالَ الأَشْعَشِيُّ: قَالَ سُفْيَانُ: مِثْلُ شَاهَانْ
شَاهْ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلِ: سَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو عَنْ أَخْتَعَ، فَقَالَ: أَوْضَعَ).
(١) تقدّم هذا البحث في مقدّمة ((شرح المقدّمة)) ١٢٢/١ - ١٢٣، وإنما أعدته هنا؛
لطول العهد به، فتنبه.
٣٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَشِيُّ) الْكِنديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م س) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٢ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القُرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٣ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َخْذُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم،
وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه من أصحّ أسانيد أبي هريرة ◌ُبه، وفيه أبو
هريرة به أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله ذكوان، وفي رواية الحميديّ في ((مسنده)) عن
سفيان: ((حدّثنا أبو الزناد))، وهي عند أبي عوانة في ((صحيحه)) أيضاً من
طريقه، (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ ووقع في
رواية البخاريّ عن علي ابن المدينيّ، عن سفيان بلفظ: ((عن أبي هريرة روايةً))،
قال في ((الفتح)): قوله: ((روايةً)) كذا في رواية عليّ هنا، وفي رواية أحمد، عن
سفيان: ((يبلغ به))، أخرجها مسلم (١)، وأبو داود، وعند الترمذيّ، عن محمد بن
ميمون، عن سفيان مثله، وكلاهما كناية عن الرفع، بمعنى: قال رسول الله أَچ،
ووقع التصريح بذلك في رواية الحميديّ. انتهى(٢). (عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ) وفي رواية
همّام التالية: ((وقال رسول الله وَلّ)، (قَالَ: ((إِنَّ أَخْنَعَ اسْم عِنْدَ اللّهِ) ((أخنع))
- بعين مهملة - وهذا هو المشهور في رواية سفيان بن عيينة،ً وهو من الخنوع،
(١) كذا عزا في ((الفتح)) لمسلم، ولم أره فيه، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٢) ((الفتح)) ٨٩/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٢٠٥).
٣٣٣
(٤) - بَابُ تَحْرِيمِ التَّسَمِّي بِمَلِكِ الأَمْلَاكِ، وَبِمَلِكِ الْمُلُوكِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٩٨)
وهو الذلّ، وقد فسّره بذلك الحميديّ شيخ البخاريّ عقب روايته له عن سفيان
قال: أخنع أذلّ، وذكر مسلم بعد هذا عن أحمد بن حنبل قال: سألت أبا
عمرو الشيبانيّ - يعني: إسحاق اللغويّ - عن أخنع، فقال: أوضع، قال
القاضي عياض: معناه أنه أشدّ الأسماء صَغاراً، وبنحو ذلك فسّره أبو عبيد،
والخانع: الذليل، وخَنَعَ (١) الرجلُ ذَلّ.
وقال المجد تَخْثُهُ: الخانع: المريب الفاجر، وقد خَنَعَ؛ كمنَعَ، والْخَنْعةُ :
الْفَجْرة، والرِّيبة، والْخَنُوع؛ كصبور: الغادر الذي يحيد عنك، وبالضمّ:
الْخُضُوعِ والذَّلّ، قال: وأخنع الأسماء عند الله تعالى ملِك الأملاك؛ أي:
أذلّها، وأقهرها، ويُروَى: أنخع، وأبخع، وأخنى. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: وقوله: ((إن أخنع اسم عند الله)): أي: أذلَّ،
والخنوع: الخضوع، والذلُّ، يقال: أخنعتني إليك الحاجة، ومنه في دعاء
القنوت: ((ونخنع لك))؛ أي: نَذِلّ لك، ونخضع، وقد يقال على الفجور،
والرِّيبة، يقال: رجل خانع؛ أي: مُريب فاجر، ومنه قول الأعشى [من البسيط]:
هُمُ الْخَضَارِمُ(٣) إِنْ غَابُوا وَإِنْ شَهِدُوا وَلَا يُرَوْنَ إِلَى جَارَاتِهِمْ خُنُعاً
قال القرطبيّ: وهذا راجعٌ للمعنى الأول؛ لأنَّ الفاجر المريب خانع
ذليل، ولذلك فسَّر أبو عمرو: أخنع بأوضع؛ أي: أذل وأخس، وأراد بالاسم
هنا: المسمَّى، بدليل ما قال في الرواية الأخرى: ((أغيظ رجل، وأخبثه)).
