النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
(٢٣) - بَابٌ فِي صِبْغِ الشَّعْرِ، وَتَغْبِيرِ الشَّيْبِ بِغَيْرِ سَوَادٍ - حديث رقم (٥٤٩٧)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن هذا غير صحيح، بل الحقّ أنه حرام،
كما يأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
ثم ذكر القرطبيّ من كان يصبغ بالسواد، كما سيأتي ذكرهم، ثم قال: ولا
أدري عذر هؤلاء عن حديث أبي قحافة ما هو؟، فأقلّ درجاته الكراهة، كما
ذهب إليه مالك. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي أنه يُعتذر لهم بأنه لم يبلغهم
النهي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر به هذا من أفراد المصنّف رَّلهُ.
[تنبيه]: أشار بعضهم إلى الطعن في إسناد هذا الحديث بأن فيه عنعنة أبي
الزبير، وهو مدّس.
والجواب عن هذا أن أبا الزبير لم ينفرد به، بل تابعه عليه أبو رجاء
العطارديّ - وهو مخضرم ثقةٌ - عن جابر ◌ُبه، فقد أخرجه الطبراني في
(الكبير))، قال:
(٨٣٢٨) - حدّثنا خلف بن عمرو العكبريّ، ثنا الحسن بن الربيع
الْبُورانيّ، ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العميّ، عن مَطَر بن طَهْمان الورّاق،
يكنى بأبي رجاء، عن أبي رجاء الْعُطاريّ، عن جابر بن عبد الله قال: جيء
بأبي قحافة إلى رسول الله وَله، ورأسه ولحيته كأنهما ثُغامة، فقال رسول الله وَليّ:
((اذهبوا به إلى بعض نسائه يغيّرنه))، قال: فذهبوا به، فحَمَّروها. انتهى(٢).
وله شاهد من حديث أنس ﴿ه، أخرجه الضياء في ((المختارة)) بسند
صحیح، قال:
(٢٥٨٥) - أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الصيدلانيّ
بأصبهان، أن أبا عليّ الحسن بن أحمد الحداد أخبرهم، وهو حاضر، أنبأ أبو
نعيم أحمد بن عبد الله، أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا إسماعيل بن عبد الله، ثنا
(١) ((المفهم)) ٤١٨/٥ - ٤١٩.
(٢) ((المعجم الكبير)) ٤١/٩.
٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
محمد بن القاسم الحرّانيّ، ثنا محمد بن سلمة الحرّانيّ، ثنا هشام بن حسان،
عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك، قال: جاء أبو بكر ظ ◌ُبه بأبيه أبي قحافة
إلى رسول الله وَي يوم فتح مكة، فقال رسول الله وَلفيه لأبي بكر: «لو أقررت
الشيخ في بيته لأتيته تكرمةً لأبي بكر))، فأسلم، ورأسه ولحيته؛ كالتُّغامة بياضاً،
فقال: ((غَيِّروا هذا، وجنِّبوها السواد))، قال: إسناده صحيح. انتهى(١).
وله شاهد آخر من حديث أسماء بنت أبي بكر الصدّيق ﴿يَا، أخرجه
أحمد في «مسنده)) بسند صحيح، قال:
(٢٧٠٠١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا يعقوب، قال: ثنا أبي، عن
ابن إسحاق قال: حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن
جدّته أسماء بنت أبي بكر، قالت: لَمّا وَقَف رسول الله وَ لّهِ بذي طوى قال أبو
قحافة لابنة له من أصغر ولده: أي بُنَّة أظهري بي على أبي قبيس، قالت: وقد
كُفّ بصره، قالت: فأشرفت به عليه، فقال: يا بُنَيّة ماذا ترين؟ قالت: أرى
سواداً مجتمعاً، قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلاً يسعى بين ذلك السواد
مقبلاً ومدبراً، قال: يا بنية ذلك الوازع - يعني: الذي يأمر الخيل، ويتقدم
إليها - ثم قالت: قد والله انتشر السواد، فقال: قد والله إذاً دُفعت الخيل،
فأسرعي بي إلى بيتي، فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته، وفي
عنق الجارية طَوْق لها من وَرِق، فتلقاها رجل، فاقتلعه من عنقها، قالت: فلما
دخل رسول الله صلى مكة، ودخل المسجد أتاه أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه
رسول الله * قال: ((هلا تركت الشيخ في بيته، حتى أكون أنا آتيه فيه؟)) قال
أبو بكر: يا رسول الله هو أحقّ أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه، قال:
فأجْلَسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: أسلم، فأسلم، ودخل به أبو
على رسول الله وَله، ورأسه كأنه ثُغامة، فقال رسول الله وَله: ((غَيِّروا
بکر
هذا من شَعْره))، ثم قام أبو بكر، فأخذ بيد أخته، فقال: أَنْشُدُ بالله وبالإسلام
طوق أختي، فلم يجبه أحد، فقال: يا أُخَيَّة احتسبي طوقك. انتهى(٢).
(١) ((الأحاديث المختارة)) ١٥٧/٧.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٤٩/٦.
