النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٢٩)
ويستفاد منه جواز التكليف بالمحال في الدنيا، كما جاز ذلك في الآخرة.
لكن: ليس مقصود هذا التكليف طلب الامتثال، وإنَّما مقصوده تعذيب
المكلف، وإظهار عجزه عمَّا تعاطاه مبالغة في توبيخه، وإظهار قبيح فعله.
انتهى (١). والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٢٨/٢٥ و٥٥٢٩ و٥٥٣٠] (٢١١٠)،
و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢٢٢٥) و((اللباس)) (٥٩٦٣) و((التعبير)) (٧٠٤٢)،
و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥٠٢٤)، و(الترمذيّ) في ((اللباس)) (١٧٥١)،
و(النسائيّ) في ((الزينة)) (٥٣٦٠ و٥٣٦١) و((الكبرى)) (٩٧٨٢ و٩٧٨٣)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥٣١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٦/١ و٢٤١
و٣٠٨ و٣٥٠ و٣٥٩ و٣٦٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٨٤/٨ - ٤٨٥)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٢٧٧٢/١٢ و١٢٧٧٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٦٨٥ و٥٦٨٦ و٥٨٤٦ و٥٨٤٨)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤/
٢٨٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٥١/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧)
٢٧٠) و((شُعب الإيمان)) (١٨٩/٥) و((الآداب)) (٩٨٨)، و(البغويّ) في ((شرح
السُّنَّة)) (٣٢١٩ و٣٨١٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يُعذَّب به أصحاب الصُّوَر من نفخ الروح يوم
القيامة.
٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛
لِلُحوق الوعيد بمن تشبَّه بالخالق، فدلّ على أن غير الله ليس بخالق حقيقةً.
وقد أجاب بعضهم بأن الوعيد وقع على خلق الجواهر.
(١) ((المفهم)) ٤٣٣/٥.

١٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
ورُدّ بأن الوعيد لاحقٌ باعتبار الشكل والهيئة، وليس ذلك بجوهر، وأما
استثناء غير ذي الروح، فورد مورد الرخصة.
٣ - (ومنها): أن في قوله: ((كُلِّف يوم القيامة)) رَدُّ على من زعم أن
الآخرة ليست بدار تكليف.
[وأجيب]: بأن المراد بالنفي أنها ليست بدار تكليف، بعمل يترتب عليه
ثواب، أو عقاب، وأما مثل هذا التكليف، فليس بممتنع؛ لأنه نفسه عذاب،
وهو نظير الحديث الآخر: ((من قَتَل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يَجَأ بها
نفسه يوم القيامة))، فالتكليف بالعمل في الدنيا حسن، على مصطلح أهل علم
الكلام، بخلاف هذا التكليف الذي هو عذاب.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز التكليف بما لا يطاق.
والجواب ما تقدم، وأيضاً فنفخُ الروح في الجماد، قد ورد معجزة
للنبيّ وَّ، فهو يمكن، وإن كان في وقوعه خرق عادة.
والحقّ أنه خطاب تعجيز، لا تكليف، كما تقدم، قاله في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد كتب بعض المحقّقين (٢) في الاستدلال
المذكور، فقال: في هذا الاستدلال نظر، فإن الأمر بنفخ الروح المذكور في
الحديث أمر تعجيز لا تكليف، كما ذكر الحافظ تَّتُهُ، وهو كما قال، قال:
وما لا يطاق قد يُراد به الممتنع لذاته؛ كالجمع بين النقيضين والضدّين، فهذا
لا يجوز التكليف به؛ لأنه لا يُتصوّر، وقد يراد الممتنع لغيره، وإن كان في
ذاته ممكناً؛ كإيمان الكافر الذي علم الله أنه لا يؤمن، واعتبار هذا مما لا
يطاق هو مذهب الجبريّة، وقد يراد به ما يشقّ مشقّة عظيمة فوق الوسع،
فالتكليف بهذين جائزٌ وواقع، كما قال الله تعالى: ﴿رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َّسِينَآَ
أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ، عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ رَبَّنَا وَلَا
تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بٌِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقد يراد بما لا يطاق ما لا قدرة
للعبد عليه أصلاً؛ كالمشي من المُفْعَد، والكتابة مِنْ مَنْ هو أقطع اليد، وهذا
(١) ((الفتح)) ١٣/ ٤٨٢.
(٢) هو: الشيخ البراك فيما كتبه في هامش ((الفتح)).