(٤)
انتھی
.
قال ابن بطال تَخّلُ: وإذا كان الاسم أذلّ الأسماء كان من تسمَّى به أشدّ
ذُلّاً، وقد فسَّر الخليل أخنع بأفجر، فقال: الْخَنْعُ: الفجور، يقال: أخنع الرجل
إلى المرأة إذا دعاها للفجور.
وهو قريب من معنى الخنا، وهو الفحش.
(١) خَنَعَ من باب مَنَع، كما في ((القاموس)).
(٢) ((القاموس المحيط)) ص ٤٠٠.
(٣) جمع خِضْرِم، وهو الجواد الكثير العطيّة، وقيل: السيّد الْحَمُول. اهــ ((لسان)) ١٨٤/١٢.
(٤) ((المفهم)) ٤٥٤/٥.
٣٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((أخنى))، قال في ((الفتح)): قوله: ((أخنى)) كذا
في رواية شعيب بن أبي حمزة للأكثر، من الخنا - بفتح المعجمة، وتخفيف
النون، مقصوراً - وهو الفحش في القول، ويَحْتَمِل أن يكون من قولهم: أخنى
عليه الدهر؛ أي: أهلكه.
ووقع عند الترمذيّ في آخر الحديث: ((أخنع: أقبح))، وذكر أبو عبيد أنه
ورد بلفظ: ((أنخع))، بتقديم النون على المعجمة، وهو بمعنى أَهْلَك؛ لأن النَّخْع
الذبح، والقتل الشديد، ووقع في رواية همام: ((أغيظ)) بغين، وظاء معجمتين،
ويؤيده: ((اشتدّ غضب الله على من زعم أنه مَلِك الأملاك))، أخرجه الطبرانيّ.
قال الحافظ: ووقع في شرح شيخنا ابن الملقِّن أن في بعض الروايات:
((أفحشُ الأسماء))، ولم أرها، وإنما ذكر ذلك بعض الشراح في تفسير ((أخنى)).
انتهى(١).
(اسْم عِنْدَ اللهِ) زاد أبو داود، والترمذيّ في روايتهما: ((يوم القيامة))،
وهذه الزيادة ثابتة عند البخاريّ في رواية شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد،
وفي رواية همّام بن منبّه التالية عند مسلم: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
وَأَخْبَتُهُ، وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ)). (رَجُلٌ تَسَمَّى)؛ أي: سَمَّى نفسه، أو سُمّي بذلك،
فرضي به، واستمرّ عليه، (مَلِكَ الأَمْلَاكِ)) بكسر اللام من ((مَلِك))، و((الأملاكُ))
جمع مِلْك بالكسر، وبالفتح، وجمعُ ملیك.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: ((الْمَلِك)): من له الْمُلْكُ، و((المالك)): من له
الْمِلْكُ، والْمُلكُ أمدحُ، والمالك أخصُّ، وكلاهما واجب لله تعالى،
والأملاك: هنا جمع مَلِك، قال في ((الصحاح)): الملِك - مقصور - من مالك،
أو مليك، والجمع: الملوك، والأملاك، والاسم: الْمُلْك. انتهى(٢).
(زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ) على رواية الأشعثيّ، وأحمد: ((لَا مَالِكَ
إِلَّا اللهُ رَّ)))؛ أي: لا يحقّ لأحد أن يسمّى بهذا الاسم؛ لأنه مالك للملوك
وغيرهم حقيقة إلا الله رَك. (قَالَ الأَشْعَنِيُّ) سعيد بن عمرو، منسوب إلى جدّه
(١) ((الفتح)) ٨٩/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٢٠٥).
(٢) «المفهم)) ٤٥٥/٥.
٣٣٥
(٤) - بَابُ تَحْرِيمِ التَّسَمِّ بِعَلِكَ الأَمْلَاكِ، وَبِمَلِكِ الْمُلُوكِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٩٨)
الأعلى (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة (مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ) هو بالفارسيّة مَلِكُ الأملاك، ثم
إن ظاهر هذه الرواية أن هذا التفسير من سفيان نفسه، ووقع عند البخاريّ
بلفظ: ((قال سفيان: يقول غيره: تفسيره شاهان شاه))، ومعنى يقول غيره: أي:
غير أبي الزناد، قال في ((الفتح)): فلعل سفيان قاله مرّة نقلاً، ومرة من قِبَل
نفسه، وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية محمد بن الصباح، عن سفيان مثله،
وزاد مثل ذلك: الصين وشاهان شاه، بسكون النون، وبهاء في آخره، وقد
تُنوّن، وليست هاء تأنيث، فلا يقال بالمثناة أصلاً .
وقد تعجب بعض الشراح من تفسير سفيان بن عيينة اللفظة العربية باللفظة
العجمية، وأنكر ذلك آخرون، وهو غفلة منهم عن مراده، وذلك أن لفظ شاهان
شاه كان قد كُثُر التسمية به في ذلك العصر، فنَبَّه سفيان على أن الاسم الذي
ورد الخبر بذمّه لا ينحصر في ملك الأملاك، بل كل ما أدَّى معناه بأيّ لسان
كان فهو مرادٌ بالذمّ، ويؤيد ذلك أنه وقع عند الترمذيّ: ((مثل شاهان شاه)).
وقوله: «شاهان شاه)» هو المشهور في روايات هذا الحدیث، وحَگی
عياض عن بعض الروايات: ((شاه شاه)) بالتنوين بغير إشباع في الأُولى،
والأصل هو الأولى، وهذه الرواية تخفيف منها، وزعم بعضهم أن الصواب:
شاه شاهان، وليس كذلك؛ لأن قاعدة العجم تقديم المضاف إليه على
المضاف، فإذا أرادوا قاضي القضاة بلسانهم قالوا: موبذان موبذ، فموبذ هو
القاضي، وموبذان جَمْعه، فكذا شاه هو الملِك، وشاهان هم الملوك.
وقال القاضي عياض: استَدَلّ به بعضهم على أن الاسم غير المسمى،
ولا حجة فيه، بل المراد مِنْ الاسم صاحب الاسم، وتدلّ عليه رواية همام:
((أغيظ رجل))، فكأنه مِنْ حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مُقامه، ويؤيده
قوله: ((تَسَمَّى))، فالتقدير: إن أخنع اسم اسمُ رجل تسمى، بدليل الرواية
الأخرى: ((وإن أخنع الأسماء)). انتهى(١).
وقال النوويّ كَّثُ: وأما قوله: ((قال سفيان: مثل شاهان شاه)) فكذا هو
في جميع النُّسخ، قال القاضي: وقع في رواية: شاه شاه، قال: وزعم بعضهم
(١) ((الفتح)) ٩٠/١٤ - ٩١، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٢٠٥).
٣٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
أن الأصوب شاه شاهان، وكذا جاء في بعض الأخبار في كسرى، قالوا: وشاه
الملك، وشاهان الملوك، وكذا يقولون لقاضي القضاة: موبذ موبذان، قال
القاضي: ولا يُنكَر صحة ما جاءت به الرواية؛ لأن كلام العجم مبني على
التقديم والتأخير في المضاف والمضاف إليه، فيقولون في غلام زيد: زيدُ
غلام، فهكذا أكثر كلامهم، فرواية مسلم صحيحة. انتهى(١).
(وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلِ: سَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو) الشيبانيّ إسحاق بن مِرار - بكسر
أوله، وتخفيف الراء - النحويّ اللغويّ الكوفيّ، نزيل بغداد من الطبقة
التاسعة(٢)، له ذِكر في ((صحيح مسلم)) هنا فقط.
وقال النوويّ كََّلُهُ: أبو عمرو هذا هو إسحاق بن مِرَار - بكسر الميم -
على وزن قِتَال، وقيل: مَرَّار بفتحها، وتشديد الراء؛ كعَمّار، وقيل: بفتحها،
وتخفيف الراء؛ كغَزَال، وهو أبو عمرو اللغويّ النحويّ المشهور، وليس بأبي
عمرو الشيبانيّ، ذاك تابعيّ، تُوُفّي قبل ولادة أحمد بن حنبل، والله أعلم.
(٣)
انتھی(٣) .
وقال في ((تهذيب التهذيب)): رَوَى عن أبي عمرو بن العلاء، وركن
الشاميّ، وروى عنه ابنه عمرو، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام،
وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، وغيرهم.
قال أبو بكر ابن الأنباريّ: كان أبو عمرو الشيبانيّ يقال له: أبو عمرو
صاحب ديوان اللغة، والشعر، وكان خَيِّراً فاضلاً صدوقاً، قال عبد الله بن
أحمد: كان أبي يلزم مجالس أبي عمرو، ويكتب أماليه، وكان أبو عمرو
الشيباني نبيلاً فاضلاً عالِماً بكلام العرب، حافظاً للغاتها، عمل ((الشعراء))،
وكان سمع من الحديث سماعاً واسعاً وعُمِّر عُمُراً حتى أناف على التسعين،
وهو عند الخاصة من أهل العلم والرواية، مشهور معروف، والذي قَصّر به عند
العامة أنه كان مشتهراً بالنبيذ، والشرب له.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/١٤.
(٢) هكذا في نسخة أبي الأشبال من ((التقريب))، ووقع في غيرها: من الثامنة، وهو غلط.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/١٤.
٣٣٧
(٤) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّسَمِّي بِمَلِكِ الأَمْلَاكِ، وَبِمَلِكِ الْمُلُوكِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٩٨)
ويُحكّى عن عمرو بن أبي عمرو قال: لمّا جمع أبي أشعار العرب، كانت
نيفاً وثمانين قبيلة، فكان كلما عَمِل منها قبيلة، وأخرجها إلى الناس كتب مصحفاً،
وجعله في مسجد الكوفة. وقال ثعلب: كان مع أبي عمرو الشيباني من العلم،
والسماع أضعاف ما كان مع أبي عبيدة، وقال حنبل بن إسحاق: مات سنة عشر
ومائتين، وقد كتب عنه أبو عبد الله، وقال أبو منصور الأزهريّ: روى عنه أبو عبيد
القاسم بن سلام، ووثقه، وقال محمد بن إسحاق النديم: كان راويةً واسع العلم،
بصيراً باللغة، ثقةً في الحديث، قال: وبلغ أبو عمرو مائة سنة وعشرين، ومات
سنة ست ومائتين، وقال أحمد بن كامل: مات سنة (١٩٢)، وقال يعقوب بن
السِّكِّيت: عاش مائة وثماني عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات(١).