٤٣
(٢٣) - بَابٌ فِي صِبْغِ الشَّعْرِ، وَتَغْبِيرِ الشَّيْبِ بِغَيْرِ سَوَادٍ - حديث رقم (٥٤٩٧)
والحاصل أن حديث أبي الزبير عن جابر طلبه هذا صحيح دون ريب
وشكّ، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
[تنبيه آخر]: روى الإمام أحمد هذا الحديث في موضعين من ((مسنده)
(٣١٦/٣ و٣٢٢)، و(ابن ماجه) (٣٦٢٤) من طريق ليث، عن أبي الزبير،
عن جابر، ولم يُنسب ليث في المواطن الثلاثة، فالتبس أمره على مخرّج
أحاديث ((الحلال والحرام)) (ص٨٣) فظنّه ليث بن سعد، وصحّح السند
بمقتضاه؛ لأن الليث بن سعد لا يروي عن أبي الزبير إلا ما سمع من جابر،
مع أن الحافظ المزّيّ في ((تحفة الأشراف)) (٣٤٢/٢)، وكذلك الحافظ
البوصيريّ في ((مصباح الزجاجة)) ورقة (٢/٢٢٥) نصّا على أنه ليث بن أبي
سُليم، وهو ضعيف، كتبه بعض المحققين(١)، وهو بحث مهمّ جدّاً، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٩٧/٢٣ و٥٤٩٨] (٢١٠٢)، و(أبو داود) في
(الترجّل)) (٤٢٠٤)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (١٣٨/٨ و١٨٥)، و((الكبرى)) (٥/
٤١٦)، و(ابن ماجه) في ((اللباس)) (٣٦٢٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(٢٠١٧٩)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣١٦/٣ و٣٢٢ و٣٣٨)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٤٧١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٨١٩)، و(الحاكم) في
((المستدرك)) (٢٤٤/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤١٠/١ و٧٤/٢ و٥/
٢٧٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣١٠/٧) و((شُعَب الإيمان)) (٢١٥/٥)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣١٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بتغيير الشيب، قال الحافظ ابن حبّان ◌َّثُ بعد
إخراجه الحديث: قوله {وَ ﴾: ((وغيِّروهما(٢)) لفظة أمر بشيء، والمأمور في
وصفه مخيَّر أن يغيرهما بما شاء من الأشياء، ثم استثنى السواد من بينها، فنهى
(١) راجع: هامش ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٢٨٦/١٢.
(٢) أي: رأسه، ولحيته.
٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
عنه، وبقي سائر الأشياء على حالتها. انتهى (١).
٢ - (ومنها): بيان النهي عن الخضاب بالسواد، وهو ظاهر.
وسيأتي لمسلم في ((الفضائل)) من حديث أنس ظُته، قال: ((اختضب أبو
بكر بالحناء والكتم، واختضب عمر بالحناء بَحْتاً)).
وقوله: ((بَحْتاً)) - بموحدة مفتوحة، ومهملة ساكنة، بعدها مثناة -؛ أي:
صِرْفاً، وهذا يُشعر بأن أبا بكر كان يجمع بينهما دائماً، والكتم نبات باليمن
يُخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة، وصبغ الحناء أحمر، فالصبغ بهما معاً
يَخرج بين السواد والحمرة.
[تنبيه]: ومما ورد في الوعيد لمن يصبغ بالسواد ما أخرجه أحمد، وأبو
داود، والنسائيّ، واللفظ لأبي داود قال:
(٤٢١٢) - حدّثنا أبو توبة، ثنا عبيد الله، عن عبد الكريم الجزريّ، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَله: (يكون قوم يخضبون
في آخر الزمان بالسواد؛ كحواصل الحمام، لا يَريحون رائحة الجنة)).
(٢)
انتهى .
قال الحافظ كَّلُ في ((النكت الظراف)): أخرجه إسحاق في ((مسنده)) عن
زكريّا بن عديّ، عن عبيد الله بن عمرو بلفظ: ((يخضبون لحاهم بالسواد)).
(٣)
.
انتھی
قال الحافظ المنذريّ تَخْتُ في ((مختصر سنن أبي داود)) ١٠٨/٦: في
إسناده عبد الكريم، ولم ينسبه أبو داود(٤)، ولا النسائيّ، فذكر بعضهم أنه
عبد الكريم بن أبي الْمُخارق، أبو أميّة، وضعّف الحديث بسببه، وذكر بعضهم
أنه عبد الكريم بن مالك الجزريّ، أبو سعيد، وهو من الثقات، لاتفاق
(١) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٢٨٧/١٢.
(٢) ((سنن أبي داود)) ٤/ ٨٧.
(٣) ((النكت الظراف على الأطراف)) ٤٢٤/٤.
(٤) قد علمت أن أبا داود نسبه، فقال: الجزريّ، ولعل نسخة المنذريّ أسقطته، والله
تعالى أعلم.
٤٥
(٢٣) - بَابٌ فِي صِبْغِ الشَّعْرِ، وَتَغْبِيرِ الشَّيْبِ بِغَيْرِ سَوَادٍ - حديث رقم (٥٤٩٧)
البخاريّ، ومسلم على الاحتجاج بحديثه. وقول من قال: إنه عبد الكريم بن
مالك الجزريّ هو الصواب، فإنه قد نسبه بعض الرواة في هذا الحديث، فقال
فيه: ((عن عبد الكريم الجزريّ))، وعبد الكريم بن أبي المخارق من أهل
البصرة، نزل مكّة، وأيضاً فإن الذي روى عن عبد الكريم هذا الحديث هو
عبيد الله بن عمرو الرَّقّيّ، وهو مشهور بالرواية عن عبد الكريم الجزريّ، وهو
أيضاً من أهل الجزيرة. انتهى كلام المنذريّ كَُّهُ.
وقال السنديّ تَظْثُ: قد صحح الحديث غير واحد، وحسّنه، وخطّؤوا ابن
الجوزيّ في نسبته إلى الوضع. والله تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون عبد الكريم هو الجزريّ هو الحقّ،
كما هو في رواية أبي داود السابقة، وكذا صرّح الحافظ المزيّ في ((تحفته)(١)
بأنه الجزريّ، فالحديث صحيح دون شك، فهو حجة ظاهرة في النهي عن
الصبغ بالسواد، فليُتَنّه، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَظّلهُ: للخضاب فائدتان:
[إحداهما]: تنظيف الشعر مما يتعلّق به من الغبار، والدخان.
[والأخرى]: مخالفة أهل الكتاب؛ لقوله وير: ((خالفوا اليهود والنصارى،
فإنهم لا يصبغون)). انتهى(٢).
٤ - (ومنها): أنه استَنْبَط ابنُ أبي عاصم من قوله وَّهِ: ((جنِّبوه السواد)) أن
الخضاب بالسواد كان من عادتهم، وذكر ابن الكلبيّ أن أول من اختضب
بالسواد من العرب عبد المطلب، وأما مطلقاً ففرعون(٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في خضب اللحية والرأس،
وتر که:
قال في ((الفتح)): وقد اختلف في الخضب، وتركه، فخضب أبو بكر،
وعمر وغيرهما ﴿، كما تقدم، وتَرَك الخضاب عليّ، وأبي بن كعب،
وسلمة بن الأكوع، وأنس، وجماعة
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٤٢٤/٤.
