النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥١١)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
ربّما دلّس، من كبار [٩] (ت٢٠١) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٢ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه
ربّما دلّس [٥] (ت٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠.
٣ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العَوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل بابين.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َا أنها (قَالَتْ: قَدِمَ) بكسر الدال، (رَسُولُ اللهِ وَلِهِ مِنْ
سَفَرٍ)، وفي رواية البيهقي أنها غزوة تبوك، وفي أخرى لأبي داود، والنسائيّ:
غزوة تبوك، أو خيبر على الشكّ، قاله في ((الفتح)) (١). (وَقَدْ سَتَّرْتُ) قال
النوويّ تَخْلُ: بتشديد التاء الأولى، (عَلَى بَابِي دُرْنُوكاً) - بضم الدال المهملة،
وسكون الراء، بعدها نون مضمومة، ثم كاف - ويقال فيه: دُرموك، بالميم بدل
النون، قال الخطابيّ: هو ثوب غليظ، له خَمْل، إذا فُرِش فهو بساطٌ، وإذا
عُلِّق فهو سِتْرٌ(٢).
قال النوويّ: وأما الدرنوك، فبضم الدال، وفتحها، حكاهما القاضي،
وآخرون، والمشهور ضمها، والنون مضمومة لا غير، ويقال فيه: درموك
بالمیم، وهو سِترٌ له خَمْل، وجمعه دَرَانِك. انتهى(٣).
(فِيهِ الْخَيْلُ)؛ أي: صورة الخيل، (ذَوَاتُ الأَجْنِحَةِ) صفة لـ(الخيل))، وفي
رواية البخاريّ: ((فيه تماثيل))، (فَأَمَرَنِي)؛ أي: بنزعه، ولفظ البخاريّ: ((فأمرني
أن أنزعه))، (فَتَزَعْتُهُ) قال في ((الفتح)): استُدِلّ بهذا الحديث على جواز اتخاذ
الصور، إذا كانت لا ظل لها، وهي مع ذلك مما يوطأ، ويداس، أو يُمتهن
(١) ((الفتح)) ٤٦٩/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٥٥).
(٢) ((الفتح)) ٤٦٩/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٥٥).
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٨٧.

١٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
بالاستعمال؛ كالمخادّ، والوسائد، قال النوويّ: وهو قول جمهور العلماء، من
الصحابة، والتابعين، وهو قول الثوريّ، ومالك، وأبي حنيفة، والشافعيّ، ولا
فرق في ذلك بين ما له ظلّ، وما لا ظلّ له، فإن كان معلّقاً على حائط، أو
ملبوساً، أو عمامةً، أو نحو ذلك، مما لا يُعَدّ ممتهناً، فهو حرام.
قال الحافظ بعد نقل كلام النوويّ المذكور ما نصّه: وفيما نقله
مؤاخذات :
(منها): أن ابن العربيّ من المالكية، نَقَل أن الصورة إذا كان لها ظلّ
حَرُم بالإجماع، سواء كانت مما يُمتهن، أم لا، وهذا الإجماع محله في غير
لُعَب البنات، وحَكَى القرطبيّ في ((المفهم)) في الصور التي لا تتخذ للإبقاء؛
كالفخّار قولين: أظهرهما المنع، قال الحافظ: وهل يلتحق ما يُصنع من
الحلوى بالفخّار، أو بلعب البنات؟ محلّ تأمل، وصحح ابن العربيّ أن الصورة
التي لا ظلّ لها إذا بقيت على هيئتها حَرُمت، سواء كانت مما يُمتهن، أم لا،
وإن قُطع رأسها، أو فُرِّقت هيئتها جاز، وهذا المذهب منقول عن الزهريّ،
وقوّاه النوويّ، وقد يشهد له حديث النمرقة؛ يعني: الآتي بعدُ، وسيأتي ما فيه.
(ومنها): أن إمام الحرمين نقل وجهاً أن الذي يُرَخَّص فيه مما لا ظل له
ما كان على ستر، أو وسادة، وأما ما على الجدار، والسقف، فيُمنع، والمعنى
فيه أنه بذلك يصير مرتفعاً، فيخرج عن هيئة الامتهان، بخلاف الثوب، فإنه
بصدد أن يُمتهن، وتساعده عبارة ((مختصر المزنيّ)): صورة ذات روح إن كانت
منصوبةً، ونقل الرافعيّ عن الجمهور أن الصورة إذا قُطع رأسها ارتفع المانع،
وقال المتولي في ((التتمة)): لا فرق.
(ومنها): أن مذهب الحنابلة جواز الصورة في الثوب، ولو كان معلّقاً،
على ما في خبر أبي طلحة، لكن إن سُتر به الجدار مُنِع عندهم.
قال النوويّ: وذهب بعض السلف إلى أن الممنوع ما كان له ظلّ، وأما
ما لا ظلّ له فلا بأس باتخاذه مطلقاً، وهو مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكره
النبيّ وَّ كانت الصورة فيه بلا ظلّ بغير شك، ومع ذلك فأَمَر بنزعه.
قال الحافظ: المذهب المذكور نقله ابن أبي شيبة عن القاسم بن محمد،
بسند صحيح، ولفظه: عن ابن عون قال: دخلت على القاسم، وهو بأعلى مكة

