النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٤٨)
نسبوا العشاء إلى الصِّبية؛ لأنهم إليه أشدّ طلباً، وهذا هو المعتمد؛ لقوله في
رواية أبي أسامة: ((ونطوي بطوننا الليلة))، وفي آخر هذه الرواية أيضاً:
((فأصبحا طاويين))، وقد وقع في رواية وكيع عند مسلم: ((فلم يكن عنده إلا
قُوته، وقُوت صبيانه)). انتهى(١) .
(قَالَ) الرجل (فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ)؛ أي: ألهيهم بشيء من اللهو يشغلهم عن
طلب الطعام، وفي رواية البخاريّ: ((فإذا أراد الصبية العَشاءَ، فنوّميهم)).
قال النوويّ كَّلُ: قوله: ((فعلّليهم بشيء)) هذا محمول على أن الصبيان
لم يكونوا محتاجين إلى الأكل، وإنما تطلبه أنفسهم على عادة الصبيان، من
غير جوع يضرّهم، فإنهم لو كانوا على حاجة بحيث يضرّهم تَرْك الأكل لكان
إطعامهم واجباً، ويجب تقديمه على الضيافة، وقد أثنى الله تعالى، ورسوله والد
على هذا الرجل وامرأته، فدلّ على أنهما لم يتركا واجباً، بل أحسنا،
وأجملا ◌ًا، وأما هو وامرأته فآثرا على أنفسهما برضاهما مع حاجتهما،
وخصاصتهما، فمدحهما الله تعالى، وأنزل فيهما: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. انتهى(٢).
(فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا، فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ) وفي رواية البخاريّ: ((فأطفئي
السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت)). (وَأَرِبِهِ أَنَّا نَأْكُلُ)، وذلك لأن الضيف
إذا علم أن مُضيفَه لا يأكل ربّما امتنع عن الأكل، أو أكل قليلاً، وهذا من فرط
إيثاره څ، وحُسْن سياسته.
وفي حديث أنس عند ابن أبي الدنيا: ((فجعل يتلمّظ، وتتلمّظ هي حتى
رأى الضيف أنهما يأكلان)). (فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ)؛ أي: إذا أمال يده إلى المائدة
للأكل، (فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ، حَتَّى تُطْفِيهِ)؛ أي: لئلا يظهر له تَرْكُهما الأكل،
فيَتْرُك هو. (قَالَ: فَقَعَدُوا)؛ أي: الثلاثة: الرجل، والمرأة، والضيف لِأَكْل
ذلك الطعام، ولكنْ الزوجان لم يأكلا، (وَأَكَلَ الضَّيْفُ) وحده، وفي رواية
البخاريّ: ((فقال: هيئي طعامك، وأصبِحِي سراجك، ونَوِّمي صبيانك، إذا
(١) ((الفتح)) ٤٩٧/٨ - ٤٩٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٧٩٨).
(٢) (شرح النوويّ)) ١٢/١٤.

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
أرادوا عَشاءً، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونوَّمت صبيانها، ثم قامت
كأنها تُصلح سراجها، فأطفأته، فجعلا يُريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين)).
(فَلَمَّا أَصْبَحَ)؛ أي: دخل وقت الصباح، (غَدَا) ذلك الرجل الذي أضاف
ذلك الضيف (عَلَى النَّبِيِّ وََّ)، وفي حديث أنس: ((فصلّى معه الصبح))، (فَقَالَ:
((قَدْ عَجِبَ اللهُ) بكسر الجيم من باب تَعِبَ، وفيه إثبات العَجَب الله ثُمََّ على ما
يليق بجلاله، (مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ)))؛ أي: حيث آثراه بطعامهما،
وباتا جائعين، وفي رواية البخاريّ: ((فقال: لقد عجِب الله رَكْ، أو ضَحِكَ من
فلان وفلانةَ، فأنزل الله رَك: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ ◌ِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾)) .
وقال في ((الفتح)): قوله: ((لقد عَجِب الله رَ، أو ضحك)) كذا هنا
بالشكّ، وذكره مسلم من طريق جرير، عن فضيل بن غزوان بلفظ: ((عجب))
بغير شكّ، وعند ابن أبي الدنيا في حديث أنس: ((ضحك)) بغير شكّ، وقال
الخطابيّ: إطلاق العجب على الله محال، ومعناه الرضا، فكأنه قال: إن ذلك
الصنيع حَلّ من الرضا عند الله حلول العجب عندكم، قال: وقد يكون المراد
بالعجب هنا: أن الله يُعجب ملائكته من صنيعهما؛ لِنُدُور ما وقع منهما في
العادة، ثم قول من قال: معنى الضحك هنا الرحمة، قال الخطابيّ: وتأويل
الضحك بالرضا أقرب من تأويله بالرحمة؛ لأن الضحك من الكرام يدل على
الرضا، فإنهم يوصفون بالبِشْر عند السؤال.
قال الحافظ: الرضا من الله يستلزم الرحمة، وهو لازمه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: من العجيب الغريب نَقْل الحافظ قول الخطّابيّ:
((إطلاق العجب على الله محال)) إلى آخر كلامه، بل أقرّه في آخر كلامه، وقد
أشار الحافظ نفسه هو في ((كتاب التوحيد)) من ((الفتح)) أن التأويل مذهب
المتكلّمين، وليس مذهب أهل السُّنَّة من السلف، وأهل الحديث، فكيف
يوافق، ويسكت على هذا التأويل السخيف؟
والحاصل أن الواجب إثبات ما أثبته الله في كتابه، أو أثبته النبيّ وَّر في
حديثه الصحيح من صفات الله تعالى على الوجه اللائق به تَعَلَ، ومن ذلك صفة
(١) ((الفتح)) ٦٨٠/١٠ - ٦٨١، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٨٩).

