النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٣)
اعتَمَد عليه بجُمْع كفّه يَغْمِزُهُ(١). (ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِك) قال الحافظ: لم أقف على
اسمه، ولا على اسم صاحب الصاع المذكور(٢). (مُشْعَانٌ طَوِيلٌ) - بضم الميم،
وسكون المعجمة، بعدها مهملة، وآخره نون ثقيلة - فسّره البخاريّ في آخر
الحديث في رواية المستملي بأنه الطويل جدّاً فوق الطول، وزاد غيره مع إفراد
الطول: شعث الرأس، ويَحْتَمِل أن يكون قوله: ((طويل)) تفسيراً لـ((المشعانّ))،
وقال القزاز: المشعانّ: الجافي الثائر الرأس، أفاده في ((الفتح))(٣).
وقال النوويّ: ((المشعانّ)) : - بضم الميم، وإسكان الشين المعجمة،
وتشديد النون -: منتفش الشعر، ومتفرقه. انتهى (٤).
(ِبِغَنَم يَسُوقُهَا) متعلّق بـ(جاء))، (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ِ: ((أَبَيْعٌ، أَمْ عَطِيَّةٌ) بالرفع؛
أي: هي بيِّع؛ أي: مبيعة، أو هي عطيّة، ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((أبيعاً، أم
عطيّةً))، فيكون النصب بفعل مقدّر؛ أي: أتبيع بيعاً، أم تُعطي عطيّةً؟ وقوله:
(أَوْ قَالَ - أَمْ هِبَةٌ؟))) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، هل قال: ((عطيّةٌ))، أم قال:
((هديّةٌ)). (فَقَالَ) الرجل (لَا)؛ أي: ليست عطيّة، (بَلْ) هي (بَيْعٌ)؛ أي: مبيعة،
أبيعها لمن يشتري منّ. (فَاشْتَرَى) النبيّ وَِّ (مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الرجل، وفي
رواية الكشميهني: ((فاشترى منها))؛ أي: من تلك الغنم (شَاةً) واحدةً،
(فَصُنِعَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: ذُبحت، وأُصلحت للأكل، (وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَلـ
بِسَوَادِ الْبَطْنِ) هو الكبد، أو كلّ ما في البطن من كبد وغيرها، واستبعد
القرطبيّ الاحتمال الثاني، ونصّه: و((سواد البطن)) هو الكبد، وقيل: هو جميع
الحشا، وفيه بُعدٌ. انتهى (٥). (أَنْ يُشْوَى) بالبناء للمفعول؛ أي: أن يُنضَج
بالنار، يقال: شَوَيْتُ اللحمَ أَشْوِيهِ شيّاً، فانشوى، مثلُ كَسَرته، فانكسر، وهو
مَشْوِيٌّ، وأصله مفعول، وأَشْوَيْتُهُ بالألف لغة، واشْتَوَيْتُهُ على افتعلت، مثلُ
(١) ((القاموس المحيط)) ص٨٤٥.
(٢) ((الفتح)) ٤٦٩/٦، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٦١٨).
(٣) (الفتح)) ٤٦٩/٦، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٦١٨).
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٦/١٤.
(٥) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٣٥/٥.

٤٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
شَوَيْتُهُ، قالوا: ولا يقال في المطاوع: فَاشْتَوَى على افتعل، فإن الافتعال فعل
الفاعل، والشِّوَاءُ بالمد فِعَالٌ، بمعنى مفعول، مثل كِتاب، وبساطِ، بمعنى
مكتوب، ومبسوط، وله نظائر كثيرة، وأَشْوَيْتُ القومَ بالألف: أطعمتهم الشِّوَاءَ،
قاله الفيّوميّ ◌َّقُ(١).
فقوله: ((أن يُشوى)) بدل من ((سواد البطن))؛ أي: أمر بشيّه، والله تعالى
أعلم.
(قَالَ) عبد الرحمن بن أبي بكر ﴿يَّ، وقوله: (وَايْمُ اللهِ) مبتدأ خبره
محذوف؛ أي: وايم الله؛ أي: يمين الله قَسَمي، وقد تقدّم أنه يقال بقطع
الهمزة، ووَصْلها، وغير ذلك من اللغات(٢).
وقال القرطبيّ تَظّثُهُ: قوله: (وايم الله)) قَسَمِّ بيمن الله، وبركته، وأَلِفِه أَلِف
وَصْل، وفيه لغات قد ذُكرت، وهذا قول سيبويه، وقال الفراء: ألفه ألف قطع،
وهي عنده: جمع يمين، والذي قاله سيبويه أولى سماعاً، وقياساً، بدليل
الحذف الذي دخل الكلمة في اللغات التي رُوي فيها. انتهى (٣).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((وايم الله)) هو: قَسَمِّ، يعني من ألفاظ القسم،
نحو: لَعَمْر الله، وعَهْد الله، وفيه لغات كثيرة، وتُفتح همزتها، وتُكسر، وهي
همزة وصل، وقد تُقطع، وأهل الكوفة من النحاة يزعمون أنه جَمْع يمين،
وغيرهم يقولون: هو اسم موضوع للقسم. انتهى(٤).
(مَا) نافية؛ أي: ما أحدٌ (مِنَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا حَزَّ)؛ أي: قَطَع (لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَِّ حُزَّةً حُزَّةً)؛ أي: قطعةً قطعةً، والحزّة: القطعة من اللحم تُقطع
طولاً، والجمع: الْحُزَزُ، مثلُ غُرْفة وغُرَفٍ، ويقال: حَزَزتُ الخشبةَ حَزّاً، من
باب قتل: فَرَضتها، والْحَزّ: الفَرْض، وحُزّة السراويل، مثلُ الْحُجْزة، ويقال:
الْحُزّة: الْعُنُق، أفاده الفيّوميّ(٥).
(١) ((المصباح المنير)) ٣٢٨/١.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٤٦٩/٦، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٦١٨).
(٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٣٥/٥.
(٤) ((عمدة القاري)) ١٣/ ١٧٢.
(٥) ((المصباح المنير)) ١٣٣/١.