١٠٣
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥١١)
في بيته، فرأيت في بيته حَجَلةً فيها تصاوير القندس، والعنقاء، ففي إطلاق كونه
مذهباً باطلاً نظر؛ إذ يَحْتَمِل أنه تمسَّك في ذلك بعموم قوله: ((إلا رقماً في ثوب))،
فإنه أعمّ من أن يكون معلقاً، أو مفروشاً، وكأنه جَعَل إنكار النبيّ وَّر على عائشة
تعليق الستر المذكور مركباً من كونه مصوراً، ومن كونه ساتراً للجدار، ويؤيده ما
ورد في بعض طرقه عند مسلم، فأخرج من طريق سعيد بن يسار، عن زيد بن
خالد الجهنيّ، قال: دخلت على عائشة، فذكر نحو حديث الباب، لكن قال:
((فجذبه حتى هتكه، وقال: إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين، قالت:
فقطعنا منه وسادتين ... )) الحديث، فهذا يدلّ على أنه كره ستر الجدار بالثوب
المصوّر، فلا يساويه الثوب الممتهَن، ولو كانت فيه صورة، وكذلك الثوب الذي
لا يُستر به الجدار، والقاسم بن محمد أحد فقهاء المدينة، وكان من أفضل أهل
زمانه، وهو الذي روى حديث النمرقة، فلولا أنه فَهِم الرخصة في مثل الْحَجَلة ما
استجاز استعمالها، لكن الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك يدلّ على أنه
مذهب مرجوح، وأن الذي رُخّص فيه من ذلك ما يُمتهن، لا ما كان منصوباً.
وقد أخرج ابن أبي شيبة، من طريق أيوب، عن عكرمة، قال: كانوا
يقولون في التصاوير في البسط، والوسائد التي توطأ: ذلّ لها .
ومن طريق عاصم، عن عكرمة، قال: كانوا يكرهون ما نُصِب من
التماثيل نَصْباً، ولا يرون بأساً بما وطئته الأقدام.
ومن طريق ابن سيرين، وسالم بن عبد الله، وعكرمة بن خالد، وسعيد بن
جبير، فَرَّقهم أنهم قالوا: لا بأس بالصورة إذا كانت توطأ.
ومن طريق عروة، أنه كان يتكئ على المرافق فيها التماثيل، الطير،
والرجال. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم تحقيق القول في المسألة، وترجيح
جواز الصورة المرقّمة، الممتهَنة، لا المعلقة على الجدار ونحوه؛ لحديث أبي
طلحة ظبه وغيره؛ إذ بهذا يُجمع بين الأدلة المختلفة في هذا الباب، فتبصّر
بالإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق.
(١) ((الفتح)) ٤٧١/١٣ - ٤٧٢، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٥٥).

١٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ظَّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥١١/٢٥ و٥٥١٢] (٢١٠٧)، و(البخاريّ) في
((اللباس)) (٥٩٥٥)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (٢١٣/٨)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٠٨/٦ و٢٢٩ و٢٨١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٠٧/٨)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٦٧/٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥١٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ
أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَبْدَةَ: قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار
[٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٩/٦١.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن ملِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، تقدّم
قريباً .
والباقیان ذكرا قبله.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن هشام بن عروة ساقها أحمد نظّثهُ في ((مسنده))،
فقال :
(٢٥٧٨٥) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا وكيع، ثنا هشام بن عروة،
عن أبيه، عن عائشة قالت: قَدِمَ النَّبِيّ وَلَّ من سفر، وقد عَلَّقتُ على بابي
دُرْنُوكاً، فيه الخيل، أولات الأجنحة، قالت: فهتكه. انتهى(١).
وأما رواية عبدة بن سليمان، عن هشام فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله
تعالى أعلم.
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٠٨/٦.

١٠٥
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥١٣)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥١٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَِّ،
وَأَنَا مُتَسَتِّرَةٌ(١) بِقِرَامٍ فِيهِ صُورَةٌ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ، فَهَتَكَهُ، ثُمَّ قَالَ:
((إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبَّهُونَ بِخَلْقِ اللهِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم) بشير التركيّ، أبو نصر البغداديّ الكاتب، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٣٥)، وهو ابن (٨٠) سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٥/٣٨.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم الزهريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصدّيق، التيميّ، أحد الفقهاء، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٣] (ت١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٩٥/٣.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين غير شيخه،
فبغداديّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن القاسم أحد الفقهاء السبعة
المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية الراوي عن عمّته، وأن
أصحّ أسانيد عائشة ﴿ّا: عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها، كما في
الرواية الثالثة.
شرح الحديث:
(عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) ابن أبي بكر الصدّيق (عَنْ عَائِشَةَ) ﴿ّا أنها
(قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَهُ) وفي رواية البخاريّ: ((قَدِم رسول الله وَّهُ من
سفر))، قال في ((الفتح)): في رواية البيهقيّ أنها غزوة تبوك، وفي أخرى لأبي
داود، والنسائيّ: غزوة تبوك، أو خيبر، على الشك. (وَأَنَا مُتَسَتِّرَةٌ) قال
النوويّ: هكذا هو في معظم النُّسخ: ((متسترة)) بتاءين مثناتين فوقُ، بينهما سين،
(١) وفي نسخة: ((مستترة).

١٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وفي بعضها: ((مستترة)) بسين، ثم تاءين؛ أي: متّخذة ◌ِتراً. انتهى(١).
(بِقِرَام) - بكسر القاف، وتخفيف الراء ــ هو ◌ِتْر فيه رقم، ونقشٌ، وقيل:
ثوب من صََّف مُلَوَّن، يُفْرَش في الهودج، أو يغطى به، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال النوويّ: القرام بكسر القاف: سترٌ رقيق.
(فِيهِ صُورَةٌ، فَتَلَوَّنَ)؛ أي: تغيّر (وَجْهُهُ) وَّهِ إنكاراً عليها بفعلها ذلك، (ثُمَّ
تَنَاوَلَ السِّنْرَ)؛ أي: أخذه بيده (فَهَتَكَهُ)؛ أي: خرقه، هذا ظاهر في كونه وَّل هو
الذي هتكه، وقد سبق في الرواية الماضية: ((فأمرني، فنزعته))، ويُجمع بأنه
أمَرَها بنزعه، فلمّا نزعته تناوله من يدها، فهتكه بنفسه، والله تعالى أعلم. (ثُمّ
قَالَ) وَهِ ((إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللهِ))؛
أي: يشبّهون ما يصنعونه بما يصنعه الله تعالى، وفي الرواية الآتية: ((الذين
يضاهون بخلق الله))، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥١٣/٢٥ و٥٥١٤ و٥٥١٥ و٥٥١٦ و٥٥١٧
و٥٥١٨ و٥٥١٩ و٥٥٢٠ و٥٥٢١ و٥٥٢٢] (٢١٠٧)، و(البخاريّ) في
((المظالم)) (٢٤٧٩) و((اللباس)) (٥٩٥٤) و((الأدب)) (٦١٠٩)، و(النسائيّ) في
((القبلة)) (٦٧/٢ و٢١٤/٨ و٢١٦) و((الكبرى)) (٢٧٤/١ و٥٠١/٥ و٥٠٢)،
و(ابن ماجه) في ((اللباس)) (٣٦٥٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٠٢/١)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٠٧/٥)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (١٢٢/١)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦/٦ و٨٣ و٨٥ و٨٦ و١٠٢ و١١٦ و١٧٢) وفي
((كتاب الورع)) (١٤٣/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٨٤٤)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٤٠٧/١ و٧٢/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٧٠/٨)،
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٨/١٤.
(٢) ((الفتح)) ٤٦٩/١٣ - ٤٧٠، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٥٤).

١٠٧
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥١٣)
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٩/٧) و((شُعَب الإيمان)) (١٨٨/٥)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): تحريم تصوير صورة الحيوان، قال النوويّ: هو حرام شدید
التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعّد عليه بهذا الوعيد الشديد، وسواء صنعه
لِمَا يُمْتَهن أم لغيره، فصُنعه حرام بكل حال، وسواء كان في ثوب، أو بساط،
أو درهم، أو دينار، أو فلس، أو إناء، أو حائط، أو غيرها، فأما تصوير ما
ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام.
قال في ((الفتح)): ويؤيد التعميم فيما له ظلّ، وفيما لا ظلّ له ما أخرجه
أحمد، من حديث عليّ ◌َظُه أن النبيّ وَّ قال: ((أيكم ينطلق إلى المدينة، فلا
يدع بها وَثَناً إلا كسره، ولا صورة إلا لطخها؟))؛ أي: طمسها، الحديث،
وفيه: من عاد إلى صنعة شيء من هذا فقد كَفَر بما أُنزل على محمد وَه.
٢ - (ومنها): ما قال الخطابيّ: إنما عَظُمَت عقوبة المصوِّر؛ لأن الصور
كانت تُعبد من دون الله، ولأن النظر إليها يَفتن، وبعض النفوس إليها تميل،
قال: والمراد بالصور هنا: التماثيل التي لها روح.
وقيل: يفرَّق بين العذاب والعقاب، فالعذاب يُطلق على ما يؤلم من
قول، أو فعل؛ كالعتب، والإنكار، والعقاب يختص بالفعل، فلا يلزم من كون
المصور أشدّ الناس عذاباً أن يكون أشدّ الناس عقوبة، هكذا ذكره الشريف
المرتضى في ((الغرر)).
وتُعُقِّب بآية: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وعليها انبنى
الإشكال، ولم يكن هو عرّج عليها فلهذا ارتضى التفرقة، والله أعلم.
٣ - (ومنها): أن مما يُستغرب استدلال أبي عليّ الفارسيّ في ((التذكرة))
بالحديث على تكفير المشبِّهة، فحَمَل الحديث عليهم، وأنهم المراد بقوله:
((المصورون))؛ أي: الذين يعتقدون أن الله صورة.
قال الجامع عفا الله عنه: حَمْل الحديث عليهم عجيب، فإن سياق
الحديث بعيد منه كلّ البعد، قال الحافظ: وتُعُقِّب بحديث: ((إن الذين يصنعون
هذه الصور يعذبون))، وبحديث: ((إن أصحاب هذه الصور يعذبون))، وغير

١٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
ذلك، ولو سُلُّم له استدلاله لم يَرِد عليه الإشكال الآتي ذِكره.
قال: وخَصّ بعضهم الوعيد الشديد بمن صوَّر قاصداً أن يضاهي، فإنه
يصير بذلك القصد كافراً، وأما من عداه فيَحْرُم عليه، ويأثم، لكن إثمه دون إثم
المضاهي، وهذا يؤيّد لفظ: ((الذين يضاهون بخلق الله تعالى))، وأشد منه من
يصوِّر ما يُعبد من دون الله، وذكر القرطبيّ أن أهل الجاهلية كانوا يعملون
الأصنام من كل شيء، حتى إن بعضهم عَمِل صنمه من عَجْوة، ثم جاع فأكله.
انتهى ما في ((الفتح)) بتصرّف(١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): قال في ((الفتح)): قد استُشكل كون المصوِّر أشدّ
الناس عذاباً مع قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، فإنه يقتضي
أن يكون المصوّر أشد عذاباً من آل فرعون.
وأجاب الطبريّ بأن المراد هنا من يصوِّر ما يُعبد من دون الله، وهو
عارف بذلك، قاصداً له، فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل
فرعون، وأما من لا يقصد ذلك، فإنه يكون عاصياً بتصويره فقط.
وأجاب غيره بأن الرواية بإثبات ((مِنْ)) ثابتة، وبحذفها محمولة عليها، وإذا
كان من يفعل التصوير من أشدّ الناس عذاباً كان مشتركاً مع غيره، وليس في
الآية ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب، بل هم في العذاب الأشد،
فكذلك غيرهم يجوز أن يكون في العذاب الأشدّ، وقَوَّى الطحاويّ ذلك بما
أخرجه من وجه آخر عن ابن مسعود، رفعه: ((إن أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة
رجل قَتَل نبيّاً، أو قتله نبيّ، وإمام ضلالة، وممثِّل من الممثِّلين))، وكذا أخرجه
أحمد.
وقد وقع بعض هذه الزيادة في رواية ابن أبي عمر، فاقتصر على
المصوّر، وعلى من قتله نبيّ.
وأخرج الطحاويّ أيضاً من حديث عائشة، مرفوعاً: ((أشدّ الناس عذاباً
يوم القيامة رجل هجا رجلاً، فهجا القبيلة بأسرها))، قال الطحاويّ: فكل واحد
من هؤلاء يشترك مع الآخر في شدة العذاب.
(١) ((الفتح)) ص ٤٦٥ - ٤٦٦، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٥٠).

١٠٩
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥١٤)
وقال أبو الوليد ابن رشد في مختصر مشكل الطحاويّ ما حاصله: إن
الوعيد بهذه الصيغة إن ورد في حقّ كافر فلا إشكال فيه؛ لأنه يكون مشتركاً في
ذلك مع آل فرعون، ويكون فيه دلالة على عِظَم كُفْر المذكور، وإن ورد في حقّ
عاص، فيكون أشدّ عذاباً من غيره من العصاة، ويكون ذلك دالّاً على عِظَم
المعصية المذكورة.
وأجاب القرطبيّ في ((المفهم)) بأن الناس الذين أضيف إليهم ((أشدّ)) لا
يراد بهم كل الناس، بل بعضهم، وهم من يشارك في المعنى المتوقَّد عليه
بالعذاب، ففرعون أشدّ الناس الذين ادَّعوا الإلهية عذاباً، ومن يقتدي به في
ضلالة كفره أشدّ عذاباً ممن يقتدي به في ضلالة فسقه، ومن صَوَّر صورة ذات
روح للعبادة أشدّ عذاباً ممن يصورها لا للعبادة.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التوجيه الذي ذكره القرطبيّ تَظَّثُ عندي
أقرب، وأرجح في رفع الإشكال المذكور، والله تعالى أعلم.
قال: واستُشكل ظاهر الحديث أيضاً بإبليس، وبابن آدم الذي سنّ القتل.
وأجيب بأنه في إبليس واضح، ويجاب بأن المراد بالناس من يُنسب إلى
آدم، وأما في ابن آدم، فأجيب بأن الثابت في حقه أن عليه مثل أوزار من
يقتل ظلماً، ولا يمتنع أن يشاركه في مثل تعذيبه من ابتدأ الزنا مثلاً، فإن
عليه مثل أوزار من يزني بعده؛ لأنه أول من سنّ ذلك، ولعل عدد الزناة أكثر
من القاتلين. انتهى ما في ((الفتح)) (١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥١٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْقَّاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ
دَخَلَ عَلَيْهَا، بِمِثْلِ حَدِيثٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ أَهْوَى إِلَى الْقِرَامِ،
فَهَتَكَهُ بِبَلِهِ).
(١) ((الفتح)) ص٤٦٤، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٥٠).

١١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
رجال هذا الإسناد: ستة:
وکّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ ... إلخ) الضمير ليونس بن يزيد الأيليّ.
وقوله: (ثُمَّ أَهْوَى إِلَى الْقِرَام)؛ أي: مال إلى الستر، قال الفيّوميّ تَظّمُهُ:
وأهوى إلى سيفه بالألف: تناوله بيده، وأهوى إلى الشيء بيده: مدّها ليأخذه
إذا كان عن قُرب، فإن كان عن بُعْد قيل: هَوَى إليه بغير ألف، وأهويتُ
بالشيء: أومأت إليه. انتهى(١).
وقوله: (فَهَتَكَهُ بِيَدِهِ)؛ أي: شقّه وَلِّ أو نزعه بيده الشريفة، قال الفيّوميّ:
هَتَكَ زيد الستر هَتْكاً، من باب ضرب: خَرَقِهِ، فَانْتَهَكَ، وقال الزّمخشريّ:
جَذَبه حتى نَزَعه من مكانه، أو شَقّه حتى يَظْهَر ما وراءه، وتَهَتَّكَ السِّتر مثل
انْهَتَكَ، وهَتَكْتُ الثوب: شققته طولاً، وهَتَكَ الله سِتْر الفاجرة فضحه.
(٢)
انتھی
.
[تنبيه]: رواية يونس عن ابن شهاب هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥١٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْئَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ
حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي
حَدِيثِهِمَا: ((إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَاباً))، لَمْ يَذْكُرَا: ((مِنْ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ يعني: أن ابن عيينة، ومعمراً رويا
هذا الحديث عن الزهريّ بالإسناد المتقدّم، وهو عن القاسم بن محمد، عن
عائشة
(١) ((المصباح المنير)) ٦٤٣/٢ - ٦٤٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٣٣/٢.