(عَنْ أَخْنَعَ)؛ أي: عن معناه، (فَقَالَ) أبو عمرو (أَوْضَعَ) بالنصب على
حكاية المفسّر - أعني قوله: ((إن أخنع اسم)) - قال النوويّ كَّلُهُ: وهذا التفسير
الذي فسّره أبو عمرو مشهور عنه، وعن غيره، قالوا: معناه: أشدّ ذُلّاً وصَغَاراً
يوم القيامة، والمراد: صاحب الاسم، وتدلّ عليه الرواية الثانية بلفظ: ((أغيظ
رجل))(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٩٨/٤ و٥٥٩٩] (٢١٤٣)، و(البخاريّ) في
((الأدب)) (٦٢٠٥ و٦٢٠٦)، وفي ((الأدب المفرد)) (٨١٧)، و(أبو داود) في
((الأدب)) (٤٩٦١)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٨٣٧)، و(الحميديّ) في
(«مسنده)) (٤٧٨/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٤/٢ و٣٩٢)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٨٣٥)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣١٢/٧)، و(الحاكم) في
((المستدرك)) (٣٠٦/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٧/٩)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنَّة)) (٣٣٦٩)، والله تعالى أعلم.
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٤/ ٥٦٣ - ٥٦٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢١/١٤.
٣٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن التسمي بملك الأملاك حَرَام، قال النوويّ نَُّهُ :
وكذلك التسمي بأسماء الله تعالى المختصّة به؛ كالرحمن، والقدّوس،
والمهيمن، وخالق الخلق، ونحوها(١).
٢ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): استُدِلّ بهذا الحديث على تحريم
التسمي بهذا الاسم؛ لورود الوعيد الشديد، ويَلتحق به ما في معناه مثل: خالق
الخلق، وأحكم الحاكمين، وسلطان السلاطين، وأمير الأمراء، وقيل: يلتحق
به أيضاً من تسمى بشيء من أسماء الله الخاصّة به؛ كالرحمن، والقدّوس،
والجبار، وهل يلتحق به من تسمى قاضي القضاة، أو حاكم الحكام؟ اختَلَف
العلماء في ذلك، فقال الزمخشريّ في قوله تعالى: ﴿أَعْكَمُ الْحَكِينَ﴾ [هود: ٤٥]؛
أي: أعدل الحكام، وأعلمهم؛ إذ لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم،
والعدل، قال: ورُبّ غريق في الجهل، والجَوْر من مقلدي زماننا قد لُقِّب
أقضى القضاة، ومعناه أحكم الحاكمين، فاعتَبِر، واستَعبِرْ.
وتعقبه ابن الْمُنَيِّر بحديث: ((أقضاكم عليّ))، قال: فيستفاد منه أن لا حرج
على من أَطلق على قاض يكون أعدل القضاة، أو أعلمهم في زمانه: أقضى
القضاة، أو يريد إقليمه، أو بلده، ثم تكلم في الفرق بين قاضي القضاة،
وأقضى القضاة، وفي اصطلاحهم على أن الأول فوق الثاني، وليس من غرضنا
هنا .
وقد تَعَقَّب كلام ابن المنَيِّر علمُ الدين العراقيّ، فصوَّب ما ذكره
الزمخشريّ من المنع، ورَدَّ ما احتجّ به، من قضية عليّ رَظُه بأن التفضيل في
ذلك وقع في حقّ من خوطب به، ومن يلتحق بهم، فليس مساوياً لإطلاق
التفضيل بالألف واللام، قال: ولا يخفى ما في إطلاق ذلك من الجراءة،
وسوء الأدب، ولا عبرة بقول مَن ولي القضاء، فنُعِت بذلك، فلَذّ في سمعه،
فاحتال في الجواز، فإن الحقّ أحقّ أن يُتَّبَع. انتهى كلامه.
ومن النوادر أن القاضي عزّ الدين ابن جماعة قال: إنه رأى أباه في
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/١٤.