(٣) هذا يحتاج إلى نقل صحيح، فأين هو؟ !!!
(٢) ((المفهم)) ٤٢٠/٥.
٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وجمع الطبري بأن من صبغ منهم كان اللائقَ به، كمن يُستشنع شیبه،
ومن ترك كان اللائقَ به، كمن لا يُستشنع شيبه، وعلى ذلك حُمل قوله وَّ في
حديث جابر ظبه الذي أخرجه مسلم في قصة أبي قحافة نظرته، حيث قال رَله
لَمّا رأى رأسه كأنها التُّغَامة بياضاً: (غَيِّروا هذا، وجنِّوه السواد))، ومثله حدیث
أنس قاته .
وزاد الطبري، وابن أبي عاصم من وجه آخر، عن جابر: ((فذهبوا به،
فحمّروه)). و((الثغامة)) - بضم المثلثة، وتخفيف المعجمة -: نبات شديد البياض
زهره وثمره، قال: فمن كان في مثل حال أبي قحافة استُحِبّ له الخضاب؛
لأنه لا يحصل به الغرور لأحد، ومن كان بخلافه فلا يستحب في حقه، ولكن
الخضاب مطلقاً أولى؛ لأنه فيه امتثال الأمر في مخالفة أهل الكتاب، وفيه
صيانة للشعر عن تعلق الغبار وغيره به، إلا إن كان من عادة أهل البلد تَرْك
الصبغ، وأن الذي ينفرد بدونهم بذلك يصير في مقام الشهرة، فالترك في حقه
أولی.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: فالترك أولى، هذا الكلام فيه
خطر؛ لأنه يؤدّي إلى ترك السُّنَّة، متعلّلاً بعدم عمل الناس بها، والواجب على
المسلم إذا ترك الناس العمل بها إحياؤها، وأي كتاب نطق، وأيّ سُنَّة أمرت
بترك السُّنَّة؛ لأجل ترك الناس لها؛ خوفاً من الشهرة؟، إن هذا لهو العجب من
مثل الحافظ المدافع عن السُّنَّة، والقائم بالذّبّ عنها أن يتكلّم به، أو ينقله من
غيره، ويسكت عليه. والله المستعان.
وقال بعضهم: من كان في موضع عادة أهله الصبغ، أو تَرْكه، فخروجه
عن العادة شهرة، ومكروه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هذا البعض مما زلّ به
القدم، وطغى فيه القلم، فهل إذا ترك أهل بلد سُنَّة من سنن رسول الله وَّه يكون
إحياء تلك السُّنَّة، والعمل بها شهرة ومكروهاً؟ إن هذا لهو الفساد العريض، إذ
يترتّب عليه أنه لا وجه في هذا الزمن الذي تَرَك فيه معظم الناس كثيراً من
السنن، وأحدثوا بدلها بدعاً أن يقوم أحد بإحياء تلك السنن، بل يهجرها، إن
هذا لهو العجب العجاب! والله تعالى المستعان على مثل هذا الباطل.
٤٧
(٢٣) - بَابٌ فِي صِبْغِ الشَّعْرِ، وَتَغْيِيرِ الشَّيْبِ بِغَيْرِ سَوَادٍ - حديث رقم (٥٤٩٧)
ونقل الطبري بعد أن أورد حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده
رفعه، بلفظ: ((من شاب شيبة، فهي له نور، إلى أن ينتفها، أو يخضبها(١))،
وحديث ابن مسعود ربه أن النبي والقر، كان يكره خصالاً، فذكر منها تغيير
الشيب، إذ بعضهم ذهب إلى أن هذه الكراهة تُستحب بحديث الباب، ثم ذكر
الجمع، وقال: دعوى النسخ لا دليل عليها .
قال الحافظ: ((وجَنَح إلى النَّسخ الطحاويّ، وتمسّك بحديث أنه كان وَه
يحب موافقة أهل الكتاب، فيما لم ينزل عليه، ثم صار يخالفهم، ويحث على
مخالفتهم)).
وحديث عمرو بن شعيب المشار إليه، أخرجه الترمذي، وحسَّنه، ولم أر
في شيء من طرقه الاستثناء المذكور، فالله أعلم.
قال ابن العربي: وإنما نُهي عن النتف، دون الخضب؛ لأن فيه تغيير الخلقة
من أصلها، بخلاف الخضب، فإنه لا يغيّر الخلقة على الناظر إليه. والله أعلم.
وقد نُقل عن أحمد أنه يجب، وعنه: يجب ولو مرة، وعنه: لا أحب
لأحد تَرْك الخضب، ويتشبه بأهل الكتاب، وفي السواد عنه كالشافعية روايتان:
المشهورة يُكره، وقيل: يَحْرم، ويتأكد المنع لمن دَلَّس به. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما نُقل عن الإمام أحمد تَُّ من القول
بوجوب الخضب هو الظاهر؛ لظواهر النصوص، وأما الخضب بالسواد،
فتحريمه أظهر؛ كما سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. والله تعالى
أعلم بالصواب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم خضاب الشيب
بالسواد:
(١) قوله: ((أو يخضبها)) هذا اللفظ لا يصحّ، بل الذي يصحّ النهي عن النتف فقط،
ولفظ الحديث عند أبي داود: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال
رسول الله ◌َفي: ((لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شيبةً في الإسلام إلا كانت
له نوراً يوم القيامة))، وفي لفظ: ((إلا كتب الله له بها حسنةً، وحظّ عنه بها خطيئة)).
(٢) ((الْفَتْح)» ٥٤٨/١١.
٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
قال النوويّ تَخْلُهُ: ويحرم خضابه - يعني: الشيب - بالسواد على الأصح،
وقيل: يكره كراهة تنزيه، والمختار التحريم؛ لقوله وَيقر: ((واجتنبوا السواد))،
هذا مذهبنا .
وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((إن اليهود، والنصارى لا يصبغون،
فخالفوهم)) ما نصّه: هكذا أطلق، ولأحمد بسند حسن عن أبي أمامة لته،
قال: ((خرج رسول الله ◌َّ﴿ على مشيخة من الأنصار، بِيضٍ لحاهُم، فقال: يا
معشر الأنصار حمّروا، وصفّروا، وخالفوا أهل الكتاب))، وأخرج الطبرانيّ في
((الأوسط)) نحوه من حديث أنس ظه، وفي ((الكبير)) من حديث عتبة بن
عبد ربه: ((كان رسول الله ( ليه يأمر بتغيير الشيب، مخالفة للأعاجم)).
وقد تمسَّك به من أجاز الخضاب بالسواد.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب، وكيف يصحّ الاحتجاج بهذا
الحديث المطلق؟، وقد قُيّد في الحديث الذي قبله بقوله: ((حمِّروا، وصفِّروا))،
وثبت الأمر باجتناب الخضاب بالسواد حيث قال ◌َله: ((واجتنبوا السواد)).
قال: من العلماء من رشخّص فيه - أي: الخضاب بالسواد - في الجهاد،
ومنهم من رخص فيه مطلقاً، وأن الأَولى كراهته، وجنح النووي إلى أنه كراهة
تحريم.
وقد رخص فيه طائفة من السلف، منهم سعد بن أبي وقاص، وعقبة بن
عامر، والحسن، والحسين، وجرير، وغير واحد، واختاره ابن أبي عاصم في
((كتاب الخضاب)) له، وأجاب عن حديث ابن عباس رفعه: ((يكون قوم
يخضبون بالسواد، لا يجدون ريح الجنة))، بأنه لا دلالة فيه على كراهة
الخضاب بالسواد، بل فيه الإخبار عن قوم، هذه صفتهم، وعن حديث
جابر ظه: ((جنِّبوه السواد)) بأنه في حق من صار شيب رأسه مستبشَعاً، ولا
يطّرد ذلك في حقّ كل أحد. انتهى.
قال الحافظ: وما قاله خلاف ما يتبادر من سياق الحديثين، نعم يشهد له
ما أخرجه هو، عن ابن شهاب قال: كنا نخضب بالسواد، إذا كان الوجه
جديداً، فلما نغض الوجه، والأسنان تركناه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب من الحافظ، كيف يستشهد
٤٩
(٢٣) - بَابٌ فِي صِبْغِ الشَّعْرِ، وَتَغْبِيرِ الشَّيْبِ بِغَيْرِ سَوَادٍ - حديث رقم (٥٤٩٧)
بفعل ابن شهاب، وأصحابه من الصبغ بالسواد على معارضة ما صحّ عن
رسول الله ( 18 من قوله: ((جنّبوه السواد))، هذا شيء عجيب.
عنه ،
قال: وقد أخرج الطبراني، وابن أبي عاصم، من حديث أبي الدرداء
رفعه: ((من خضب بالسواد، سوَّد الله وجهه يوم القيامة))، وسنده ليّن.
ومنهم من فرّق في ذلك بين الرجل والمرأة، فأجازه لها دون الرجل،
واختاره الْحَلِيمِيّ. انتهى(١).
وقال العلامة ابن القيّم كَثّلُهُ: والصواب أن الأحاديث في هذا الباب، لا
اختلاف بينها بوجه، فإن الذي نهى عنه النبيّ ◌َلقر من تغيير الشيب أمران:
[أحدهما]: نتْفه.
[والثاني]: خضابه بالسواد، والذي أَذِن فيه هو صبغه، وتغييره بغير
السواد؛ كالحنّاء، والصفرة، وهو الذي عَمِله الصحابة ◌ُه، قال الحكم بن
عمرو الغفاريّ رُّه: دخلت أنا، وأخي رافع على عمر بن الخطّاب ◌ُه، وأنا
مخضوبٌ بالحنّاء، وأخي مخضوب بالصفرة، فقال عمر ظه: هذا خضاب
الإسلام، وقال لأخي: هذا خضاب الإيمان.
وأما الخضاب بالسواد، فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا
ريب؛ لِمَا تقدّم، وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله.
وهذه المسألة من المسائل التي حَلَف عليها، وقد جمعها أبو الحسن، ولأنه
يتضمّن التلبيس، بخلاف الصفرة.
ورخّص فيه آخرون، منهم أصحاب أبي حنيفة، وروي ذلك عن الحسن،
والحسين، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن جعفر، وعقبة بن عامر، وفي
ثبوته عنهم نظر، ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله وَ لجه، وسُنَّته أحقّ
بالاتّباع، ولو خالفها من خالفها .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد ابن القيّم تَخْذَلُ في هذا الكلام،
فإن الله رَ أوجب اتّباع النبيّ وَِّ، فقال ◌َ: ﴿وَمَآ ءَالَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ الآية [الحشر: ٧]، وقال:
(١) ((الْفَتْحُ)) ٥٤٧/١١ - ٥٤٨.
٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[النور: ٦٣]، فالواجب على المكلّف اتّباع سُنَّته، ولا يُنظر إلى خلاف من
خالفها، وإن كان من الأكابر، بل يُعتذر عن هؤلاء الذين ذكر أنهم صبغوا
بالسواد - إن ثبت عنهم - بأن النهي لم يَصِل إليهم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن
أسير التقليد، اللَّهم أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً،
وارزقنا اجتنابه، آمين.
ورخّص فيه آخرون للمرأة تتزيّن به لبعلها، دون الرجل، وهذا قول
إسحاق بن راهويه، وكأنه رأى أن النهي إنما جاء في حقّ الرجال، وقد جوّز
للمرأة من خضاب اليدين، والرجلين ما لم يُجوّز للرجل، والله تعالى أعلم.
انتهى كلام ابن القيّم ◌َّهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي وجّه به ابن القيّم مذهب
إسحاق رحمهما الله تعالى بأن المرأة تخالف الرجل في هذا الباب، حيث إن
الشارع نهى الرجال من خضاب اليد والرِّجل، وأباحه للمرأة، فَقَصَر النهي عن
الخضاب بالسواد على الرجل فقط، دون المرأة توجيه صحيح.