١١١
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥١٦)
وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِمَا) الضمير لابن عيينة، ومعمر.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ ساقها ابن أبي شيبة تَخّْثُ في
((مصنّفه))، فقال:
(٢٥٢٠٨) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن الزهريّ، عن
القاسم، عن عائشة، قالت: دخل عليّ النبيّ وَّ، وقد استترت بقرام، فيه
تماثيل، فلما رآه تغيَّر لونه، وهتكه بيده، ثم قال: ((إن أشدّ الناس عذاباً يوم
القيامة الذين يشبّهون بخلق الله)). انتهى(١).
ورواية معمر، عن الزهريّ ساقها ابن حبّان تَّثُ في ((صحيحه))، فقال:
(٥٨٤٧) - أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة، قال: حدّثنا ابن أبي السريّ
قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن القاسم بن
محمد، أن عائشة أخبرته، أن رسول الله ◌َفي دخل عليها، وهي مستترة بقرام،
فيه تماثيل، فتلوَّن وجه رسول الله وَّله، وأهوى إلى القِرام، فهتكه بيده، ثم
قال: ((إن أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُشَبِّهون بخلق الله)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥١٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً
عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ، وَقَدْ سَتَرْتُ
سَهْوَةً لِي بِقِرَامِ، فِيهِ تَمَائِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ، وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ أَشَدُّ
النَّاسِ عَذَاباً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ:
فَقَطَعْنَاهُ، فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً، أَوْ وِسَادَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِم) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو
محمد المدنيّ، ثقةٌ جليلٌ. قال ابنَ عيينة: كان أفضل أهل زمانه [٦] (ت١٢٦)
أو بعدها (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨٢٢/٢٧.
(١) (مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٠٠/٥.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ١٥٨/١٣.

١١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمد (أَنَّهُ سَمِعَ
عَائِشَةَ) رُِّّنَا (تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَِّ، وَقَدْ سَتَرْتُ) جملة في محلّ
نَصْب على الحال، (سَهْوَةً لِي بِقِرَام)، فقوله: (وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي) - بفتح
المهملة، وسكون الهاء -: هي صُفَّةٌ مِّن جانب البيت، وقيل: الْكُوَّة، وقيل:
الرَّفّ، وقيل: أربعة أعواد، أو ثلاثة يُعارَض بعضها ببعض، يوضع عليها شيء
من الأمتعة، وقيل: أن يبني من حائط البيت حائظٌ صغيرٌ، ويُجعل السقفُ على
الجميع، فما كان وسط البيت فهو السَّهْوة، وما كان داخله فهو المخدع،
وقيل: دَخْلة في ناحية البيت، وقيل: بيت صغير يُشبه المخدع، وقيل: بيت
صغير مُنحَدِر في الأرض، وسَمْكُه مرتفع من الأرض؛ كالخزانة الصغيرة، يكون
فيها المتاع، ورجّح هذا الأخير أبو عبيد، ولا مخالفة بينه وبين الذي قبله.
وقد وقع في حديث عائشة أيضاً أنها علقته على بابها، وكذا في رواية
زيد بن خالد الجهنيّ، عن عائشة، فتعيّن أن السهوة بيت صغيرٌ عَلّقت السِّتر
على بابه، أفاده في ((الفتح))(١) .
(بِقِرَام) - بكسر القاف، وتخفيف الراء -: هو ستر رقيق من صوف، ذو
ألوان، وقالَّ أبو سعد: القرام صوف غليظ جدّاً يُفرش في الهودج، وفي
((المحكم)): هو ثوب من صوف مُلَوَّن، والجمع قُرُم، وعن ابن الأعرابي: هو
ثوب من صوف فيه ألوان من عِهْن، فإذا خِيْطَ صار كأنه بيت، فهو كِلّة (٢)،
وقال القزاز، وابن دريد: هو الستر الرقيق وراء الستر الغليظ، على الهودج
وغيره، وقال الخليل: يتخذ ستراً، أو يُغشى به هودج، أو كِلّة، وزعم
الجوهريّ أنه ستر فيه رقم، ونقوش، وقال: وكذلك الْمِقْرَم، والْمِقْرَمة، قاله
في ((العمدة))(٣).
(١) ((الفتح)) ص ٤٧٠، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٥٤).
(٢) الكِلّة بالكسر: ستر رقيق يُخاط شِبْه البيت. اهــ ((المصباح)).
(٣) ((عمدة القاري)) ٩٦/٤.

١١٣
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥١٧)
(فيهِ تَمَاثِيلُ) بمثنّاة، ثمّ مثلّثة: جمع تِمثال، وهو الشيء المصوّر، أعمّ
من أن يكون شاخصاً، أو يكون نقشاً، أو دهاناً، أو نسجاً في ثوب، وقال في
((العمدة)): التمثال، وإن كان في الأصل للصورة المطلقة، فالمراد منه هنا
صورة الحيوان. انتهى.
وفي رواية بكير بن الأشجّ الآتية: ((أنها نصبت سِتراً فيه تصاوير))،
(فَلَمَّا رَآهُ)؛ أي: رأى النبيّ وَّ ذلك القِرَام (هَتَكَهُ)؛ أي: نزعه، وفي الرواية
السابقة: ((فأمرني أن أنزعه، فنزعته))، وتقدّم وجه الجمع بينهما. (وَتَلَوَّنَ)؛
أي: تغيّرِ (وَجْهُهُ) وََّ كراهية له، (وَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً عِنْدَ اللهِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ))؛ أي: يشبهون بما يخلقه الله ێ،
وأصل يضاهون: يضاهئون، قال الفيّوميّ ◌َخْذُهُ: ضَاهَاَهُ مُضَاهَأَةً، مهموزٌ:
عارضه، وباراه، ويجوز التخفيف، فيقال: ضَاهَيْتُهُ مُضَاهَاةً، وقُرِئ بهما،
وهي مشاكلة الشيء بالشيء، وفي الحديث: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ
الَّذِينَ يُضَاهُونَ خَلْقَ اللهِ))؛ أي: يعارضون بما يَعملون، والمراد: المصورون.
(١)
انتھی(١).
وقال ابن الأثير: المضاهاة: المشابهة، وقد تُهمز، وقرىء بهما.
انتھی(٢).
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌َا (فَقَطَعْنَاهُ، فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً، أَوْ وِسَادَتَيْنٍ) الظاهر أن
((أو)) للشكّ من الراوي، وسيأتي بلفظ: ((فاتّخذت منه وسادتين)) بالجزم، وفي
رواية نافع عن القاسم الآتية: ((فأخذته، فجعلته مرفقتين، فكان يرتفق بهما في
البيت))، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥١٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُ
(١) ((المصباح المنير)) ٣٦٥/٢.
(٢) ((النهاية)) ص٥٥٢.