١٤٣
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٢٩)
جائزٌ عقلاً، غير واقع شرعاً. انتهى كلامه(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد حقّقت البحث في هذه المسألة في ((التحفة
المرضيّة))، حيث قلت عند ذكر شروط التكليف ما نصّه:
أُولَى الشُّرُوطِ کَوْنُ ذَا الْفِعْلِ عُدِمْ
وَثَانِهَا كَوْنُهُ أَيْضاً قَدْ عُلِمْ
ثَالِثُهاَ كَوْنُهُ مَقْدُوراً عَلَيْهْ
حَتَّى يُحَصَّلَ بِسَعْبِهِ إِلَيْهْ
لِذَلِكَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ
لِذَاتِهِ كَانَ مَنَ الْمُحَالِ
فَجَائِزٌ وَوَاقِعٌ فَلْتَحْتَدِ
شَرْعاً وَأَمَّا الْمُسْتَحِيلُ لَا لِذِي
وَالثَّانِ إِيمَانٌ لأَصْحَابِ الْعِنَادْ
فَأَوَّلْ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَضَادُ
بِغَيْرٍ مَا يُطَاقُ يَا حَصِيفُ
وَمِنْ هُنَا لَا يُظَلَقُ التَّكْلِيفُ
وَاعْنَ بَأَلْفَاظِ بِدَرْسِهَا أَحَقُّ
بَلْ يَجِبُ التَّفْصِيلُ مِثْلُ مَا سَبَقْ
فإن أردت تحقيق معنى الأبيات فارجع إلى شرحها ((المنحة الرضيّة))،
وبالله تعالى التوفيق.
٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز تصوير ما لا روح له، من شجر،
أو شمس، أو قمر، ونقل الشيخ أبو محمد الجوينيّ وجهاً بالمنع؛ لأن من
الكفار من عَبَدها .
قال الحافظ: ولا يلزم من تعذيب من يُصَوّر ما فيه روح بما ذُكر، تجويز
تصوير ما لا روح فيه، فإن عموم قوله: ((الذين يضاهون بخلق الله))، وقوله:
«ومن أظلم ممن ذهب يخلق کخلقي))، يتناول ما فيه روح، وما لا روح فيه،
فإن خُصَّ ما فيه روح بالمعنى، من جهة أنه مما لم تَجْر عادة الآدميين بصنعته،
وجرت عادتهم بغرس الأشجار مثلاً، امتنع ذلك في مثل تصوير الشمس
والقمر، ويتأكد المنع بما عُبد من دون الله، فإنه يضاهي صورة الأصنام التي
هي الأصل، في منع التصوير، وقد قيّد مجاهد صاحب ابن عباس جواز تصوير
الشجر بما لا يثمر، وأما ما يثمر فألحقه بما له روح.
قال القاضي عياض: لم يقله أحد غير مجاهد، وردّه الطحاويّ بأن
(١) الشيخ البراك فيما كتبه في هامش ((الفتح)) ٤٨٢/١٣.

١٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
الصورة لمّا أبيحت بعد قطع رأسها، التي لو قُطعت من ذي الروح لَمَا عاش،
دلّ ذلك على إباحة ما لا روح له أصلاً.
قال الحافظ: وقضيته أن تجويز تصوير ما له روح بجميع أعضائه إلا
الرأس فيه نظر لا يخفى، وأظن مجاهداً سمع حديث أبي هريرة ظُته، ففيه:
(فليخلقوا ذَرَّةً، وليخلقوا شعيرةً))، فإنّ في ذِكر الذّرة إشارة إلى ما له روح،
وفي ذكر الشعيرة إشارة إلى ما يَنْبُت مما يؤكل، وأما ما لا روح فيه، ولا يثمر
فلا تقع الإشارة إليه، ويقابل هذا التشديد ما حكاه أبو محمد الجوينيّ، أن
نسج الصورة في الثوب لا يمتنع؛ لأنه قد يُلبَس، وطرده المتولي في التصوير
على الأرض، ونحوها، وصحح النوويّ تحريم جميع ذلك، قال النوويّ:
ويُستثنى من جواز تصوير ما له ظلّ، ومن اتخاذه لُعَب البنات؛ لِمَا ورد من
الرخصة في ذلك. ذكره في ((الفتح)(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استثناء اتّخاذ لُعَب البنات محلّ نظر، فإن
النصّ جاء بترخيص استعمالها، لا باتّخاذها، فتأمّل الفرق بينهما، والله تعالى
أعلم.
وقال القرطبيّ كَُّهُ: وقوله: ((كُلُّف أن ينفخ فيها الرُّوح)) من هنا رأى ابن
عباس هما: أن تصوير ما ليس له روح يجوز هو، والاكتساب به. وهو مذهب
جمهور السَّلف، والخلف، وخالفهم في ذلك مجاهد، فقال: لا يجوز تصوير
شيء من ذلك كله، سواء كان له روح، أو لم يكن؛ متمسِّكاً في ذلك بقول الله
تعالى(٢): ((ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي، فليخلقوا ذرَّة، وليخلقوا
حبّة، وليخلقوا شعيرة))، متّفقٌ عليه، فعمَّ بالذِّ، والتهديد، والتقبيح كل من
تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله تعالى. وقد دلَّ هذا الحديث: على أن الذمَّ
والوعيد إنما علِّق بالمصوِّرين من حيث تشبّهوا بالله تعالى في خلقه، وتعاطوا
مشاركة فيما انفرد الله تعالى به من الخلق والاختراع. وهذا يوضح حجَّة مجاهد.
وقد استثنى الجمهور من الصور لعب البنات كما تقدَّم. وشذَّ بعض
(١) ((الفتح)) ٤٨١/١٣ - ٤٨٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٦٣).
(٢) أي: في الحديث القدسيّ.

١٤٥
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٣٠)
الناس فمنعها، ورأى أن إباحة ذلك منسوخة بهذا النهي. وهو ممنوع من ذلك،
مطالَب بتحقيق التعارض والتاريخ، واستثنى بعض أصحابنا من ذلك النهي ما
لا يبقى؛ كصور الفَخّار، والشمع، وما شاكل ذلك، وهو مطالَب بدليل
التخصيص، وليس له عليه نصٌّ، بل ولا ظاهر، وإنَّما هو نظرٌ قاصر يردّه
المعنى الذي قررناه، والظواهر. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استثناء اتّخاذ لُعَب البنات قد علمت ما
فيه آنفاً، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٣٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا:
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلاً أَتَّى
ابْنَ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ عَنِّ النَّبِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان) ٨/ ١٣٧.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ البصريّ، تقدّم أيضاً
قريباً .
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ بِمِثْلِهِ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير قتادة، وضمير
((بمثله)) لسعيد بن أبي عروبة؛ أي: ذكر قتادة عن النضر بن أنس مثل ما ذكر
سعيد عنه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية قتادة عن النضر بن أنس هذه ساقها الطبرانيّ من رواية ابن
أبي عروبة عن قتادة في ((المعجم الكبير))، فقال:
(١٢٩٠٠) - حدّثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهانيّ، ثنا محمد بن أبي بكر
(١) ((المفهم)) ٤٣٢/٥.