٤٢٣
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٣)
وقال المجد: والْحُزّة بالضمّ: الْحُجْزة، والْعُنُق، وقطعةٌ من اللحم قُطعت
طُولاً، أو خاصّ بالكبد. انتهى (١).
(مِنْ سَوَادٍ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ) الواحد منهم (شَاهِداً)؛ أي: حاضراً في
المجلس، (أَعْطَاهُ) النبيّ ◌َّر نصيبه، وفي رواية البخاريّ: ((أعطاه إياه))، قال
في ((الفتح)): هو من القلب، وأصله أعطاه إياها. انتهى (٢). (وَإِنْ كَانَ غَائِباً)
عن المجلس (خَبَأَ لَهُ)؛ أي: أخفاها، وحفظها حتى يحضر، ويأخذ نصيبه . (قَالَ)
عبد الرحمن به (وَجَعَلَ)؛ أي: أمر ◌َ ﴿ أن يُجعل ذلك الطعام (قَصْعَتَيْنِ)
بفتح القاف: تثنية قَصْعة، وهي الصَّحْفة، وجَمْعها قَصَعَاتٌ، محرّكةً، وقِصَعٌ،
كعِنَبِ، وقصائٌ، كجبال(٣). (فَأَكَلْنَا مِنْهُمَا)؛ أي: من القصعتين، وقوله:
(أَجْمَعُونَ) توكيد لـ((نا))، (وَشَبِعْنَا) قال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن يكونوا اجتمعوا
على القصعتين، فيكون فيه معجزة أخرى؛ لكونهما وَسِعتا أيدي القوم، ويَحْتَمِل
أن يريد أنهم أكلوا كلهم في الجملة، أعمَّ من الاجتماع والافتراق. انتهى (٤).
(وَفَضَلَ) بفتح الضاد، من باب بصر؛ أي: بَقِي، وفي لغة: فَضِل يَفْضَلُ،
من باب تَعِبَ، وفيه أيضاً فَضِل بالكسر، يَفْضُل بالضمّ، لكنها ليست لغة
أصليّةً، وإنما هي من باب تداخل اللغتين، ونظيره في السالم: نَعِمَ يَنْعُمُ،
ونَكِلَ يَنْكُلُ، وفي المعتلّ: دِمْتَ تَدُومُ، ومِتَّ تَمُوتُ، ويقال أيضاً: فَضَلَ
يفْضُلُ من باب نصر: إذا زاد، وخُذِ الفضل؛ أي: الزيادة، والجمع:
فضول(٥). (فِي الْقَصْعَتَيْنِ)؛ أي: بقي بعض الطعام في القصعتين، (فَحَمَلْتُهُ)؛
أي: القدر الفاضل من ذلك الطعام، (عَلَى الْبَعِيرِ) وفي رواية البخاريّ:
((ففضلت القصعتان، فحملناه))، قال في ((الفتح))؛ أي: حملنا الطعام، ولو أراد
القصعتين لقال: حملناهما. انتهى (٦).
(١) ((القاموس المحيط)) ص٢٨٥.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٤٦٩/٦، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٦١٨).
(٣) ((القاموس المحيط)) ص١٠٦٤.
(٤) راجع: ((الفتح)) ٤٦٩/٦، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٦١٨).
(٥) راجع: ((المصباح المنير)» ٤٧٥/٢.
(٦) راجع: ((الفتح)) ٦/ ٤٧٠، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٦١٨).

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ) شكّ من الراوي، ولم أعرفه من هو؟، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
ما هذا
(المسألة الأولى): حديث عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق
متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٥٣/٢٠] (٢٠٥٦)، و(البخاريّ) في ((البيوع))
(٢٢١٦) و((الهبة)) (٢٦١٨) و((الأطعمة)) (٥٣٨٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١/
١٩٧ و١٩٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٤/٥ و٢٠٥)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢١٥/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه المواساةَ عند الضرورة.
٢ - (ومنها): أن فيه ظهورَ البركة في الاجتماع على الطعام.
٣ - (ومنها): جواز القَسَم لتأكيد الخبر، وإن كان المخبِر صادقاً.
٤ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً وآيةً باهرة للنبيّ وَّهِ من تكثير القَدْر
اليسير من الصاع، ومن اللحم حتى وَسِع الجمع المذكور، وفضل منه.
وقال النوويّ تَخّْلهُ: وفي هذا الحديث معجزتان ظاهرتان لرسول الله وَ لقوله
إحداهما: تكثير سواد البطن حتى وَسِع هذا العدد، والأخرى: تكثير الصاع
ولحم الشاة حتى أشبعهم أجمعين، وفَضَلت منه فضلة حملوها؛ لعدم حاجة
أحد إليها، وفيه مواساة الرفقة فيما يَعْرِض لهم من طُرْفة وغيرها، وأنه إذا غاب
بعضهم ◌ُبِئ نصيبه. انتهى(١).
قال الحافظ تَُّ: ((ولم أر هذه القصة إلا من حديث عبد الرحمن بن
أبي بكر ◌ًا، وقد ورد تكثير الطعام في الجملة من أحاديث جماعة من
الصحابة ◌ّ محل إيرادها كتاب علامات النبوّة))(٢).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٧.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٤٦٩/٦، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٦١٨).

٤٢٥
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٣)
٥ - (ومنها): بيان جواز بيع الكافر، وإثبات مُلكه على ما في يده.
٦ - (ومنها): أن ابتياع الأشياء من المجهول الذي لا يُعرَف جائز، حتى
يُطَلَع على ما يَلزم التورع عنه، أو يوجب ترك مبايعته، من غصب، أو سرقة،
أو شِبْههما، وقال ابن المنذر: من كان بيده شيء فظاهره أنه مالكه، ولا يلزم
المشتري أن يَعْلَم حقيقة ملكه.
[تنبيه]: اختَلَف العلماء في مبايعة مَن الغالب على ماله الحرام، وقبول
هديته، وجائزته، فرخّصت فيه طائفة، فكان الحسن بن أبي الحسن لا يرى
بأساً أن يأكل الرجل من طعام العَشّار، والصَّرّاف، والعامل، ويقول: قد
أحلّ الله طعام اليهود، والنصارى، وقد أخبر أن اليهود أكّالون للسحت، قال
الحسن: ما لم يَعرِفوا شيئاً منه حراماً، يعني معيّناً، وعن الزهريّ، ومكحول:
إذا كان المال فيه حرام وحلال، فلا بأس أن يؤكل منه، إنما يُكره من ذلك
الشيء الذي يُعرف بِعَيْنه، وقال الشافعيّ: لا أُحب مبايعة من أكثر ماله رِباً، أو
كَشْبه من حرام، فإن بويع لا يفسخ البيع، وقال ابن بطال: والمسلم، والذميّ،
والحربيّ في هذا سواء.
وحجة من رَخّص حديثُ الباب، وحديث رهنه وَّ﴿ درعه عند اليهوديّ،
يأخذان هدايا المختار، وبعث عمرو بن
وكان ابن عمر، وابن عباس
عبيد الله بن معمر إلى ابن عمر بألف دينار، وإلى القاسم بن محمد بألف
دينار، فأخذها ابن عمر، وقال: لقد جاءتنا على حاجة، وأبى أن يقبلها
القاسم، فقالت امرأته: إن لم تقبلها فأنا ابنة عمه، كما هو ابن عمه،
فأخَذَتْها، وقال عطاء: بعث معاوية إلى عائشة ظا بطوق من ذهب فيه جوهر
قُوِّم بمائة ألف، وقَسَمَتْه بين أمهات المؤمنين.
وكرهت طائفة الأخذ منهم، رُوي ذلك عن مسروق، وسعيد بن المسيِّب،
والقاسم بن محمد، وبشر بن سعيد، وطاووس، وابن سيرين، والثوريّ، وابن
المبارك، ومحمد بن واسع، وأحمد، وأخذ ابن المبارك قَذَاة من الأرض،
وقال: من أخذ منهم مثل هذه فهو منهم. انتهى(١).
(١) ((عمدة القاري)) ٢٨/١٢.