١١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
كَانَ لَهَا ثَوْبٌ فِيهِ تَصَاوِیرُ، مَمْدُودٌ إِلَى سَهْوَةٍ، فَكَانَ النَّبِيُّ وَّرِ يُصَلِّي إِلَيْهِ، فَقَالَ:
((أَخِّرِيهِ عَنِّي))، قَالَتْ: فَأَخَّرْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ وَسَائِدَ(١)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم قريباً.
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضاً قريباً .
والباقون ذُكروا في الباب.
وقولها: (فَكَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يُصَلِّي إِلَيْهِ) قال في ((الفتح)): قد استُشكِل
الجمع بين هذا الحديث وبين حديث عائشة الآتي في النُّمْرقة؛ لأنه يدلّ
على أنه وَ ﴿ لم يدخل البيت الذي كان فيه الستر المصوّر أصلاً، حتى
نزعه، وهذا يدلّ على أنه أقرّه، وصلى، وهو منصوبٌ إلى أن أَمَر بنزعه،
من أجل ما ذَكَر من رؤيته الصورة حالة الصلاة، ولم يتعرض لخصوص
كونها صورة.
قال: ويمكن الجمع بأن الأول كانت تصاويره من ذوات الأرواح، وهذا
كانت تصاويره من غير الحيوان، كما تقدم تقريره في حديث زيد بن خالد.
انتھی.
وفي حديث أنس ظُه، قال: كان قرام لعائشة ﴿ّا سترت به جانب
بيتها، فقال النبيّ وَّرَ: ((أميطي عنّا قِرَامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تَعْرِض
في صلاتي))، رواه البخاريّ.
وفي الحديث من الفقه أنه ينبغي التزام الخشوع في الصلاة، وتفريغ
البال لله تعالى، وتَرْك التعرض لِمَا يَشْغَل المصلي عن الخشوع، وفيه أيضاً أن
ما يَعْرِض للشخص في صلاته من الفكرة في أمور الدنيا لا يقطع صلاته، قاله
في ((العمدة)) (٢).
وقولها: (فَجَعَلْتُهُ وَسَائِدَ) جمع وِسادة بكسر الواو، وهي الْمِخَدّة.
(١) وفي نسخة: ((فأخذته وسائد)).
(٢) ((عمدة القاري)) ٧٤/٢٢.

١١٥
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥١٨ - ٥٥١٩)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥١٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ عَامِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبْرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَّقَدِيُّ،
جَمِيعاً عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم) الْعَمّيّ، أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] مات في
حدود (٢٥٠) (م د ت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٠/٢٧.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ) الضُّبعيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِم [٩]
(ت٢٠٨) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٠٨/٤.
٣ - (أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو القيسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩]
(ت٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: رواية سعيد بن عامر عن شعبة ساقها الدارميّ ◌َّلهُ في ((سننه))،
فقال :
(٢٦٦٢) - أخبرنا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن
القاسم، عن أبيه، قال: قالت عائشة: كان لنا ثوب فيه تصاوير، فجعلته بين
يدي النبيّ وَّر، وهو يصلي، فنهاني، أو قالت: فكرهه، قالت: فجعلته
(١)
وسائد. انتهى
.
وأما رواية أبي عامر القعديّ عن شعبة فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥١٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ وَ عَلَيَّ،
وَقَدْ سَتَّرْتُ نَمَطَأَ، فِيهِ تَصَاوِيَرُ، فَتَخَّاهُ، فَاتَّخَذْتُ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ).
(١) ((سنن الدارميّ)) ٣٦٩/٢.

١١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقولها: (وَقَدْ سَتَرْتُ نَمَطاً) النمط بفتح النون والميم: هو ظِهارة
الفراش، وقيل: ظهر الفراش، ويُطلق أيضاً على بساط لطيف، له خَمْل، يُجعل
على الهودج، وقد يُجعل ستراً، قاله النوويّ.
وقال الفيّوميّ: النَّمْط: بفتحتين: ثوب من صوفٍ، ذو لون من الألوان،
ولا يكاد يقال للأبيض: نَمَط، والجمع أنماط، مثلُ سبب وأسباب. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٢٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ
حَدَّثَهُ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهِ أَنَّهَا نَصَبَتْ سِتْراً فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَدَخَلَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَتَزَعَهُ، قَالَتْ: فَقَطَعْتُهُ وِسَادَتَيْنٍ، فَقَالَ رَجُلٌ فِي الْمَجْلِسِ حِينَئِذٍ
- يُقَالُ لَهُ رَبِيعَةُ بْنُ عَطَاءٍ، مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ -: أَفَمَا سَمِعْتَ أَبَا مُحَمَّدٍ يَذْكُرُ أَنَّ
عَائِشَةَ قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ نَِّ يَرْتَفِقُ عَلَيْهِمَا؟، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا، قَالَ:
لَكِنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ، يُرِيدُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) المروزيّ، أبو عليّ الخزّاز الضرير، نزيل
بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (رَبِيعَةُ بْنُ عَطَاءٍ، مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ) المدنيّ، ويقال: إنه ربيعة بن
عطاء بن يعقوب، مولى ابن سِبَاع، قاله ابن حبان في ((الثقات))، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن القاسم بن محمد، وعنه بُكير بن الأشجّ، قال الآجريّ عن أبي
داود: ربيعة بن عطاء حَدّث عنه العُمَري الصغير معروف، وقال النسائيّ: ثقةٌ،
وقال ابن حبان في ((الثقات)): روى عن عروة بن محمد، وعنه يحيى بن سعيد
(١) ((المصباح المنير)) ٦٢٦/٢.