٤٠٣
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٤٨)
العَجَب، فقد ثبتت في كتاب الله رَك في قوله تعالى: (بَلْ عَجِبْتُ) بضمّ التاء
على إحدى القراءتين، وفي السُّنَّة الصحيحة، كهذا الحديث الصحيح، ثم إن
العَجَب المثبت الله ليس كعجب المخلوقين الذي منشأه غالباً خفاء السبب، كما
يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب، وهذا النوع هو الممتنع على الله ريم؛ لأنه
لا تخفى عليه خافية، ولكن العجب الثابت له يدلّ على عِظَم الشيء وتميّزه عن
أمثاله فيما يوجب مدحاً أو ذمّاً(١)، وبالله تعالى التوفيق.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٤٨/٢٠ و٥٣٤٩ و٥٣٥٠] (٢٠٥٤)،
و(البخاريّ) في ((مناقب الأنصار)) (٣٧٩٨) و((التفسير)) (٤٨٨٩) وفي ((الأدب
المفرد» (٧٤٠)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٣٠٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
(١١٥٨٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٢٨٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٣٠/١١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٥/٤) و((الأسماء والصفات)) (٢/
٢١٧)، و(الواحديّ) في ((أسباب النزول)) (ص٢٨١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما كان عليه النبيّ وَّر، وأهل بيته من الزهد في الدنيا،
والصبر على الجوع، وضِيْق حال الدنيا.
٢ - (ومنها): أنه ينبغي لكبير القوم أن يبدأ في مواساة الضيف، ومن
يَطْرُقهم بنفسه، فيواسيه من ماله أوّلاً بما يتيسَّر إن أمكنه، ثم يطلب له على
سبيل التعاون على البرّ والتقوى من أصحابه.
٣ - (ومنها): المواساة في حال الشدائد.
٤ - (ومنها): فضيلة إكرام الضيف، وإيثاره.
٥ - (ومنها): منقبة لهذا الأنصاريّ وامرأته ﴿ه، وقال القرطبيّ تظلّثهُ:
(١) راجع ما كتبه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البرّاك تعليقاً على هامش: ((الفتح)) ١٠/ ٦٨١.

٤٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
وهذا الحديث يدلّ على فضل أبي طلحة، وأهل بيته ◌ِ﴿ه، وأنَّهم المعنيون
بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، و((الخصاصة)):
الجوع والفاقة. انتهى(١).
٦ - (ومنها): مشروعيّة الاحتيال في إكرام الضيف إذا كان يمتنع منه،
رفقاً بأهل المنزل؛ لقوله: ((أطفئي السراج، وأَريه أنا نأكل))، فإنه لو رأى قلة
الطعام، وأنهما لا يأكلان معه لامتنع من الأكل.
٧ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، قال في (الفتح)): هذا هو
الأصح في سبب نزول هذه الآية، وعند ابن مردويه من طريق محارب بن دِثار،
عن ابن عمر: ((أُهدي لرجل رأس شاة، فقال: إن أخي وعياله أحوج منا إلى
هذا، فبعث به إليه، فلم يزل يَبعث به واحد إلى آخر، حتى رجعت إلى الأول
بعد سبعة، فنزلت))، ويَحْتَمِل أن تكون نزلت بسبب ذلك كله. انتهى (٢).
٨ - (ومنها): ما قاله في (الفتح)): قيل: في الحديث دليل على نفوذ فعل
الأب في الابن الصغير، وإن كان مطويّاً على ضرر خفيف، إذا كان في ذلك
مصلحة دينية، أو دنيوية، وهو محمول على ما إذا عُرف بالعادة من الصغير
الصبر على مثل ذلك، والعلم عند الله تعالى. انتهى(٣).
٩ - (ومنها): ما قال النوويّ ◌َتُهُ: فيه فضيلةُ الإيثار، والحثّ عليه، وقد
أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه من أمور الدنيا، وحظوظ
النفوس، أما القربات فالأفضل أن لا يُؤثر بها؛ لأن الحقّ فيها لله تعالى.
انتهى (٤)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٤٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ
فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ بَاتَ بِهِ
ء
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٣٠/٥.
(٢) ((الفتح)) ٤٩٨/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٧٩٨).
(٣) ((الفتح)) ٤٩٨/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٧٩٨).
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٢.

٤٠٥
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٠)
ضَيْفٌ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا قُوتُهُ، وَقُوتُ صِبْيَانِهِ، فَقَالَ لِمْرَأَتِهِ: نَوِّمِي الصِّبْيَةَ،
وَأَطْفِي السِّرَاجَ، وَقَرِّبِي لِلِضَّيْفِ مَا عِنْدَكِ، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَ
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَنَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح بن مَليح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظٌ
عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية وكيع عن فُضيل بن غَزْوان هذه ساقها الترمذيّ تَخْلُهُ،
فقال :
(٣٣٠٤) - حدّثنا أبو كريب، حدّثنا وكيع، عن فُضيل بن غزوان، عن
أبي حازم، عن أبي هريرة، أن رجلاً من الأنصار بات به ضيف، فلم يكن
عنده إلا قُوْته وقُوْت صبيانه، فقال لامرأته: نَوِّمي الصبية، وأطفئي السراج،
وقرِّبيٍ للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ﴾، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيحٌ. انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٥٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِوَهْ لِيُضِيفَهُ، فَلَمْ يَكُنْ
عِنْدَهُ مَا يَّضِيفُهُ، فَقَالَ: ((أَلَا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا رَحِمَهُ اللهُه، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ،
يُقَالُ لَهُ: أَبُو طَلْحَةَ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثٍ جَرِيرٍ،
وَذَكَرَ فِيهِ نُزُولَ الآيَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ وَكِيٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ فُضَيْلِ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان، تقدّم قريباً.
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٤٠٩/٥.

٤٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (يُقَالُ لَهُ: أَبُو طَلْحَةَ ... إلخ) تقدّم أن الخطيب قال بهذا، لكنه
قال: أظنّه غير أبي طلحة زيد بن سهل المشهور، فتنبّه.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ ... إلخ) فاعل ((ساق)) ضمير ابن فُضيل.
[تنبيه]: رواية محمد بن غزوان عن أبيه هذه ساقها الطبريّ تَخْتُ في
((تفسيره)) بسند المصنّف، فقال:
حدّثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي
هريرة، قال: جاء رجل إلى النبيّ وَّ؛ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال:
((ألا رجل يُضيف هذا رحمه الله؟)) فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة،
فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله وَّة، نَوِّمي الصبية،
وأطفئي المصباح، وأَريه بأنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله وَلات،
ففعلت، فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ ◌ِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٥١] (٢٠٥٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ
سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ
الْمِقْدَادِ، قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانٍ لِي، وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا، وَأَبْصَارُنَا، مِنَ
الْجَهْدِ، فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ
يَقْبَلُنَا، فَأَتَيْنَا النَّبِّ ◌َهِ، فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا ثَلاثَةُ أَعْنُزٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ:
((احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا))، قَالَ: فَكُنَّا نَحْتَلِبُ، فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ،
وَنَرْفَعُ(٢) لِلنَّبِيِّ وَهِ نَصِيبَهُ، قَالَ: فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُسَلِّمُ تَسْلِيماً لَا يُوقِظُ نَائِماً،
وَيُسْمِعُ الْيَقْطَانَ، قَالَ: ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ، فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَأْنِي شَرَابَهُ، فَيَشْرَبُ، فَأَتَانِي
الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبِي، فَقَالَ: مُحَمَّدٌ يَأْتِي الأَنْصَارَ، فَيُنْحِفُونَهُ،
وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجُرْعَةِ، فَأَتَيْتُهَا، فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ
فِي بَطْنِي، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ، قَالَ: نَدَّمَنِي الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، مَا
(١) ((تفسير الطبريّ)) ٤٢/٢٨ - ٤٣.
(٢) وفي نسخة: ((ويُرْفَع)).

