النص المفهرس

صفحات 1-20

التّ الحُظُ التَاثِ
في شرح
جَه الإمام مسلمبن الحجاج
لَجَامِعِهِ الْفَقِيُ الإِصَوْلَه الغَنِ الْقَدِرُ
مُحَدَابرُ الشَّهُ الْعُلَّمَ بَلِ بْنَ آدَمِ بنُمُوسَى الإِنْيُّوُالوَلْوِيّ
◌ُوَيَلْمِ العِلْم بِمَكّة المُكْمَة
عَفَا اللَّه تَعَالَى عَنْهُ، وعَن ◌َالديه آمين
المَجَلَّد الخَامِسُ وَالثَّلاثونْ
كِتَابُ: اللِّبَاسِ وَالزَّيْنَّة - الآدَابُ - السَّلَامِ.
الطِّبُ، وَالَرضَى وَالرُّقى
رقم الأحاديث (٥٤٨٣ - ٥٦٩٠)
دارابن الجوزي

بِشِـ
٦

في شرح
جميع الإِطِ مُسْلِمُ الحَجَارِ
٣٥

جِقُوق الطّرِّع محفوظة لِدارابن الجوزي
الطَّبَعَة الأولى
١٤٣٥هـ
حقوق الطبع محفوظة ٢ ١٤٣٥هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
ـن
دارابن
ـوري
للنشر والتوزيع
دارابن الجوزي
لِلِنّشر والتوزيْع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٥٧
الرمز البريدي: ٣٢٢٥٣ - الرقم الإضافي : ٨٤٠٦ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨
جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت
هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٣٨٨
تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني:
aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

٥
(١٧) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الاِنْتِعَالِ، وَالِاِسْتِكْثَارِ مِنَ النِّعَالِ - حديث رقم (٥٤٨٣)
براسه الرحمن الرحيم
يوم الجمعة (١) الحادي عشر من شهر محرَّم ١٤٣٢/١/١١هـ
ابتدأت بكتابة أول الجزء الخامس والثلاثين من شرح
((صحيح الإمام مسلم) المسمّى («البحر المحيط النجّاج في
شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج)» رحمه الله تعالى.
(١٧) - (بَابُ مَا جَاءَ فِي الاِنْتِعَالِ، وَالاِسْتِكْثَارِ مِنَ النِّعَالِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٨٣] (٢٠٩٦) - (حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ،
حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَِّيَّ ◌َهِ يَقُولُ فِي غَزْوَةٍ
غَزَوْنَاهَا: ((اسْتَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِباً مَا انْتَعَلَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار
[١١] مات سنة بضع و(٢٤) (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٠.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، أبو عليّ الْحَرّانيّ،
نُسب لجدّه، صدوقٌ [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٣ - (مَعْقِلُ) بن عبيد الله الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ مولاهم، صدوقٌ
يُخطىء [٨] (ت١٦٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ،
صدوق يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
(١) ذلك في الساعة العاشرة والنصف بالتوقيت الزواليّ.

٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ﴿ه، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
شرح الحديث :
ئه أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ فِي غَزْوَةٍ غَزَوْنَاهَا) لم
(عَنْ جَابِرٍ).
تسمّ تلك الغزوة، ((اسْتَكْثِرُوا)؛ أي: أكثروا (مِنَ النِّعَالِ)؛ أي: من استعمال
النعال، ولُبسها، (فَإِنَّ الرَّجُلَ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن الرجل (لَا يَزَالُ رَاكِباً مَا
انْتَعَلَ))) ((ما)) مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّة انتعاله، قال النوويّ تَخَّتُهُ: معناه أنه
شبيه بالراكب في خفة المشقّة عليه، وقلّة تَعَبه، وسلامة رِجْله مما يَعْرِض في
الطريق، من خشونة، وشوك، وأذّى، ونحو ذلك، وفيه استحباب الاستظهار
في السفر بالنعال، وغيرهما، مما يحتاج إليه المسافر، واستحباب وصية الأمير
أصحابه بذلك. انتهى(١).
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: قوله ◌َّ: (استكثروا من النعال ... إلخ)) هذا كلام
بليغ، ولفظ فصيح، بحيث لا يُنسج على منواله، ولا يؤتى بمثاله، وهو إرشاد
إلى المصلحة، وتنبيه على ما يُخَفِّف المشقة، فإنَّ الحافي المديم للمشي يَلْقَى
من الآلام، والمشقات بالعِثار، والوَجَى (٢)، ما يقطعه عن المشي، ويمنعه من
الوصول إلى مقصوده، بخلاف المنتعل؛ فإنَّه لا يحصل له ذلك، فيدوم مشيه،
فيصل إلى مقصوده؛ كالرَّاكب، فلذلك شبّهه بالرَّاكب، حيث قال: ((لا يزال
راكباً ما انتعل)). انتهى (٣).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر به هذا من أفراد المصنّف دخّلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٨٣/١٧] (٢٠٩٦)، و(أبو داود) في ((اللباس))
(١) ((شرح النوويّ)) ٧٣/١٤.
(٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٤١٤/٥.
(٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٤١٤/٥.