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
قال الجامع عفا الله عنه: القول الأول، وهو جواز الأخذ، إلا أن يكون
عَيْنه حراماً، هو الأرجح عندي؛ لقوة أدلّته، كما سبقت الإشارة إليه، والله
تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): بيان جواز قبول هدية المشرك؛ لأنه لو سأل الرجل: هل
يبيع، أو يهدي؟، وفيه فساد قول من حَمَل ردّ الهدية على الوثنيّ دون الكتابيّ؛
لأن هذا الأعرابي كان وثنيّاً، قاله في ((الفتح)).
وقال في ((العمدة)): قال الخطابيّ: في قوله: ((أم هبة)) دليل على قبول
الهدية من المشرك لو وهب.
[فإن قلت]: قد قال ◌َّ﴿ لعياض بن حمار حين أَهْدَى له في شركه: ((إنا
لا نقبل زَبَد المشركين)) يريد عطاءهم.
[قلت]: قال أبو سليمان: يُشبه أن يكون ذلك منسوخاً؛ لأنه قَبِل هدية
غير واحد من أهل الشرك: أَهْدَى له المقوقس، وأُكيدر دُومة، قال: إلا أن
يزعم زاعم أن بين هدايا أهل الشرك، وهدايا أهل الكتاب فرقاً. انتهى.
قال العينيّ ◌َثُ: فيه نظر في مواضع:
[الأول]: أن الزعم بالفرق المذكور يردّه قول عبد الرحمن في نفس هذا
الحديث: إن هذا الرجل كان مشركاً، وقد قال له: ((أبيعٌ، أم هدية؟)).
[الثاني]: هدية أكيدر كانت قبل إسلام عبد الرحمن بن أبي بكر
راوي هذا الحديث؛ لأن إسلامه كان في هدنة الحديبية، وذلك في سنة سبع،
وهدنة أكيدر كانت بعد وفاة سعد بن معاذ ظه الذي قال في حقه ولو - لمّا
عَجِب الناسُ من هدية أكيدر -: ((والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في
الجنة أحسن من هذه))، وسعد تُؤُفّي بعد غزوة بني قريظة سنة أربع، في قول
عقبة، وعند ابن إسحاق سنة خمس، وأيّاً ما كان فهو قبل إسلام عبد الرحمن،
وبَعْثُ حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس كان في سنة ست، ذكره ابن منده
وغيره، فدلّ على أنه قبل هذا الحديث.
[الثالث]: لقائل أن يقول: هذان اللذان قَبِل منهما هديتهما ليسا سُوقَةً،
إنما هما مَلِكان، فَقَبِل هديتهما تألّفاً؛ لأن في ردّ هديتهما نوع حصول شيء.
[الرابع]: نقول: كان قبول هديتهم بإثابته عليهما، وقوله * لهذا

٤٢٧
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٤)
المشرك أيضاً كان تأنيساً له، ولَأن يثيبه بأكثر مما أهدى، وكذا يقال في هدية
كسرى المذكورة في كتاب الحربيّ من حديث عليّ ظه، وردّ هدية عياض بن
حمار، وكان بينه وبين النبيّ وَ ﴿﴿ معرفة قبل البعثة، فلما بُعث أهدى له، فردّ
هديته، وكذا ردّ هدية ذي الجوشن، وكانت فرساً، وكذا ردّ هدية ملاعب
الأسنّة؛ لأنهم كانوا سُوقةً، وليسوا ملوكاً، وأهدى له مَلِك أيلة بغلةً، وفروة
الجذاميّ هدية، فقبلهما، وكانا مَلِكين.
ومما يؤيد هذا ما ذكره أبو عبيد في ((كتاب الأموال)) أنه وَّ﴿ إنما قَبِل
هدية أبي سفيان بن حرب؛ لأنها كانت في مدة الهدنة، وكذا هدية المقوقس
إنما كان قَبِلها؛ لأنه أكرم حاطباً، وأقرّ بنبوته ێے، ولم يؤیسه من إسلامه،
وقبل هدية الأكيدر؛ لأن خالداً ﴾﴾ قَدِم به، فحقَن ټ دمه، وصالحه على
الجزية؛ لأنه كان نصرانيّاً، ثم خلّى سبيله، وكذا مَلِك أيلة لمّا أهدى كساه وَّهـ
بُرْداً له، وهذا كله يرجع إلى أنه ◌َلي كان لا يقبل هدية إلا ويكافئ.
[ثم اعلم]: أن الناس اختلفوا فيما يُهدى للأئمة، فروي عن عليّ
أنه كان يوجِب ردّه إلى بيت المال، وإليه ذهب أبو حنيفة، وقال أبو يوسف:
ما أهدى إليه أهل الحرب، فهو له، دون بيت المال، وأما ما يُهدى للنبيّ وَّه
خاصة فهو في ذلك بخلاف الناس؛ لأن الله تعالى اختصه في أموال أهل
الحرب بخاصة لم تكن لغيره، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ, عَلَى مَن
يَشَآءُ﴾ [الحشر: ٦] بعد قوله: ﴿وَمَا أَفْهَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٦] فسبيل ما
تصل إليه يده من أموالهم على جهة الهدية والصلح سبيل الفيء، يضعه حيث
أراه الله، فأما المسلمون إذا أَهْدَوا إليه فكان من سجيته أن لا يردّها، بل يثيبهم
عليها. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٥٤] (٢٠٥٧) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ
الْبَكْرَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، كُلُّهُمْ عَنِ الْمُعْتَمِرِ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ
(١) ((عمدة القاري)) ٢٧/١٢ - ٢٨.

٤٢٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
مُعَاذٍ - حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ أَبِي: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا نَاساً فُقَرَاءَ، وَإِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ مَرَّةً: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنٍ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ، وَمَنْ كَانَ
عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ، فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ))، أَوْ كَمَا قَالَ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرِ جَاءَ
بِثَلَاثَةٍ، وَانْطَلَقَ نَبِيُّ اللهِلَّهِ بِعَشَرَةٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بِثَلَاثَةٍ، قَالَ: فَهُوَ وَأَنَا وَأَبِي وَأُمِّي،
- وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ: وَامْرَأَتِي، وَخَادِمٌ بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتٍ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: وَإِنَّ أَبَا
بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ وَِّ، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَبِثَ حَتَّى
نَعَسَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ:
مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ - أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ؟ - قَالَ: أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ قَالَتْ:
أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ فَغَلَبُوهُمْ، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا، فَاخْتَبَأْتُ، وَقَالَ:
يَا غُْثَرُ، فَجَدَّعَ، وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئاً، وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَداً، قَالَ:
فَايْمُ اللهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، قَالَ: حَتَّى شَبِعْنَا،
وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ، فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيّ، أَوْ
أَكْثَرُ، قَالَ لِمْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسِ، مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا، وَقُرَّةٍ عَيْنِي لَهِيَ الآنَ
أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ، قَالَ: فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلَِكَ
مِنَ الشَّيْطَانِ، بَعْنِي يَمِينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَّهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ،
فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، قَالَ: وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمَ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَعَرَّقْنَا اثْنَا عَشَرَ
رَجُلاً، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسُ اللهُ أَعْلَمُ نَّكُمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ؟ إِلَّا أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ،
فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وهم الذين ذُكروا في الإسناد الماضي.
شرح الحديث:
عن الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ أنه (قَالَ: قَالَ أَبِي) سليمان بن طرخان التيميّ،
أحد صغار التابعين، (حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ النَّهْدِيّ، (أَنَّهُ حَدَّثَهُ