٤٠٧
(٢٠) - بَابُ إِنْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥١)
صَنَعْتَ؟ أَشَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ؟ فَيَجِيءُ، فَلَا يَجِدُهُ، فَيَدْعُو عَلَيْكَ، فَتَهْلِلُ،
فَتَذْهَبُ دُنْيَاَ وَآخِرَتُكَ، وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ رَأْسِي، وَإِذَا
وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَايَ، وَجَعَلَ لَا يَجِيتُنِي النَّوْمُ، وَأَمَّا صَاحِبَاتَ، فَنَامَا،
وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْتُ، قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ وَهِ، فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ أَتَى
الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ، فَكَشَفَ عَنْهُ، فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئاً، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى
السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: الآنَ يَدْعُو عَلَيَّ، فَأَهْلِكُ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ
مَنْ أَسْقَانِي))، قَالَ: فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ، فَشَدَدْتُهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ،
فَانْطَلَقْتُ إِلَى الأَعْنُزِ أَيُّهَا أَسْمَنُ، فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ اللهِ وَ، فَإِذَا هِيَ حَافِلَةٌ(١)، وَإِذَا
هُنَّ حُقَّلٌ كُلُّهُنَّ، فَعَمَدْتُ إِلَى إِنَاءٍ لآلِ مُحَمَّدٍ وَهِ مَا كَانُوا يَطْمَعُونَ(٢) أَنْ يَحْتَلِبُوا
فِيهِ، قَالَ: فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ:
(أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ؟))، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي،
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ قَدْ
رَوِيَ، وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ ضَحِكْتُ، حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الأَرْضِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
((إِحْدَى سَوْآَتِكَ بَا مِقْدَادُ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَانَ مِنْ أَمْرِي كَذَا وَكَذَا، وَفَعَلْتُ
كَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَا هَذِهِ إِلَّا رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ، أَفَلَا كُنْتَ آذَنْتَنِي، فَنُوقِظَ
صَاحِبَيْنَا، فَيُصِيبَانِ مِنْهَا))، قَالَ: فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَََ بِالْحَقِّ، مَا أَبَالِي إِذَا أَصَبْتَهَا،
وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ مَنْ أَصَابَهَا مِنَ النَّاسِ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان، تقدّم قبل باب.
٢ - (شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ) المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان
الفزاريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت٤ أو ٥ أو٢٠٦) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٤٠/٦.
(١) وفي نسخة: ((فإذا هي حافل)).
(٢) وفي نسخة: ((يطعمون)).

٤٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثقةٌ (١)
[٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١١/٣.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم البُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابد [٤] مات
سنة بضع و(١٢٠) (ع) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثمّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣]
(ت٨٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٦ - (الْمِقْدَادُ) بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الْبَهْرانيّ، ثمّ
الْكِنْديّ، ثمّ الزهريّ، مات سنة (٣٣)، وهو ابن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٢٨١/٤٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن
ـّ، من السابقين إلى الإسلام، ولم يثبت أنه
صحابيّه من مشاهير الصحابة
ـه .
كان ببدر فارس غيره
شرح الحديث:
(عَنِ الْمِقْدَادِ) بن عمرو ◌َُّله، ويقال له: المقداد بن الأسود؛ لأن
الأسود بن عبد يغوث الزهريّ تبنّاه في الجاهليّة، فنُسب إليه. (قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا
وَصَاحِبَانٍ لِي) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفهما(٢). (وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا،
وَأَبْصَارُنَا، مِنَ الْجَهْدِ) بفتح الجيم، وهو الجوع والمشقّة، كما سبق في حديث
أول الباب. (فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ) بكسر الراء، يقال: عَرَضَ الشيءَ عليه، من باب
سَمِعَ: إذا أراه إيّاه، وعَرَض له: إذا أظهره له(٣)؛ أي: نُري (أَنْفُسَنَا عَلَى
أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَلَّ) بمعنى: أنهم يُرُون أنفسهم، ويُظهرون للصحابة
جوعهم، وما أصابهم من الجهد حتى يواسُوهم، ويقوموا بضيافتهم، (فَلَيْسَ
أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا) قال النوويّ تَُّهُ: هذا محمول على أن الذين عَرَضوا أنفسهم
عليهم كانوا مُقِلُّين ليس عندهم شيء يُواسُون به. انتهى (٤).
(١) مكرّراً، قاله ابن معين.
(٣) راجع: ((القاموس المحيط)) ص ٨٥٧.
(٢) (تنبيه المعلم)) ص٣٥٤.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٣/١٤ - ١٤.