والحاصل: أن الذي تدلّ عليه الأدلة الصحيحة الصريحة هو تحريمُ
الخضاب بالسواد، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٩٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ
جُرَيْج، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةً يَوْمَ فَتْحٍ
مَكَّةَ، وَرَأْسُهُ، وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ،
وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم تقدّموا قريباً، و((أبو الطاهر)) هو: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن
السَّرْح المصريّ.
(١) (تهذيب السنن)) ١٧٢/١١ - ١٧٣، من هامش ((عون المعبود)).
٥١
(٢٣) - بَابٌ فِي صِبْغِ الشَّعْرِ، وَتَغْيِيرِ الشَّيْبِ بِغَيْرِ سَوَادٍ - حديث رقم (٥٤٩٨)
والحديث من أفراد المصنّف تَخْذَلُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في
الحديث الذي قبله، ولله الحمد والمنّة.
[خاتمة]: زعم بعضهم أن قوله: ((واجتنبوا السواد)» مُدْرَج في الحديث؛
وحجتهم في ذلك ما في ((مسند أحمد)) من أن زهير بن معاوية سأل أبا الزبير لَمّا
حدّثه بهذا الحديث قال: قلت لأبي الزبير: قال: ((جنّبوه السواد))؟ قال: لا.
وهذا القول مردود؛ لأمور:
[الأول]: أن الأصل في ألفاظ الحديث عدم الإدراج؛ إذ لا دليل عليه
إلا الحكاية المذكورة، وليست هي دليلاً عليه؛ إذ غايتها أن يقال: إن أبا الزبير
قد نسي حين حدّث زهيراً، وكم من محدّث قد نسي حديثه بعدما حدّث به،
وهذا رسول الله ◌َي﴿ يقول: ((رحم الله فلاناً لقد أذكرني آية، كنت أُنسيتها))،
رواه مسلم، وقد صرّح الحافظ في ((النخبة)) أن الصحيح أنه لا يُردّ الحديث
لنسيان الشيخ إلا أن يقول: كذب عليّ، لم أحدّث بهذا.
[الثاني]: أنه قد تابع ابن جُريج ليث بن أبي سُليم عند أحمد، وابن
ماجه، وهو وإن كان مختلطاً، لكنه يصلح في المتابعة والشواهد، كما صرّح به
مسلم في مقدّمة ((صحیحه)).
[الثالث]: أن للحديث شاهداً صحيحاً، قال الإمام أحمد تَخْذَتهُ في
«مسنده)» :
(١٢٦٥٦) - ثنا محمد بن سلمة الحرّانيّ، عن هشام، عن محمد بن
سيرين قال: سئل أنس بن مالك عن خِضاب رسول الله وَله، فقال: إن
رسول الله وَ﴿ لم يكن شابَ إلا يسيراً، ولكن أبا بكر وعمر بعده خَضبا بالحنّاء
والكتم، قال: وجاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله وَي﴿ يوم فتح مكة
يحمله، حتى وضعه بين يدي رسول الله وَه، فقال رسول الله وكلفه لأبي بكر:
(لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه)) تكرمةً لأبي بكر، فأسلم، ولحيته، ورأسه
كالثَّغَامة بياضاً، فقال رسول الله وَّه: (غَيِّروهما، وجنِّوه السواد))(١). انتهى(٢).
(١) قال الشيخ مقبل كفّفُ في رسالته ص٤٣: حديث صحيح على شرط مسلم.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٦٠/٣.
٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
قال الحافظ الهيثميّ في ((المجمع)) بعد ذكر هذا الحديث: رواه أحمد،
وأبو يعلى، والبزّار باختصار، وفي ((الصحيح)) طرف منه، ورجال أحمد رجال
الصحيح(١).
وله أيضاً شاهد آخر صحيح أيضاً(٢)، قال ابن سعد رَّتُهُ في ((الطبقات)):
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ، عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني
يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت:
لَمّا دخل رسول الله وَّ مكة، واطمأنّ، وجلس في المسجد أتاه أبو بكر بأبي
قحافة، فلما رآه رسول الله وسلم قال: ((يا أبا بكر ألا تركت الشيخ حتى أكون
أنا الذي أمشي إليه؟)) قال: يا رسول الله هو أحقّ أن يمشي إليك من أن تمشي
إليه، فأجلسه رسول الله وَل﴿ بين يديه، ووضع يده على قلبه، ثم قال: يا أبا
قحافة أسلم تَسْلَم، قال: فأسلم، وشهد شهادة الحقّ، قال: وأُدخل عليه،
ورأسه ولحيته كأنهما ثُغامة، فقال رسول الله وَ له: ((غَيِّروا هذا الشيب، وجَنِّبوه
السواد)). انتهى(٣).
وأخرجه أيضاً الإمام أحمد(٤)، مطوّلاً، وابن حبّان في ((صحيحه))(٥)،
والحاكم في ((مستدركه))(٦).
ومن الشواهد أيضاً ما أخرجه أحمد في ((مسنده))، قال:
(١٣٦١٣) - حدّثنا قتيبة، قال: أنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران،
عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، عن أنس بن مالك قال: قال
رسول الله وَ﴾: ((غَيِّروا الشَّيْب، ولا تُقَرِّبوه السواد)). انتهى (٧).
(١) («مجمع الزوائد)) ١٦٠/٥.
(٢) حسّنه الشيخ مقبل كثّفُهُ، ولعله من أجل الكلام في ابن إسحاق، لكنه تقوّى
بالشواهد المذكورة، فالحقّ أنه صحيح، والله تعالى أعلم.
(٣) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٤٥١/٥.
(٤) ((المسند)) ٣٤٩/٦.
(٦) ((المستدرك)) ٤٦/٣.
(٧) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٤٧/٣.
(٥) ((صحيح ابن حبّان)) ٢٨٦/١٢.
٥٣
(٢٣) - بَابٌ فِي صِبْغِ الشَّعْرِ، وَتَغْبِيرِ الشَّيْبِ بِغَيْرِ سَوَادٍ - حديث رقم (٥٤٩٨)
وابن لهيعة متكلّم فيه، لكنه يصلح للاستشهاد به، ولا سيّما وقد عدّ
بعضهم قتيبة ممن روی عنه قبل اختلاطه.