١١٧
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٢١)
الأنصاريّ، وقال البخاري في ((التاريخ الكبير))، وتبعه أبو حاتم الرازيّ في
كونه مولى ابن سباع، قاله في ((التهذيب))(١).
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ بهذا الحديث فقط.
والباقون كلّهم ذُكروا في الباب، و((بُكير)) هو ابن عبد الله بن الأشجّ.
شرح الحديث:
(أَنَّهَا نَصَبَتْ سِتْراً) بكسر السين؛ أي:
(عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ
(爆
ساتراً (فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَّدَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَنَزَعَهُ، قَالَتْ) عائشة ◌َّا (فَقَطَعْتُهُ
وِسَادَتَيْنٍ) قال بكير بن عبد الله (فَقَالَ رَجُلٌ فِي الْمَجْلِسِ)؛ أي: في المكان
الذي حدّث فيه عبد الرحمن بن القاسم بهذا الحديث، (حِينَئِذٍ)؛ أي: وقت إذ
حدّث عبد الرحمن بهذا الحديث، (يُقَالُ لَهُ رَبِيعَةُ بْنُ عَطَاءٍ، مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ)
المدنيّ، (أَفَمَا سَمِعْتَ أَبَا مُحَمَّدٍ) كنية القاسم بن محمد بن أبي بكر، (يَذْكُر)
بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير أبي محمد، (أَنَّ عَائِشَةَ) ◌ِوهُنَا (قَالَتْ: فَكَانَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ يَرْتَفِقُ عَلَيْهِمَا؟)؛ أي: يتّكأ على الوسادتين، يقال: ارتفق على
الشيء: إذا اتّكأ عليه، وارتفق بالشيء: إذا انتفع به (٢). (قَالَ ابْنُ الْقَاسِم) هو
عبد الرحمن، (لَا)؛ أي: لم أسمعه يقول ذلك، (قَالَ) ذلك الرجل؛ أي:
ربيعة بن عطاء، (لَكِنِّ قَدْ سَمِعْتُهُ)؛ أي: سمعت القاسم يقول ذلك، وقوله:
(يُرِيدُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ) يعني بضمير الغائب في ((سمعته)): القاسم بن محمد بن
أبي بكر الصديق، والله تعالى أعلم.
والحديث بهذا السياق تفرّد به المصنّف رَّتُهُ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٢١] (.) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرَقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا
رَآهَّا رَسُولُ اللهِ وَلِ قَامَ عَلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفْتُ، أَوْ فَعُرِفَتْ فِي وَجْهِهِ
الْكَرَاهِيَةُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُوبُ إِلَى اللهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ، فَمَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٢٢٥/٣.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٣٤/١.

١١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
رَسُولُ اللهِ: ((مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟»، فَقَالَت: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ تَقْعُدُ عَلَيْهَا،
وَتَوَسَّدُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ، وَيُقَالُ لَهُمْ:
أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ))، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ، لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً.
٢ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ المشهور، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا (أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرَقَةً) بضمّ النون والراء، وبكسرهما،
ويضم النون، وفتح الراء، ثلاث لغات: الوسادة الصغيرة، وقال في ((الفتح)):
النمرقة بفتح النون، وسكون الميم، وضمّ الراء، بعدها قاف، كذا ضبطها
القزّاز وغيره، وضبطها ابن السِّكِّيت بضمّ النون أيضاً، وبكسرها، وكسر الراء،
وقيل: في النون الحركات الثلاث، والراء مضمومة جزماً، والجمع نمارق،
وهي الوسائد التي يُصَفّ بعضها إلى بعض، وقيل: النمرقة الوسادة التي يُجلس
عليها. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَظُّ: قول عائشة: ((اشترت نمرقة فيها تصاوير)) يجوز أن
تكون أرادت بالنمرقة هنا: الستر الذي تقدَّم ذكره، وسَمَّته نمرقة؛ لأنَّه آل أمره
إلى النمرقة، كما يُسمى العنب خمراً بمآله، والنَّمارق في أصل الوضع:
الوسائد، والمرافق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَارِقُ مَصْفُوفَةٌ
[الغاشية: ١٥].
١٥)
وقال الشاعر [من الطويل]:
كُهُولٌ وَشُبَّانٌ حِسَانٌ وُجُوهُهُمْ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَنَمَارِقٍ
غير أن هذا التأويل يُبعده قولها في بقية الخبر، لمّا قال لها النبيّ وَّ:
((ما بال هذه النَّمرقة؟))، فقالت مجيبة: ((اشريتها لك، تقعد عليها، وتوسدها))،
فهذا يصرّح بأن هذه النَّمرقة غير السِّتر، وأن هذا حديث آخر غير ذلك، وحينئذ
(١) ((الفتح)) ٤٧٤/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٥٧).

