النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
(١١) - بَابُ أَكْلِ الْقِنَّاءِ بِالرُّطَبِ - حديث رقم (٥٣١٩)
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو
إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجة، تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] (ت١٨٥) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٤ - (أَبُوهُ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ
قاضيها، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٥] (ت١٢٥) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي طالب الهاشميّ، أحد الأجواد، صحابيّ
ابن صحابيّ ها، وُلد بالحبشة، مات سنة ثمانين، وهو ابن ثمانين (ع) تقدم
في ((الحيض)) ١٩/ ٧٨٠.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تََّثُ، كلاحقيه، وهو (٤٠٤) من رباعيّات
الكتاب، وفيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَر) بن أبي طالب ﴿َا أنه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴾
يَأْكُلُ الْقُتَّاءَ بِالرُّطَبِ)، وفي رواية البخاريّ: ((يأكل الرُّطَبَ بالقنّاء)).
و ((القِّاء)»: بكسر القاف، وتُضمّ، والمدّ، قال الفيّوميّ تَقْتُهُ: القِنَّاءُ فِعّال،
وهمزته أصلية، وكسر القاف أكثر من ضمّها، وهو اسم لِمَا يسمّيه الناس
الخيارَ، والْعَجّورَ، والْفَقُّوسَ، الواحدة قِّاءَةٌ، وأرض مَفْئَأَةٌ، وزانُ مَسْبَعَةٍ،
وضمّ الثاء لغة ذاتُ قِثَّاءٍ، وبعض الناس يُطلق القِئَّاءَ على نوع يُشبه الخيار،
وهو مطابق لقول الفقهاء في الربا: وفي القِثَّاءِ مع الخيار وجهان، ولو حلف لا
يأخذ الفاكهةَ حَنِث بالقِّاء والخيار. انتهى(١) .
وأما ((الرُّطَبُ)) فبضمّ الراء، وفتح الطاء، وهو ثمر النخل إذا أَدْرك،
وَنَضَجَ قبل أن يتمّر، الواحدة رُطَبَةٌ، والجمع أَرْطابٌ(٢).
والمعنى: أنه وَّ ر أكل القّاء مع الرُّطَب، قال في ((الفتح)): وقع في رواية
الطبرانيّ كيفية أكله لهما، فأخرج في ((الأوسط)) من حديث عبد الله بن جعفر
(١) ((المصباح المنير)) ٤٩٠/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٣٠/١.

٣٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
قال: ((رأيت في يمين النبيّ وَّ قثاءً، وفي شماله رُطَباً، وهو يأكل من ذا مرّةً،
ومن ذا مرّةً))، وفي سنده ضعف، وأخرج فيه، وهو في ((الطب)) لأبي نعيم، من
حديث أنس ظته: ((كان يأخذ الرُّطَب بيمينه، والبطيخ بيساره، فيأكل الرُّطب
بالبطيخ، وكان أحبَّ الفاكهة إليه))، وسنده ضعيف أيضاً، وأخرج النسائيّ بسند
صحيح، عن حُميد، عن أنس: ((رأيت رسول الله وَل﴿ يَجْمَع بين الرُّطَب
والْخِرْبِزِ»، وهو بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء، وكسر الموحدة، بعدها
زاي: نوع من البطيخ الأصفر، قال الحافظ: وقد تكبر القثاء فتصفرّ من شدة
الحرّ، فتصیر کالخربز، کما شاهدته كذلك بالحجاز.
وفي هذا تعقّب على من زعم أن المراد بالبطيخ في الحديث الأخضر،
واعتَلَّ بأن في الأصفر حرارة كما في الرُّطَب، وقد ورد التعليل بأن أحدهما
يُطفئ حرارة الآخر.
والجواب عن ذلك بأن في الأصفر بالنسبة للرُّطَب برودة، وإن كان فيه
لحلاوته طرف حرارة، والله أعلم.
وفي النسائيّ أيضاً بسند صحيح، عن عائشة ﴿يتا: ((أن النبيّ وَ ◌ّ أكل
البطيخ بالرطب))، وفي رواية له: ((جَمَع بين البطيخ والرطب جميعاً)).
وأخرج ابن ماجه عن عائشة فيها: ((أرادت أمي تعالجني للسمنة لتدخلني
على النبيّ وَّر، فما استقام لها ذلك حتى أكلت الرطب بالقثاء، فسمنت
کأحسن سمنة)).
وللنسائيّ من حديثها: ((لَمّا تزوجني النبيّ ◌َّ عالجوني بغير شيء،
فأطعموني القثاء بالتمر، فسمنت عليه كأحسن الشحم)).
وعند أبي نعيم في ((الطب)) من وجه آخر، عن عائشة ◌َّا أن النبيّ وَلّ
أمر أبويها بذلك.
ولابن ماجه من حديث ابني بسر: ((أن النبيّ ◌َّ و كان يحب الزبد
والتمر ... )) الحديث.
ولأحمد من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، قال: دخلت على
رجل، وهو يتمجَّع لبناً بتمر، فقال: ادْنُ فإن رسول الله وَ ﴿ سمَّاهما الأطيبين،
وإسناده قويّ. انتهى، والله تعالى أعلم.