٤٠٩
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥١)
=
وقال القرطبيّ تَّثُ: وقوله: ((فليس أحدٌ منهم يقبلنا))؛ أي: يُطعمنا،
وظاهر حالهم: أن ذلك الامتناع ممن تعرضوا له إنَّما كان لأنهم ما وجدوا شيئاً
يُطعمونهم إيَّاه، كما اتَّفَق للنبيّ وَلِّ حيث طلب من جميع بيوت نسائه، فلم
يجد عندهم شيئاً؛ فإنَّ الوقت كان شديداً عليهم. انتهى(١).
(فَأَتْنَا النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (بِنَا إِلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعْنُزِ)
((إذا)) هنا هي الفُجائيّة؛ أي: ففاجأنا وجود ثلاثة أعنز، وهي بفتح الهمزة،
وضمّ النون: جمع عَنْز، بفتح، فسكون: هي الأنثى من المعز إذا أتى عليها
حول، وقال الجوهريّ: والعنز: الأنثى من الظباء، والأوعال، وهي
الماعز(٢). (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ)؛ أي: لبن هؤلاء الأعنز
الثلاثة، وقوله: (بَيْنَنَا)))؛ أي: واقسموه بيننا. (قَالَ) المقداد (فَكُنَّا نَحْتَلِبُ،
فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ)؛ أي: حظّه من ذلك اللبن، (وَنَرْفَعُ) بالبناء
للفاعل، وفي بعض النسخ: ((ويُرْفَعِ)) بالبناء للمفعول، (لِلنَّبِيِّ وَّهِ نَصِيبَهُ)؛ أي:
حظّه من ذلك اللبن. (قَالَ) المقداد (فَيَجِيءُ) النبيّ وَِّ (مِنَ اللَّيْلِ)؛ أي: في
الليل، فـ((من)) بمعنى ((في))، ويَحْتَمِل أن تكون للتبعيض؛ أي: في بعض الليل،
(فَيُسَلِّمُ تَسْلِيماً) فيه مشروعيّة السلام على الجماعة، وإن كان بعضهم نائماً، (لَا
يُوقِظُ نَائِماً، وَيُسْمِعُ الْيَفْظَانَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإسماع، وفيه بيان
آداب السلام، وهو أنه لا يرفع صوته إذا هناك نائم؛ لئلا يقطع عليه نومه، ولا
يَخفضه بحيث لا يُسمع؛ ليردّ عليه اليقظان. (قَالَ) المقداد (ثُمَّ يَأْتِي) ◌َّ
(الْمَسْجِدَ)؛ أي: المكان الذي اتّخذه للصلاة فيه، (فَيُصَلِّي) تحيّة المسجد، أو
أعمّ من ذلك، (ثُمَّ يَأْتِي شَرَابَهُ، فَيَشْرَبُ) فيه أنه يبدأ بتحيّة المسجد قبل أن
يجلس للشراب والطعام. (فَأَتَّانِي الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ)؛ أي: ليلةً من الليالي،
وقوله: (وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبٍي) جملة حاليّة من المفعول، (فَقَالَ) الشيطان:
(مُحَمَّدٌ) وَلِ (يَأْتِي الأَنْصَارَ)؛ أي: بيوت الأنصار ﴿ه، (فَيُتْحِفُونَهُ) بضمّ حرف
المضارعة، من الإتحاف؛ أي: يكرمونه بالهدايا والعطايا، قال المجد دخّثه:
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٣٢/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٣٢/٢.

٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
التُّحْفَة بالضمّ، وكهُمَزَة: البِرّ، واللُّطف، والظُرْفة، جمعه: تُحُفٌّ، وقد أتحفته
تُحْفَةً: إذا أطرفته بها، أو أصلها وُحْفَةٌ بالواو، فقُلبت تاءً. انتهى(١) .
(وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ)؛ أي: ينال غرضه من الطعام والشراب ما يُغنيه عن هذا
اللبن، وقوله: (مَا) نافية؛ أي: ليست (بِهِ) وََّ (حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجُرْعَةِ) - بضم
الجيم، وفتحها -، حكاهما ابن السِّكِّيت وغيره، وهي الْحَثْوَة من المشروب،
والفعل منه: جَرِعتُ بفتح الجيم، وكسر الراء، قاله النوويّ، وقال الفيّوميّ:
جَرَعتُ الماءَ جَرْعاً، من باب نفع، وجَرِعتُ أجْرَعُ، من باب تَعِب لغةٌ، وهو
الابتلاع، والْجُرْعة من الماء كاللقمة من الطعام، وهو ما يُجرع مرّةً واحدةً،
والجمع جُرَع، مثلُ غُرْفة وغُرَف. انتهى(٢).
(فَأَتَيْتُهَا)؛ أي: تلك الْجُرعة (فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ) قال ابن هشام
الأنصاريّ تَُّ في ((مغنيه)): ((أن الواقعة بعد ((لَمَّا)) التوقيتيّة زائدة، نحو
قوله رين: ﴿وَلَمَّآ أَنْ جَآءَتْ رُسُلْنَا لُوطًا سِىَّ بِهِمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٣٣]))(٣).
(وَغَلَتْ فِي بَطْنِي) بِالْغَين المعجمة المفتوحة، من وَعَد؛ أي: دَخَلَت، وتمكَّنت
تلك الجرعة.
وقال القرطبيّ تَظْتُ: وقوله: ((وغلت في بطني))؛ أي: دخلت فيه، فكل
من دخل في شيء فهو واغل فيه، ومنه قول الشاعر:
فاليوم أشربُ غيرَ مُسْتَحْقب إِثْماً من الله ولا وَاغِلٍ
يقال: وغَلْتُ، أَغِلَ، وُغُولاً، وَوَغْلاً، وهو ثلاثيّ، فأمَّا أوغل - رباعيّاً -
فهو بمعنى: السِّير الشديد، والإمعان فيه، قاله الأصمعيّ، ومنه قوله وَله: ((إن
هذا الدِّين مَتِين، فأوغل فيه برفق))، رواه أحمد؛ أي: فَسِرْ فيه برفق. انتهى(٤).
(وَعَلِمْتُ) بتاء المتكلّم، (أَنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: أن الأمر والشأن،
(لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ)؛ أي: لا يوجد طريق إلى الوصول إليها، والانتفاع بها ثانياً.
وقال بعضهم: قوله: ((وعلمت أنه ليس إليها سبيل)) يحتَمِل معنيين:
(١) ((القاموس المحيط)) ص١٥١ بزيادة يسيرة.
(٣) راجع: ((مغني اللبيب)) ٧٥/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٩٧.
(٤) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٣٢/٥ - ٣٣٣.