ومن الشواهد أيضاً ما أخرجه البيهقيّ تَخَّقُ في ((الكبرى))، قال:
(١٤٦٠٠) - أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلويّ، أنا
أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، نا الحسن بن هارون، ثنا مكيّ بن
إبراهيم، أنا عبد العزيز بن أبي روّاد، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة بنظُه
ذكر النبيّ وَ ﴿ قال: ((غَيِّروا الشيب، ولا تشبَّهوا باليهود، واجتنبوا السواد)).
انتھی(١).
وعبد العزيز بن أبي روّاد فيه كلام، والحسن بن هارون قال أبو حاتم:
لا أعرفه، كما في ((لسان الميزان)»(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق بطلان دعوى الإدراج للفظ:
((واجتنبوا السواد))، وأن الحديث صحيح، لا كلام فيه، وأن صبغ من يصبغ
بالسواد متعلّلاً بالإدارج المذكور، باطل، فإياك وإياك أن تصبغ به، فتقع فيما نهى
عنه النبيّ ◌َ﴿، فتدخل في الوعيد الشديد الذي ذكره الله رَك في قوله: ﴿فَلَحْذَرِ
الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
وقد ألّف بعض المعاصرين المحقّقين في هذه المسألة رسالة، منهم
المحدّث الكبير الشيخ مقبل الوادعيّ اليمنيّ ◌َّهُ في رسالته القيّمة في
الخضاب(٣)، ومنهم الشيخ فريح بن صالح الهلال، فقد ألّف رسالة سمّاها:
((إتحاف الأمجاد باجتناب تغيير الشيب بالسواد))، وقد قدّم لها سماحة الشيخ
عبد العزيز بن باز تَخْثُ، وهي رسالة مفيدة كافية في الموضوع، فعليك
بمراجعتهما، فراجعهما تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٣١١/٧.
(٢) ذكره الشيخ مقبل كثّفُ في رسالته المذكورة ص٤٦.
(٣) هي مطبوعة ضمن مجموعة رسائل علميّة، وكلها له كثّفُ طبع دار الآثار، صنعاء.
٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
(٢٤) - (بَابٌ فِي الأَمْرِ بِمُخَالَفَةِ الْيَهُودِ فِي الصَّبْغِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٩٩] (٢١٠٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ بَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ،
فَخَالِفُوهُمْ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه
عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ فقيهٌ مكثر [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولى ميمونة المدنيّ، وقيل: أم سلمة،
ثقةٌ فاضلٌ، من كبار [٣] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٩.
والباقون ذُكروا في الأبواب السابقة القريبة.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيين كلاهما
من الفقهاء السبعة على خلاف في أبي سلمة، وفيه أبو هريرة ◌ُله رأس
المكثرين السبعة.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) قال في ((الفتح)): كذا جمع بينهما،
وتابعه الأوزاعيّ عن الزهريّ، أخرجه النسائيّ، ورواه صالح بن كيسان،
ويونس، ومعمر، عن الزهريّ عن أبي سلمة وحده، ورواية صالح عند البخاريّ
في ((أحاديث الأنبياء))، ورواية الآخرين عند النسائيّ عن أبي هريرة، وفي رواية
٥٥
(٢٤) - بَابٌ فِي الأَمْرِ بِمُخَالَفَةِ الْيَهُودِ فِي الصَّبْغِ - حديث رقم (٥٤٩٩)
إسحاق بن راهويه، عن سفيان بسنده، أنهما سمعا أبا هريرة، أخرجه النسائيّ.
انتھی(١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ قَالَ: ((إِنَّ الْبَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا
يَصْبُغُونَ) قال في ((الفتح)): هكذا أطلق، ولأحمد بسند حسن عن أبي أمامة،
قال: ((خرج رسول الله وَّيقول على مشيخة من الأنصار، بِيضٍ لحاهم، فقال: يا
معشر الأنصار حَمِّروا، وصفّروا، وخالفوا أهل الكتاب)).
وأخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) نحوه، من حديث أنس، وفي ((الكبير)) من
حديث عتبة بن عبد: ((كان رسول الله وَ ظله يأمر بتغيير الشعر مخالفةً للأعاجم))،
وقد تمسَّك به من أجاز الخضاب بالسواد، قاله في ((الفتح))(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا عجيب، كيف يحتجّ بالمفهوم مع وجود
المنطوق الصريح الصحيح: ((واجتنبوا السواد)»؟ إن هذا لشيء عُجاب، والله
تعالى المستعان.
(فَخَالِفُوهُمْ))) وللنسائيّ من حديث ابن عمر ◌ًّا رفعه: ((غَيِّروا الشيب،
ولا تشبهوا باليهود)»، ورجاله ثقات، لكن اختُلِف على هشام بن عروة فيه،
كما بيَّنه النسائيّ، وقال: إنه غير محفوظ، وأخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط))
من حديث عائشة، وزاد: ((والنصارى))، ولأصحاب ((السنن))، وصححه
الترمذيّ من حديث أبي ذرّ رفعه: ((إن أحسن ما غَيَّرتم به الشيب
الحناء والكتم))، وهذا يَحْتَمِل أن يكون على التعاقب، ويَحْتَمِل الجمع،
والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٩٩/٢٤] (٢١٠٣)، و(البخاريّ) في («أحاديث
(١) ((الفتح)) ٤١٧/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٩٩).
(٢) ((الفتح)) ٤١٧/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٩٩).
٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
الأنبياء)) (٣٤٦٢) و((اللباس)) (٥٨٩٩)، و(أبو داود) في ((الترجّل)) (٤٢٠٣)،
و(الترمذيّ) في ((اللباس)) (١٧٥٢)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (١٣٧/٨ و١٨٥)
و((الكبرى)) (٤١٤/٥ و٤١٥)، و(ابن ماجه) في ((اللباس)) (٣٦٢١)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠١٧٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨/
٤٣١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٧١/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٠/٢
و٢٦٠ و٣٠٩ و٤٠١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٤٧٠ و٥٤٧٣)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٢٧٣/٥ و٢٧٤)، و(الطبرانيّ) في (الأوسط)) (١٩٦/٨)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٦٦/١٠ و٣٦٧ و٣٦٩)، و(ابن سعد) في ((الطبقات))
(٤٣٩/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٩/٧ و٣١٠ و٣١١) و((شُعَب الإيمان))
(٢١١/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣١٧٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الخضاب.