٣٢٣
(١١) - بَابُ أَكْلِ الْقِنَّاءِ بِالرُّطَبِ - حديث رقم (٥٣١٩)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن جعفر ◌ًا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣١٩/١١] (٢٠٤٣)، و(البخاريّ) في
((الأطعمة)) (٥٤٤٠ و٥٤٤٧ و٧٤٤٩)، و(أبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٨٣٥)،
و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨٤٤) و((الشمائل)) (١٦٤/١)، و(ابن ماجه) في
((الأطعمة)) (٣٣٢٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٤٣/٥)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (٢٤٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٠٣/١)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(١٤٠/٢)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (١٧١/١٢ و٢٠٣)، و(البزّار) في ((مسنده))
(١٩٩/٦ و٢٠٦)، و(الرويانيّ) في («مسنده)) (٣٥٦/٢)، و(تمّام) في ((فوائده))
(١١٨/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨١/٧) و((شُعَب الإيمان)) (٣٦/٥
و١١١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز أكل الطيّبات من الأطعمة، والحلاوة الحلال.
٢ - (ومنها): بيان جواز أكل الشيئين من الفاكهة وغيرها معاً في واحد،
خلافاً لمن كرهه من المتقشّفين.
٣ - (ومنها): جواز التوسع في المطاعم، قال النوويّ: ولا خلاف بين
العلماء في جواز ذلك، وما نُقل عن السلف من خلاف هذا محمول على
الكراهة؛ منعاً لاعتياد التوسع والترفه والإكثار لغير مصلحة دينية.
٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه جواز مراعاة صفات الأطعمة، وطبائعها،
واستعمالها على الوجه اللائق بها، على قاعدة الطبّ؛ لأن في الرُّطَب حرارة،
وفي القثاء برودة، فإذا أُكلا معاً اعتدلا، وهذا أصل كبير في المركبات من
الأدوية، وترجم أبو نعيم في ((الطب)): ((باب الأشياء التي تؤكل مع الرُّطَب
ليذهب ضَرَره)»، فساق هذا الحديث، لكن لم يذكر الزيادة التي ترجم بها، وهي
عند أبي داود، في حديث عائشة ثنا بلفظ: ((كان يأكل البطيخ بالرطب)»، فيقول:
يُكسَر حرّ هذا ببَرْد هذا، وبَرْد هذا بِحَرّ هذا، والطبيخ بتقديم الطاء لغة في البطيخ

٣٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
بوزنه، والمراد به الأصفر، بدليل ورود الحديث بلفظ الْخِرْبِز بدل البطيخ، وكان
يكثر وجوده بأرض الحجاز، بخلاف البطيخ الأخضر، قاله في ((الفتح))(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٢) - (بَابُ اسْتِخْبَابِ تَوَاضُعِ الآكِلِ، وَصِفَةِ قُعُودِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٢٠] (٢٠٤٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُ،
كِلَاهُمَا عَنْ حَفْصٍٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ
سُلَيْمِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَِّ مُقْعِياً يَأْكُلُ تَمْراً).
ء
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الكِنْديّ، تقدّم قبل
ثلاثة أبواب.
٣ - (حَفْصُ بْنُ غِيَانٍ) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ
القاضي، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر قليلاً في الآخر [٨] (ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٣٦/٨.
٤ - (مُصْعَبُ بْنُ سُلَيْم) الأسديّ مولى آل الزبير - ويقال له: الزهريّ؛
لأنه كان عَرِيف بني زهرة - الَكوفيّ، صدوقٌ [٥].
روى عن أنس، وأبي بكر بن أبي موسى، ومحمد بن أيوب.
وروى عنه ابن أخيه أبو محمد عبد الله بن ميمون صاحب الطيالسة،
وحفص بن غياث، ووكيع، وابن عيينة، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وقال
(١) ((الفتح)) ٣٧٥/١٢ - ٣٧٦، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٤٤٩).

٣٢٥
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ تَوَاضُعِ الآَكِلِ، وَصِفَةٍ تُعُودِهِ - حديث رقم (٥٣٢٠)
النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن شاهين في ((الثقات)):
قال يحيى بن معين: ثقةٌ، وقد حدّث عنه وكيع.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في ((الشمائل))، والنسائيّ،
وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
و((أنس ﴿ه)) تقدّم قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذه الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف؛ كسابقه، ولاحقه، وهو (٤٠٥) من رباعيّات
الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سُلَيْم) بضمّ أوله، مصغّراً، أنه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ
مَالِكِ) رَبِهِ (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِّيَّ ◌َهُ مُقْعِياً) بضمّ أوله اسم فاعل من الإقعاء:
وهو الجلوس على إليتيه، ونَصْب ساقيه، قال ابن الأثير تَخْلَتُهُ: قوله: ((مُقعياً))
أراد أنه كان يجلس عند الأكل على وركيه، مُستوفِزاً، غير متمكِّن، قال ابن
شُميل: الإقعاء أن يجلس الرجل على وِرْكيه، وهو الاحتفاز، والاستيفاز.
انتھی(١).
وقال الفيّوميّ تَخْذُ: أَفْعَى إِفْعَاءً: ألصق أليتيه بالأرض، ونَصَب ساقيه،
ووضع يديه على الأرض، كما يُقْعِي الكلبُ، وقال الجوهريّ: الإفْعَاءُ عند أهل
اللغة، وأورد نحو ما تقدم، وجعل مكان وضع يديه على الأرض: ويتساند إلى
ظهره، وقال ابن القطاع: أقعى الكلبُ: جلس على أليتيه، ونصب فخذيه،
والرجل جلس تلك الْجِلْسَة. انتهى(٢).
وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((رأيت رسول الله ﴿﴿ مُقعياً يأكل تمراً))، وفي
الرواية الأخرى: ((أَتِي بتمر، فجعل النبيّ وَلّ يقسمه، وهو مُحتفز، يأكل منه
أكلاً ذَريعاً))، وفي رواية: ((أكلاً حثيثاً)).
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٨٩/٤، و((لسان العرب)) ١٩٢/١٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢ /٥١٠ - ٥١١.