٤١١
(٢٠) - بَابُ إِنْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥١)
الأول: أني تنبّهت بعد الشُّرب أنه لم يكن لي سبيل في جواز شرب نصيب
رسول الله وَلّ، والثاني: أنه لا سبيل الآن إلى إعادة ما شربته إلى محلّه.
(١)
انتھی
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في الاحتمال الأول من البُعد،
فالاحتمال الثاني، هو الأقرب، والأظهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) المقداد (نَدَّمَنِي الشَّيْطَانُ) بتشديد الدال المهملة؛ أي: حملني على
الندم، وقوله: (فَقَالَ ... إلخ) بيان لكيفيّة تنديمه. (فَقَالَ) الشيطان (وَيْحَكَ) تقدّم
أنها كلمة ترحّم، لكنها هنا بمعنى ويلك، وهي كلمة عذاب. (مَا صَنَعْتَ؟)
((ما)) استفهاميّة، مفعول مقدَّم لـ((صنعت))؛ أي: أي شيء صنعت؟ وهو استفهام
إنكار، وتوبيخ. (أَشَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ؟) ◌ِ (فَيَجِيءُ) وَ﴿ إلى شرابه (فَلَا
يَجِدُهُ) حيث شربته أنت، (فَيَدْعُو عَلَيْكَ) بالهلاك (فَتَهْلِكُ، فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ
وَآخِرَتُكَ)؛ أي: تخسر في الدنيا والآخرة. (وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ) بفتح الشين
المعجمة، وإسكان الميم: كِساء صغير يُشتَمَل به؛ أي: يُلتَحَف به على كيفيّة
مخصوصة، قد ذكرناها في (كتاب الصلاة))(٢).
وقال الفيّوميّ: الشَّمْلة: كساء صغير يُؤْتَزَر به، والجمع: شَمَلاتٌ، مثلُ
سَجْدةٍ وسَجَداتٍ، وشِمَالٌ أيضاً، مثلُ كَلْبة وكلاب. انتهى(٣).
(إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ) يَحْتَمِل أن يكون بالتثنية، فالياء مشدّدة، ويَحْتَمِل
الإفراد، فالميم مخفّفة، والأول هو الأَولى بدليل قوله الآتي: ((قدماي)). (خَرَجَ
رَأْسِي، وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَايَ، وَجَعَلَ لَا يَجِيئُنِي النَّوْمُ)؛ أي:
لاشتداد كَرْبه بسبب ما صنعه مِن شُرب نصيب النبيّ وَل ، أو لأجل البرد حيث
فقد لباساً يعمّ جسده، والأول أظهر، كما يقتضيه السياق. (وَأَمَّا صَاحِبَايَ،
فَنَامًا) لعدم ما يمنعهما من النوم؛ إذ لم يفعلا ما فعل المقداد، كما أشار إليه
بقوله: (وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْتُ، قَالَ) المقداد (فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َهِ، فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ٦٩/٤.
(٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٣٣/٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٢٣/١.

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
يُسَلِّمُ)؛ أي: كما هو هديه عند دخوله البيت، فإنه لا يدخل إلا بسلام (ثُمَّ أَتَّى
الْمَسْجِدَ) قال القرطبيّ: يعني به - والله أعلم -: مسجد بيته؛ أي: حيث كان
يصلّي النوافل(١). (فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ)؛ أي: أتى موضع شرابه الذي خُبىء
له فيه، (فَكَشَفَ عَنْهُ)؛ أي: كشف الغطاء عن إناء شرابه (فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئاً)
من اللبن، (فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ)؛ أي: ليدعو ربّه، قال المقداد
(فَقُلْتُ: الآنَ)؛ أي: في هذه الساعة التي رفع بَّهَ رأسه فيها إلى السماء (يَدْعُو
عَلَيَّ) حيث شربت نصيبه، وبات طوياً (فَأَهْلِكُ) بدعائِهِ نَّهِ. (فَقَالَ) وَّةِ («اللَّهُمَّ
أَطْعِمْ) بقطع الهمزة فعلُ دعاء من الرباعيّ، (مَنْ أَطْعَمَنِي)؛ أي: يُطعمني، فهو
بمعنى المضارع، (وَأَسْقِ) يَحْتَمِل أن يكون بوصل الهمزة، من سقى الثلاثيّ،
وأن يكون بقطعها من أسقى الرباعيّ، فكلاهما لغتان فصيحتان، قال الله
تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، وقال: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا﴾
[الجن: ١٦]، والاحتمال الثاني أولى؛ لمناسبة قوله: (مَنْ أَسْقَانِي)))؛ أي:
يُسقيني، كما في ((من أطعمني)). (قَالَ) المقداد ◌َظُه: (فَعَمَدْتُ) بفتح الميم،
من باب ضرب؛ أي: قصدت (إِلَى الشَّمْلَةِ)؛ أي: إلى الاشتمال بها،
وتشميرها، كما بيّنه بقوله: (فَشَدَدْتُهَا)؛ أي: ربطت تلك الشملة (عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ
الشَّفْرَةَ) بفتح الشين المعجمة، وسكون الفاء: هي الْمُذْية، وهي السكّين
العَرِيض، والجمع شِفَارٌ، مثلُ كَلْبةٍ وكلاب، وشَفَرَاتٌ، مثلُ سجْدَة وسجدات،
قاله الفيّوميّ كَُّهُ(٢). (فَانْطَلَقْتُ إِلَى الأَعْنُزِ أَيُّهَا أَسْمَنُ) ((أيّ)) هنا موصولة
بمعنى ((التي))، صفة لـ((الأعنُز)) فهي مبنيّة على الضمّ لِحَذْف صَدْر صِلَتها؛ أي:
هي أسمن، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) حيث قال:
((أَيُّ) كَـ «مَا)) وَأُعْرِبَتْ مَا لَمْ تُضَفْ وَصَدْرُ وَصْلِهَا ضَمِيرٌ انْحَذَفْ
ونظيره قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَفْزِعَنَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِيًَّ
[مريم: ٦٩].
٦٩٦
(فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ اللهِ نَِّ، فَإِذَا هِيَ حَافِلَةٌ) ((إذا)) هنا فجائيّة؛ أي: ففاجأني
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٣٣/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣١٧/١.