٧
(١٨) - بَابٌ إِذَا انْتَعَلَ فَلْيَبْدَأُ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ - حديث رقم (٥٤٨٤)
(٤١٣٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥٠٥/٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٤٥٧ و٥٤٥٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٦٣/٥)، و(الطبرانيّ) في
((الأوسط)) (٢٠٢/٥ و٢٦٢/٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٣٧/٣ و٣٦٠)،
و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (١٧٧/٥)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: لم ينفرد معقل بن عبيد الله بروايته لهذا الحديث عن أبي الزبير،
بل تابعه موسى بن عقبة، وهو ثقة ثبتٌ، فرواه عنه، أخرجه الطبرانيّ في
((الأوسط))(١).
وتابعه أيضاً ابن لهيعة، عن أبي الزبير، أخرجه أحمد في ((مسنده) (٢)،
وابن لهيعة وإن تُكُلّم فيه إلا أنه صالح للمتابعة، ولا سيّما والراوي عنه قتيبة بن
سعيد، وهو ممن قوى بعضهم روايته عن ابن لهيعة، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٨) - (بَابٌ إِذَا انْتَعَلَ فَلْيَبْدَأُ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَخَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٨٤] (٢٠٩٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامِ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا
الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، أَنَّ رَسُولَ اللهِ إِلَهـ
قَالَ: ((إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأُ بِالْيُمْنَى، وَإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ، وَلْيُنْعِلْهُمَا
جَمِيعاً، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعاً))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّام(٣) الْجُمَحِيُّ) مولاهم، أبو حرب البصريّ،
أخو محمد الأخباريّ، صدوقٌ [١٨] (ت٢٣١) أو بعدها (م) من أفراد المصنّف
تقدم في ((الإيمان)) ٥٢٦/١٠٠.
(١) ((المعجم الأوسط)) ٢٠٢/٥.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٦٠/٣.
(٣) بتشديد اللام.

٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
٢ - (الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِم) الْجُمَحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت١٦٧)
(بخ م د ت س) تقدم في ((الإيمان) ١٠٠/ ٥٢٦.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجُمحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل
البصرة، ثقةٌ ثبتٌ ربما أرسل [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٠/٩٢.
٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وهو (٤١٩) من رباعيّات الكتاب، وهو
مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((إِذَا انْتَعَلَ)؛ أي: لبسِ
النعل، (أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى) وفي لفظ للبخاريّ: (باليمين))، (وإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأُ
بِالشِّمَالِ)؛ أي: بخلع النعل التي على الرِّجل الشمال، زاد في رواية البخاريّ:
(لتكن اليمنى أولهما تُنعل، وآخرهما تُنزع))، قال في ((الفتح)): زعم ابن وضاح
فيما حكاه ابن التين أن هذا القَدْر - يعني قوله: ((لتكن اليمنى ... إلخ)) - مدرجٌ،
وأن المرفوع انتهى عند قوله: ((بالشمال))، وضَبَط قوله: ((أولهما))، و((آخرهما))
بالنصب على أنه خبر ((كان))، أو على الحال، والخبر: ((تُنْعَل))، و((تُنْزَع))،
وضُبطا بمثناتين فوقانيتين، وتحتانيتين، مذكَّرتين، باعتبار النَّعْل، والْخَلَع.
(وَلْيُنْعِلْهُمَا) بضمّ أوله، من الإنعال؛ أي: ليُلبس الرِّجلين نعلاً، (جَمِيعاً)
قال ابن عبد البرّ كَخْتُ: أراد القدمين - أي بقوله: ((ينعلهما)) - وإن لم يَجْر لهما
ذِكْر، وهذا مشهور في لغة العرب، وورد في القرآن: ﴿أَن يُؤْثَ﴾ [آل عمران: ٧٣]
بضمير لم يتقدم له ذِكر؛ لدلالة السياق عليه.
وقوله: ((ينعلهما)) ضبطه النوويّ بضم أوله، من أنعل، وتعقبه العراقيّ في
((شرح الترمذيّ)) بأن أهل اللغة قالوا: نَعَلَ، بفتح العين، وحُكِي كسرها،
وانتعل؛ أي: لبس النعل، لكن قد قال أهل اللغة أيضاً: أنعل رِجله: ألبسها
نَعْلاً، ونَعَلَ دابته: جَعَل لها نعلاً، وقال صاحب: ((المحكم)): أنعل الدابةَ
والبعيرَ، ونَعَّلهما، بالتشديد، وكذا ضبطه عياض في حديث عمر ظه: أن