٣٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
قوله: (مُقعياً))؛ أي: جالساً على أليتيه(١) ناصباً ساقيه، ومُحتفزٌ هو
بالزاي؛ أي: مُستعجلٌ، مُستوفزٌ، غير متمكن في جلوسه، وهو بمعنى قوله:
((مُقعياً))، وهو أيضاً معنى قوله وَّر في الحديث الآخر في ((صحيح البخاريّ))
وغيره: ((لا آكل متكئاً))، على ما فسَّره الإمام الخطابيّ، فإنه قال: المتكئ هنا:
المتمكِّن في جلوسه، من التربّع وشِبهه المعتمد على الوِطاء تحته، قال: وكل
من استوى قاعداً على وِطاء فهو متكئ، ومعناه: لا آكل أكل من يريد
الاستكثار من الطعام، ويقعد له متمكناً، بل أقعد مستوفزاً، وآكل قليلاً.
وقوله: (بَأْكُلُ تَمْراً) جملة حاليّة من ((النبيّ وَّ)) بعد الحال المفرد، وهو
جائز، قال في ((الخلاصة)):
وَالْحَالُ قَدْ يَجِيءُ ذَا تَعَدُّدٍ لِمُفْرَدٍ فَاعْلَمْ وَغَيْرٍ مُفْرَدٍ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ه هذا من أفراد
المصنّف تَذَلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٢٠/١٢ و٥٣٢١] (٢٠٤٤)، و(أبو داود) في
((الأطعمة)) (٣٧٧١)، و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (١٤٢)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (١٧١/٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٧/٢)، و(الحميديّ) في
(مسنده)) (٥١٢/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٨٠/٣ و٢٠٣)، و(أبو يعلى) في
(مسنده)) (٣٢٤/٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٣/٧) و((شُعب الإيمان)) (٥/
١٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الإمام البخاريّ تَّثُ في ((صحيحه)): ((باب الأكل
متّكئاً))، ثم أورد حديث أبي جُحيفة ظُه قال: قال رسول الله وَيقول: ((إني لا
آكل متكئاً))، وفي رواية: «كنت عند النبيّ وَّ، فقال الرجل عنده: لا آكل وأنا
متکیء)) .
(١) ألية الشاة بفتح الهمزة، ولا تُكسر، قاله في ((المصباح)).

٣٢٧
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَوَاضُعِ الآكِلِ، وَصِفَةِ قُعُودِهِ - حديث رقم (٥٣٢٠)
قال في ((الفتح)): وكان سبب هذا الحديث قصة الأعرابي المذكور في
حديث عبد الله بن بُسر عند ابن ماجه، والطبرانيّ بإسناد حسن، قال: ((أُهديت
للنبيّ وَ﴿ شاة، فجثا على ركبتيه يأكل، فقال له أعرابيّ: ما هذه الْجِلْسة؟
فقال: إن الله جعلني عبداً كريماً، ولم يجعلني جباراً عنيداً)).
قال ابن بطال: إنما فعل النبيّ وَّر ذلك تواضعاً لله، ثم ذكر من طريق
أيوب، عن الزهريّ قال: ((أَتَى النبيَّ ◌َ ﴿ مَلَكٌ لم يأته قبلها، فقال: إن ربك
يُخَيِّرك بين أن تكون عبداً نبيّاً، أو مَلِكاً نبيّاً، قال: فنظر إلى جبريل كالمستشير
له، فأومأ إليه أنْ تواضَعْ، فقال: بل عبداً نبيّاً، قال: فما أكل متكئاً». انتهى،
وهذا مرسلٌ، أو معضلٌ، وقد وصله النسائيّ من طريق الزبيديّ، عن الزهريّ،
عن محمد بن عبد الله بن عباس، قال: كان ابن عباس يحدِّث، فذكر نحوه.
وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((ما رؤي
النبيّ ◌َل﴿ يأكل متكئاً قط)).
وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد، قال: ((ما أكل النبيّ وَلّ متكئاً إلا
مرّةً، ثم نزع، فقال: اللهم إني عبدك ورسولك))، وهذا مرسلٌ.
ويمكن الجمع بأن تلك المرّة التي في أثر مجاهد ما اطّلع عليها عبد الله بن
عمرو، فقد أخرج ابن شاهين في ((ناسخه)) من مرسل عطاء بن يسار: ((أن
جبريل رأى النبيّ وَليه يأكل متكئاً، فنهاه))، ومن حديث أنس: ((أن النبيّ وَّ لمّا
نهاه جبريل عن الأكل متكئاً لم يأكل متكئاً بعد ذلك)).
واختُلِف في صفة الاتكاء، فقيل: أن يتمكن في الجلوس للأكل على أيّ
صفة كان، وقيل: أن يميل على أحد شقيه، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى
من الأرض، قال الخطابيّ: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد
شقيه، وليس كذلك، بل هو المعتمد على الوٍطاء الذي تحته، قال: ومعنى
الحديث: إني لا أقعد متكئاً على الوطاء عند الأكل فِعْلَ مَن يَستكثر من
الطعام، فإني لا آكل إلا البُلْغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفزاً.
وفي حديث أنس: ((أنه ◌ّ﴿ أكل تمراً، وهو مُقْع))، وفي رواية: ((وهو
مُحتفز))، والمراد: الجلوس على ورکیه، غير متمكّن.

٣٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
وأخرج ابن عديّ بسند ضعيف: ((زجر النبيّ ◌َطّر أن يعتمد الرجل على
يده اليسرى عند الأكل)).
قال مالك: هو نوع من الاتكاء، قال الحافظ: وفي هذا إشارة من مالك
إلى كراهة كل ما يُعَدّ الآكل فيه متكئاً، ولا يختص بصفة بعينها .
وجزم ابن الجوزيّ في تفسير الاتكاء بأنه الميل على أحد الشقين، ولم
يلتفت لإنكار الخطابيّ ذلك.
وحَكَى ابن الأثير في ((النهاية)) أن من فسَّر الاتكاء بالميل على أحد
الشقين تأوّله على مذهب الطبّ بأنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلاً، ولا
يُسيغه هنيئاً، وربما تأذى به.
واختلف السلف في حكم الأكل متكئاً، فزعم ابن القاص أن ذلك من
الخصائص النبوية، وتعقّبه البيهقيّ، فقال: قد يُكره لغيره أيضاً؛ لأنه من فِعل
المتعظمين، وأصله مأخوذ من ملوك العجم، قال: فإن كان بالمرء مانع لا
يَتمكَّن معه من الأكل إلا متكئاً لم يكن في ذلك كراهة، ثم ساق عن جماعة
من السلف أنهم أكلوا كذلك، وأشار إلى حَمْل ذلك عنهم على الضرورة، وفي
الحمل نَظَر.
وقد أخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، وخالد بن الوليد، وعَبيدة
السَّلْمانيّ، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن يسار، والزهريّ جواز ذلك مطلقاً .
وإذا ثبت كونه مكروهاً، أو خلاف الأولى، فالمستحب في صفة الجلوس
للأكل أن يكون جاثياً على ركبتيه، وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى،
ويجلس على اليسرى.
واستثنى الغزاليّ من كراهة الأكل مضطجعاً أكل البقل، واختُلف في علة
الكراهة، وأقوى ما ورد في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم
النخعيّ قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا اتكاءةً مخافة أن تعظم بطونهم، وإلى
ذلك يشير بقية ما ورد فيه من الأخبار، فهو المعتمد، ووجه الكراهة فيه ظاهر،
وكذلك ما أشار إليه ابن الأثير من جهة الطبّ. انتهى(١).
(١) ((الفتح)) ٣١٩/١٢ - ٣٢١، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٩٨).