١١٩
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٢١)
يستفاد منه: أن الصور لا يجوز اتخاذها في الثياب، وإن كانت ممتهَنة، وهو
أحد القولين كما قدمناه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن القول بإباحة الصور الممتهنة هو
الأرجح؛ لصحّة الحديث بذلك، وأبعدَ من أوّله بصور غير ذوات الأرواح؛
لأن سياق الحديث يُبطله، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى
سواء السبيل.
(فِيهَا تَصَاوِيرُ)؛ أي: تماثيل حيوان، (فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهَِ﴿ِ قَامَ عَلَى
الْبَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْ) الحجرة، زاد في رواية للبخاريّ: ((وجعل يتغير وجهه))،
(فَعَرَفْتُ) بالبناء للفاعل، (أَوْ) للشكّ من الراوي، (فَعُرِفَتْ) بالبناء للمفعول،
(فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةُ) بالنصب على الضبط الأول، وبالرفع على الضبط الثاني،
وقال الزرقانيّ: ((الكراهية)) بكسر الهاء، وخفّة الياء، وفي رواية بفتح الهاء،
وإسقاط الياء(٢). (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُوبُ إِلَى اللّهِ) وَ (وَإِلَى رَسُولِهِ) وَّ
قال في (الفتح)): يُستفاد منه جواز التوبة من الذنوب كلّها إجمالاً، وإن لم
يستحضر التائب خصوص الذنب الذي حَصَلت به مؤاخذته. انتهى(٣).
وقال الطيبيّ تَخُّْ: فيه حُسن أدبٍ من الصدّيقة ﴿ّا، حيث قَدّمت التوبة
على اطلاعها على الذنب، ونحوه قوله تعالى: ﴿عَفَا اَللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾
الآية [التوبة: ٤٣] قدّم العفو تلطّفاً برسول الله وَلقول، بدأ بالعفو قبل إبداء الذنب،
كما قدّمَتِ التوبةَ على عرفان الذنب، ومن ثَمّة قالت: ((فماذا أذنبت؟))؛ أي: ما
اطلعت على ذنب، ومن ثَمّ حَسُن قوله وَّهِ: ((ما بال هذه النمرقة؟)). انتهى (٤).
(فَمَاذَا أَذْنَبْتُ؟)؛ أي: حيث قمتَ على الباب، ولم تدخل البيت،
وعرفت الكراهية في وجهك، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: ((مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟))؛
أي: ما حالها، وما شأنها، فيها تماثيل؟ (فَقَالَت: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ)؛ أي: لأجل
أن تنتفع بها، وذلك أنك (تَقْعُدُ عَلَيْهَا، وَتَوَسَّدُهَا) أصله: تتوسدها، فحُذفت
(١) ((المفهم)) ٤٢٨/٥ - ٤٢٩.
(٢) ((شرح الزرقانيّ)) ٤/ ٤٧٠.
(٣) ((الفتح)) ٤٧٤/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٥٧).
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٩٤٦/٩.

١٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
إحدى التاءين، وقال الكرماني: ((وتوسدها)) من التوسيد، ويُروَى: من التوسد.
انتهى (١). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ) الحيوانية، الذين
يصنعونها يضاهئون بها خلق الله (يُعَذَّبُونَ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا) بقطع الهمزة،
وضمّ الياء، من الإحياء، (مَا خَلَقْتُمْ)))؛ أي: صَوّرتم كصورة الحيوان، والأمر
فيه للاستهزاء والتعجيز؛ لأنهم لا يقدرون على نفخ الروح في الصورة التي
صَوَّروها، فیدوم تعذيبهم.
وقال النوويّ تَّثُ: قوله وَله: ((ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم)) فهو الذي
يسمِّيه الأصوليون أمر تعجيز؛ كقوله تعالى: ﴿قُلٌّ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ الآية
[هود: ١٣]. انتهى (٢).
وفي حديث ابن عباس رضيّ الآتي في الباب: ((مَن صَوّر صورة في الدنيا
كُلِّف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ))؛ أي: أبداً فهو معذَّب
دائماً؛ لأنه جُعِل غاية عذابه إلى أن يَنفخ فيها الروح، وأخبر أنه ليس بنافخ،
وهذا يقتضي تخليده في النار، لكنه في حقّ مَن كَفَر بالتصوير، أما غيره وهو
العاصي الذي يفعل ذلك غير مستحلّ له، ولا قاصداً أن يُعبد، فيعذّب إن لم
يُعْفَ عنه عذاباً يستحقّه، ثم يخلص منه، أو المراد به: الزجر الشديد بالوعيد
بعقاب الكافر؛ ليكون أبلغ في الارتداع، وظاهره غير مراد، إلا أنّ حَمْله على
الأول أولى.
ثم إن أَمْره بالإحياء، وقوله: ((كُلِّف)) لا ينافي أن الآخرة ليست دار
تكليف؛ لأن المنفي تكليف عمل يترتب عليه ثواب، أو عقاب، فأما مثل هذا
التكليف فلا يمتنع؛ لأنه نفسه عذاب، ذكره الزرقانيّ(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ليست دار تكليف فيه نظر، ذكرناه في غير
هذا الموضع، فتنبّه.
(ثُمَّ قَالَ) وَر ((إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ) الحيوانية؛ إذ لا بأس بصورة
الأشجار، والجبال، ونحو ذلك لقول ابن عباس لرجل - كما سيأتي في
(١) ((عمدة القاري)) ٧٣/٢٢.
(٣) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ» ٤٧٠/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٩٠.