٤٢٩
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٤)
ـا (أَنَّ أَصْحَابَ الصُّقَّةِ) - بضِمّ الصاد
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيقِ ﴾
المهملة، وتشديد الفاء -: مكان في مؤخّر المسجد النبويّ، مظلَّلٌ، أُعِدّ لنزول
الغرباء فيه، ممن لا مأوى له، ولا أهل، وكانوا يَكثرون فيه، ويُقلّون بحسب
من يتزوج منهم، أو يموت، أو يسافر، وقد سرد أسماءهم أبو نعيم في
(الحلية))، فزادوا على المائة، كذا ذكره الحافظ في ((الفتح)) في ((باب علامات
النبوة))، وقال في ((كتاب الرقاق)): وقد اعتنى بجمع أسماء أهل الصفة أبو
سعيد ابن الأعرابيّ، وتبعه أبو عبد الرحمن السُّلَميّ، فزاد أسماء، وجمع بينهما
أبو نعيم في أوائل («الحلية))، فَسَرَد جميع ذلك(١).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: ((الصُّفة)): سَقِيفة المسجد، كانت منزلاً للغرباء
والمهاجرين، وكانوا ضيف الإسلام، وكانوا يحتطبون في النهار، ويسقون الماء
الأبيات رسول الله وَّ، ويقرؤون القرآن بالليل، ويصلَّون، هكذا وَصَفَهم
البخاريّ وغيره. انتهى(٢).
(كَانُوا نَاساً فُقَرَاءَ) وفي رواية للبخاريّ في ((الرقاق)»: «وأهل الصفّة
أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل، ولا مال، ولا على أحد، إذا أتته صدقةٌ
بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هديّةٌ أرسل إليهم، وأصاب
منها، وأشركهم فيها)).
وفي حديث طلحة بن عمرو عند أحمد، وابن حبان، والحاكم: ((كان
الرجل إذا قَدِم على النبيّ ◌َّـ، وكان له بالمدينة عَريف نزل عليه، فإذا لم يكن له
عريف نزل مع أصحاب الصفة))، وفي مرسل يزيد بن عبد الله بن قُسيط عند ابن
سعد: ((كان أهل الصفة ناساً فقراء، لا منازل لهم، فكانوا ينامون في المسجد،
لا مأوى لهم غيره))، وله من طريق نُعيم المجمر، عن أبي هريرة ◌ُبه: «كنت
من أهل الصفّة، وكنا إذا أمسينا حضرنا رسول الله وَّة، فيأمر كلَّ رجل،
فينصرف برجل، أو أكثر، فيبقى من بقي عشرةٌ، أو أقلّ، أو أكثر، فيأتي
النبيّ ◌َّ بعشائه، فنتعشى معه، فإذا فرغنا قال: ناموا في المسجد)).
(١) ((الفتح)) ٥٨٢/١٤، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٤٥٢).
(٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٣٦/٥.

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
ولأبي نعيم في ((الحلية)) من مرسل محمد بن سيرين: ((كان رسول الله وَلا قه
إذا صلى قَسَم ناساً من أصحاب الصفّة بين ناس من أصحابه، فيذهب الرجل
بالرجل، والرجل بالرجلين، حتى ذكر عشرة ... )) الحديث.
وله من حديث معاوية بن الحكم: ((بينا أنا مع رسول الله وَّ في الصفّة،
فجعل يوجه الرجل مع الرجل من الأنصار، والرجلين، والثلاثة، حتى بقيت في
أربعة، ورسول الله ◌َ* خامسنا، فقال: انطلقوا بنا، فقال: يا عائشة
عشِّينا ... )) الحديث(١).
(وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ مَرَّةً)؛ أي: وقتاً من الأوقات، ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ
طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ) قال النوويّ ◌َُّهُ: هكذا هو في جميع نُسخ ((صحيح
مسلم)): ((فليذهب بثلاثة))، ووقع في ((صحيح البخاريّ)): ((فليذهب بثالث))، قال
القاضي عياض: هذا الذي ذكره البخاريّ هو الصواب، وهو الموافق لسياق
باقي الحديث.
قال النوويّ: وللذي في مسلم أيضاً وَجْه، وهو محمول على موافقة
البخاريّ، وتقديره: فليذهب بمن يُتمّ ثلاثة، أو بتمام ثلاثة، كما قال الله
تعالى: ﴿وَقَّدَّرَ فِيهَّآ أَفْوَتَهَا فِىِّ أَرْبَعَةِ أَيٍَّ﴾ [فصلت: ١٠]؛ أي: في تمام أربعة أيام،
وسبق في ((كتاب الجنائز)) إيضاح هذا، وذِكْر نظائره. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ◌َّتُ: قوله: ((من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة)) كذا
صحَّت الرواية فيه عن جميع رواة مسلم، والصواب: ((بثالث))؛ لأن البخاريّ
كذا ذكره ((بثالث))؛ ولأن بقية الحديث يدلّ عليه؛ إذ قال: ((ومن كان عنده
طعام أربعة فليذهب بخامس، بسادس))؛ ولأنه إن حُمِل على ظاهره فسد
المعنى، وذلك أن الذي عنده طعام اثنين إذا أكله في خمسة لم يَكْفِ أحداً
منهم، فلا يَرُدّ جوعاً، ولا يُمسك لأحدهم رَمَقاً، فاقتصار الاثنين على
طعامهما كان أصلح؛ لأنَّه كان يردّ جوعهما، ويمسك رمقهما، وذلك بخلاف
الواحد، فإنَّه يتحمل الاثنان أكله، ولا يُجحف بهما، ونحو ذلك في تشريك
(١) ((الفتح)) ١٤/ ٥٨١، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٤٥٢).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٧.