١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
المقدَّميّ، ثنا محمد بن أبي عديّ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن
النضر بن أنس، عن ابن عباس رضيها قال: سمعت رسول الله وَ ◌ّه يقول: ((مَن
صَوَّر صورة في الدنيا، كُلِّف يوم القيامة أن ينفخ فيها، وليس بنافخ)).
انتھی .
[تنبيه آخر]: انتقد الحافظ أبو عليّ الجيّاني رواية الطبرانيّ هذه، من
طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، فقال بعد ذكر إسناد مسلم الماضي؛ أي:
من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن النضر بن أنس ما نصّه: هكذا إسناد هذا
الحديث، رواه سعيد بن أبي عروبة، عن النضر بن أنس، ووهِمَ بعضهم،
فأدخل بينهما قتادة، وليس بشيء، فإنه قد سمع سعيد من النضر بن أنس هذا
الحديث وحده، ذكره البخاريّ في ((الجامع)): حدّثنا عيّاش، نا عبد الأعلى، نا
سعيد بن أبي عروبة، قال: سمعت النضر بن أنس يُحدّث قتادة، قال: كنت
عند ابن عبّاس، وذكر الحديث، قال البخاريّ(١): سمع سعيد بن أبي عروبة من
النضر هذا الحديث الواحد، وخرّج مسلم الحديث بعد ذلك من رواية معاذ بن
هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن النضر بن أنس، وثبوت قتادة في هذا الإسناد
صواب. انتهى كلام الجيّانيّ ◌َُّهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم عن الحافظ أن هذه الرواية أخرجها
الإسماعيليّ، من رواية خالد بن الحارث، عن سعيد، عن قتادة، عن النضر بن
أنس، قال: وقوله: ((عن قتادة)) من المزيد في متصل الأسانيد، فإن كان خالد
حفظه، احتَمَلَ أن يكون سعيد كان سمعه من قتادة، عن النضر، ثم لقي
النضر، فسمعه منه، فكان يحدّثه به على الوجهين. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: يُبعد الاحتمال الثاني قول سعيد في رواية
البخاريّ: سمعت النضر بن أنس يُحدّث قتادة ... إلخ، فقد سمعه، وهو
جالس مع قتادة، وليس بَعده، والظاهر أن ما قاله الجيّانيّ من توهيم هذه
الرواية هو الصواب، والله تعالى أعلم.
(١) ((التاريخ الكبير)) ٥٠٤/٣ _ ٥٠٥.
(٢) ((تقييد المهمل)) ٩٠٤/٣ - ٩٠٥.
(٣) ((الفتح)) ٤٨٠/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٦٣).

١٤٧
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٣١)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٣١] (٢١١١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ
أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي دَارِ مَرْوَانَ، فَرَأَى فِيَهَا تَصَاوِيرَ، فَقَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ رَىَ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقاً
كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ فُضَيْل) هو: محمد بن فُضَيل بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقة رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦٣ /٣٥٨.
٢ - (عُمَارَةُ) بن القعقاع بن شُبْرُمة الضبّيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٠٨/١.
٣ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البَجَليّ الكوفيّ، قيل:
اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير،
ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٦/١.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين غير الصحابيّ،
فمدنيّ، وفيه أبو هريرة ظُه رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير البجليّ أنه (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي
هُرَيْرَةَ) رَظُبه، جاء عن أبي زرعة المذكور حديث آخر بسند آخر، أخرجه أبو
داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم، من طريق عليّ بن مُدرِك، عن
عبد الله بن نُجَيِّ - بنون، وجيم، مصغراً - عن أبيه، عن عليّ ◌َظُبه رفعه: ((لا
تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب، ولا صورةٌ)). (فِي دَارِ مَرْوَانَ) بن الحكم، وفي
رواية البخاريّ: ((دخلت مع أبي هريرة داراً بالمدينة))، فرواية مسلم هذه تفسّر
ما أُبهم في رواية البخاريّ، وفي الرواية التالية من طريق جرير، عن عمارة:
((دخلت أنا وأبو هريرة داراً تُبنى لسعيد، أو لمروان))، بالشكّ، وسعيد هو ابن

١٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
العاص بن سعيد الأمويّ، وكان هو، ومروان بن الحكم يتعاقبان إِمْرة المدينة
لمعاوية نظره، والرواية الجازمة أَولى، قاله في ((الفتح))(١).
(فَرَأَى) أبو هريرة ◌َّهِ (فِيهَا)؛ أي: في تلك الدار (تَصَاوِيرَ)؛ أي:
تماثيل، وفي الرواية التالية: ((فرأى مصوّراً يُصوّر في الدار))، وفي رواية
البخاريّ: ((فرأى أعلاها مصوِّراً يُصوِّر))، قال الحافظ: لم أقف على اسم هذا
المصوّر. (فَقَالَ) أبو هريرة ◌َُّه (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ رَات)
هذا يُسمّى الحديث القدسيّ، (وَمَنْ) استفهاميّة، والاستفهام للإنكار؛ أي: لا
أَحَدَ (أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ)؛ أي: قصَدَ (يَخْلُقُ خَلْقاً كَخَلْقِي) قال في ((العمدة))؛
أي: لا أحد أظلم ممن قَصَد حال كونه يخلق؛ أي: يصنع، ويُقَدِّر كخلقي.
[فإن قلت]: كيف التشبيه في قوله: ((كخلقي؟)).
[قلت]: التشبيه لا عموم له؛ يعني: كخلقي في فعل الصورة، لا من كل
الوجوه.
قيل: الكافر أظلم منه، وأجيب بأن الذي يُصَوِّر الصنم للعبادة هو كافر،
فهو هو، أو يزيد عذابه على سائر الكفار؛ لزيادة قبح كفره. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): التشبيه في فعل الصورة وحدها، لا من كل الوجوه،
قال ابن بطال: فَهِمَ أبو هريرة ◌ُه أن التصوير يتناول ما له ظلّ، وما ليس له
ظلّ، فلهذا أنكر ما يُنْقَش في الحيطان، قال الحافظ: هو ظاهر من عموم
اللفظ، ويَحْتَمِل أن يُقْصَر على ما له ظلّ من جهة قوله: («كخلقي))، فإن خَلْقَه
الذي اخترعه ليس صورة في حائط، بل هو خلق تامّ، لكن بقية الحديث تقتضي
تعميم الزجر عن تصوير كل شيء، وهي قوله: «فليخلقوا حبة، وليخلقوا ذَرّةً))،
ويجاب عن ذلك بأن المراد إيجاد حبة على الحقيقة، لا تصويرها. انتهى(٣).
(فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً) - بفتح الذال المعجمة، وتشديد الراء -: الثَّملة الصغيرة،
(أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً) المراد: حبة القَمْح، بقرينة قوله: (أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً))
(١) ((الفتح)) ٤٦٨/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٥٢).
(٢) ((عمدة القاري)) ٧١/٢٢.
(٣) ((الفتح)) ٤٦٨/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٥٢).

١٤٩
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٣١)
أو الحبة أعمّ، والغرض تعجيزهم تارةً بتكليفهم خلق حيوان، وهو أشدّ،
وأخرى بتكليفهم خلق جماد، وهو أهون، ومع ذلك لا قدرة لهم على ذلك،
قاله في ((الفتح)) (١).
وقال النوويّ تَخُّْهُ: وأما قوله تعالى: ((فليخلقوا ذَرّةً، أو حبةً، أو شعيرة))
فالذرّة - بفتح الذال، وتشديد الراء - ومعناه: فليخلقوا ذَرّةً فيها رُوح تتصرف
بنفسها كهذه الذرّة التي هي خلق الله تعالى، وكذلك فليخلقوا حَبّةً حنطة، أو
شعير؛ أي: ليخلقوا حبة فيها طَعْمٌ تؤكل، وتُزرع، وتَنبت، ويوجد فيها ما
يوجد في حبة الحنطة والشعير، ونحوهما من الحبّ الذي يخلقه الله تعالى،
وهذا أمر تعجيز، كما سبق، والله أعلم. انتهى(٢).
وقال ابن حبّان تَكْثُ في (صحيحه)): قوله وَله: ((فليخلقوا حبّةً، أو
ليخلقوا ذَرَّةً)) من ألفاظ الأوامر التي مرادها التعجيز. انتهى(٣).
وقال في ((الفتح) في موضع آخر(٤): قوله: ((يخلق كخلقي)) نَسب الخلق
إليهم على سبيل الاستهزاء، أو التشبيه في الصورة فقط، وقوله: ((فليخلقوا
ذَرّةً، أو شعيرةً)) أمْر بمعنى التعجيز، وهو على سبيل الترقي في الحقارة، أو
التنزل في الإلزام، والمراد بالذرّة إن كان النملة فهو من تعذيبهم، وتعجيزهم
بِخَلق الحيوان تارةً، وبخلق الجماد أخرى، وإن كان بمعنى الهباء، فهو بخلق
ما ليس له جرم محسوس تارةً، وبما له جرم أخرى، ويَحْتَمِل أن يكون ((أو))
شكّاً من الراوي. انتهى(٥) .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((الفتح)) ٤٦٨/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٥٢).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٩١.
(٣) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ١٣/ ١٧٠.
(٤) هو في ((كتاب التوحيد)).
(٥) ((الفتح)) ٥٣٤/١٣، كتاب ((التوحيد)) رقم (٧٥٥٩).

١٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٣١ و٥٥٣٢] (٢١١١)، و(البخاريّ) في
(اللباس)) (٥٩٥٣) و((التوحيد)) (٧٥٥٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨/
٤٨٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٩/٢ و٣٩١ و٤٥١ و٥٢٧)، و(إسحاق بن
راهويه) في («مسنده)) (٢٠٧/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٨٥٩)، و(أبو
يعلى) في («مسنده)) (٤٧٣/١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٨/٧)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢١٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٣٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ
أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ دَاراً تُبْتَّى بِالْمَدِينَةِ لِسَعِيدٍ، أَوْ لِمَرْوَانَ،
قَالَ: فَرَأَى مُصَوِّراً يُصَوِّرُ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ
يَذْكُرْ: ((أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
كلّهم ذُكروا في الباب، و((جرير)) هو ابن عبد الحميد.
وقوله: (لِسَعِيدٍ، أَوْ لِمَرْوَانَ) أما سعيد فهو: ابن العاص بن أميّة الأمويّ،
قُتل أبوه ببدر، وكان لسعيد عند موت النبيّ وَّ﴿ تسع سنين، وذُكر في
الصحابة، وولي إمرة الكوفة لعثمان، وإمرة المدينة لمعاوية، مات سنة ثمان
وخمسين، وقيل غير ذلك، وله حديث واحد يأتي في ((كتاب فضائل الصحابة))
برقم (٢٤٠٢)، وستأتي ترجمته هناك - إن شاء الله تعالى -.
وأما مروان فهو ابن الحكم بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك
الأمويّ المدنيّ، وَلِيَ الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمس
في رمضان، وله إحدى، أو ثلاث وستّون سنة، ولا تثبت له صحبة، من
الطبقة الثانية، وله في ((صحيح مسلم)) ذِكْر فقط، وتقدّمت ترجمته في
((الصيام)) ٢٥٨٩/١٣.
وقوله: (فَرَأَى مُصَوِّراً يُصَوِّرُ فِي الدَّار) وفي رواية البخاريّ: ((فرأى
أعلاها مصوّراً يصوّر))، وقوله: (يُصوّر)) بصيغة المضارعة للجميع، وضَبَطه
الكرمانيّ بوجهين: أحدهما هذا، والآخر بكسر الموحدة، وضمّ الصاد