٤١٣
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥١)
كونها حافلة؛ أي: ممتلئة الضرع باللبن، وفي بعض النسخ: ((حافل)) بدون
هاء، وهو لغة، قال المجد كَّلُهُ: وضَرْع حافلٌ: كثيرٌ لَبَنُه، وجَمْعہ کرُگَّع،
وناقةٌ حافلةٌ، وحَفُولٌ، وشاةٌ حافلٌ، وقال أيضاً: حَفَلَ الماء واللبن يَحْفِّل
حَفْلاً، وحُفُولاً، وحَفِيلاً: اجتمع، كتحفّل، واحتفل. انتهى(١).
(وَإِذَا هُنَّ)؛ أي: الأعنز، (حُفَّلٌ) بضمّ الحاء، وتشديد الفاء: جمع
حافل، أو حافلة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ وَصْفَيْنٍ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
والمعنى: مجتمع لبنهنّ في ضروعهنّ، وقوله: (كُلَّهُنَّ) توكيد لـ((حُفّل))،
وهذا من أعلام نبوّته وّ الظاهرة، ومعجزته الباهرة، حيث صرن كلّهنّ حُفّلاً
بعدما حُلب لبنهنّ في وقت قريب.
قال القرطبيّ تَخُّْ: ولمّا فَهِم المقداد منه وَّ الدعاء، وطلب أن يفعل الله
ذلك معه في الحال؛ عرف أن الله تعالى يجيبه، ولا يردّ دعوته، لا سيما عند
شدّة الحاجة، والفاقة، فقام لينظر له شيئاً تكون به إجابة دعوته، فوجد الأعنز
حُفّلاً؛ أي: ممتلئة الضروع باللبن. انتهى(٢).
(فَعَمَدْتُ) بفتح الميم؛ أي: قصدت (إِلَى إِنَاءٍ لَآلِ مُحَمَّدٍ وَه)؛ أي: أهل
بيته، (مَا كَانُوا)؛ أي: آل محمد رِ (يَطْمَعُونَ)؛ أي: يرجون (أَنْ يَحْتَلِبُوا فِيهِ)
لِكِبَره، وقلّة اللبن عندهم، ووقع في بعض النسخ: ((يطعمون)) بدل ((يطمعون))؛
أي: كانوا لا يأكلون في ذلك الإناء، ولا يستعملونه في الأكل. (قَالَ)
المقداد ته (فَحَلَبْتُ فِيهِ)؛ أي: في ذلك الإناء، (حَتَّى عَلَتْهُ)؛ أي: ارتفعت
على فم ذلك الإناء (رَغْوَةٌ) بتثليث الراء، وإسكان الغين المعجمة: هو الزَّبَد
الذي يعلو اللبن عند الصبّ والحلب، قال المجد تَخْذُ: رَغْوةُ اللبنِ مثلّئةً،
ورُغَاوته، ورُغايته، مضمومتينٍ، ويُكسران: زَبَدُهُ. انتهى.
وقال الفيّوميّ تَغْلُهُ: الرُّغْوَةُ: الزَّبَدُ يَعْلُو الشيءَ عند غَلَيانه، بفتح الراء،
وضمّها، وحُكي الكسر، وجَمْع المفتوح: رَغَوَاتٌ، مثل شَهْوَةٍ وَشَهَواتٍ،
(١) ((القاموس المحيط)) ص٣٠٤ - ٣٠٥.
(٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٣٣/٥ - ٣٣٤.

٤١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
وجَمْع المضموم: رُغَّى، مثلُ مُدْية ومُدَى، والرُّغَايَةُ بالضم، والكسر، والرِّغَاوَةُ
بالكسر مع الواو: رُّغْوَة اللبن، وارْتَغَى: شَرِب الرَّغْوَةَ، وَرَغَّى اللبنُ
بالتشديد(١): عَلَتْ رُغوته. انتهى(٢).
وقال النوويّ كَُّهُ: ((الرغوة)): هي زَبَد اللبن الذي يعلوه، وهي بفتح
الراء، وضمها، وكسرها، ثلاث لغات مشهورات، ورُغاوة بكسر الراء، وحُكي
ضمّها، ورُغاية بالضم، وحُكي الكسر، وارتغيت: شربت الرُّغوة. انتهى(٣).
(فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴿) آخذاً ذلك اللبن الذي علته الرغوة، (فَقَالَ) وَلِّلـ
((أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ؟))، قَالَ) المقداد (قُلْتُ)؛ أي: بعد إجابته بنعم، (يَا
رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ) هذا اللبن، (فَشَرِبَ) بكسر الراء، (ثُمَّ نَاوَلَنِي)؛ أي: أعطاني
الفاضل منه لأشربه، (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ) مرّة ثانيةً، (فَشَرِبَ، ثُمَّ
نَاوَلَنِي، فَلَمَّا عَرَفْتُ) بفتح الراء، فما اشتهر على ألسنة عوامّ الطلبة، من قولهم:
((عَرِفتُ)) بكسر الراء فَلَحْن فاحش، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
(أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِِّ قَدْ رَوِيَ) بكسر الواو، كرَضِي.
وقال القرطبيّ كَخُّْهُ: و(رَوِي)) بكسر الواو، وتحريك الياء في الماضي،
يروَى بفتح الواو وسكون الياء: في الشرب، فأما ((رَوَى)) بفتح الواو في
الماضي، وكسرها في المستقبل: فهو في رواية الأخبار، ويقال أيضاً: بمعنى
الاستقاء على الإبل، قال: وهذا الحديث من دلائل نبوة النبيّ وَل}(٤).
(وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ) حيث قال: ((اللهمّ أطعم من أطعمني، وأسق من
سقاني))، (ضَحِكْتُ) من شدّة الفرح والسرور بذلك، (حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الأَرْضِ)
ببناء الفعل للمفعول؛ أي: ضحِكت ضَحِكاً كثيراً حتى سقطت إلى الأرض من
شِدّة الضحك.
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((فضحكت حتى أُلْقِيتُ إلى الأرض)) كذا
(١) بل يجوز التخفيف، فقد قال في ((القاموس)): وَرَغَا اللبن، وأرغى، ورَغَّى: صارت
له رغوة. انتهى.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٣٢/١.
(٤) ((المفهم)) ٣٣٤/٥.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥/١٤.