٤٣١
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٤)
الاثنين في طعام الأربعة لا يُجحف بهم، وكذلك الخامس بسادس لمن كان
عنده طعام أربعة، وفي ذلك كانت المواساة واجبة لشدَّة الحال، والحُكم كذلك
مهما وقعت شدَّة بالمسلمين، والله الكافي، والواقي. انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما تقدّم عن النوويّ تَُّهُ من تأويله
بمن يُتمّ ثلاثة، أو بتمام ثلاثة أولى من تغليط ما اتّفق عليه رواة ((صحيح
مسلم))، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ، فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ)))؛ أي: فليذهب
بخامس إن لم يكن عنده ما يقتضي أكثر من ذلك، وإلا فليذهب بسادس مع
الخامس، إن كان عنده أكثر من ذلك، والحكمة في كونه يزيد كل أحد واحداً
فقط أن عيشهم في ذلك الوقت لم يكن متسعاً، فمن كان عنده مثلاً ثلاثة أنفس
لا يضيق عليه أن يطعم الرابع من قُوتِهم، وكذلك الأربعة وما فوقها بخلاف ما
لو زيدت الأضياف بعدد العيال، فإنما ذلك يحصل الاكتفاء فيه عند اتساع
الحال.
ووقع في رواية أبي النعمان: ((وإن أربع فخامسٍ، أو سادس))، و((أو)) فيه
للتنويع، أو للتخيير، كما في الرواية الأخرى، ويَحْتَمِل أن يكون معنى ((أو
سادس)): وإن كان عنده طعام خمس فليذهب بسادس، فيكون من عطف الجملة
على الجملة، وقوله: ((وإن أربع فخامس)) بالجرّ فيهما، والتقدير: فإن كان عنده
طعام أربع، فليذهب بخامس، أو بسادس، فحُذف عامل الجرّ، وأُبقي عمله،
كما يقال: مررت برجل صالح، وإن لا صالحٍ فطالحٍ؛ أي: إن لا أمرّ بصالح،
فقد مررت بطالح، ويجوز الرفع على حذفَ مضاف، وإقامة المضاف إليه
مُقامه، وهو أوجَهُ.
قال ابن مالك: تضمَّن هذا الحديث حَذْف فعلين، وعامِلَي جرّ مع بقاء
عملهما، بعد ((إن))، وبعد الفاء، والتقدير: من كان عنده طعام اثنين، فليذهب
بثالث، وإن قام بأربعة، فليذهب بخامس، أو سادس. انتهى.
وهذا قاله في الرواية التي في ((الصلاة))، وأما هذه الرواية وهي قوله:
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٣٦/٥ - ٣٣٧.

٤٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
(بخامس، بسادس))، فيكون حُذف منها شيء آخر، والتقدير: أو إن قام
بخمسة، فليذهب بسادس. انتهى(١).
وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ) ((أو)) للشكّ من الراوي، ويَحْتَمِل أن يكون
عبد الرحمن، أو من دونه، والله تعالى أعلم.
(وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق ◌َُّه (جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، وَانْطَلَقَ نَبِيُّ اللهِنَّهِ بِعَشَرَةٍ) قال
في ((الفتح)): عَبَّر عن أبي بكر بلفظ المجيء؛ لِبُعد منزله من المسجد، وعن
النبيّ وَّهِ بالانطلاق؛ لِقُربه.
وقال النوويّ تَخْتُ: هذا مبيِّن لِمَا كان عليه النبيّ ◌َّ من الأخذ بأفضل
الأمور، والسبق إلى السخاء والجود، فإن عيال النبيّ وَل* كانوا قريباً من عدد
ضِيفانه هذه الليلة، فأتى بنصف طعامه، أو نحوه، وأتى أبو بكر ◌ُبه بثلث
طعامه، أو أكثر، وأتى الباقون بدون ذلك، والله أعلم. انتهى(٢).
وقوله: (وَأَبُو بَكْرٍ بِثَلَاثَةٍ) معطوف على ما قبله؛ أي: وانطلق أبو بكر
بثلاثة، ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((وأبو بكر ثلاثةً)) بالنصب عند الأكثر؛ أي:
أخذ أبو بكر ثلاثة، ولا يكون تكراراً مع قوله قبل ذلك جاء بثلاثة؛ لأن هذا
بيان لابتداء ما جاء في نصيبه، والأول لبيان من أحضرهم إلى منزله، قال في
(الفتح)): وأبْعَدَ من قال: (ثلاثةٌ)) بالرفع، وقدَّره: وأبو بكر أهله ثلاثةٌ؛ أي:
عدد أضيافه، ودلّ ذلك على أن أبا بكر كان عنده طعام أربعة، ومع ذلك فأخذ
خامساً، وسادساً، وسابعاً، فكأن الحكمة في أخذه واحداً زائداً عما ذكر
النبيّ ◌َر أنه أراد أن يُؤثِر السابع بنصيبه؛ إذ ظهر له أنه لم يأكل أوّلاً معهم،
ووقع في رواية الكشميهنيّ: ((وأبو بكر بثلاثة))، كما هي رواية مسلم، فيكون
معطوفاً على قوله: ((وانطلق النبيّ وَّر بعشرة))، قال: والأول أوجَهُ، والله
أعلم. انتهى (٣).
(قَالَ) عبد الرحمن بن أبي بكر ﴿ه (فَهُوَ)؛ أي: الشأن، وهو مبتدأ،
(١) ((الفتح)) ٢٤٧/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨١).
-
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧/١٤ - ١٨.
(٣) ((الفتح)) ٢٤٧/٨ - ٢٤٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨١).

٤٣٣
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٤)
وقوله: (أَنَا) مبتدأ ثانٍ، (وَأَبِي وَأُمِّي) معطوفان على ((أنا))، وخبر المبتدأ الثاني
محذوف؛ لدلالة السياق عليه؛ أي: في الدار.
[تنبيه]: قوله: ((فهو أنا ... إلخ)) هكذا في النسخة الهنديّة، والنسخة التي
شرح عليها الأبيّ، وهو الذي في ((صحيح البخاريّ))، ووقع في معظم النسخ:
((وأنا)) بالواو وهو غلطٌ، والظاهر أنه من بعض النسّاخ، فليُتنبّه، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ) هو من كلام أبي عثمان النّهديّ شكّ فيما
قاله عبد الرحمن بن أبي بكر ﴿يَا، هل قال عاطفاً على ما سبق: (وَامْرَأَتِي،
وَخَادِمٌ) يُطلق على الذكر والأنثى، والخادمة في المؤنّث بالهاء قليل، والجمع:
خَدَمٌ، وخُدّام(١) .
قال في ((الفتح)): الخادم المذكورة لم أعرف اسمها. انتهى.
وقوله: (بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتٍ أَبِي بَكْرٍ) بنصب ((بين)) على الظرفيّة، متعلّق
بـ((خادم))، يعني أن خدمتها مشتركة بين بيتنا، وبين أبي بكر ﴿ه.
[تنبيه]: أمّ عبد الرحمن هي أم رُومان، مشهورة بكنيتها، واسمها زينب،
وقيل: وَعْلة بنت عامر بن عويمر، وقيل: عميرة من ذرية الحارث بن غَنْم بن
مالك بن كنانة، كانت قبل أبي بكر عند الحارث بن سَخْبرة الأزديّ، فقَدِم
مكة، فمات، وخلّف منها ابنه الطفيل، فتزوجها أبو بكر، فولدت له
عبد الرحمن وعائشة، وأسلمت أم رُومان قديماً، وهاجرت، ومعها عائشة،
وأما عبد الرحمن فتأخر إسلامه، وهِجْرته إلى هُدْنة الحديبية، فَقَدِم في سنة
سبع، أو أول سنة ثمان.
واسم امرأته والدة أكبر أولاده أبي عَتِيق محمد: أميمة بنت عديّ بن قيس
السَّهْميّة، قاله في ((الفتح) (٢).
. (تَعَشَّى)؛ أي: أكل
(قَالَ) عبد الرحمن (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق ◌َ﴾
الْعَشَاء بالفتح، والمدّ، وهو الطعام الذي يؤكل وقت الْعِشاء، (عِنْدَ النَّبِيِّ لَّهِ،
(١) ((المصباح المنير)) ١٦٥/١.
(٢) ((الفتح)) ٢٤٨/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨١).