٣٢٩
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ تَوَاضُعِ الآكِلِ، وَصِفَةٍ تُعُودِهِ - حديث رقم (٥٣٢١)
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر مما سبق من الأدلّة أنه لا ينبغي
الأكل متكئاً؛ لمخالفته هدي النبيّ وَّر، وأما النهي عنه فلم يثبت، فالأولى أن
يأكل مستوفزاً، مقعياً؛ اتّباعاً للسُّنَّة، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٢١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعاً عَنْ
سُفْيَانَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سُلَيْم، عَنْ
أَنَسِ، قَالَ: أَتِيَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِتَمْرٍ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقْسِمُهُ، وَهُوَ مُحْتَفِزٌ،ً يَأْكُلُ
مِنْهُ أَكْلاً ذَرِيعاً، وفي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: أَكْلاً حَثِيثاً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ،
تقدّم قبل أربعة أبواب.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضاً قبل أربعة أبواب.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف؛ كسابقيه، وهو (٤٠٦) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (أَتِيَ رَسُولُ اللهِنَّهِ) بالبناء للمجهول، ولم يُعرَف الآتي به.
وقوله: (فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَهِ يَقْسِمُهُ)؛ أي: يفرّقه على من يراه أهلاً لذلك، وهذا
التمر كان لرسول الله وَ له، وتبرّع بتفريقه ◌َلي، فلهذا كان يأكل منه، والله أعلم(١).
وقوله: (مُحْتَفِزٌ)؛ أي: مستعجِلٌ مستوفِزٌ، غير متمكِّن في جلوسه؛ كأنه
یثور للقيام(٢).
وقوله: (أكلاً ذريعاً، وحَشيئاً) هما بمعنى؛ أي: مستعجلاً؛ لاستيفازه
لشغل آخر، فأسرع في الأكل، وكان استعجاله ليقضي حاجته منه، ويَرُدّ
الْجَوْعة، ثم يذهب في ذلك الشغل.
(١) (شرح النوويّ) ٢٢٨/١٣.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٢٠٧/١.

٣٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: وقوله: ((أكلاً ذريعاً))؛ أي: كثيراً، و((حثيثاً))؛ أي:
مستعجِلاً، وحاصلهما أنَّه كان يأكل أكلاً لا تصنُّع فيه، ولا رياء، ولا كِبْر؛
فإذا احتاج إلى الإكثار أكل، وإذا حفزه أمرٌ استعجل، لكنه ما كان يخرج عن
أدب، ولا يفعل شيئاً غير مستحسَن ◌َّه. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١٣) - (بابُ نَهْي الآكِلِ مَعَ جَمَاعَةٍ عَنْ قِرَانِ تَمْرَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا،
فِي لُقْمَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ أَصْحَابِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٢٢] (٢٠٤٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَبَلَةَ بْنَ سُحَيْمَ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا الثَّمْرَ. قَالَ:
وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ جُهْدٌ، وَكُنَّا تُؤْكُلُ، فَيَمُزُّ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ، وَنَحْنُ نَأْكُلُ،
فَيَقُولُ: لَا تُقَارِنُوا، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ
أَخَاهُ، قَالَ شُعْبَةُ: لَا أُرَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَّ مِنْ كَلِمَةِ ابْنِ عُمَرَ، يَعْنِي الِاسْتِثْذَانَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْم) - بمهملتين، مصغّراً - الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٢٥)
(ع) تقدم في ((الصيام)) ٢/ ٢٠٠٩.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌ِ﴿ُهَا، تقدّم قريباً.
والباقون تقدّموا قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّلهُ، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى
عنهم الجماعة بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة، وفيه ابن عمر ظها أحد العبادلة
الأربعة، والمكثرين السبعة، وأنه مسلسل بالتحديث والسماع.
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣١٦/٥.