١٥١
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٣٣)
المهملة، وفتح الواو، ثم راء منوّنة، وهو بعيد، قاله في ((الفتح))(١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((مُصَوِّراً))؛ أي: شخصاً مصوّراً، وهو اسم
فاعل من التصوير، وانتصابه على أنه مفعول ((رأى)).
وقوله: ((أعلاها))؛ أي: أعلى الدار، أراد سقفها.
وقوله: ((يُصَوِّر)) على صيغة المعلوم من المضارع، في محل النصب على
الحال، ومعناه: يصنع الصور، وقال الكرمانيّ مصوّراً بلفظ المفعول، و((بِصُوَرِ))
بلفظ الجار والمجرور، وقال بعضهم(٢): هو بعيد، قلت: لم يبيِّن وَجْه بُعده،
فلا بُعد أصلاً، بل هو أقرب، على ما لا يخفى. انتهى(٣).
[تنبيه]: رواية جرير عن عمارة هذه ساقها أبو يعلى في ((مسنده))، فقال:
(٦٠٨٦) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن
أبي زرعة، قال: دخلت أنا وأبو هريرة داراً تُبْنَى بالمدينة لسعيد، أو لمروان،
قال: فتوضأ أبو هريرة، وغسل یدیه حتى بلغ إبطيه، وغسل رجليه حتى بلغ
ركبتيه، فقلت: ما هذا يا أبا هريرة؟ قال: إنه منتهى الحلية، قال: ورأى
مُصَوِّراً يُصَوِّر في الدار، فقال: قال رسول الله وَّه: ((قال الله تعالى: ومن أظلم
ممن ذهب يَخلُق كخلقي، فليخلقوا حبةً، وليخلقوا ذَرَّةً». انتهى (٤).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٣٣] (٢١١٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ
مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ تَمَاثِيلُ، أَوْ تَصَاوِبِرُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ، أبو الهيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ،
صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س
ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٧٢/٦٥.
(١) ((الفتح)) ٥٣٤/١٣، كتاب ((التوحيد)) رقم (٧٥٥٩).
(٢) يريد الحافظ ابن حجر، كما سبق كلامه قبله.
(٣) ((عمدة القاري)) ٧١/٢٢.
(٤) ((مسند أبي يعلى)) ٤٧٣/١٠.

١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُو سُهَيل) هو: أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم
أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فِيهِ تَمَاثِيلُ، أَوْ تَصَاوِيرُ) الظاهر أن ((أو)) للشك من الراوي،
وتمام شرح الحديث تقدّم، فلا حاجة إلى إعادته، ولله الحمد والمنّة.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظبه هذا من أفراد المصنّف ◌َّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٣٣/٢٥] (٢١١٢)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّقه)) (٨/ ٤٨٠)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٢٦) - (بَابُ كَرَاهَةِ الْكَلْبِ، وَالْجَرَسِ فِي السَّفَرِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٣٤] (٢١١٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا
بِشْرٌ - يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ - حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: (لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ، وَلَا جَرَسٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (بِشْرُ بْنُ مُفَضَّلٍ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
عابدٌ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف نَّلُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من سهيل،
والباقيان بصريّان.

١٥٣
(٢٦) - بَابُ كَرَاهَةِ الْكَلْبِ، وَالْجَرَسِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (٥٥٣٤)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ)؛
أي: ملائكة الرحمة، لا الحفظة، فإنها لا تفارق الإنسان في أحواله، وقال
الشيخ وليّ الدين نَّثُ: يَحْتَمِل أن يكون المراد أنها لا تصحبهم أصلاً،
ويَحْتَمِل أنها لا تصحبهم بالكلأ، والحفظ، والاستغفار، من قوله: ((اللهم أنت
الصاحب في السفر))؛ أي: الحافظ، والكالىء، وإن كان هو مع العبد حيث
كان في كل حال.
قال صاحب ((العون)): الظاهر أن المراد بهم غير الحفظة، فإن الحفظة لا
يفارقون بني آدم. انتهى(١).
(رُفْقَةً) بضم أوله؛ أي: جماعةً ترافقوا، قال المجد تَخْذُهُ: الرّفقة: مثلّةً،
وكثُمامة: جماعة تُرافقهم، جَمْعه ككتاب، وأصحاب، وصُرَد، والرفيق:
المرافق، جَمْعه رُفقاء، فإذا تفرّقوا ذهب اسم الرفقة، لا اسم الرفيق.
انتھی(٢).
وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: الرّفْقَةُ: الجماعة تُرَافِقُهُمْ في سفرك، فإذا تفرقتم زال
اسم الرُّفْقَةُ، وهي بضم الراء في لغة بني تميم، والجمع: رِفَاقٌ، مثل بُرْمَة
وبِرَام، وبكسرها في لغة قيس، والجمع: رِفَقُ، مثل سِدْرة وسِدَر، والرَّفِيقُ:
الذي يُرَافِقُكَ، قال الخليل: ولا يذهب اسم الرَّفِيقِ بالتفرق. انتهى(٣).
(فِيهَا كَلْبٌ)؛ أي: غير مأذون في اقتنائه؛ ككلب الصيد، والغنم،
والحراسة، قال القرطبيّ تَخُّْهُ: يُفهم من هذا الحديث، ومما تقدَّم أن مقصود
الشرع مباعدة الكلاب، وألا تُتَّخَذ في حَضَرٍ، ولا سفر، وذلك للعلل التي تقدَّم
ذكرها. وهو حجَّة لمن منع اتخاذ الكلب لحراسة الدواب، والأمتعة من السُّرَّاق
في الأسفار. وهو قول أصحاب مالك، وأجاز هشام بن عروة اتخاذها لحراسة
البقر من السرّاق.
قال القرطبيّ: والظاهر: أن المراد بالكلب هنا غير المأذون في اتخاذه،
(١) راجع: ((عون المعبود في شرح سنن أبي داود)) ٧/ ١٦٢.
(٢) ((القاموس المحيط)» ص٥٢٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٣٤/١.

١٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
كما تقدَّم؛ لأن المسافر قد يحتاج إلى حفظ ماشية دوابه، وإبله، وغير ذلك،
فيضطر إلى اتخاذها كما يضطر إليها في الحضر لزرعه وضرعه. انتهى كلام
القرطبيّ ◌َُّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(وَلَّا جَرَسٌ))) بزيادة ((لا)) للتأكيد، قال الطيبيّ كَّتُهُ: جاز عطفه على
قوله: ((فيها كلب)) وإن كان مثبتاً؛ لأنه في سياق النفي، وفي ((المغرب)):
الجرس بفتحتين: ما يُعَلَّق بعنق الدابة، وغيرها، فيُصَوِّت.
وقال الجزريّ في ((النهاية)): هو الْجُلْجُل الذي يُعَلَّق على الدواب، قيل:
إنما كرهه؛ لأنه يدلّ على أصحابه بصوته، وكان ◌َّه يُحِبّ أن لا يعلم العدوّ به
حتى يأتيهم فَجْأةً، وقيل غير ذلك. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخْفُ: ((الْجَرَس)): ما يُعلَّق في أعناق الإبل مما له
صلصلة، والذي يُضرب به، وهو بفتح الراء، وجمعه: أجراس. فأمَّا: الْجَرْس
- بفتح، فسكون - فهو: الصوت الخفيّ، يقال: بفتح الجيم وكسرها(٣).
وقال في ((الفتح)): الجرس بفتح الجيم والراء، ثم مهملة معروف، وحَكَى
عياض إسكان الراء، والتحقيق أن الذي بالفتح اسم الآلة، وبالإسكان اسم
الصوت، ورَوَى مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رفعه:
((الجرس مزمار الشيطان))، وهو دالّ على أن الكراهية فيه لصوته؛ لأن فيها
شَبَهاً بصوت الناقوس، وشكله، قال النووي وغيره: الجمهور على أن النهي
للكراهة، وأنها كراهة تنزيه، وقيل: للتحريم، وقيل: يُمنع منه قبل الحاجة،
ويجوز إذا وقعت الحاجة، وعن مالك: تختص الكراهة من القلائد بالوتر،
ويجوز بغيرها إذا لم يقصد دفع العين، هذا كله في تعليق التمائم وغيرها، مما
ليس فيه قرآن ونحوه، فأما ما فيه ذِكر الله فلا نهي فيه، فإنه إنما يجعل للتبرك
به، والتعوذ بأسمائه وذكره(٤)، وكذلك لا نهي عما يُعَلَّق لأجل الزينة ما لم
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)» ص١٤٨.
(١) «المفهم)) ٤٣٤/٥.
(٣) ((المفهم)) ٤٣٤/٥ - ٤٣٥.
(٤) اختلف السلف في تعليق التمائم من القرآن، فرخّص فيه بعضهم، منهم عبد الله بن
عمر ﴿ه، ومنهم من لم يرخّص فيه، كعبد الله بن مسعود ظه، قال إبراهيم=

١٥٥
(٢٦) - بَابُ كَرَاهَةِ الْكَلْبِ، وَالْجَرَسِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (٥٥٣٤)
يبلغ الخيلاء، أو السَّرَف، واختلفوا في تعليق الجرس أيضاً، ثالثها يجوز بقدر
الحاجة، ومنهم من أجاز الصغير منها دون الكبير، وأغرب ابن حبان، فزعم
أن الملائكة لا تصحب الرفقة التي يكون فيها الجرس إذا كان رسول الله وعليه
فيها. انتهى(١) .
وقال النوويّ: وسبب الحكمة في عدم مصاحبة الملائكة مع الجرس أنه
شبيه بالنواقيس، أو لأنه من المعاليق المنهيّ عنها لكراهة صوتها، ويؤيده قوله:
((الجرس مزامير الشيطان))، وهو مذهبنا، ومذهب مالك، وهي كراهة تنزيه،
وقال جماعة من متقدمي علماء الشام: يكره الجرس الكبير، دون الصغير.
(٢)
انتھی
قال المباركفوريّ كَُّهُ: لفظ الحديث مطلق، فيدخل فيه كلّ جرس كبيراً
كان، أو صغيراً، فالتقييد بالجرس الكبير يحتاج إلى الدليل.
وروى أبو داود في ((سننه)): قال: حدّثنا عليّ بن سهل، وإبراهيم بن
الحسن قالا: أنبأنا حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني عمر بن حفص، أن
عامر بن عبد الله - قال علي بن سهل : - ابن الزبير أخبره أن مولاةً لهم ذهبت
بابنه الزبير إلى عمر بن الخطاب، وفي رجلها أجراس، فقطعها عمر، ثم قال:
سمعت رسول الله وَّ يقول: ((إن مع كلّ جرس شيطاناً)).
قال المنذريّ: مولاة لهم مجهولة، وعامر بن عبد الله بن الزبير لم يُدرك
عمر. انتهى.
ورَوَى أيضاً عن بُنانة مولاة عبد الرحمن بن حيان الأنصاريّ، عن عائشة
= النخعيّ تَّلُ: كانوا يكرهون التمائم من القرآن، وغير القرآن، يريد أصحاب
عبد الله بن مسعود ظه، راجع ما كتبه البرّاك على هامش: ((الفتح)) ٢٥٨/٧.
قال الجامع: هذا عندي أولى؛ لعدم ما يؤيّده من النصوص؛ إذ الرقية بالقرآن
والتداوي به بالقراءة ثَبَت في نصوص، ولم يصحّ لدينا أنه وَلّه علّقه تميمة، ولا أمر
به، فالأولى الوقوف عند ما صحّ عنه، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٢٥٨/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٠٥).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤ / ٩٥ - ٩٦.

١٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
قالت: بينما هي عندها إذا دخل عليها بجارية، وعليها جلاجل يصوِّتن، فقالت:
لا تُدخلنها عليّ إلا أن تقطعوا جلاجلها، وقالت: سمعت رسول الله الهول
يقول: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جرس))، والحديث سكت عنه أبو داود،
(١)
.
والمنذري
قال الجامع عفا الله عنه: بل الحديث ضعيف؛ لأن في سنده بُنانة مولاة
عبد الرحمن بن حيّان، تفرّد ابن جُريج بالرواية عنها، فهي مجهولة، ولذا قال
في ((التقريب)): لا تُعرف، وابن جريج مدلّس، وقد عنعنه عنها، فالحديث
ضعيف؛ كالذي قبله، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٣٤/٢٦ و٥٥٣٥] (٢١١٣)، و(أبو داود) في
(الجهاد)) (٢٥٥٥)، و(الترمذيّ) في ((الجهاد)) (١٧٠٣)، و(ابن أبي شيبة) في
(مصنّفه)) (٤٢٤/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٥/٢ و٤١٤)، و(ابن راهويه)
في ((مسنده)) (٣٠٢/١)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٣٩١/١)، و(الدارميّ)
في «سننه)) (٣٧٤/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٧٠٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٥٤/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٦٧٨)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): قال القرطبيّ كَّتُهُ: في هذا الحديث ما يدلّ على
كراهة اتخاذ الأجراس في الأسفار، وهو قول مالك وغيره.
قال: وينبغي ألا تُقصر الكراهة على الأسفار، بل هي مكروهة في الحضر
أيضاً، بدليل قوله وَالر: ((الجرس مزامير الشيطان))، ومزامير الشيطان مكروهة
سفراً وحضراً، ثمَّ: هذا يعمّ الكبير، والصغير منها، وقد فرَّق بعض الشاميين،
فأجازوا الصغير، ومنعوا الكبير. ووجه الفرق: أن الكبير به يقع التشويش على
(١) راجع: ((تحفة الأحوذيّ)) ٢٩٢/٥.

١٥٧
(٢٦) - بَابُ كَرَاهَةِ الْكَلْبِ، وَالْجَرَسِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (٥٥٣٤)
الناس، وبه تحصل المشابهة بالنصارى، فإنّهم يستعملون النواقيس في سفرهم،
وحضرهم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: بل هي مكروهة في الحضر أيضاً فيه
نظر؛ لأن كونه في السفر واضح، وعلّته واضحة كما سبق، وأما استعماله في
الحضر للحاجة فالظاهر أنه جائز، وليس الاستدلال بحديث: ((الجرس مزامير
الشيطان)) واضحاً؛ لأن ذلك ثبت عن أبي بكر ظُبه عندما دخل في بيت
عائشة يها يوم العيد وفيه النبيّ وَل﴿ وجاريتان تُدفّفان، وتغنيان، وفي لفظ:
تغنّيان بدفّ، فقال: ((أمزامير الشيطان في بيت رسول الله وَلاز؟، فأنكر عليهما،
فردّ عليه النبيّ ◌َ﴿، فقال: ((يا أبا بكر: إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا))، متّفقٌ
عليه، والشاهد أنه وَ﴿ أقرّ أبا بكر في قوله: ((مزامير الشيطان))، إلا أنه بيّن له
أن استعماله للحاجة جائز، وإنما يُمنع إذا كان لمجرّد اللهو واللعب، فليُتنبّه.
قال صاحب ((التكملة)) تَخَُّ: قال محمد - يعني: ابن الحسن - كَّثُ في
كتابه ((السِّيَر الكبير)): إنما يُكره اتخاذ الجرس للغزاة في دار الحرب، وهو
المذهب عند علمائنا؛ لأن تعليق الجرس للغزاة على الدواب إنما يُكره في دار
الحرب؛ لأن العدوّ يشعر بمكان المسلمين، فعلى هذا قالوا: إذا كان الركب
في المفازة في دار الإسلام يخافون من اللصوص يُكره لهم تعليق الجرس على
الدوابّ أيضاً حتى لا يشعر بهم اللصوص، قال محمد تَخُّْ: فأما ما كان في
دار الإسلام فيه منفعة لصاحب الراحلة، فلا بأس به. انتهى باختصار(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: إن المنع في السفر مطلقاً هو الحقّ؛ عملاً
بظاهر النصّ المذكور في الباب، وأما في الحضر، فإن كان لمجرّد اللهو
واللعب، فيُمنع؛ لِمَا أخرجه أحمد، والأربعة(٣)، وصححه ابن خزيمة،
والحاكم، من حديث عقبة بن عامر ظله رفعه: ((كُلُّ ما يلهو به المرء المسلم
باطلٌ، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهنّ من الحقّ))، وأما
(١) ((المفهم)) ٤٣٤/٥ - ٤٣٥.
(٢) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ١٧٩/٤.
(٣) قال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيح.

١٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
إذا كان للحاجة، كما يُستعمل الآن في البيوت، والحوانيت، والسيّارات
وغيرها من الحوائج الضرورية فلا أرى فيه المنع - إن شاء الله تعالى -.
والحاصل أن استعمال الجرس في الحضر للحاجة جائزٌ؛ لأمور:
(الأول): أن حديث النهي مقيّد بالرفقة في السفر.
(الثاني): أن حديث: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جرسٌ))، ضعيف، فلا
يصلح للاحتجاج به، كما أسلفته قريباً .
(الثالث): أن الذين قالوا بالنهي في الحضر، كما تقدّم عن القرطبي
احتجّوا بحديث مسلم: ((الجرس مزامير الشيطان))، وقد علمت أن تسميته بهذا
الاسم لا ينافي جواز استعماله للحاجة في الحضر؛ لِمَا ذكرته في قصّة أبي بكر
في العيد، فقد أباح النبيّ ◌َّ استعمال الدفّ مع الغناء لأجل العيد؛ لحاجة
الناس إلى الفرح والسرور في ذلك اليوم، مع أن أبا بكر ظُه سمّاه مزامير
الشيطان، ولم يُنكر ذلك عليه، وإنما بيّن له أن حاجة المسلمين اليوم لمثله
يبيحه، هذا ما عندي، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٣٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ - كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن محمد بن عُبيد الدَّرَاوَرْدِيُّ الجهنيّ مولاهم، أبو
محمد المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطىء [٨] (ت٦ أو ١٨٧)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ) ضمير التثنية لجرير بن عبد الحميد،
وعبد العزيز الدراورديّ؛ يعني: أنهما رويا هذا الحديث عن سهيل بن أبي
صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ◌ُه.
[تنبيه]: رواية جرير عن سُهيل ساقها ابن خزيمة رُبه في ((صحیحە))،
فقال :

١٥٩
(٢٦) - بَابُ كَرَاهَةِ الْكَلْبِ، وَالْجَرَسِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (٥٥٣٦)
(٢٥٥٣) - ثنا يوسف بن موسى، ثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن
أبي هريرة قال: قال النبيّ وَّه: ((إن الملائكة لا تصحب رُفْقةً فيها جَرَس، أو
فيها كلب)). انتهى(١).
ورواية عبد العزيز الدراورديّ عن سُهيل ساقها الترمذيّ ◌َظُّ في
(جامعه))، فقال:
(١٧٠٣) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي
صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَله قال: ((لا تصحب الملائكة
رُفْقةً فيها كلب، ولا جَرَسٌ))، قال أبو عيسى: وهذا حديث حسنٌ صحيحٌ.
انتھی(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌ََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٣٦] (٢١١٤) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) أبو زكريّاء المقابريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو عليّ السعديّ المروزيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق
القارىء المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢/
١١٠.
٤ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرقيّ مولاهم، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ
ربّما وَهِمَ [٥] مات سنة بضع و(٢٠٠) (زم ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجهنيّ الْحُرَقِيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ
[٣] (ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
(١) ((صحيح ابن خزيمة)) ١٤٦/٤.
(٢) ((جامع الترمذيّ)) ٢٠٧/٤.

١٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ)))
وفي رواية أبي داود: ((قال: في الجرس مزمار الشيطان))؛ أي: قال في شأن
الجرس: مزمار الشيطان، قال في ((المرقاة)): وأضافه إلى الشيطان؛ لأن صوته
لم يزل يَشغَل الإنسان من الذِّكر والفكر. انتهى(١).
والمزامير: جمع مزمار، قال في ((القاموس))، و((شرحه)): زَمَرَ يَزْمُر بالضَّمّ
لُغَة، ويَزْمِرُ بالكسر زَمْراً بالفَتْحِ، وزَمِيراً؛ كأَمِير، وزَمَرَاناً مُحَرَّكَةً، وَزَمَّرَ تَزْمِيراً:
غَنَّى في القَصَبِ، ونَفَخَ فيه، وهي زامِرَةٌ، ولا يقال: زَمَّارةٌ، وهو زَمَّارٌ، ولا
يُقَالُ: زامِرٌ، وقد جاءَ عن الأَصْمَعِيّ، لكِنَّ قَلِيل. ومن المَجَاز في حديث أبِي
مُوسَى الأَشْعَرِيّ ◌َظُه، سَمِعه النبيّ يقرأ، فقال: ((لقد أُعطِيتَ مِزْماراً من مَزامِيرٍ
آلٍ دَاوودَ)) - متّفقٌ عليه - شَبَّهَ حُسْنَ صَوْتِه، وحَلاوةَ نَغْمته بصَوْتِ المِزْمَار.
ومَزْامِيرُ دَاوُودَ علَّله: ما كان يَتَغَنَّى به من الزَّبُورِ، وإليه المُنْتَهَى في حُسْنِ
الصَّوْتِ بالقراءَةِ. والآلُ في قوله: ((آل داوود)) مُقْحَمة، قيل: مَعْنَاه ها هنا
الشَّخْص. وقيل: مَزامِيرُ داوودَ: ضُرُوبُ الدُّعَاءِ، جمْعُ مِزْمارٍ، ومَزْمُورٍ. انتهى
باختصار(٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُه هذا من أفراد المصنّف تَُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٣٦/٢٦] (٢١١٤)، و(أبو داود) في ((الجهاد))
(٢٥٥٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٨٨١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦٦/٢
و٣٧٢)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٣٩٨/١١)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (١/
٦١٣)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (١٤٧/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٧٠٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٣/٥)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(١) ((عون المعبود)) ١٦٣/٧.
(٢) ((تاج العروس)) ٢٨٩٣/١.