٢ - (ومنها): أن في الصبغ مخالفةَ اليهود والنصارى، وهو من الأمور
المهمّة في الشرع، حيث إن فيه مباينة للأمة الخائنة لأنبيائها، ودينها، فلا ينبغي
التشبّه بهم في أيّ نوع من أنواع سلوكهم الأخلاقية، والعادات؛ لكونها ضدّ
الشريعة الإسلامية.
٣ - (ومنها): أن فيه الأمر بالصبغ، والأمر للوجوب عند جمهور
الأصولين، إلا إذا كان له صارف يصرفه عن الوجوب إلى غيره، والقول
بالوجوب منقول عن الإمام أحمد رَّتُهُ، كما سبق، وهو الحقّ؛ إذ لا صارف
للأمر عن الوجوب. وقد سبق تمام البحث في هذا قريباً، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٥) - (بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٠٠] (٢١٠٤) - (حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: وَاعَدَ
٥٧
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٠)
رَسُولَ اللهِ وَّهِ جِبْرِيلُ عَّهُ فِي سَاعَةٍ بَأْتِيهِ فِيهَا، فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ، وَلَمْ يَأْتِهِ،
وَفِي يَدِهِ عَصاً، فَأَلْقَاهَا مِنْ يَدِهِ، وَقَالَ: (مَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ، وَلَا رُسُلُهُ))، ثُمَّ
الْتَفَتَ، فَإِذَا جِرْؤُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ (١)، فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ مَتَى دَخَلَ هَذَا الْكَلْبُ
هَا هُنَا؟))، فَقَالَتْ: وَاللّهِ مَا دَرَيْتُ، فَأَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((وَاعَدْتَنِي، فَجَلَسْتُ لَكَ، فَلَمْ تَأْتِ))، فَقَالَ: مَنَعَنِي الْكَلْبُ الَّذِي
كَانَ فِي بَيْتِكَ، إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سهل الْهَرَويّ، ثم الْحَدَثانيّ، ويقال له:
الأنباريّ، أبو محمد صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقّن، من قدماء
[١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة (م ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ) المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٨] (ت١٨٤) أو قبله
ء
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٠/٤٥.
٣ - (أَبُوهُ) سلمة بن دينار التمّار الأعرج المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن
سفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٣/٥٠.
٤ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿يّا، تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣١٥.
و((أبو سلمة)) ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُ، وهو مسلسل بالمدنیین، سوی شیخه،
كما مرّ آنفاً، وفيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أحد
الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة ﴿يا من المكثرين السبعة، روت
من الحديث (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(أَنَّهَا قَالَتْ: وَاعَدَ رَسُولَ اللهِ وَلِ جِبْرِيلُ بَِّلا) بنصب
(عَنْ عَائِشَةَ)
(١) وفي نسخة: ((تحت سرير)).
٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
(رسولَ)) مفعولاً مقدّماً، ورفع ((جبريلُ)) على الفاعليّة، (فِي سَاعَةٍ) متعلّق
بـ((واعد))، و((في)) بمعنى الباء، وقوله: (يَأْتِيهِ فِيهَا) في محلّ جرّ صفة لـ((ساعة))،
(فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ) التي واعده أن يأتيه فيها، (وَلَمْ يَأْتِهِ)؛ أي: لم يأت
جبريلُ عَلَّهُ النبيّ وَّ، وقوله: (وَفِي يَدِهِ عَصاً) جملة من مبتدأ مؤخّر، وخبر
مقدّم، في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أن في يده وَّ عصاً يتوكّأ
عليها، والعصا مقصورٌ مؤنّثةٌ، والتثنية عَصَوَان، والجمع أَعْصِ، وعِصِيٍّ على
فُعُولٍ، مثلُ أَسَدٍ وأُسُود، والقياس أَعْصَاءٌ، مثلُ سبَبٍ وأَسْبَابٍ، لكنه لم يُنقَل،
قاله ابن السِّكِّيت، ذكره في ((المصباح))(١).
وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): العصا الْعُودُ، أصلها من الواو؛ لأن
أصلها عَصَوَوٌ، على هذا تثنيته عَصَوَان، قيل: سُمِّيت بها؛ لأن الأصابع واليد
تجتمع عليها، من قولهم: عَصَوت القوم أعصُوهم: إذا جمعتهم، رواه
الأصمعيّ عن بعض البصريين، قال: ولا يجوز مدُّ العصا، ولا إدخال التاء
معها، وقال الفراء: أوّلُ لحن سُمع بالعراق: هذه عصاتي، وهي: أنثى،
جمعها: أَعْصِ، مثلُ زَمَنٍ وأزمُنٍ، وأعصاء؛ كسَبَب وأسباب، وعُصِيّ؛ كُعُتِيّ،
وعِصِيّ بالكسر، قال الجوهريّ: وهو فُعُول، وإنما كُسرت العين إتباعاً لِمَا
بعدها، من الكسرة، وقال سيبويه: جعلوا أَعْصِياً بدل أعصاء، وأنكر أعصاءً.
(٢) .
انتهى .
والظاهر أنه ◌َ﴾ أخذ العصا يتوكّأ عليها، أو ينكت بها في الأرض، فقد
أخرج البخاريّ من حديث ابن مسعود ظُه: ((قال: بينا أنا أمشي مع النبيّ وَلـ
في خَرِب المدينة، وهو يتوكأ على عَسِيب معه ... )) الحديث، وأخرج أحمد،
وأبو داود بإسناد صحيح، من حديث البراء ظُه: ((خرجنا مع رسول الله وَال
في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولَمّا يُلْحَدْ، فجلس
رسول الله وَ﴾، وجلسنا حوله، كأنما على رؤوسنا الطير، وفي يده عُودٌ يَنْكُت
به في الأرض ... )) الحديث، وأخرج الشيخان من حديث عليّ رَظُه نحوه.