٣٣١
(١٣) - بابُ نَهْىِ الآكِلِ مَعَ جَمَاعَةٍ عَنْ قِرَانٍ تَمْرَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، ... إلخ - حديث رقم (٥٣٢٢)
شرح الحديث:
عَن جَبَلَةَ - بفتحتين - ابْنَ سُحَيْم - بمهملتين مصغّراً - ليس له في
((الصحيحين)) عن غير ابن عمر، وله في ((صحيح مسلم)) سبعة أحاديث
بالمكرّر، وأربعة بدون المكرّر، وله في ((صحيح البخاريّ)) سبعة أحاديث، وقد
تقدم بيانها في «الصيام» ٢٥٠٩/٢.
(قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله ﴿يَا، تقدّمت ترجمته في ((الطهارة)) ١٦/
٦١٠، وذلك في أيام خلافته. (يَرْزُقُنَا التَّمْرَ)؛ أي: يعطينا التمر رزقاً، وهو القَدْر
الذي يُصرف لهم في كل سنة من مال الخراج وغيره بدل النقد تمراً؛ لقلة النقد إذ
ذاك، بسبب المجاعة التي حصلت. (قَالَ) جبلة (وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ
◌ُهْدٌ) بضمّ الجيم، وفتحها؛ أي: قلّة، وحاجةٌ، ومشقّة، وقال ابن الأثير تَّقُ :
الجهد بالضمّ: الوُسع والطاقة، وبالفتح: المشقّة، وقيل: المبالغة والغاية، وقيل:
هما لغتان في الوسع والطاقة، فأما في المشقّة والغاية فالفتح لا غير. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ كَّثُ: الجُهْدُ بالضمّ في الحجاز، وبالفتح في غيرهم: الوسع
والطاقة، وقيل: المضموم: الطاقة، والمفتوح: المشقة، والجَهْدُ بالفتح لا غير:
النهاية والغاية، وهو مصدر من جَهَدَ في الأمر جَهْداً، من باب نَفَعَ: إذا طلب حتى
بلغ غايته في الطلب، وجَهَدَهُ الأمرُ والمرضُ جَهْداً أيضاً: إذا بلغ منه المشقة،
ومنه جَهْدُ البَلاءِ، ويقال: جَهَدْتُ فلاناً جَهْداً: إذا بلغت مشقته، وجَهَدْتُ الدابة،
وَأَجْهَدْتُهَا: حَمَلت عليها في السير فوق طاقتها، وجَهَدْتُ اللبنَ جَهْداً: مزجته
بالماء، ومَخَضْتُهُ حتى استخرجت زُبْده، فصار حُلْواً لذيذاً. انتهى (٢).
(وَكُنَّا نَأْكُلُ، فَيَمُرُّ عَلَيْنَا) عبد الله (بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿يَا، (وَنَحْنُ
نَأْكُلُ) جملة حاليّة من «علينا))، (فَيَقُولُ) ابن عمر (لَا) ناهية، ولذا جزم بها
قوله: (تُقَارِنُوا) وفي رواية للبخاريّ: ((لا تقرنُوا))؛ أي: لا تجمعوا بين اثنين
من التمر، (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِّهِ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ) قال الحافظ: كذا لأكثر
الرواة، وقد أوضحت في ((كتاب الحج)) أن اللغة الفصحى بغير ألف، وقد
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ص ١٧٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١١٢.

٣٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
أخرجه أبو داود الطيالسيّ بلفظ: ((القِران)»، وكذلك قال أحمد، عن حجاج بن
محمد، عن شعبة، وقال عن محمد بن جعفر، عن شعبة: ((الإقران)).
قال القرطبيّ: ووقع عند جميع رواة مسلم: ((الإقران))، وفي ترجمة أبي
داود: ((باب الإقران في التمر))، وليست هذه اللفظة معروفة، وأقرن من
الرباعيّ، وقرن من الثلاثيّ، وهو الصواب، قال الفراء: قرن بين الحج
والعمرة، ولا يقال: أقرن، وإنما يقال: أقرن إذا قوي عليه، وأطاقه، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]، قال: لكن جاء في اللغة: أقرن
الدمُ في العِرْق؛ أي: كَثُر، فَيَحْتَمِل أن يُحْمَل الإقران المذكور في الحديث
على ذلك، فيكون معناه: أنه نهى عن الإكثار من أكل التمر إذا كان مع غيره،
ويرجع معناه إلى القران المذكور في الرواية الأخرى.
قال الحافظ: لكن يصير أعمّ منه، والحقّ أن هذه اللفظة من اختلاف
الرواة، وقد ميَّز أحمد بين من رواه بلفظ أقرن، وبلفظ قَرَن من أصحاب شعبة،
وكذا قال الطيالسيّ عن شعبة: القِران، ووقع في رواية الشيبانيّ: الإقران، وفي
رواية مسعر: القِران. انتهى (١) .
(إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ)؛ أي: فإذا أَذِن له في ذلك جاز، والمراد
بالأخ: رفيقه الذي اشترك معه في ذلك التمر. (قَالَ شُعْبَةُ: لَا أُرَى) بالبناء
للمفعول؛ أي: لا أظنّ (هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَّا مِنْ كَلِمَةِ ابْنِ عُمَرَا رَ﴿ّ (يَعْنِي
الإِسْتِئْذَانَ)؛ يعني: أن قوله: ((إلا أن يستأذن ... إلخ)) ليست مرفوعة إلى
النبيّ وَّهِ، وإنما هي من قول ابن عمر ظ﴿ّه موقوفة عليه.
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((قال شعبة: لا أُرَى هذه الكلمة إلا من كلمة
ابن عمر))؛ يعني: بالكلمة الكلام، وهذا شائع معروف، وهذا الذي قاله شعبة
لا يؤثّر في رفع الاستئذان إلى رسول الله ◌َللر؛ لأنه نفاه بظنّ وحُسبان، وقد
أثبته سفيان في الرواية الثانية، فثبت. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((قال شعبة ... إلخ)) موصول بالسند الذي قبله، وقد
(١) ((الفتح)) ٣٦٩/١٢ - ٣٧٠، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٩٨).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢٩/١٣.