٤٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
ثُمَّ لَبِثَ) بكسر الموحّدة، من باب تَعِب؛ أي: تأخّر أبو بكر عنده نَِّ (حَتَّى
صُلَِّتِ الْعِشَاءُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: صلاتها، (ثُمَّ رَجَعَ)؛ أي: رجع أبو
بكر إلى منزله.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((وإن أبا بكر تعشى عند النبيّ وَّ، ثم لَبِث
حتى صلى العشاء، ثم رجع))، ووقع في الرواية التي في ((الصلاة)): ((ثم لبث
حتى صليت العشاء))، وفي رواية: ((حيث صليت، ثم رجع))، فَشَرحه
الكرمانيّ، فقال: هذا يُشعر بأن تعشِّي أبي بكر كان بعد الرجوع إلى النبيّ وَّه
والذي تقدَّم بعكسه، والجواب أن الأول بيان حال أبي بكر في عدم احتياجه
إلى الطعام عند أهله، والثاني فيه سياق القصة على الترتيب الواقع، الأول:
تعشي الصديق، والثاني: تعشي النبيّ وَّةٍ، والأول: من العَشاء بفتحها؛ أي:
الأكل، والثاني: بكسرها؛ أي: الصلاة، فأَحَد هذه الاحتمالات أن أبا بكر
لَمّا جاء بالثلاثة إلى منزله لبث إلى وقت صلاة العشاء، فرجع إلى النبيّ وَلاقه
حتى تعشى عنده، وهذا لا يصح؛ لأنه يخالف صريح قوله في حديث الباب:
((وإن أبا بكر تعشى عند النبيّ وَّة))، ثم إن الذي وقع عند البخاريّ بلفظ: ((ثم
رجع)) بالجيم ليس متفقاً عليه من الرواة؛ لِمَا سأذكره، وظاهر قوله في هذه
الرواية: ((ثم رجع))؛ أي: إلى منزله، وعلى هذا ففي قوله: ((فلبث حتى تعشى
رسول الله ◌َ﴾، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله)) تكرارٌ، وفائدته الإشارة
إلى أن تأخره عند النبيّ ◌َ ﴿ كان بمقدار أن تعشى معه، وصلى العشاء، وما
رجع إلى منزله إلا بعد أن مضى من الليل قطعةٌ، وذلك أن النبيّ وَّ كان يحب
أن يؤخّر صلاة العشاء، كما تقدم في حديث أبي برزة
ووقع عند الإسماعيليّ: ((ثم ركع)) بالكاف؛ أي: صلى النافلة بعد العشاء،
فعلى هذا فالتكرار في قوله: ((فلبث حتى تعشى)) فقط، وفائدته ما تقدم.
ووقع في رواية مسلم، والإسماعيليّ أيضاً: ((فلبث حتى نَعَسَ)) بِعَيْن،
وسين مهملتين، مفتوحتين، من النعاس، وهو أَوْجَهُ، وقال عياض: إنه
الصواب، وبه ينتفي التكرار من المواضع كلها إلا في قوله: (لَبِثَ))، وسببه
اختلاف تعلق اللبث، فالأول قال: ((لبث حتى صلى العشاء))، ثم قال: ((فلبث
حتی نعس)).

٤٣٥
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٤)
والحاصل أنه تأخر عند النبيّ ◌َ ﴿ حتى صلى العشاء، ثم تأخر حتى نعس
النبيّ وَّ، وقام لينام، فرجع أبو بكر حينئذ إلى بيته.
ووقع في رواية أبي داود من رواية الْجُريريّ عن أبي عثمان، أو أبي
السليل، عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: ((نزل بنا أضياف، وكان أبو بكر
يتحدث عند النبيّ وَ﴾، فقال: لا أرجع إليك حتى تفرغ من ضيافة هؤلاء))،
ونحوه عند البخاريّ في ((كتاب الأدب)) من طريق أخرى عن الجريريّ، عن أبي
عثمان، بلفظ: ((أن أبا بكر تضيّف رهطاً، فقال لعبد الرحمن: دونك أضيافك،
فإني منطلق إلى النبيّ بَّر، فافرغ من قِراهم قبل أن أجيء)»، وهذا يدلّ على أن
أبا بكر أحضرهم إلى منزله، وأمر أهله أن يضيفوهم، ورجع هو إلى النبيّ وَ ◌ّر،
ويدلّ عليه صريح قوله في حديث الباب: (وإن أبا بكر جاء بثلاثة)). انتهى(١).
(فَلَبِثَ) أبو بكر ◌َظُهُ عند النبيّ وَّهِ (حَتَّى نَعَسَ رَسُولُ اللهِ وَلِ) قال
الفيّوميّ تَّتُهُ: نَعَسَ يَنْعُسُ، من باب قتل، والاسم النُّعَاسُ، فهو نَاعِسٌ،
والجمع نُغَسٌ، مثل راكع ورُكَّع، والمرأة ناعسة، والجمع نَوَاعِسُ، وربما قيل:
نَعْسَانُ، ونَعْسَى، حملوه على وَسْنان ووسنى، وأول النوم النُّعَاسُ، وهو أن
يحتاج الإنسان إلى النوم، ثم الوَسَنُ، وهو ثقل النُّعَاس، ثم التَّرْنِيقُ، وهو
مخالطة النُّعاس للعين، ثم الكَرَى، والغَمْضُ، وهو أن يكون الإنسان بين النائم
واليقظان، ثم العَفْقُ، وهو النوم، وأنت تسمع كلام القوم، ثم الهُجُودُ،
والهُجُوعُ، وصحّ أن أهل الجنة لا ينامون؛ لأن النوم موت أصغر، قال الله
تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]،
وكثيراً ما يُحمل الشيء على نظيره، قال الفراء: وأحسن ما يكون ذلك في
الشِّعر، قال الأزهريّ: حقيقة النُّعَاسِ: الوَسَنُ من غير نوم. انتهى(٢).
(فَجَاءَ) أبو بكر إلى بيته (بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ) كناية عن طول
الوقت الذي غاب فيه أبو بكر عن أضيافه، (قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ) أم رُومان،
واسمها زينب، وقيل: غيرها، (مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟) ((ما)) استفهاميّة
(١) ((الفتح)) ٢٤٩/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨١).
(٢) ((المصباح المنير)) ٦١٣/٢.