٤١٥
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥١)
قيّدناه مبنياً لِمَا لم يُسَمّ فاعله، وقد وجدناه في بعض النسخ: ((أَلْقَيتُ)) مبنياً
للفاعل؛ أي: أَلْقَيت نفسي إلى الأرض من شدّة الضحك، ولما رأى النبيّ وَّ
منه ذلك كَرِه ذلك، وقال له: ((إحدى سوآتك يا مقداد))؛ أي: هذه الحالة حالة
سيئة من جملة حالاتك التي تسوء، منكِراً لذلك؛ لأن كثرة الضحك يميت
القلب، كما قاله ﴿ لأبي ذرّظ﴿له (١)، فلما أخبره المقداد بما جرى له، وبما
أجاب الله من دعوته قال النبيّ وَّ ه: ((ما هذه إلا رحمة من الله))، معترفاً
بفضل الله تعالى، وشاكراً لنعمته، ومقرّاً بمنّته، فله الحمد أوّلاً وآخراً، وباطناً
وظاهراً. انتهى (٢).
قال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((فلما عَلِمتُ أن النبيّ وَِّ قد رَوِي)) إلى قوله:
(١) أشار به إلى ما أخرجه ابن حبّان في ((صحيحه)) وغيره عن أبي ذرّ رَظُه، وهو
حديث طويل، مشتمل على وصايا كثيرة، وكثير منها ضعيف، وبعضه صحيح، ومنه
قوله: ((إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويَذهب بنور الوجه))، قاله الشيخ
الألبانيّ كَّفُ في ((صحيح الترغيب والترهيب)).
وأخرج الترمذيّ كَّلُ في ((جامعه)) ٥٥١/٤، عن الحسن، عن أبي هريرة ظُبه قال:
قال رسول الله وير: ((من يأخذ عني هؤلاء الكلمات، فيعمل بهنّ، أو يعلِّم من
يعمل بهنّ؟))، فقال أبو هريرة: فقلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي، فعَدّ خمساً،
وقال: ((اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس،
وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً، ولا
تُكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب)).
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان،
والحسن لم يسمع عن أبي هريرة شيئاً، هكذا رُوي عن أيوب، ويونس بن عبيد،
وعلي بن زيد، قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، ورَوَى أبو عبيدة الناجيّ،
عن الحسن، هذا الحديث قولَهُ، ولم يذكر فيه: ((عن أبي هريرة، عن النبيّ ◌َِ﴿)).
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: سماع الحسن البصريّ من أبي هريرة ﴿ه مختلفٌ فيه،
والصحيح أنه سمع منه، كما حقّقته في ((شرح النسائيّ))، وهذا الحديث صححه
الشيخ الألبانيّ كفُّ في ((الصحيحة)) ٣٢/٢، وغيرها .
(٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٣٤/٥ - ٣٣٥.

٤١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
إحدى سوآتك يا مقداد)): معناه أنه كان عنده حُزْن شديدٌ خوفاً من أن يدعو
عليه النبيّ وَّر؛ لكونه أذهبَ نصيب النبيّ وَّه، وتَعَرّض لأذاه، فلما عَلِمَ أن
النبيّ وَّ﴿ قد رَوِيَ، وأَجيبت دعوته، فَرِح، وضَحِك، حتى سقط إلى الأرض
من كثرة ضحكه؛ لذهاب ما كان به من الحزن، وانقلابه سُروراً بشرب
النبيّ وَّ، وإجابة دعوته لمن أطعمه، وسقاه، وجريان ذلك على يد المقداد،
وظهور هذه المعجزة، ولتعجّبه من قُبح فِعله أوّلاً، وحُسْنِه آخراً، ولهذا
قال ◌َله: ((إحدى سوآتك يا مقداد))؛ أي: إنك فعلتَ سَوءةً من الفعلات، ما
هي؟ فأخبره خَبَرَه، فقال النبيّ وَّ: ((ما هذه إلا رحمة من الله تعالى))؛ أي:
إحداث هذا اللبن في غير وقته، وخلاف عادته، وإن كان الجميع من فضل الله
(١)
تعالی. انتهى(١).
(قَالَ) المقداد ◌َظُه (فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِحْدَى سَوْآَتِكَ) خبر لمحذوف؛
أي: هذه الحالة، وهي حالة كثرة الضحك إحدى حالاتك التي تسوء، وتعيب
لك (يَا مِقْدَادُ)) قال القاضي عياض ◌َخْتُ في ((المشارق)): قوله: ((إحدى سوآتك
يا مقداد)» كذا لأكثر شيوخنا، وعند ابن الحذاء، والهوزنيّ من طريق ابن
ماهان: ((أخبرني)) مكان ((إحدى))، وعند ابن الحذاء ((شرابك)) مكان ((سوآتك))،
والصواب الأول؛ أي: إن ضحكك، وما صنعتَ من أحد أفعالك السيئة،
.
وجاء في بعض النسخ: ((ما شأنك يا مقداد؟)). انتهى(٢)
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَانَ مِنْ أَمْرِي كَذَا وَكَذَا، وَفَعَلْتُ كَذَا)؛ أي: من
شُرب نصيبه وَّه بتسويل الشيطان له، (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((مَا هَذِهِ)؛ أي: الخصلة
التي حصلت في هذه الليلة من شُرب اللبن الذي نزل من الأعنز اللاتي حُلبن،
وجفّ ضرعهنّ، (إِلَّا رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ) وَلَ .
وحاصل ما أشار إليه في قوله: ((ضحكت حتى سقطت إلى الأرض)) إلى
قوله: هذه رحمة من الله)) أن ضحكه څبه كان من كمال سروره، وزوال حزنه؛
لأنه لَمّا شَرِب نصيبه وَ لاَ خاف أشدّ الخوف من أن يدعو عليه النبيّ وَِّ، ولَمّا
قال ◌َ: ((اللهم أطعم من أطعمني ... إلخ))، وعَلِم أن دعاءهُ وَّ مستجابٌ،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٥.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٢٠/١.

٤١٧
(٢٠) - بَابُ إِنْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥١)
زال حزنه، وخوفه، وسُرّ أشدّ سرور، ولهذا ضحك إلى أن سقط على الأرض
ثم عمد إلى الأعنز، فوجدها حُفّلاً، فحلب منها، فجاء به إلى النبيّ وََّ، فشرب
منه، وأصاب حاجته، ولمّا أخبر النبيّ ◌َ بالقصّة، قال: ((ما هذه إلا رحمة
من الله تعالى))، فله الحمد، والمنّة، وله النعمة والفضل، وله الثناء الحسن.
أ - وقعت لك هذه النعمة الجسيمة، والمنّة العظيمة من درور اللبن من
الأعنز الهزال (أفَلَا كُنْتَ آذَنْتَنِي) بالمدّ؛ أي: أعلَمْتَني بها (فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا)
بنصب ((يوقظ)) بعد الفاء السببيّة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ فَا جَوَابَ نَفْىٍ أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنٍ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
(فَيُصِيبَانِ مِنْهَا))) برفع ((يصيبان)) على تقدير مبتدأ؛ أي: فهما يصيبان من
هذه النعمة التي هي رحمة من الله. (قَالَ) المقداد (فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ،
مَا أُبَالِي)؛ أي: لا أكترث (إِذَا أَصَبْتَهَا)؛ أي: شربتها أنت، (وَأَصَبْتُهَا)؛ أي:
شربتُها (مَعَكَ مَنْ أَصَابَهَا)؛ أي: شَرِبها (مِنَ النَّاسِ) والمعنى: إذا شربَتها أنت،
وشربتُها معك، فلا أبالي، ولا أكترث بالناس، فلا يسرّني من شربها، ولا
يحزنني من لم يشربها، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث المقداد بن عمرو ظل هذا من أفراد
المصنّف نَخَذَتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٥١/٢٠ و٥٣٥٢] (٢٠٥٥)، و(الترمذيّ) في
((الاستئذان)» (٢٧١٩)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢/٦ و٣ و٤)، و(البخاريّ) في
((الأدب المفرد)) (١٠٠٨)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٣٢٣)، و(أبو
عوانة) في («مسنده)) (٢٠٣/٥)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٤٢/٦)، و(أبو يعلى)
في («مسنده)) (٨٧/٣)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٧٤/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ وَل﴾ من كريم الأخلاق، والجود حيث
انطلق بالمقداد وصاحبيه إلى بيته؛ ليزيل ما حلّ بهم من الجهد والجوع.