٣٣٣
(١٣) - بابُ نَهْىِ الْآكِلِ مَعَ جَمَاعَةٍ عَنْ قِرَانِ تَمْرَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، ... إلخ - حديث رقم (٥٣٢٢)
أخرجه أبو داود الطيالسيّ في ((مسنده) عن شعبة مُدرجاً، وكذا فعل أبو الوليد في
رواية للبخاريّ، وللإسماعيليّ، وأصله لمسلم في الرواية التالية كذلك عن معاذ بن
معاذ، وكذا أخرجه أحمد، عن يزيد، وبهز، وغيرهما، عن شعبة، وتابع آدم على
فصل الموقوف من المرفوع شَبابة بن سَوّار، عن شعبة، أخرجه الخطيب من طريقه،
مثل ما ساقه آدم إلى قوله: الإقران، ((قال ابن عمر: إلا أن يستأذن الرجل منكم
أخاه))، وكذا قال عاصم بن عليّ، عن شعبة: ((أُرَى الإذن من قول ابن عمر))،
أخرجه الخطيب، وقد فصله أيضاً عن شعبة سعيد بن عامر الضبعيّ، فقال في
روايته: ((قال شعبة: إلا أن يستأذن أحدكم أخاه)»، هو من قول ابن عمر، أخرجه
الخطيب أيضاً، إلا أن سعيداً أخطأ في اسم التابعيّ، فقال: ((عن شعبة، عن
عبد الله بن دينار، عن ابن عمر))، والمحفوظ: جَبَلة بن سُحيم، كما قال الجماعة.
والحاصل أن أصحاب شعبة اختلفوا، فأكثرهم رواه عنه مُدرجاً، وطائفة
منهم رووا عنه التردد في كون هذه الزيادة مرفوعة أو موقوفة، وشَبابة فصل
عنه، وآدم جزم عنه بأن الزيادة من قول ابن عمر، وتابعه سعيد بن عامر إلا أنه
خالف في التابعيّ، فلمّا اختلفوا على شعبة، وتعارَض جَزْمه وتردده، وكان
الذي رووا عنه التردد أكثر نَظَرنا فيمن رواه غيره من التابعين، فرأيناه قد ورد
عن سفيان الثوريّ، وأبي إسحاق الشيبانيّ، ومسعر، وزيد بن أبي أنيسة.
فأما الثوريّ: فروايته عند البخاريّ في ((الشركة))، ولفظه: (نَهَى أَن يَقْرُن
الرجل بين التمرتين جميعاً حتى يستأذن أصحابه))، وهذا ظاهره الرفع، مع
احتمال الإدراج.
وأما رواية الشيبانيّ: فأخرجها أحمد، وأبو داود، بلفظ: (نَهَى رسول الله وَهـ
عن الإقران إلا أن تستأذن أصحابك))، والقول فيها كالقول في رواية الثوريّ.
وأما رواية زيد بن أبي أُنيسة، فأخرجها ابن حبّان في النوع الثامن
والخمسين من القسم الثاني من ((صحيحه)) بلفظ: ((من أكل مع قوم من تمر،
فلا يَقْرُن، فإن أراد أن يفعل ذلك فليستأذنهم، فإن أذنوا فليفعل))، وهذا أظهر
في الرفع، مع احتمال الإدراج أيضاً.
ثم نظرنا فيمن رواه عن النبيّ وَّ﴿ غير ابن عمر، فوجدناه عن أبي هريرة،
وسياقه يقتضي أن الأمر بالاستئذان مرفوع، وذلك أن إسحاق في ((مسنده))، ومن

٣٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
طريقه ابن حبان أخرجا من طريق الشعبيّ، عن أبي هريرة، قال: ((كنت في أصحاب
الصفّة، فَبَعث إلينا رسول الله وَّه تَمْر عَجْوة، فكُبّت بيننا، فجعلنا نأكل الثنتين من
الجوع، فجعل أصحابنا إذا قَرَن أحدهم قال لصاحبه: إني قد قرنت، فاقرنوا))،
وهذا الفعل منهم في زمن النبيّ وَّر دالّ على أنه كان مشروعاً لهم، معروفاً،
وقول الصحابيّ: كنا نفعل في زمن النبيّ وَ لّ كذا له حكم الرفع عند الجمهور.
وأصرح منه ما أخرجه البزار من هذا الوجه، ولفظه: ((قَسَم رسول الله وَّ
تمراً بين أصحابه، فكان بعضهم يَقْرُن، فَنَهَى رسول الله وَّل أن يقرن إلا بأذن
أصحابه)).
قال الحافظ تَّثُ: فالذي ترجح عندي أن لا إدراج فيه، وقد اعتَمَد
البخاريّ هذه الزيادة، وترجم عليها في ((كتاب المظالم))، وفي ((الشركة))، ولا يلزم
من كون ابن عمر ذكر الإذن مرّةً غير مرفوع أن لا يكون مستنده فيه الرفع، وقد ورد
أنه استُفتي في ذلك فأفتى، والمفتي قد لا ينشط في فتواه إلى بيان المستند.
فأخرج النسائيّ من طريق مِسعر، عن صِلَة، قال: سئل ابنُ عمر عن قران
التمر، قال: لا تَقْرُن إلا أن تستأذن أصحابك، فيُحْمَل على أنه لمّا حدّث
بالقصة ذكرها كلها مرفوعة، ولمّا استُفْتِي أفتى بالحكم الذي حفظه على وقفه،
ولم يصرح حينئذ برفعه. انتهى كلام الحافظ تَذَتُهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ في هذا الحديث تحقيقٌ
نفيسٌ جدّاً، وخلاصته أنهم اختلفوا في رفع الاستئذان ووقفه، ولكن الراجح
رَفْعه؛ كما رجحه البخاريّ تَُّ في ((صحيحه))، حيث ترجم عليه في كتابين
منه، فدلّ على أن من روى الوقف عن ابن عمر ﴿ نقل فتواه، وأن من روى
الرفع نقل روايته، فلا تنافي بين الرواية والفتوى كما هو مشهور بين العلماء
المحققين، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ته، هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية) من تخريجه:
أخرجه المصنف هنا [٥٣٢٢ و٥٣٢٣ و٥٣٢٤] (٢٠٤٥)، والبخاري في
((صحيحه)) (٢٤٥٥ و٢٤٨٩ و٢٤٩٠ و٥٤٤٦)، و(أبو داود) في ((سننه))