٩
(١٨) - بَابٌ إِذَا انْتَعَلَ فَلْيَبْدَأُ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ - حديث رقم (٥٤٨٤)
غسان تُنْعِل الخيل، بالضم؛ أي: تجعل لها نعالاً، والحاصل أن الضمير إن
كان للقدمين جاز الضم والفتح، وإن كان للنعلين تعيَّن الفتح، قاله في
((الفتح)(١).
(أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعاً») كذا في رواية مسلم، والضمير يعود على النعلين؛
لأن ذِكْر النعل قد تقدم، ووقع في رواية البخاريّ، وكذا هو في (الموطأ)): ((أو
لِيُخْفهما جميعاً))، قال النوويّ: وكلا الروايتين صحيح، والله أعلم.
وفي الرواية التالية: ((لا يمش أحدكم في نعل واحدة، ليُنعلهما جميعاً،
أو ليخلعهما جميعاً)).
قال الخطابيّ تَّثُ: الحكمة في النهي أن النعل شُرعت لوقاية الرِّجل عما
يكون في الأرض، من شوك، أو نحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج
الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجية
مشيه، ولا يأمن مع ذلك من العثار، وقيل: لأنه لم يَعْدِل بین جوارحه، وربما
نُسب فاعل ذلك إلى اختلال الرأي، أو ضَعفه.
وقال ابن العربيّ: قيل: العلة فيها أنها مِشية للشيطان، وقيل: لأنها
خارجة عن الاعتدال.
وقال البيهقيّ: الكراهة فيه للشهرة، فتمتدّ الأبصار لمن يُرَى ذلك منه،
وقد ورد النهي عن الشهرة في اللباس، فكل شيء صَيّر صاحبه ذا شهرة، فحقّه
أن يُجتنب.
وأما ما أخرجه مسلم من طريق أبي رَزين، عن أبي هريرة ظُبه بلفظ:
((إذا انقطع شِسْع أحدكم فلا يمش في نعل واحدة، حتى يصلحها))، وله من
حديث جابر: ((حتى يصلح نعله))، وله ولأحمد من طريق همام، عن أبي
هريرة: ((إذا انقطع شسع أحدكم، أو شراكه، فلا يمش في إحداهما بنعل،
والأخرى حافية، ليُحفهما جميعاً، أو لينعلهما جميعاً))، فهذا لا مفهوم له حتى
يدلّ على الإذن في غير هذه الصورة، وإنما هو تصويرٌ خرج مخرج الغالب،
ويمكن أن يكون من مفهوم الموافقة، وهو التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا
(١) ((الفتح)) ٣٤٥/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٥٥).

١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
مُنع مع الاحتياج فمع عدم الاحتياج أولى، وفي هذا التقرير استدراك على من
أجاز ذلك حين الضرورة، وليس كذلك، وإنما المراد أن هذه الصورة قد يُظنّ
أنها أخفّ لكونها للضرورة المذكورة، لكن لعلة موجودة فيها أيضاً، وهو دالٌ
على ضَعف ما أخرجه الترمذيّ عن عائشة ظُنّا، قالت: ((ربما انقطع شسع نعل
رسول الله ◌َ، فمشى في النعل الواحدة حتى يصلحها))، وقد رَجّح البخاريّ
وغير واحد وَقْفه على عائشة.
وأخرج الترمذيّ بسند صحيح عن عائشة أنها كانت تقول: ((لأخيفن أبا
هريرة، فيمشي في نعل واحدة))، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة موقوفاً، وكأنها لم
يبلغها النهي، وقولها: (لأخيفن)) معناه: لأفعلنّ فعلاً يخالفه، وقد اختُلِف في
ضبطه، فرُوي ((لأخالفن))، وهو أوضح في المراد، ورُوي: ((لأُحَنّثنّ))، من
الحِنث بالمهملة، والنون، والمثلثة، واستُبْعِد، لكن يمكن أن يكون بلغها أن أبا
هريرة حَلَف على كراهية ذلك، فأرادت المبالغة في مخالفته، ورُوي: ((لأخيفنّ))
بكسر المعجمة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم فاء، وهو تصحيف، وقد وُجُّهت بأن
مرادها أنه إذا بلغه أنها خالفته أمسك عن ذلك؛ خوفاً منها، وهذا في غاية
البُعد، وقد كان أبو هريرة يَعْلَم أن من الناس من يُنكر عليه هذا الحكم، ففي
رواية مسلم الآتية من طريق أبي رَزِين: ((خَرَج إلينا أبو هريرة، فضرب بيده على
جبهته، فقال: أما إنكم تَحَدَّثون أني أكذب، لتهتدوا، وأضلّ، أشهد
لسمعت ... ))، فذكر الحديث.
وقد وافق أبا هريرة جابر على رفع الحديث، فأخرج مسلم من طريق ابن
جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابراً يقول: ((إن النبيّ وَلّ قال: لا يمش
في نعل واحدة ... )) الحديث، ومن طريق مالك، عن أبي الزبير، عن جابر:
(نَهَى النبيّ ◌َّير أن يأكل الرجل بشماله، أو يمشي في نعل واحدة))، ومن طريق
أبي خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر، رفعه: ((إذا انقطع شِسْع أحدكم، فلا
يمش في نعل واحدة، حتى يُصلح شِسْعه، ولا يمشي في خُفّ واحد)).
قال ابن عبد البرّ: لم يأخذ أهل العلم برأي عائشة في ذلك.
وقد ورد عن عليّ، وابن عمر أيضاً أنهما فعلا ذلك، وهو إما أن يكون
بلغهما النهي، فحملاه على التنزيه، أو كان زمن فِعلهما يسيراً بحيث يُؤْمَن معه