(١) ((المصباح المنير)) ٢ /٤١٤.
(٢) ((تاج العروس)) ٨٤٩٩/١.
٥٩
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٠)
(فَأَلْقَاهَا)؛ أي: العصا، (مِنْ يَدِهِ) وَ﴿، ولعله ألقاها تأسّفاً على تأخّر
جبريل علّ من وعده. (وَقَالَ) وَِّ: ((مَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ، وَلَا رُسُلُهُ))) ومنهم
جبريل عليه؛ أي: إلا لسبب يوجب الخلف، (ثُمَّ الْتَفَتَ) بَهِ (فَإِذَا جِرْوُ كَلْبٍ)
((إذا)) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأه وجود جرو كلب، و((الْجِرْو)) بتثليث الجيم،
وإسكان الراء، آخره واو، قال المجد كَُّ: الْجُرْوُ مثلثةً: صغير كلّ شيء حتى
الحنظل، والبطيخ، ونحوه، ووَلَّدُ الكلب، والأسد. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ ◌َّفُ: الْجِرْوُ بالكسر: وَلَدُ الكلب، والسباع، والفتح،
والضم لغةٌ، قال ابن السِّكِّيت: والكسر أفصح، وقال في ((البارع)): الجِرْو:
الصغير من كلّ شيء، والجِرْوَة أيضاً: الصغيرة من القثاء، شُبِّهت بصغار أولاد
الكلاب؛ لِلِينها، ونعومتها، والجمع: جِرَاءٌ، مثل كِتَاب، وأَجْرٍ، مثل أَقْلسٍ.
انتھی(٢).
(تَحْتَ سَرِيرٍهٍ) هكذا في بعض النُّسخ بالضمير، وفي بعضها: ((تحت
سرير)) بلا ضمير، (فَقَالَ) بَّهِ ((يَا عَائِشَةُ مَتَى دَخَلَ هَذَا الْكَلْبُ هَا هُنَا؟))؛ أي:
تحت السرير، (فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا دَرَيْتُ) بفتح الدال، والراء، من باب ضرب؛
أي: ما علمت وقت دخوله، (فَأَمَرَ بِهِ) ببناء الفعل للفاعل؛ أي: أمر النبيّ ◌َليه
بذلك الجرو أن يُخَرِج، (فَأُخْرِجَ) بالبناء للمفعول، (فَجَاءَ جِبْرِيلُ) عَ* (فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّ﴾ لجبريل ((وَاعَدْتَنِي)؛ أي: بأن تأتيني في الوقت الفلانيّ،
(فَجَلَسْتُ لَكَ)؛ أي: لأجل لقائك، (فَلَمْ تَأْتٍ)))؛ أي: فما السبب في عدم
إتيانك؟ (فَقَالَ) جبريل لعلَّهُ مبيّناً سبب عدم إتيانه: (مَتَعَنِي الْكَلْبُ)؛ أي: الجرو
(الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِكَ) ثم بيّن له أن هذا ليس خاصّاً به، بل جميع الملائكة
كذلك، فقال: (إِنَّا) معشر الملائكة (لَا نَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ) قال
الطيبيّ كَُّ: من حقّ الظاهر أن تكرّر ((لا))، فيقال: لا كلبٌ، ولا صورة،
ولكن لَمّا وقع في سياق النفي جاز؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا
[الأحقاف: ٩]، وفيه من التأكيد أنه لو لم تُذكر ((لا)) لاحتمل أن المنفيّ
بِكُمْ﴾
الجمع بينهما، نحو قولك: ما كلّمتُ زيداً ولا عمراً، ولو حذفت ((لا)) جاز أن
(١) ((القاموس المحيط)» ص٢١٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٩٨/١.
٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
تُكلّم أحدهما؛ لأن الواو للجمع، وإعادة ((لا))؛ كإعادة الفعل. انتهى(١).
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: الملائكة هنا - وإن كان عموماً - فالمراد به
الخصوص، فإنَّ الحفظة ملازمة للإنسان، هكذا قاله بعض علمائنا، والظاهر
العموم، والمخصص ليس نصّاً، وكذلك قوله: كلب، وصورة؛ كلاهما
للعموم؛ لأنَّهما نكرتان في سياق النفي، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد
به الكلاب التي لم يؤذن في اتخاذها، فيُستثنى من ذلك كلب الصيد، والماشية
والزرع.
وأما الصورة: فيُراد بها التماثيل من ذوات الأرواح، ويستثنى من ذلك
الصورة المرقومة، كما نصَّ عليه في الحديث، على ما يأتي.
وإنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه التمثال؛ لأن متَّخذها في بيته قد
تشبَّه بالكفار الذين يتخذون الصور في بيوتهم، ويُعلّقونها، فكرهت الملائكة
ذلك منه، فلم تدخل بيته هجراناً له، وغضباً عليه.
واختُلِف في المعنى الذي في الكلب المانع للملائكة من الدخول،
فذهبت طائفة إلى أنَّه النجاسة، وهو من حجج من قال بنجاسة الكلب، ويتأيد
ذلك بنضحه وير موضع الكلب.
قال القرطبيّ: وهذا ليس بواضح، وإنما هو تقدير احتمال يعارضه
احتمالات آخر:
أحدها: أنها من الشياطين، كما قد جاء في بعض الحديث.
وثانيها: استخباث روائحها، واستقدارها.
وثالثها: النجاسة التي تتعلق بها؛ فإنَّها تأكلها وتتلطخ بها، فتكون نجسة
بما يتعلق بها، لا لأعيانها، والمخالف يقول: هي نجسة الأعيان، وعلى ما
قلناه: يصح أن يقال: أنَّه وَ له شك في طهارة موضعه؛ لإمكان أن يكون أصابه
من النجاسة اللازمة لها غالباً شيء، فنضحه؛ لأنَّ النضح طهارة للمشكوك فيه،
فلو تحقق إصابة النجاسة الموضع لغسله؛ كما فعل ببول الأعرابي، ولو كان
الكلب نجساً لِعَيْنه، لا لِمَا يتعلق به لَمَا احتاج إلى غَسله، كما لا يحتاج إلى
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٩٤٤/٩ - ٢٩٤٥.