٣٣٩
(٤) - بَابُ تَحْرِيمِ التَّسَمِّي بِمَلِك الأَمْلَاكِ، وَبِمَلِكِ الْمُلُوكِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٩٩)
المنام، فسأله عن حاله، فقال: ما كان عليّ أضرّ من هذا الاسم، فأمر
الموقِّعين أن لا يكتبوا له في السجلات: قاضي القضاة، بل: قاضي المسلمين،
وفَهِم من قول أبيه أنه أشار إلى هذه التسمية، مع احتمال أنه أشار إلى
الوظيفة، قال الحافظ: بل هو الذي يترجح عندي، فإن التسمية بقاضي القضاة
وُجدت في العصر القديم من عهد أبي يوسف، صاحب أبي حنيفة.
قال الجامع عفا الله عنه: في ترجيح الحافظ إرادة الوظيفة بما ذَكَره نَظَرٌ
لا يخفى؛ إذ الوظيفة نفسها وُجدت من العصر القديم، فما الفرق بينهما؟ فتأمل
بالإمعان، والله تعالى أعلم.
قال: وقد منع الماورديّ من جواز تلقيب المَلِك الذي كان في عصره
بملك الملوك، مع أن الماورديّ كان يقال له: أقضى القضاة، وكأن وجه
التفرقة بينهما الوقوف مع الخبر، وظهور إرادة العهد الزمانيّ في القضاة.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: يَلتحق بملِك الأملاك: قاضي
القضاة، وإن كان اشتهر في بلاد الشرق من قديم الزمان إطلاق ذلك على كبير
القضاة، وقد سَلِم أهل المغرب من ذلك، فاسم كبير القضاة عندهم: قاضي
(١)
الجماعة. انتهى(١).
٣ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة كَثْثُهُ: وفي الحديث مشروعية الأدب
في كل شيء؛ لأن الزجر عن ملِك الأملاك، والوعيد عليه يقتضي المنع منه
مطلقاً، سواء أراد من تسمى بذلك أنه ملِك على ملوك الأرض، أم على
بعضها، سواء كان مُحِقّاً في ذلك أم مبطلاً، مع أنه لا يخفى الفرق بين من
قَصَد ذلك، وكان فيه صادقاً، ومن قَصَده، وكان فيه كاذباً. انتهى، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ،
(١) ((الفتح)) ٩١/١٤ - ٩٢، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٢٠٥).
٣٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
وَأَخْبَتُهُ، وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ بُسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّ اللهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَّنْ همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢)
على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
و((أبو هريرة ﴿ه)) ذُكر قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) فاعل ((ذَكَر)) ضمير همّام بن منّه.
وقوله: (مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ﴾ ((منها)) جارّ ومجرور متعلّق
بمحذوف؛ لوقوعه خبراً مقدّماً؛ أي: كائن منها، وقوله: ((وقال رسول الله وَلات)
مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لِقَصْد لفظه.
(أَغْيَظُ رَجُلٍ)؛ أي: الرجل الذي يشتدّ عليه غضب الله تعالى، قال
القرطبيّ: والغيظ المضاف إلى الله تعالى هو عبارة عن غضبه، وقد تقدَّم أن
غضب الله تعالى عبارة عن عقوبته الْمُنَزَّلة بمن يستحقها. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: تأويل القرطبيّ للغضب بما ذكره، وكذا ما نقله
النوويّ في ((شرحه)) عن الماورديّ أنه قال: أغيظ هنا مصروف عن ظاهره،
والله ◌َلَ لا يوصف بالغيظ، فيُتأول هنا الغيظ على الغضب، وسبق شرح معنى
الغضب، والرحمة في حق الله {9. انتهى (٢).
كلّ ذلك مخالف لِمَا عليه السلف من إثبات صفات الغضب، والمقت،
والغيظ، ونحوها مما جاء في النصوص الصحيحة، على ما يليق بجلاله ◌ُعَالَ،
وعدم تأويلها، ومما يؤيّد بطلان تأويلها أن المعنى الذي أُوّلت إليه يلزم من
إثباته التشبيه الذي فرّوا منه، فهم يفرون من ورطة، ويقعون في أخرى، فليَتنبّه
(١) ((المفهم)) ٤٥٤/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢١/١٤.