١١
(١٨) - بَابٌ إِذَا انْتَعَلَ فَلْيَبْدَأُ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ - حديث رقم (٥٤٨٤)
المحذور، أو لم يبلغهما النهي، أشار إلى ذلك ابن عبد البرّ، ذَكَره في
((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة حبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٨٤/١٨ و٥٤٨٥] (٢٠٩٧)، و(البخاريّ) في
((اللباس)) (٥٨٥٦)، و(أبو داود) في ((اللباس)) (٤١٣٩)، و(الترمذيّ) في
((اللباس)) (١٧٧٩) و((الشمائل)) (٧٩)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩١٦/٢)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٢٤٥/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٤٥٥)، و(أبو
عوانة) في («مسنده)) (٢٦٥/٥)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٥٢/٦)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/ ٤٣٢) و((شُعَب الإيمان)) (١٧٨/٥)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنَّة)) (٣١٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(٢):
١ - (منها): بيان مشروعيّة الابتداء باليمنى في الانتعال، قال ابن العربيّ:
البداءة باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصالحة، لفضل اليمين حِسّاً في
القوّة، وشرعاً في الندب إلى تقديمها .
وقال النوويّ: يُستحبّ البداءة باليمنى في كل ما كان من باب التكريم،
والزينة، والنظافة، ونحو ذلك؛ كلبس النعل، والخفّ، والمَداس، والسراويل،
والكمّ، وحلق الرأس، وترجيله، وقصّ الشارب، ونتف الإبط، والسواك،
والاكتحال، وتقليم الأظفار، والوضوء، والغسل، والتيمم، ودخول المسجد،
والخروج من الخلاء، ودفع الصدقة، وغيرها، من أنواع الدفع الحسنة، وتناول
الأشياء الحسنة، ونحو ذلك. انتهى(٣).
٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة تقديم اليسرى على اليمنى في الخَلع، قال
(١) ((الفتح)) ٣٤٥/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٥٥).
(٢) المراد فوائد أحاديث الأبواب الثلاثة المتعلّقة بالكلام في النعال، فتنبّه.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٧٤/١٤.

١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
النوويّ تَُّهُ: يُستحبّ البداءة باليسار في كل ما هو ضدّ السابق في المسألة
الأُولى، فمن ذلك خلع النعل، والخفّ، والمداس، والسراويل، والكمّ،
والخروج من المسجد، ودخول الخلاء، والاستنجاء، وتناول أحجار
الاستنجاء، ومسّ الذكر، والامتخاط، والاستنثار، وتعاطي المستقدرات،
وأشباهها. انتهى(١).
وقال الْحَلِيمِيّ كَّلُ: وجه الابتداء بالشمال عند الخلع أن اللبس كرامة؛
لأنه وقاية للبدن، فلما كانت اليمنى أكرم من اليسرى بُدىء بها في اللبس،
وأُخّرت في الخلع؛ لتكون الكرامة لها أدوم وحظها منها أكثر.
وقال ابن عبد البرّ كَّتُهُ: من بدأ بالانتعال في اليسرى أساء؛ لمخالفة
السُّنَّة، ولكن لا يحرم عليه لُبس نعله، وقال غيره: ينبغي له أن ينزع النعل من
اليسرى، ثم يبدأ باليمنى، ويمكن أن يكون مراد ابن عبد البر ما إذا لبسهما
معاً، فبدأ باليسرى، فإنه لا يشرع له أن ينزعهما، ثم يلبسهما على الترتيب
المأمور به؛ إذ قد فات محله، ونقل عياض وغيره الإجماع على أن الأمر فيه
للاستحباب، والله أعلم.
٣ - (ومنها): بيان النهي عن المشي في نعل واحدة، قال النوويّ رَّتُهُ:
يُكره المشي في نعل واحدة، أو خفّ واحد، أو مداس واحد، لا لعذر،
ودليله هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم، قال العلماء: وسببه أن ذلك تشويه،
ومُثلةٌ، ومخالف للوقار، ولأن المنتعَلة تصير أرفع من الأخرى، فيعسر مشيه،
وربما كان سبباً للعِثَار، وهذه الآداب الثلاثة التي في المسائل الثلاث مُجْمَع
على استحبابها، وأنها ليست واجبةً، وإذا انقطع شسعه، ونحوه، فليخلعهما،
ولا يمشي في الأخرى وحدها، حتى يُصلحها، ويُنعلها، كما هو نصّ في
الحديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: إن صحّ الإجماع الذي ادّعاه النوويّ في عدم
وجوب هذه الثلاثة من الابتداء باليمنى في الانتعال، وباليسرى في الخلع، ومن
النهي عن المشي بنعل واحدة، فذاك، وإلا فظاهر النصّ الوجوب والتحريم؛
(١) ((شرح النوويّ)) ٧٤/١٤ - ٧٥.