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
إنكاريّة؛ أي: أي شيء منك عن الحضور عندهم؟ (أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ؟)
بالإفراد، قال في ((الفتح)): هو شك من الراوي، والمراد به الجنس؛ لأنهم
ثلاثة، واسم الضيف يُطلق على الواحد، وما فوقه، وقال الكرمانيّ: أو هو
مصدر يتناول المثنى، والجمع، كذا قال، وليس بواضح. انتهى(١).
(قَالَ) أبو بكر (أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ؟) هو استفهام إنكاريّ، (قَالَتْ: أَبَوْا)؛
أي: امتنعوا من قبول العشاء (حَتَّى تَجِيءَ) أنت، (قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ) بفتح
العين، والراء، والفاعل محذوف؛ أي: الْخَدَم، أو الأهل، أو نحو ذلك،
(فَغَلَبُوهُمْ)؛ يعني: أن آل أبي بكر عَرَضُوا على الأضياف العَشاءَ، فأبوا،
فعالجوهم، فامتنعوا حتى غلبوهم.
ووقع في رواية للبخاريّ في ((الصلاة)): ((قد عُرِّضُوا)) بضم أوله، وتشديد
الراء؛ أي: أُطعموا من العُراضة(٢)، وهي الهديّة، قاله عياض، قال: وهو في
الرواية بتخفيف الراء، وحَكَى ابن قرقول أن القياس بتشديد الراء، وبه جزم
الجوهريّ، وقال الكرمانيّ موجّهاً للتخفيف؛ أي: عُرِض الطعام عليهم، فحُذف
الجارّ، ووُصِل الفعل، فهو من القلب، كعَرَضت الناقةَ على الحوض.
ووقع عنده أيضاً في الصلاة: ((قد عرضنا عليهم، فامتنعوا))، وحَكَى ابن
التين أنه وقع في بعض الروايات: ((عرصوا)) بصاد مهملة، قال: ولا أعرف لها
وجهاً، ووجّهها غيره أنها من قولهم: عَرَص إذا نَشِط، فكأنه يريد أنهم نَشِطُوا
في العزيمة عليهم، ولا يخفى تكلفه. انتهى(٣).
وقال النوويّ تَخْتُ عند شرح قوله في الأضياف: إنهم امتنعوا من الأكل
حتى يحضر أبو بكر تظله: هذا فعلوه أدباً، ورفقاً بأبي بكر فيما ظنوه؛ لأنهم
ظنوا أنه لا يحصل له عشاء من عشائهم، قال العلماء: والصواب للضيف أن
لا يمتنع مما أراده المضيف، من تعجيل طعام، وتكثيره، وغير ذلك من أموره،
إلا أن يعلم أنه يتكلف ما يشُقّ عليه حياء منه، فيمنعه برفق، ومتى شكّ لم
(١) ((الفتح)) ٢٥٠/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨١).
(٢) ((الْعُرَاضة)) بضمّ العين: الهديّة، وما يُحمَل إلى الأهل. اهـ. ((ق)).
(٣) ((الفتح)) ٢٥٠/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨١).

٤٣٧
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٤)
يعترض عليه، ولم يمتنع، فقد يكون للمضيف عذر، أو غرض في ذلك، لا
يمكنه إظهاره، فتَلْحقه المشقة بمخالفة الأضياف، كما جرى في قصة أبي
بكر ﴿ه. انتهى(١).
(قَالَ) عبد الرحمن (فَذَهَبْتُ أَنَا، فَاخْتَبَأْتُ)؛ يعني: أنه اختفى خوفاً من
خصام أبي بكر له، وتغيّظه عليه، وشَتْمه إياه، وفي رواية الْجُريريّ عند
البخاريّ: ((فعرفت أنه يَجِد عليّ - أي: يغضب ـ فلما جاء تغيَّيت عنه، فقال:
يا عبد الرحمن، فسكتّ، ثم قال: يا عبد الرحمن، فسكتّ)).
(وَقَالَ: يَا غُنْثَرُ) - بضم الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الثاء
المثلّثة - هذه الرواية المشهورة، وحُكِي ضمّ المثلّثة، وحَكَى عياض عن بعض
شيوخه فتح أوله، مع فتح المثلّثة، وحكاه الخطابيّ بلفظ: ((عَنْتَرُ)) بلفظ اسم
الشاعر المشهور، وهو بالمهملة، والمثنّاة المفتوحتين، بينهما النون الساكنة.
ورُوي عن أبي عمر، عن ثعلب أن معناه الذباب، وأنه سُمِّي بذلك؛
لصوته، فشبّهه به حيث أراد تحقیره، وتصغيره.
وقال غيره: معنى الرواية المشهورة: الثقيل الوَخْمُ (٢)، وقيل: الجاهل،
وقيل: السفيه، وقيل: اللئيم، وهو مأخوذ من الغثر، ونونه زائدة، وقيل: هو
ذباب أزرق، شبّهه به لتحقيره، كما تقدم، قاله في ((الفتح))(٣).
وقال النوويّ تَخُّْ: وقوله: ((يا غنثر)) بغين معجمة مضمومة، ثم نون
ساكنة، ثم ثاء مثلثة مفتوحة، ومضمومة، لغتان، هذه هي الرواية المشهورة في
ضبطه، قالوا: وهو الثقيل الوَحْم، وقيل: هو الجاهل، مأخوذ من الغَثَارة،
بفتح الغين المعجمة، وهي الجهل، والنون فيه زائدة، وقيل: هو السفيه،
وقيل: هو ذباب أزرق، وقيل: هو اللئيم، مأخوذ من الغثر، وهو اللؤم،
وحَكَى القاضي عن بعض الشيوخ أنه قال: إنما هو غنثر بفتح الغين والثاء،
ورواه الخطابيّ، وطائفة: عنتر بعين مهملة، وتاء مثناة مفتوحتين، قالوا: وهو
(١) (شرح النوويّ)) ١٨/١٤.
(٢) بفتح، فسكون، وككتِفٍ، وأمير، وصبور: الرجل الثقيل.
(٣) ((الفتح)) ٢٥١/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨١).

٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
الذباب، وقيل: هو الأزرق منه، شَبّهه به تحقيراً له. انتهى (١).
وفي رواية الجريريّ: ((فقال: يا غنثر أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي
لَمّا جئت، قال: فخرجت، فقلت: والله ما لي ذنب، هؤلاء أضيافك، فَسَلْهُم،
قالوا: صدقك، قد أتانا)).
(فَجَدَّعَ)؛ أي: دعا عليه بالْجَدْع، وهو قطع الأذن، أو الأنف، أو
الشَّفَة، وقيل: المراد به السبّ، والأول أصحّ، وفي رواية الجريريّ عند
البخاريّ: (فَجَزَّع)) بالزاي بدل الدال؛ أي: نسبه إلى الْجَزَع - بفتحتين - وهو
الخوف، وقيل: المجازعة المخاصمة، فالمعنى خاصم.
قال القرطبيّ: ظنَّ أبو بكر أن عبد الرحمن فَرَّط في حقّ الأضياف، فلمّا
تبيّن له الحال أدّبهم بقوله: ((كُلُوا لا هنيئاً)).
(وَسَبَّ)؛ أي: شتم، وحذف المفعول للعلم به.
وقال القرطبيّ كَُّ: وقوله: ((جدَّع))؛ أي: دعا عليه بالجدع، وهو قطع
الأنف، وقال أبو عمرو الشيبانيّ: معناه: سبَّ، يقال: جادعته مجادعة:
ساببته .
قال القرطبيّ: وهذا فيه بُعدٌ؛ لقوله: ((جدَّع وسبَّ))، فلو كان كما قال
لكان تكراراً لا فائدة له، والأول أصوب.
وكل ذلك أبرزه من أبي بكر الصديق ◌ُبه على عبد الرحمن ظنُّ أنه فرّط
في الأضياف، فلما تبيَّن له أنه لم يكن منه تفريط، وأنَّه إنما كان ذلك امتناعاً
من الأضياف، أدَّبهم بقوله لهم: ((لا هنيئاً))، وحلف لا يطعمه، وذلك أن
هؤلاء الأضياف تحكّموا على ربِّ المنزل بالحضور معهم، وقالوا: لا نأكل
حتى يحضر أبو منزلنا، فنكّدوا على أهل المنزل، ولا يلزم حضور ربِّ المنزل
مع الضيف إذا أحضر ما يحتاجون إليه، فقد يكون في مُهِمّ من أشغاله لا يمكنه
تركه، فهذا منهم جفاء، لكن حَمَلهم على ذلك صِدْق رغبتهم في التبرُّك
بمؤاكلته، وحضوره معهم، فأبوا حتى يجيء، وانتظروه، فجاء فصدر منه ذلك،
فتكدّر الوقت، وتشوّش الحال عليهم أجمعين، وكانت نزغة شيطان، فأزال الله
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩/١٤.