٤١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
في أول الأمر من الفقر، وضيق
٢ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة
العيش، فلم يستطيعوا أن يواسوا المقداد وصاحبيه حين عرضوا عليهم أنفسهم،
مع أنهم موصوفون بقوله رَّ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ ◌ِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، إلا
أن عدم شيء في بيوتهم أدّاهم إلى أن لا يقبلوهم.
٣ - (ومنها): بيان استحباب السلام لمن دخل بيتاً، وإن كان فيه نائمون،
وقال القرطبيّ تَّثُ: في الحديث دليل على مشروعية السَّلام عند دخول البيت،
وقد استحبَّ مالك، وأن ذلك مما ينبغي أن يكون برفق، واعتدال. انتهى(١).
٤ - (ومنها): بيان آداب السلام على الأيقاظ في موضع فيه نِيام، أو من
في معناهم، فإنه يكون سلاماً متوسطاً بين الرفع والمخافتة، بحيث يسمعه
الأيقاظ، فيردّوه، ولا يُهَوّش على النائمين.
٥ - (ومنها): أن فيه الدعاءَ للمحسِن، والخادم، ولمن سيفعل خيراً.
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّه من الحلم، والأخلاق العليّة،
والمحاسن المرضية، وكرم النفس، والصبر، والإغضاء عن حقوقه، فإنه وَقو لم
يسأل عن نصيبه من اللبن.
٧ - (ومنها): أن فيه معجزات النبوة، وآثار بركته ◌َلهول، حيث كانت
الأعنز كلّهنّ حُفّلاً في غير الوقت المعتاد، وذلك من الله ◌َّ عليه وعلى الناس
أجمعين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٥٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ،
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن البصريّ النحويّ، نزيل
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٣٢/٥.

٤١٩
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٣)
مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٤) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة))
٣٩/٦.
و((سليمان بن المغيرة)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية النضر بن شُميل عن سليمان بن المغيرة هذه لم أجد من
ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٥٣] (٢٠٥٦) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَثْبَرِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ
الْبَكْرَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، جَمِيعاً عَنِ الْمُعْثَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ - وَاللَّفْظُ
لِابْنِ مُعَاذٍ - حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، وَحَدَّثَ أَيْضاً عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َيْ
(هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟))، فَإِذَا مَعَ رَجُلِ صَاعٌ مِنْ طَعَامِ، أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ
جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكْ، مُشْعَانٌ، طَوِيلٌ، بِغَتَمْ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِّ وَلِ: ((أَبَيْعٌ، أَمْ عَطِيَّةٌ
- أَوْ قَالَ - أَمْ هِبَةٌ؟))، فَقَالَ: لَا، بَلَّ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ
رَسُولُ اللهِ لَيهِ بِسَوَادِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى، قَالَ: وَايْمُ اللهِ، مَا مِنَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّ
حَزَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ ◌ِ حُزَّةً حُزَّةً مِنْ سَوَادٍ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِداً أَعْطَاهُ، وَإِنْ كَانَ
غَائِباً خَبَأَ لَهُ، قَالَ: وَجَعَلَ قَصْعَتَيْنٍ، فَأَكَلْنَا مِنْهُمَا أَجْمَعُونَ، وَشَبِعْنَا، وَفَضَلَ فِي
الْقَصْعَتَيْنِ، فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْبَعِيرِ، أَوْ كَمَا قَالَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي
كرمان، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٣) (خ م) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٩/٢٦.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) الصنعانيّ القيسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٣/٩٢.
٤ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطّفیل،
ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
٥ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني
تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت١٤٣) وهو ابن (٩٧) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٩/٣.
٦ - (أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ - بتشديد اللام، والميم مثلّثة - ابن
عمرو الكوفيّ، ثمّ البصريّ، مخضرم، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من كبار [٢] (ت ٩٥)
أو بعدها، وعاش (١٣٠) وقيل: أكثر (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٧ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق، شقيق عائشة ﴿ه، تأخّر
إسلامه إلى قُبيل الفتح، وشَهِد اليمامة، والفتوحَ، ومات سنة (٥٣) في طريق
مكّة فجأةً، وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٩/ ٥٧٢.
[تنبيه] من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وهو مسلسلٌ بالبصريين إلا الصحابيّ،
فمدنيّ، وفيه للمصنّف ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، وفيه رواية الابن عن أبيه،
وتابعيّ عن تابعيّ مخضرم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ النَّهديّ، وقوله: (وَحَدَّثَ أَيْضاً)
بواو العطف، وفي الهنديّة: ((حدّث أيضاً)) بلا عاطف، وعلى كليهما فهو
مشكل؛ لأن فاعله ضمير سليمان أبي المعتمر، فلا يمكن تعلّق قوله: ((عن
عبد الرحمن بن أبي بكر)) عليه؛ لأنه لا يروي عنه، اللهمّ إلا أن يقدَّر المتعلّق،
بأن يقال: ((وحدّث أيضاً عن غيره))؛ أي: حدّث سليمان عن أبي عثمان، وعن
غير أبي عثمان، والله تعالى أعلم.
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيقِ ﴿ُها أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َهـ
ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟)))؛ أي: طعام يُشبع
هؤلاء القوم، (فَإِذَا مَعَ رَجُلِ صَاعٌ مِنْ طَعَام) ((إذا)) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأهم
كون صاع من طعام (أَوْ نَخُّوُهُ) بالرفع، والَّضمير للصاع؛ أي: نحو الصاع مما
هو بمقداره، و((أو)) فيه للتنويع، لا للشكّ. (فَعُجِنَ) بالبناء للمفعول، يقال:
عَجَنه يَعْجِنُهُ، ويعجُنُهُ، من بابَي ضرب، ونصر، فهو معجونٌ، وعَجِينٌ: إذا