١٣
(١٨) - بَابٌ إِذَا انْتَعَلَ فَلْيَبْدَأُ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ - حديث رقم (٥٤٨٥)
لأنه بصيغة الأمر والنهي، وهما للوجوب، والتحريم ما لم يصرف عن ذلك
صارف، فإن صحّ الإجماع فهو الصارف، وإلا فالأصل البقاء على الوجوب
والتحريم، فتأمل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٨٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ قَالَ: ((لَا يَمْشِ
أَحَدُكُمْ فِي نَعْلِ وَاحِدَةٍ، لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعاً، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعاً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم تقدّموا في السند الماضي، وقبل أبواب، وشرح الحديث يُعلم مما
قبله.
وقوله: (لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلِ وَاحِدَةٍ ... إلخ) هذا خطاب لمن انقطع
شِسْع أحد نعليه، فنهاه عن أن يمشي في نعل واحدة؛ لأنَّ ذلك من باب
التشويه، والمُثلة، ولأنه مخالف لزيّ أهل الوقار، وقد يُخِلّ بالمشي، وهذا
كما قد جاء في الحديث المفسَّر بعد هذا، ويجيء حديث أبي هريرة الذي قال
فيه: ((إذا انقطع شسع أحدكم، فلا يمشي في الأخرى حتى يصلحها))، وقد
اختلف علماؤنا في ذلك، فقال مالك بظاهر هذا الحديث: إن من انقطع نعله
لم يمش في الأخرى، ولا يقف فيها، وإن كان في أرضٍ حارّة ليُحفها، ولا بدَّ
حتى يصلح الأخرى إلا في الوقوف الخفيف، والمشي اليسير، وقد رخص
بعض السلف في المشي في نعل واحدة، وهو قولٌ مردودٌ بالنُّصوص المذكورة،
ولا خلاف في أن أوامر هذا الباب ونواهيه إنما هي من الآداب المكملة،
وليس منها شيء على الوجوب، ولا الحظر عند معتبَرِ بقوله من العلماء، والله
تعالى أعلم. انتهى(١) .
وقال عياض(٢): رُوي عن بعض السلف في المشي في نعل واحدة، أو
خفّ واحد أثر لم يصحّ، أو له تأويل في المشي اليسير بقدر ما يُصلح
(١) ((المفهم)) ٤١٥/٥ - ٤١٦.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٦١٦/٦.

١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
الأخرى، والتقييد بقوله: ((لا يمش)) قد يَتمسك به من أجاز الوقوف بنعل
واحدة، إذا عَرَضَ للنعل ما يحتاج إلى إصلاحها، وقد اختُلِف في ذلك، فنقل
عياض عن مالك أنه قال: يخلع الأخرى، ويقف، إذا كان في أرض حارّة، أو
نحوها، مما يضر فيه المشي فيه حتى يصلحها، أو يمشي حافياً إن لم يكن
ذلك، قال ابن عبد البرّ: هذا هو الصحيح في الفتوى، وفي الأثر، وعليه
العلماء، ولم يتعرض لصورة الجلوس، والذي يظهر جوازها؛ بناء على أن
العلة في النهي ما تقدَّم ذِكره، إلا ما ذُكر من إرادة العدل بين الجوارح، فإنه
يتناول هذه الصورة أيضاً، قاله في ((الفتح))(١).
وقال في ((الفتح)) أيضاً: قد يدخل في هذا كل لباس شَفْع؛ كالخفين،
وإخراج اليد الواحدة من الكمّ دون الأخرى، وللتردي على أحد المنكبين دون
الآخر، قاله الخطابيّ، قال: وقد أخرج ابن ماجه حديث الباب من رواية
محمد بن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ظُبه بلفظ: ((لا يمش
أحدكم في نعل واحدة، ولا خُفّ واحد))، وهو عند مسلم أيضاً من حديث
جابر، وعند أحمد من حديث أبي سعيد، وعند الطبرانيّ من حديث ابن
عباس، وإلحاق إخراج اليد الواحدة من الكمّ، وترك الأخرى بلُبس النعل
الواحدة، والخفّ الواحد بعيد، إلا إن أُخذ من الأمر بالعدل بين الجوارح،
وترك الشهرة، وكذا وضْع طَرَف الرداء على أحد المنكبين، والله أعلم.
(٢)
انتھی(٢).
والحديث تقدّم تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٨٦] (٢٠٩٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ
لأَبِي كُرَيْبٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: خَرَجَ
إِلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَقَالَ: أَلَا إِنَّكُمْ تَحَدَّثُونَ أَنِّي أَكْذِبُ
(١) ((الفتح)) ٣٤٥/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٥٥).
(٢) ((الفتح)) ٣٤٥/١٣ - ٣٤٦، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٥٥).