٣٣٥
(١٣) - بابُ نَهْىِ الآكِلِ مَعَ جَمَاعَةٍ عَنْ قِرَانٍ تَمْرَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، ... إلخ - حديث رقم (٥٣٢٢)
(٣٨٣٤)، و(الترمذي) في ((جامعه)) (١٨١٤)، و(النسائي) في ((الكبرى)) (٦٧٢٨
و٦٧٢٩)، و(ابن ماجه) في ((سننه)) (٣٣٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٧ و٤٤
و٤٦ و٦٠ و٧٤ و٨١ و١٠٣ و١٣١).
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن الإقران في التمر ونحوه.
٢ - (ومنها): حرص الشريعة على ابعاد الظلم عن المجتمع، ومراعاة
حقوق الناس.
٣ - (ومنها): جواز الإقران إن أذن الرفقاء؛ لأن النهي كان لحقّهم، فإذا
سمحوا جاز الإقران. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حُكم القِران بين التمر ونحوه:
قال في ((الفتح)): وقد اختُلِف في حكم المسألة، قال النوويّ: اختلفوا في
هذا النهي، هل هو على التحريم، أو الكراهة؟ والصواب التفصيل، فإن كان
الطعام مشتركاً بينهم، فالقران حرام، إلا برضاهم، ويحصل بتصريحهم، أو بما
يقوم مقامه من قرينة حال، بحيث يغلب على الظنّ ذلك، فإن كان الطعام لغيرهم
حَرُم، وإن كان لأحدهم، وأَذِن لهم في الأكل اشتُرِط رضاه، ويحرم لغيره، ويجوز
له هو إلا أنه يُستحب أن يستأذن الآكلين معه، وحَسَنٌ للمضيف أن لا یقرن؛
ليساوي ضيفه، إلا إن كان الشيء كثيراً يفضل عنهم، مع أن الأدب في الأكل
مطلقاً تركُ ما يقتضي الشَّرَه، إلا أن يكون مستعجلاً يريد الإسراع لشغل آخر.
وذكر الخطابيّ أن شرط هذا الاستئذان إنما كان في زمنهم، حيث كانوا
في قلة من الشيء، فأما اليوم مع اتساع الحال، فلا يُحتاج إلى استئذان.
وتعقبه النوويّ بأن الصواب التفصيل؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا
بخصوص السبب، كيف وهو غير ثابت.
قال الحافظ: حديث أبي هريرة الذي قدّمته يرشد إليه، وهو قويّ، وقصة
ابن الزبير في حديث الباب كذلك.
وقال ابن الأثير في ((النهاية)): إنما وقع النهي عن القران؛ لأن فيه شَرَهاً،
وذلك يُزري بصاحبه، أو لأن فيه غَبْناً برفيقه، وقيل: إنما نُهِي عنه لِمَا كانوا فيه
من شدة العيش، وقلة الشيء، وكانوا مع ذلك يواسون من القليل، وإذا اجتمعوا

٣٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
ربما آثر بعضهم بعضاً، وقد يكون فيهم من اشتدّ جوعه، حتى يحمله ذلك على
القرن بين التمرتين، أو تعظيم اللقمة، فأرشدهم إلى الاستئذان في ذلك؛ تطيباً
النفوس الباقين، وأما قِصّة جَبَلة بن سُحيم فظاهرها أنها من أجل الغبن، ولكون
مُلْكهم فيه سواء، ورُوي نحوه عن أبي هريرة في أصحاب الصفّة. انتهى.
وقد أخرج ابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ))، وهو في ((مسند البزار))
من طريق ابن بريدة، عن أبيه، رفعه: ((كنت نهيتكم عن القران في التمر،
وإن الله وسّع عليكم، فاقرنوا))، فلعل النووي أشار إلى هذا الحديث، فإن في
إسناده ضعفاً، قال الحازميّ: حديث النهي أصحّ، وأشهر، إلا أن الخطب فيه
يسير؛ لأنه ليس من باب العبادات، وإنما هو من قبيل المصالح الدنيوية،
فيُكتَفَى فيه بمثل ذلك، ويعضده إجماع الأمة على جواز ذلك، كذا قال،
ومراده بالجواز في حال كون الشخص مالكاً لذلك المأكول، ولو بطريق الإذن
له فيه، كما قرره النوويّ، وإلا فلم يُجِز أحد من العلماء أن يستأثر أحد بمال
غيره بغير إذنه، حتى لو قامت قرينة تدلّ على أن الذي وضع الطعام بين
الضيفان لا يرضيه استئثار بعضهم على بعض حَرُم الاستئثار جزماً، وإنما تقع
المكارمة في ذلك إذا قامت قرينة الرضا.
وذكر أبو موسى المدينيّ في ((ذيل الغريبين)) عن عائشة، وجابر استقباح
القِران لِمَا فيه من الشَّرَه والطمع المُزري بصاحبه، وقال مالك: ليس بجميل أن
يأكل أكثر من رفقته. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما تقدّم عن النوويّ من التفصيل هو
الأرجح؛ لوضوح حجته، وحاصله: أنه إن كان الطعام مشتركاً بينهم، فالقران
حرام، إلا برضاهم، ويحصل بتصريحهم، أو بما يقوم مقامه من قرينة حال إلى
آخر كلامه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: في معنى التمر: الرطب، وكذا الزبيب، والعنب، ونحوهما؛
لوضوح العلة الجامعة، قال القرطبيّ: حَمَل أهل الظاهر هذا النهي على
التحريم، وهو سهوٌ منهم، وجهلٌ بمساق الحديث، وبالمعنى، وحَمَله الجمهور
(١) ((الفتح)) ٣٧١/١٢ - ٣٧٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٩٨).