٤٣٩
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٤)
تعالى ذلك النكد بما أبداه من الكرامة، والبركة في ذلك الطعام، فعاد ذلك
النكد سروراً، وانقلب الشيطان مدحوراً، وعند ذلك عاد أبو بكر ته إلى
مكارم الأخلاق، فأحنث نفسه، وأكل مع أضيافه، وطيَّب قلوبهم، وحصل
مقصودهم لقوله وي: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفِّر عن
يمينه وليأت الذي هو خیر)). انتهى(١).
(قَالَ) أبو بكر للأضياف (كُلُوا لَا هَنِيئاً)؛ أي: لا أكلتم هنيئاً، قال
النوويّ نَّثُ: إنما قاله لِمَا حَصَل له من الحرج، والغيظ بتركهم العَشاء بسببه،
وقيل: إنه ليس بدعاء، إنما أخبر؛ أي لم تتهنأوا به في وقته. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): هو دعاء عليهم، وقيل: خبر؛ أي: لم تتهيئوا في أول
نُضجه، ويُستفاد من ذلك جواز الدعاء على من لم يحصل منه الإنصاف، ولا
سيما عند الحرج والتغيظ، وذلك أنهم تَحَكَّموا على ربّ المنزل بالحضور
معهم، ولم يكتفوا بولده، مع إذنه لهم في ذلك، وكأن الذي حملهم على ذلك
رغبتهم في التبرك بمؤاكلته، ويقال: إنه إنما خاطب بذلك أهله، لا الأضياف،
وقيل: لم يُرِد الدعاء، وإنما أخبر أنهم فاتَّهُم الهناء به؛ إذ لم يأكلوه في وقته(٣).
(وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَداً) وفي رواية الجريريّ: ((فقال: فإنما
انتظرتموني، والله لا أطعمه أبداً، فقال الآخر: والله لا نطعمه))، هذا لفظ
البخاريّ، ولفظ مسلم: ((فقال أبو بكر: فوالله لا أطعمه الليلة، قال: فقالوا:
فوالله لا نطعمه حتى تطعمه))، وفي رواية أبي داود: ((فقال أبو بكر: فما
منعكم؟ قالوا: مكانك، قال: والله لا أطعمه أبداً، قال: لم أر في الشر
كالليلة، ويلكم، ما أنتم؟ لم لا تقبلون عنا قِراكم، هات طعامك، فوُضع،
فقال: بسم الله، الأول من الشيطان، فأكل، وأكلوا)).
قال ابن التين: لم يخاطب أبو بكر ﴿به أضيافه بذلك، إنما خاطب
أهله.
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٣٧/٥ - ٣٣٨.
(٢) (شرح النوويّ)) ١٩/١٤.
(٣) ((الفتح)) ٢٥١/٨ - ٢٥٢، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨١).

٤٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
وتعقّبه الحافظ بأن الرواية التي تقدّمت تردّ عليه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: فَايْمُ اللهِ) همزته همزة وَصْل عند الجمهور، وقيل: يجوز القطع،
وهو مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: فأيم الله قَسَمي، أو خبر لمحذوف؛ أي:
فَسَمي ايم الله، قال الفيّوميّ تَظُّهُ: ((أيمن)) اسم استُعمل في القسم، والتُزم
رفعه، كما التُزم رفعُ لَعمْرُ الله، وهمزته عند البصريين وصلٌ، واشتقاقه عندهم
من الْيُمْن، وهو البركة، وعند الكوفيين قطعٌ؛ لأنه جَمْع يمين عندهم، وقد
يُختصر منه، فيقال: وايم الله بحذف الهمزة والنون، ثم اختُصر ثانياً، فقيل: مُ
الله، بضمّ الميم وكسرها. انتهى(١).
وقال في ((القاموس)) و((شرحه)): و((ايمن الله)) بضم الميم والنون، وأَلِفه
أَلِف وَصْل عند أكثر النحويين، ولم يجئ في الأسماء ألف وصل مفتوحة
غيرها، نقله الجوهريّ، و((ايم الله))، ويُكسر أوّلهما، عن ابن سيده، وقال ابن
الأثير: أهل الكوفة يقولون: أيمُن جمع يمين للقسم، والألف فيها ألف وصل،
ويُفتح، ويُكسر، والكسر في ((ايم الله))، حكاه يونس، ونقله ابن جني، وذهب
ابن كيسان، وابن دُرُستويه إلى أن ألف أيمن ألف قطع، وهو جمع يمين، وإنما
خُفّفت همزتها، وطُرحت في الوصل؛ لكثرة استعمالهم لها، ويقولان: إن
ايم الله أصله: أيمن الله، حُذفت النون، كما حُذفت مِن: لم يَكُ، و((ايمن الله))
بفتح الميم، والهمزة، وقد تُكسر الهمزة، و((ايم الله)) بكسر الهمزة، والميم،
وقيل: ألِفِه أَلِف وصل، وهو قول النحويين، إلا ما كان من ابن كيسان، وابن
درستويه، كما ذكرنا، وقالوا: ((هيم الله)) بفتح الهاء، وضم الميم، والأصل
((ايم الله)) قُلبت الهمزة هاء، وربما حَذَفوا منه الياء، فقالوا: ((ام الله)) مثلثة
الميم، و((ام الله)) بكسر الهمزة، وضم الميم، وفتحها، وربما قالوا: ((مُنِ الله))
بضم الميم، وكسر النون، و((مُن الله)) مثلثة الميم، والنون؛ أي: بضم الميم،
والنون، وبفتحهما، وبكسرهما، وربما أبقوا الميم وحدها، فقالوا: ((م الله))
مثلثة، أما الضم فهو الأصل، وأما الكسر فلأنها صارت حرفاً واحداً،
فيشبّهونها بالباء، وربما أدخلوا عليها اللام؛ لتأكيد الابتداء، فقالوا: ((ليم الله))،
(١) ((المصباح المنير)) ٦٨٢/٢.