١٥
(١٨) - بَابٌ إِذَا انْتَعَلَ فَلْيَبْدَأُ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا خَلَمَ فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ - حديث رقم (٥٤٨٦)
عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ، لِتَهْتَدُوا، وَأَضِلَّ، أَلَا، وَإِنِّي أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهُ
يَقُولُ: ((إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشٍ فِي الأُخْرَى، حَتَّى يُصْلِحَهَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ ورِعٌ، لكنه يُدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٧.
٢ - (أَبُو رَزِينٍ) مسعود بن مالك الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٢]
(ت٨٥) (بخ م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٢٦/ ٦٥٠.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل أبواب، و((ابن إدريس)) هو: عبد الله بن
إدريس الأوديّ الكوفيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي رَزِينٍ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، مسعود بن مالك الأسديّ أنه
(فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ) إنما ضَرب أبو
(قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َ﴾
هريرة ظته بيده على جبهته - والله أعلم - تعجّباً، واستغراباً لاتهامهم له،
والظاهر أنه سمع بإنكار عائشة ؤها عليه، فقد تقدّم أنها كانت تقول: لأخيفنّ
أبا هريرة، فيمشي بنعل واحدة، وقد تقدّم الخلاف في ضَبْطه، والظاهر أنها لم
يبلغها النهي عن ذلك، وقد حفظه أبو هريرة، وهو لم ينفرد به، بل رواه معه
جابر بن عبد الله ﴿، كما سيأتي عند مسلم في التالي، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) أبو هريرة (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، (إِنَّكُمْ تَحَدَّثُونَ) بحذف إحدى
التائين تخفيفاً، كما قال في «الخلاصة)):
فِيهِ عَلَى تَا كَـ ((تَبَيَّنُ الْعِبَرْ))
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ
(أَنِّي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ، لِتَهْتَدُوا) اللام لام الأمر؛ أي: لتكن
الهداية لكم، (وَأَضِلَّ)؛ أي: ليكن الضلال لي، وفي رواية أحمد في ((مسنده))،
عن أبي رَزِين، عن أبي هريرة قال: رأيته يضرب جبهته بيده، ويقول: يا أهل
العراق تزعمون أني أكذب على رسول الله وَ له، ليكن لكم المهنأ، وعليّ الإثم،
أشهد لسمعت رسول الله ﴿ يقول: ((إذا انقطع شِسْع أحدكم ... )) الحديث.

١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
(أَلَا، وَإِنِّي أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ)
- بكسر الشين المعجمة، وسكون السين المهملة، بعدها عين مهملة -: السَّيْرُ
الذي يُجعَل فيه إصبع الرِّجْل من النعل، والشِّرَاك ـ بكسر الشين المعجمة،
وتخفيف الراء، وآخره كاف ــ: أحد سيور النعل التي تكون في وجهها،
وكلاهما يَختلّ المشي بفقده. (فَلَا) ناهية، ولذا ◌ُزم بها قوله: (يَمْشٍ فِي
الأُخْرَى، حَتَّى يُصْلِحَهَا)))؛ أي: إلى أن يُصلح المنقطع شِسْعُها، والله تعالى
أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ه هذا بهذا السياق من أفراد
المصنّف دخلتُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٨٦/١٨ و٥٤٨٧] (٢٠٩٨)، و(النسائيّ) في
((الزينة)) (٢١٧/٨ و٢١٨) و((الكبرى)) (٥٠٥/٥)، و(ابن ماجه) في ((اللباس))
(٣٦١٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٢١٦)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (١٧٥/٥)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٤٨٠/٢)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٤٢٤/٢ و٤٤٣ و٤٧٧ و٤٨٠ و٥٢٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(٩٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٤٥٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥/
٢٦٦)، و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان)) (١١٧/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣١٥٨)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٨٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّنَّهِ بِهَذَا
الْمَعْنَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) الكوفيّ، قاضي الموصل، تقدّم أيضاً قريباً.