٣٣٧
(١٣) - بابُ نَهْىٍ الآكِلِ مَعَ جَمَاعَةٍ عَنْ قِرَانٍ تَمْرَتَيْنِ وَنَحْوِ هِمَا، ... إلخ - حديث رقم (٥٣٢٣)
على حال المشاركة في الأكل، والاجتماع عليه، بدليل فهم ابن عمر راويه،
وهو أفهم للمقال، وأقعد بالحال.
قال الجامع عفا الله عنه: قول القرطبيّ: ((سهو، وجهل)) مما لا ينبغي أن
يصدر من مثله؛ لأن الظاهريّة ما ذهبوا إلى التحريم إلا لظاهر النهي، وهو
يتقضي التحريم إلا لصارف، فهل عند القرطبيّ نصّ صارف عن التحريم؟،
كلّا، وبالجملة: إن القول بالتحريم على التفصيل السابق هو الحقّ، فتبصّر،
ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه آخر]: اختلف العلماء فيمن یوضع الطعام بين يديه: متى يملكه؟
فقيل: بالوضع، وقيل: بالرفع إلى فيه، وقيل غير ذلك، فعلى الأول فمُلكهم
فيه سواءٌ، فلا يجوز أن يَقْرُن إلا بإذن الباقين، وعلى الثاني يجوز أن يقرُن،
لكن التفصيل الذي تقدم هو الذي تقتضيه القواعد الفقهية، نَعَم ما يوضع بين
يدي الضِّيفان، وكذلك النِّار في الأعراس سبيله في العُرف سبيل المكارمة، لا
التشاح؛ لاختلاف الناس في مقدار الأكل، وفي الاحتياج إلى التناول من
الشيء، ولو حُمل الأمر على تساوي السُّهْمان بينهم لضاق الأمر على الواضع،
والموضوع له، وَلَمَا ساغ لمن لا يكفيه اليسير أن يتناول أكثر من نصيب من
يشبعه اليسير، ولَمّا لم يتشاح الناس في ذلك، وجرى عملهم على المسامحة
فيه عُرف أن الأمر في ذلك ليس على الإطلاق في كل حالة، قاله في
(الفتح))(١)، وهو بحث جيّد، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٢٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ،
وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا قَوْلُ شُعْبَةَ، وَلَا قَوْلُهُ: وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ جَهْدٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العَنْبريّ البصريّ، تقدّم قريباً.
(١) ((الفتح)) ٣٧٣/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٩٨).

٣٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) تقدّم قبل باب.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) تقدّم قريباً .
و((شعبة)) ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) الضمير لمعاذ بن معاذ، وعبد الرحمن بن
مهديّ.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة هذه ساقها الخطيب البغداديّ في
(الفصل للوصل المدرج))، فقال:
أخبرنا ابن غالب، قال: قرىء على أبي بكر الإسماعيليّ، وأنا أسمع:
أخبركم يحيى بن محمد بن البختريّ، نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة،
عن جَبَلة بن سُحيم قال: كنا بالمدينة في بعث أهل العراق، فأصابتنا سَنَة،
وكان ابن الزبير يرزقنا التمر، فكان ابن عمر يمرّ بنا، فيقول: لا تقارنوا، ((فإن
رسول الله وَ﴿ نَهَى عن القران، إلا أن يستأذن الرجل أخاه)). انتهى(١).
وأما رواية عبد الرحمن بن مهديّ عن شعبة، فلم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٢٤] ( .. ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْم، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ بَقُولُ:
نَھَى رَسُولُ اللهِ وَهِ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ الثَّمْرَتَيْنِّ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((عبد الرحمن)) هو: ابن مهديّ.
وقوله: (نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ)؛ أي: يجمع، وهو بضم
الراء، وكسرها، لغتان(٢).
(١) ((الفصل للوصل المدرج)) ١/ ١٣٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢٩/١٣.

٣٣٩
(١٣) - بابُ نَّهْىٍ الآكِلِ مَعَ جَمَاعَةٍ عَنْ قِرَانٍ تَمْرَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، ... إلخ - حديث رقم (٥٣٢٤)
قال القرطبيّ كَّلُ: قد علل الجمهور النهي عن القران بعلتين:
إحداهما: أن ذلك يدلّ على كثرة الشَّرَه، والنَّهم، وبهذا علَّلته عائشة
حيث قالت: إنها نَذَالة(١) .
وثانيتهما: إيثار الإنسان نفسه بأكثر من حقّه على مشاركه، وحكمهم في
ذلك التساوي. انتهى(٢).
وقوله: (حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ) قال الخطابيّ: إن ذلك النهي إنما كان في
زمنهم؛ لِمَا كانوا عليه من الضيق والمواساة، فأمَّا اليوم فلا يحتاجون إلى
الاستثمار.
وتعقّبه القرطبيّ، فقال: وهذا فيه نظر، وذلك أن الطعام إذا قُدِّم إلى قوم
فقد تشاركوا فيه، وإذا كان كذلك، فليأكل كل واحد منهم على الوجه المعتاد،
على ما تقتضيه المروءة، والنَّصَفَة من غير أن يقصد اغتنام زيادة على الآخر،
فإنْ فعل، وكان الطعام شَرِكَةً بحُكم المُلك؛ فقد أخذ ما ليس له، وإن كان
إنما قدَّمه لهم غيرهم، فقد اختَلَف العلماء فيما يملكون منه، فإنَّ قلنا: إنهم
يملكونه بوضعه بين أيديهم؛ فكالأول، وإن قلنا: إنهم إنما يملك كل واحد
منهم ما رفع إلى فيه؛ فهذا سوء أدب، وشَرَه، ودناءة، فعلى الوجه الأول
يكون محرَّماً، وعلى الثاني مكروهاً؛ لأنَّه يناقض مكارم الأخلاق، والله تعالى
أعلم. انتهى(٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، والمسائل المتعلّقة به قبل
حديث، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) يقال: نَذُلَ بالضمّ نَذَالةٌ: سَقَطَ في دِيْن، أو حَسَب، فهو نَذْلٌ، ونذيل؛ أي:
خسيس. ((المصباح)) ٥٩٩/٢.
(٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣١٩/٥.
(٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣١٩/٥.

٣٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
(١٤) - (بَابٌ فِي ادِّخَارِ التَّمْرِ، وَنَحْوِهِ، مِنَ الأَقْوَاتِ لِلْمِيَالِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٢٥] (٢٠٤٦) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ الثَّمْرُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ، صاحب ((المسند))، تقدّم
قريباً .
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) البصريّ، نزيل تنِيس، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٨) (خ م د
ت س) تقدم في ((الحيض)) ٧٢٣/٧.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدينيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ،
ثقة ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤٠٧.
٦ - (عَائِشَةُ) بنت أبي بكر الصّدّيق ظّ، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح،
تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالمدنيين من سليمان، وفيه
رواية الابن عن أبيه، عن خالَتَيْه، ورواية الابن عن أبيه، وفيه عروة أحد
الفقهاء السبعة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
◌ُّا (أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ)))
(عَنْ عَائِشَةَ)
وفي الرواية التالية: ((يا عائشة بيتٌ لا تمر فيه جياعٌ أهله)) مرّتين أو ثلاثاً. ((قال