١٧
(١٨) - بَابٌ إِذَا انْتَعَلَ قَلْيَبْدَأُ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ - حديث رقم (٥٤٨٧)
٣ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٠١) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية أبي رزين، وأبي صالح كلاهما عن أبي هريرة والله ساقها
أحمد تَّثُ في ((مسنده))، فقال:
(١٠١٩١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش،
عن أبي صالح، وأبي رَزِين، عن أبي هريرة يرفعه، قال: ((إذا انقطع شسع
أحدكم، فلا يمش في النعل الواحدة)). انتهى(١).
[تنبيه آخر]: قوله في هذه الرواية: ((عن أبي رزين، وأبي صالح ...
إلخ)) قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ تَّلهُ: هكذا وقع في جميع النسخ عندنا:
الأعمش، عن أبي رزين، وأبي صالح مقرونين، عن أبي هريرة، وقال أبو
مسعود الدمشقيّ: إنما يرويه أبو رزين عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وكذلك
خرّجه في كتابه عن مسلم، وذكر أن عليّ بن مسهر تفرّد بهذا. انتهى(٢).
قال النوويّ - بعد نقل ما ذُكر -: وهذا استدراك فاسدٌ؛ لأن أبا رزين قد
صَرَّح في الرواية الأولى بسماعه من أبي هريرة بقوله: ((خرج إلينا أبو
هريرة ... إلى آخره)). انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: تفرّد عليّ بن مسهر بهذا غير صحيح، فقد
تابعه وكيع كما أسلفته آنفاً في التنبيه الماضي عن رواية الإمام أحمد، وكذلك
عنده أبو معاوية، ونصّه:
(٧٤٤٠) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش،
عن أبي صالح، وأبي رَزِين، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله وَّه
يقول: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات، وإذا انقطع شسع
أحدكم، فلا يمشي في نعله الأخرى حتى يصلحها)). انتهى(٤).
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٧٧/٢.
(٢) ((تقييد المهمل)) ٩٠١/٣ - ٩٠٢.
(٤) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٥٣/٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٧٥.

١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
والحاصل أنه اتفق الثلاثة: عليّ بن مسهر، ووكيع، وأبو معاوية عن
الأعمش، عن أبي صالح، وأبي رزين، فبطل بهذا دعوى تفرّد علي بن
مسهر .
وخلاصة القول أن الحديث صحيح، كما هو صنيع مسلم تَخّْلهُ هنا، والله
تعالى أعلم.
(١٩) - (بَابُ النَّهْي عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَالِاِحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٨٨] (٢٠٩٩) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - فِيمَا
قُرِئَ عَلَيْهِ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلَ
بِشِمَالِهِ، أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلِ وَاحِدَةٍ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ
وَاحِدٍ، كَاشِفاً عَنْ فَرْجِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، تقدّم قريباً.
والباقون تقدّموا قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تحدثهُ؛ كالأسانيد الثلاثة التالية، وهو (٤٢٠)
من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ظُه، وسيأتي في الباب التالي من طريق ابن جريج، قال:
((أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله))، فصرّح أبو الزبير بالسماع.
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَّهَى أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلَ بِشِمَالِهِ) فيه تحريم الأكل بالشمال، وقد
تقدّم البحث فيه مستوفّى في ((الأطعمة)) [٥٢٥٣/١] (٢٠١٩) فما بعده. (أَوْ
يَمْشِيَ فِي نَعْلِ وَاحِدَةٍ) قال الفيّوميّ: النعل: الْحِذَاءُ، وهي مؤنّئَةٌ، وتُطلق على
التاسومة، والجمع أَنْعُلٌ، ونِعَالٌ، مثلُ سَهْمٍ، وأَسْهُمِ، وسِهَامِ، ورجلٌ ناعلٌ

١٩
(١٩) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَالِاحْتِبَاءِ فِي ◌َوْبٍ وَاحِدٍ - حديث رقم (٥٤٨٨)
معه نَعْلٌ، فإذا لَبِسَ النعلَ قيل: نَعَلَ يَنْعَلُ بفتحتين، وتنعّل، وانتعلَ. انتهى (١).
وقال المجد: النعل: ما وَقَيتَ به القدم من الأرض؛ كالنعلة مؤنّثةٌ،
جمعه نِعَالٌ. انتهى(٢).
وقد سبق البحث مستوفَى في المشي بالنعل الواحدة في الباب الماضي،
ولله الحمد والمنّة.
(وَأَنْ يَشْتَمِلَ) الرجل (الصَّمَّاءَ)؛ أي: أن يلتحف بالثوب من غير أن
يجعل له موضعاً تخرج منه اليد، قاله الفيّوميّ(٣)، وقال في موضع آخر:
اشتمال الصمّاء أن يُجَلِّلَ جسده كلَّهُ بالكساء، أو بالإزار، وزاد بعضهم على
ذلك: لم يَرفع شيئاً من جوانبه. انتهى (٤).
وقال النوويّ كَّلُ: وأما اشتمال الصماء بالمدّ، فقال الأصمعيّ: هو أن
يشتمل بالثوب حتى يُجَلِّل به جسده، لا يرفع منه جانباً، فلا يبقى ما يُخرج منه
يده، وهذا يقوله أكثر أهل اللغة، قال ابن قتيبة: سُمِّيت صماء؛ لأنه سدّ
المنافذ كلّها؛ كالصخرة الصماء التي ليس فيها خَرْقٌ، ولا صَدْعٌ، قال أبو
عبيد: وأما الفقهاء فيقولون: هو أن يشتمل بثوب، ليس عليه غيره، ثم يرفعه
من أحد جانبيه، فيضعه على أحد منكبيه، قال العلماء: فعلى تفسير أهل اللغة
يُكره الاشتمال المذكور؛ لئلا تَعْرِض له حاجة من دفع بعض الهوام، ونحوها،
أو غير ذلك، فيعسر عليه، أو يتعذر، فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يَحْرم
الاشتمال المذكور، إن انكشف به بعض العورة، وإلا فيُكره. انتهى(٥).
ووقع في رواية للبخاريّ في ((كتاب اللباس)) من طريق يونس، عن ابن
شهاب تفسير اشتمال الصمّاء، ولفظه: ((والصمّاء أن يجعل ثوبه على أحد
عاتقيه، فيبدوَ أحد شِقّيه، ليس عليه ثوبٌ)). قال في ((الفتح)) ما معناه: ظاهر
هذا السياق أن التفسير المذكور في هذه الرواية مرفوع، وهو موافقٌ لِمَا قال
الفقهاء، قال: وعلى تقدير أن يكون موقوفاً، فهو حجة على الصحيح؛ لأنه
(١) ((المصباح المنير)) ٦١٣/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٤٨/١.
(٥) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٧٦.
(٢) ((القاموس المحيط)) ١٢٩٨.
(٤) (المصباح المنير)) ٣٢٣/١.

٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
تفسير من الراوي، لا يُخالف ظاهر الخبر. انتهى(١).
(وَأَنْ يَحْتَبِيَ) الرجل (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) حال كونه (كَاشِفاً عَنْ فَرْجِهِ) قال
النوويّ كَُّهُ: وأما الاحتباء بالمدّ،َ فهو أن يَقعُد الإنسان على أليتيه، وينصب
ساقيه، ويَحْتَوِي عليهما بثوب، أو نحوه، أو بيده، وهذه القِعْدة يقال لها:
الْحُبْوة، بضم الحاء، وكسرها، وكان هذا الاحتباء عادةً للعرب في مجالسهم،
فإن انكشف معه شيء من عورته، فهو حرام، والله أعلم. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: كانت عادة العرب أن يحتبي الرجل بردائه، فيشُدّ
على ظهره، وعلى ركبتيه، كان عليه إزارٌ، أو لم يكن، فإن لم يكن انكشف
فرجه مما يلي السماء لمن كان متطلّعاً عليه، متبّعاً. انتهى (٣).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ظ له هذا من أفراد المصنّف لَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٨٨/١٩ و٥٤٨٩] (٢٠٩٩)، و(أبو داود) في
((اللباس)) (٤١٣٧ و٤٨٦٥)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (٢١٠/٨)، و(الترمذيّ) في
(اللباس)) (٢٧٦٦ و٢٧٦٧) و((الشمائل)) (٧٨)، و(ابن ماجه) في ((اللباس))
(٢٧٦٧)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٢٢/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨/
٢٩٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٢/٣ و٢٩٣ و٢٩٧ و٢٩٩ و٣٢٧ و٣٤٩ و ٣٥٧
و٣٦٢ و٣٦٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٢٢٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح
معاني الآثار)) (٢٧٧/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٠٣١)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٢٦٧/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٤/٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن الأكل بالشمال، وهو للتحريم، وقد تقدّم
البحث فيه مستوفَى في بابه، ولله الحمد والمنّة.
(١) ((الفتح)) ٨٠/٢ - ٨١، كتاب ((الصلاة)) رقم (٣٦٧).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧٦/١٤.
(٣) ((المفهم)) ٤١٦/٥ - ٤١٧.